الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾ (١).
﴿.. منكم من يريد الدنيا .. ومنكم من يريد الآخرة﴾.
﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ (٢).
ففيهم المنافقون إخوان عبد الله بن أبي، وفيهم ضعاف الإيمان، وفيهم الذين عصوا الأمر وأرادوا الغنيمة.
النماذج الإيمانية الرائعة:
وحكمة الله تعالى بتمحيص الصف وتمييز المؤمن من المنافق، وقوي الإيمان من ضعيفه، أبرزت لنا نماذج إيمانية رائعة في قلب المحنة، ما كان لنا أن نشهدها لولا هذه الجولة الثانية، من هجوم المشركين.
١ - وعلى رأس هذه النماذج أسد الله وأسد رسوله (حمزة بن عبد المطلب) الذي كان كما وصفه قاتله (بالله إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه
стр. 457
ما يليق به شيئا مثل الجمل الأورق) (١).
٢ - وأنس بن النضر عم أنس بن مالك، وكما يقول أنس: (لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعون ضربة فما عرفته إلا أخته عرفته ببنانه) (٢) وفي رواة البخاري (وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم).
٣ - وأبو دجانة سماك بن خرشة ﵁ كما يقول ابن إسحاق عنه: (وترس دون رسول الله (ص) أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره، وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل) (٣).
٤ - وسعد بن أبي وقاص الذي يقول عن نفسه: (فلقد رأيته يناولني النبل وهو يقول: ((ارم فداك أبي وأمي)) حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول ((ارم به))) (٤).
٥ - وأم عمارة التي تتحدث عن نفسها قائلة: خرت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء (فانتهيت إلى رسول الله (ص) هو وأصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله (ص) فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي) قالت: (فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة أقمأه الله. لما ولى
стр. 458
الناس عن رسول الله (ص) أقبل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا. فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله (ص)، فضربني هذه الضربة، ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان) (١).
٦ - إضافة إلى بقية العشرة، طلحة والزبير، وعبد الرحمن وأبو عبيدة، وأبو بكر وعمر، وعلي بن أبي طالب، وسهل بن حنيف الذي شهد له رسول الله (ص) أنه أحسن القتال.
٧ - وقتادة بن النعمان الذي يقول عن نفسه: (كنت نصب وجه النبي (ص) يوم أحد أقي وجه رسول الله (ص) بوجهي، وكان أبو دجانة موقيا لظهر رسول الله (ص) بظهره، حتى امتلأ ظهره سهاما) (٢). وفي رواية (فكان آخرها سهما ندرت مته حدقتي بكفي، فسعيت بها إلى النبي (ص) في كفي، فلما رآها رسول الله (ص) في كفي دمعت عيناه،
فقال: اللهم إن قتادة قد أوجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه، وأحدهما نظرا. فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرا) (٣).
٨ - والأنصار التسعة الذين قتلوا بين يدي رسول الله (ص)، والسبعون الذين سقطوا شهداء والذين يقول قتادة عنهم: ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار.
стр. 459
القيادة النبوية العظيمة:
ويبرز بين يدينا إزاء هذه التضحيات الخالدة، القيادة النبوية العظيمة، التي استطاعت أن تحول الهزيمة المتوقعة إلى ثبات كثبات الرواسي، وحالت دون تقدم المشركين شبرا واحدا نحو المدينة، رغم أن قريشا وقادتها وضعوا كل ما يملكون من قوة، وتعاهد أربعة من صناديدها على قتل محمد (ص).
١ - فقد ابتدأ الهجوم المعاكس من المشركين من خلف المسلمين والهدف الرئيسي فيه شخص النبي (ص)، فلم يتزحزح ﵊ من موقعه، والفدائيون المسلمون يسقطون صرعى بين يديه.
٢ - ثم أحكم الهجوم، فأفرد ﵊ وحصر في قلب المشركين، وليس معه إلا أحد عشر من أصحابه تسعة منهم من الأنصار، وكان الهدف أن يخلص ﵊ من هذا الحصار، وعليه أن يصعد في الجبل، ليمضي إلى جيشه، وقتل الأنصار التسعة وهم يصدون الهجوم عنه.
٣ - وبقي طلحة ﵁ وحده، حيث قاتل قتال التسعة، وسقط جريحا بين يدي النبي (ص).
٤ - وحينئذ قدم سعد بن أبي وقاص حيث رأى رسول الله (ص) وحده، ويقاتل عنه رجلان يلبسان ثيابا بيضاء هما جبريل وميكائيل.
٥ - وما هي إلا لحظات حتى وصل أبو بكر وأبو عبيدة، وقام أبو عبيدة بنزع السهمين عن وجه النبي (ص) بأسنانه.
стр. 460
٦ - ثم توارد مجموعة من الأبطال المسلمين، حيث بلغوا قرابة الثلاثين يذودون عن رسول الله (ص) منهم قتادة، وثابت بن الدحداح، وسهل بن حنيف، وأبو دجانة، وأبو طلحة، وعمر ﵁، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير.
٧ - واستطاع بهذه المجموعة الفدائية أن يشق الصفوف، ويصل إلى جيشه المبعثر، حيث فر بعضه إلى المدينة، وأسقط في يد البعض الآخر ولا يدري ما يفعل، ونجم النفاق لدى المنافقين حتى يقولوا: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وذلك كله عقب إشاعة مقتل النبي (ص)، والذي أشاعه ابن قمئة، الذي قتل مصعب بن عمير وحسبه رسول الله.
وحين رأى كعب بن مالك ﵁ رسول الله (ص) وعيناه تزهران من تحت المغفر صرخ بأعلى صوته هذا رسول الله، فأشار له ﵊ أن اصمت.
واشتد الهجوم من جديد من المشركين، نتيجة هذا النداء، وازداد تجمع المسلمين من جهة ثانية، حول رسول الله (ص) يستميتون في الذود عنه.
وكانت الخطة الاحتياطية، أن لبس رسول الله (ص) ثياب الحرب لكعب بن مالك وأعطاه لأمته، وخلال لحظات قليلة توجهت الضربات لكعب حتى بلغت عشرين جراحة، وهم يحسبونه رسول الله (ص).
٨ - ثم كان الهجوم المضاد، حيث علت عالية الجبل وفيهم خالد بن الوليد، فقال رسول الله (ص): ((اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا)) فقاد عمر بن
стр. 461
الخطاب ﵁، ومجموعة من المهاجرين هذا الهجوم المضاد وأنزلوهم عن الجبل. وعاد المسلمون فسيطروا على الموقف من جديد.
٩ - وكانت المرحلة الأخيرة التي أراد أبو سفيان أن يثبت فيها انتصاره وهو يرى جثث الشهداء تنتشر في كل مكان، فكان الهدف الرئيسي عنده أن يتأكد من مقتل القيادة النبوية، فصرخ أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم ابن الخطاب؟
وحين لم يسمع جوابا هتف فرحا (إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا).
وهؤلاء الثلاثة هم الهدف الرئيسي حين عجز أبو سفيان عن اختراق الجيش للمدينة، غير أن عمر ﵁ لم يتمالك أن قال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك.
وكانت طعنة عنيفة في صدر أبي سفيان، فتجرعها غصصا، وراح يفخر بنصره الموهوم:
- أنعمت فعال، وإن الحرب سيحال، يوم بيوم، أعل هبل.
- الله أعلى وأجل لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.
- لنا العزى ولا عزى لكم.
- الله مولانا ولا مولى لكم.
ولا يزال في ذهن أبي سفيان حلم فنادى: هلم إلي يا عمر! فقال رسول الله (ص): ((ائته فانظر ما شأنه)) فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا،
стр. 462
وإنه ليسمع كلامك الآن. فقال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر.
١٠ - وكان حسبان العواقب في الخطة، أن بعث رسول الله (ص) في آثارهم سبعين رجلا كان فيهم أبو بكر والزبير. وفي رواية ابن هشام، كان على رأسهم علي بن أبي طالب، وحدد له الهدف قائلا: ((اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون. فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم) قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة) (١).
١١ - وكانت خاتمة المطاف في الخطة: خروج الرسول (ص) في أثر العدو ليرهبه. (فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشر ليلة مضت من شوال (٢) أذن مؤذن رسول الله (ص) في الناس يطلب العدو. فأذن مؤذنه، أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس .. وإنما خرج رسول الله (ص) مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم .. فخرج حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها الإثنين والثلاثاء والأربعاء - وقد مر به معبد بن أبي معبد الخزاعي (٣) ومعبد يومئذ
стр. 463
مشرك - وخرج حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله (ص) وأصحابه .. وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرفهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم. فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا. قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال: ويحك! ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصي الخيل، قال: فولله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم.
قال: فإني أنهاك عن ذلك .. فثنى ذلك أبو سفيان ومن كان معه) (١).
...
والوقوف مع القيادة النبوية درس عظيم للمسلمين في الأرض وللدعاة منهم خاصة .. فإننا كثيرا ما نبرر هزائمنا المتوالية، ونشبهها بيوم أحد، وهو خطأ فادح، إن الشهداء السبعين الذين قضوا نحبهم في أحد، ووراءهم الأعداد الضخمة من الجرحى، لم تمض هدرا أو عبثا، إنما سقطت وهي تذود عن القيادة وعن الدين، وعن الله ورسوله، وعظمة القيادة النبوية أنها استطاعت بهذا القدر القليل من الضحايا أن تصد الهجوم الشرس، وتفوت الهدف الرئيسي للمشركين في استئصال شأفة المسلمين، واستباحة بيضتهم، وأن تعيد أبا سفيان مع جيشه من المشركين، وقلوبهم واجفة أن يلحق بهم محمد بجيشه المتجمع في
стр. 464
حمراء الأسد، وعليه أن يرحل فزعا قبل أن يرى نواصي الخيل تطلع من المدينة .. ورحل.
آثار المعركة:
١ - من حيث موقف المسلمين في المدينة:
(ولما حصل لرسول الله (ص) وأصحابه ما حصل جعل عبد الله بن أبي بن سلول والمنافقون يشمتون ويسرون بما أصاب المسلمين، ويظهرون أقبح القول، فيقول ابن أبي لابنه عبد الله وهو جريح قد بات يكوي جراحه بالنار: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي. عصاني محمد وأطاع الولدان .. والله لكأني كنت أنظر إلى هذا. فقال ابنه: الذي صنع الله تعالى لرسوله وللمسلمين خير. وأظهر اليهود القول السيء، فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط.
أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه، وجعل المنافقون يخذلون عن رسول الله (ص) أصحابهم ويأمرونهم بالتفرق عنه ويقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل .. وسمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول الله (ص) ليستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من اليهود والمنافقين. فقال (ص):
((يا عمر إن الله تعالى مظهر دينه، ومعز نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم)) قال: فهؤلاء المنافقون؟ قال: ((أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟)) قال: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف فقد بان لنا أمرهم، وأبدى الله تعالى أضغانهم
стр. 465
عند هذه النكبة، فقال: ((إني نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يابن الخطاب: إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن))) (١).
قال ابن شهاب الزهري:
(لما قدم رسول الله (ص) المدينة كان عبد الله بن أبي بن سلول له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر شرفا له في نفسه وقومه، وكان شريفا فيهم. إذا جلس رسول الله (ص) يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام عبد الله فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله تعالى، وأعزكم به، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع بالناس قام يفعل ذلك كما كان يفعل. فأخذ المسلمون ثوبه من نواحيه، وقالوا له: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل. وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس ويقول: والله لكأنما قلت بجر أن قمت لأشد أمره. فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال له: ما مالك؟ ويلك. قال: قمت أشدد أمره فوثب رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني لكأنني قلت بجرا أن قمت أشد أمره. قال: ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله (ص). فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي) (٢). لقد سقطت الأقنعة عن المنافقين في المدينة، وانفضحوا بأعيانهم وأشخاصهم خاصة الذين انخذلوا
стр. 466
مع عبد الله بن أبي. وجاء القرآن الكريم فدمغهم بالخيانة، والتمالؤ مع الكفر، وقال عنهم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، ووصفهم بأنهم إخوان الذين كفروا. وكانت هذه التعرية مهمة جدا في التعامل معهم.
صحيح أن القتل الجسدي لم يقع، ولكن القتل المعنوي لهم قد وقع، ولم يكن أمامهم خيار إلا بالقبول في هذا الواقع الذليل المفضوح، أو حسن التوبة والإنابة والانضمام إلى الصف المسلم، وقال القرآن فيهم: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾ (١).
٢ - من حيث جرأة العرب على المؤمنين:
وامتدت آثار الغزوة خارج المدينة، فأصبحت القبائل المجاورة تطمع في النيل من المسلمين، وتتالت المحن على الصف المؤمن بعد أحد، وامتد ليل المحنة الطويل إلى غزوة الخندق، فكانت في هذه المرحلة الصعبة محنة سرية الرجيع واستشهاد أبطالها الأحد عشر، ومحنة بئر معونة واستشهاد سبعين من القراء خيرة أصحاب النبي (ص)، وجرت محاولات لغزو المدينة، ومحالات لاغتيال الرسول ﵊.
وأمام هذه المحن، كانت القيادة النبوية الساهرة، والصف المؤمن الفدائي، يفتت كل تلك المؤامرات وقامت الخطة النبوية بعملية الغزو لمواقع العدو قبل أن يتم تجمعه، وهو يعد العدة للانقضاض على المدينة، فقد كانت غزوة حمراء الأسد عقب أحد بيوم واحد، وغزوة ذات الرقاع
стр. 467
لغطفان في نجد، وفيها جرت محاولة اغتيال النبي (ص) وباءت بالفشل، وغزوة بدر الآخرة للموعد الذي ضربته قريش وانخذلت عنه فلم تحضر. مما رفع معنويات المسلمين في قلب أعدائهم، إلى أن كانت غزوة الخندق والتي مثلت المحاولة الأخيرة لإنهاء الوجود الإسلامي واجتثاثه من الأرض العربية.
﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ (١).
٣ - من حيث الموقف مع قريش:
لقد كان تأخر قريش في غزوها عامين بعد أحد، مرتبط بالخطة النبوية العظيمة التي تمت بعد أحد، ويكفينا أن القرآن الكريم وصف قريش بعد المعركة وقد ألقى الرعب في قلوبها بعد أحد، كما فسر ذلك ابن عباس ﵄ وابن جرير.
يقول : ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين﴾ (٢).
أخرج ابن جرير عن السدي قال: (لما انتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ
стр. 468
بعض الطريق، ثم أنهم ندموا فقالوا: بئسما صنعتم أنكم قتلتموهم حتى لم يبق إلا الشريد تركتموهم؟ ارجعوا فاستأصلوا، فقذف في قلوبهم الرعب فانهزموا ..) (١).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية: قال: قذف الله في قلب أبو سفيان الرعب فرجع إلى مكة. فقال النبي (ص): ((إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا، وقد رجع وقدف الله في قلوبهم الرعب)) (٢).
أما كيف قذف الله في قلبه الرعب، فيحدثنا ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم فيقول: (.. وقد مر به - أي رسول الله (ص) - معبد بن أبي معبد الخزاعي - وكان خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله (ص) بتهامة صفقهم معه (٣) - لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج ورسول الله بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله (ص) وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط
стр. 469
يتحرقون عليكم تحرقا، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط .. قال: ويحك، ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من الشعر. قال: فما قلت؟ قال: قلت:
كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل (١)
تردى بأسد كرام لا تنابلة (٢) ... عند اللقاء ولا ميل (٣) معازيل (٤)
فظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت (٥) البطحاء بالجيل
إني نذير لأهل البسل (٦) ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وحش قنابله (٧) ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل (٨)
لقد باءت إذن محاولات قريش مرتين بالفشل في محاولة الاستئصال:
стр. 470
الأولى: حين ووجهوا بثبات أشد من الجبال الرواسي من رسول الله (ص) والصفوة المختارة معه، والخطة العظيمة التي أعادت شتات الجيش الإسلامي، وحطمت هجوم العدو، واحتلت المواقع التي احتلتها من جديد.
الثانية: يوم حطم معبد بن أبي معبد هجومهم بما نقل عن التعبئة النبوية للانقضاض على المشركين، فعادوا يسرعون الخطا قبل أن تصل إليهم كتائب محمد وأصحابه من جديد.
وأمام هذا العجز، فقد انكبوا على القتلى يمثلون بهم في الفشل الأول، وتخلفوا عن الموعد الذي ضربوه في بدر في العام القابل بعد الفشل الثاني، وتأخروا سنتين كاملتين حتى أعدوا العدة، وتحالفوا مع اليهود وغطفان في المحاولة الأخيرة في الخندق.
كيف عالج القرآن أثر المحنة ؟!
عاد المسلمون مثخنين بالجراح إلى المدينة، بعضهم قرير العين بما أبلى مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وبعضم يتجرع غصص الندامة لتخليه عن رسول الله (ص) أو لفراره من المعركة، وبعضهم يحمل في قلبه فرحا لما نزل بالمسلمين بأحد وشماتة بهم، وأسلموا سبعين شهيدا على ثرى أحد، والنفوس تجوس بالخواطر، وتغلي بالمشاعر، والجراح التي نزلت بالكثيرين منهم لا يزالون يئنون منها، وقسم منهم يخشى من المفاجآت وأن تعود قريش من جديد لتستأصل بقيتهم.
стр. 471
في هذه المراجل المتقدة والمتنوعة نزلت آيات القرآن تترى، لتكشف كل هذه النفوس بما يجيش بها من مشاعر، وما يتفاعل فيها من أحاسيس، ولتقدم التقييم للمواقف، والتحديد للوقائع:
١ - فالصف المؤمن يواسى بجراحه ويسمى بمعنوياته: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ (١).
٢ - وما أصابه فهو مسؤول عنه، لكنه ضمن التقدير الرباني في التمييز والكشف بين المؤمنين والمنافقين ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا ..﴾ (٢).
﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ..﴾ (٣).
٣ - كما يثني على ثباتهم وصبرهم على ما نزل بهم من قرح، وما حاول العدو بهم من كيد ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح
стр. 472
للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذي قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾ (١).
٤ - كما أثنى على الذين أبلوا أعظم البلاء بجوار نبيهم المصطفى ﵊ وسكب في قلوبهم الأمن ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ..﴾ (٢).
٥ - ورفع الشهداء إلى أعلى المقامات في عليين بحيث يغبطهم إخوانهم الأحياء على ذلك ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ (٣).
٦ - بينما نجد فضيحة المنافقين تعريتهم قد أسقطت المنافقين من حساب المؤمنين وعرتهم، وضمتهم إلى الكافرين. ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالو لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت
стр. 473
والله بما يعملون بصير﴾ (١)
﴿وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ (٢).
٧ - وتأتي هذه النصوص جميعا لتثبيت المعايير الإيمانية في مفهوم القدر، ومفهوم الحياة والموت، ومفهوم النصر والهزيمة، ومفهوم الربح والخسارة، ومفهوم الإيمان والنفاق، ومفهوم المحنة والمحق، لتعيد الصياغة الجديدة لهذه المجموعة على هدى القرآن ونوره فتغدو العصبة الربانية المختارة من جديد، وتصنع على عين الله، ويكونوا الربانيين المختارين الذين يريدهم لتحقيق موعوده في الأرض.
...
стр. 474
الفصل الرابع والعشرون
غزوة الخندق
أسباب الغزوة:
(أ) وسببها أن النبي (ص) لما أجل بني النضير، وساروا إلى خيبر وبها من يهود قوم أهل عدد وجلد، وليس لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير. فخرج نفر من اليهود (منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير، ونفر بن وائل. وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله (ص)، خرجوا حتى قدمو على قريش مكة فدعوهم إلى حرب رسول الله (ص) وقال: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد. أفديننا خير من دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿.. وكفى يجهنم سعيرا﴾ (١).
стр. 475
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله (ص) فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله (ص)، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه) (١).
(ب) ثم إن قريشا تجهزت، وسيرت تدعو العرب إلى نصرها، وألبوا أحابيشهم ومن تبعهم، وخرجوا في أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة - وأسلم بعد ذلك - وقادوا ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير.
ولاقتهم بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس.
وخرجت بنو أسد بن خزيمة وقائدها طلحة بن خويلد الأسدي (وأسلم بعد ذلك).
وخرجت بنو فزارة وأوعبت وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن (وأسلم بعد ذلك).
وخرجت أشجع وقائدها مسعود بن رخيلة (وأسلم بعد ذلك) وهم أربعمائة.
стр. 476
وخرجت بنو مرة في أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف المري (وأسلم بعد ذلك) (١).
وكان القوم الذي وافوا الخندق من قريش وأسد وسليم وغطفان عشرة آلاف، وعناج الأمر إلى أبي سفيان.
(ج) وأما ما كان من أمر رسول الله (ص) فإن خزاعة عندما تهيأت قريش للخروج أتى ركبهم رسول الله (ص) في أربع ليال حتى أخبروه، فندب الناس، وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم في أمرهم، أيبرز من المدينة أم يكون فيها، ويحاربهم عليها وفي طرقها؟ فأشار سلمان ﵁ بالخندق، وقال: يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا، فأعجبهم ذلك، وأحبوا الثبات في المدينة، وأمرهم رسول الله بالجد ووعدهم النصر، إذا هم صبروا واتقوا، وأمرهم بالطاعة، ولم تكن العرب تخندق عليها.
وركب فرسا له ومعه عدة من المهاجرين والأنصار ﵃، فارتاد موضعا ينزله، فكان أعجب المنانل إليه أن يجعل سلعا الجبل خلف ظهره. ويخندق من المزاد إلى ذباب إلى رابخ فعمل يومئذ في الخندق، وندب الناس، وخبرهم بدنو عدوهم، وعسكرهم إلى سفح سلع، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم العدو إليهم،
واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرازين ومكاتل للحفر،
стр. 477
ووكل رسول الله (ص) بكل جانب من الخندق قوما يحفرونه فكان المهاجرون يحفرون من ناحية رابخ إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل أبي عبيدة) (١).
(د) ووقع في أيام الخندق معجزات باهرة من علامات نبوته (ص) كحديث الكدية (٢)، وهي قطع الجبل التي اعترضت لهم في حفر الخندق. فلم يعمل فيها المعاول وأعيت فيها الحيل، فأخذ رسول الله (ص) المعول وسمى الله وضربها فانهالت كالكثيب (٣). وكحديث أبي طلحة حيث بعث إنسانا بأقراص من شعير تحت إبطه، ففتها رسول الله (ص) وأطعم منها ثمانين. وكحديث جابر حث دعا النبي (ص) خامس خمسة على صاع من شعير وعناق (٤) ذبحها لهم. كما رأى النبي (ص) قد ربط حجرا على بطنه من الجوع. فبصق رسول الله (ص) في البرمة (٥) وفي العجين (ونادى يا أهل الخندق) وكانوا ألفا، على ما بهم من الجوع، فأشبعهم جميعا خبزا وثريدا ولحما. قال جابر: فأقسم بالله ولقد انصرفوا وإن برمتنا لتغط (٦) كما هي. وإن عجينتنا لتخبز (٧). وكقوله (ص) لما
стр. 478
انصرفت الأحزاب: ((لن تغزونا قريش بعدها بل نغزوهم ولا يغزونا)) (١) فكان كما قال وكانت تلك الشدة خاتمة الشدائد) (٢).
أحداث الغزوة:
١ - (ثم كانت وقعة الأحزاب بعد وقعة أحد بسنتين، وذلك يوم الخندق، ورسول الله (ص) جانب المدينة، ورأس المشركين يومئذ أبو سفيان. فحاصر رسول الله (ص) وأصحابه بضع عشرة ليلة، حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب. وحتى قال النبي (ص) - كما أخبرني ابن المسيب -: ((اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشأ أن لا تعبد)).
فبينا هم على ذلك أرسل النبي (ص) إلى عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وهو يومئذ رأس المشركين من غطفان، وهو مع أبي سفيان: ((أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار، أترجع بمن معك من غطفان، وتخذل بين الأحزاب؟)) فأرسل إليه عيينة: إن جعلت لي الشطر فعلت. فأرسل إلى سعد بن معاذ وهو سيد الأوس، وإلى سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج: فقال لهما: ((إن عيينة بن حصن قد سألني نصف ثمركما، على أن ينصرف بمن معه من غطفان، ويخذل بين الأحزاب وإني قد أعطيته الثلث، فأبى إلا الشطر، فماذا تريان؟))
стр. 479
قالا: يا رسول الله إن كنت أمرت بشيء فامض لأمر الله. فقال رسول الله (ص): ((لو كنت أمرت بشيء لم أستأمركما، لكن هذا رأيي أعرضه عليكما)) قالا: فإنا لا نرى أن نعطيه إلا السيف. قال: ((فنعم إذن)).
قال معمر: فأخبرني ابن أبي نجيح أنهما قالا له: والله يا رسول الله! لقد كان (هذا في الجاهلية ليمر بجر سربه ما يطمع منه في بسرة) أفالآن حين جاء الله بالإسلام نعطيهم؟ قال النبي (ص): ((فنعم إذن)).
قال الزهري في حديثه عن ابن المسيب: فينا هم كذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان، كان موادعا لهما فقال: إني كنت عند عيينة وأبي سفيان إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا فإنا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم، قال النبي (ص): ((فلعلنا أمرناهم بذلك)) وكان نعيم رجلا لا يكتم الحديث، فقام بكلمة النبي (ص) فجاءه عمر. فقال: يا رسول الله، إن كان هذا الأمر من الله فأمضه، وإن كان رأيا منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال. فقال النبي (ص): ((على الرجل ردوه)) فردوه، فقال: ((انظر الذي ذكرنا لك، فلا تذكره لأحد)) فإنما أغراه، فانطلق حتى أتى عيينة وأبا سفيان، فقال: هل سمعتم من محمد يقول قولا إلا كان حقا؟ قالا: لا. قال: فإني لما ذكرت له شأن قريظة، قال: ((فلعلنا أمرناهم بذلك)) قال أبو سفيان: سنعلم إن كان ذلك فأرسل إلى بني قريظة أنكم قد أمرتمونا أن
стр. 480
نثبت. وأنكم ستخالفون المسلمين إلى بيضتهم، فأعطونا بذلك رهينة. فقالوا: إنها قد دخلت علينا ليلة السبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئا، فقال أبو سفيان: إنكم في مكر من بني قريظة فارتحلوا. وأرسل الله عليهم الريح، وقذف في قلوبهم الرعب، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أرسان خيولهم، وانطلقوا منهزمين من غير قتال.
قال: فذلك حين يقول: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾) (١).
٢ - ثم إن نعيم بن مسعود .. أتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله (ص): ((إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة)) فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساوكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن رأوا نهزة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم. فلا تقاتلوا مع
стр. 481
القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتمو عني. فقالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت. ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عني، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله (ص) أن أرسل أبا سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة .. فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطوا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى
стр. 482
نناجز محمدا. فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا .. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق .. فأبوا عليهم وخذل الله بينهم) (١).
٣ - عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: (ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله (ص) فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحا منها، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون النبي (ص) ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة. فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسللون. ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله (ص) رجلا رجلا حتى أتى علي، وما علي جنة (٢) من العدو ولا من البرد، إلا مرط
стр. 483
لامرأتي ما يجاوز ركبتي قال: فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة. فقال: حذيقة! فتقاصرت للأرض فقلت: بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم. فقمت فقال: ((إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم)) قال: وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا قال: فخرجت فقال رسول الله (ص): ((اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته)) قال: فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي. فما أجد فيه شيئا. قال: فلما وليت قال: ((يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني)) قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقوم بيديه على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل. ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله (ص) ((لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني) فأمسكت، ورددت سهمي إلى كنانتي.
ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم. وإذ الريح في عسكرهم وما تجاوز عسكرهم شبرا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضرب بها. ثم إني خرجت نحو رسول الله (ص)، فلما انتصفت بي الطريق أو نحو من ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله قد كفاه. قال: فرجعت إلى رسول الله (ص) وهو مشتمل في شملة
стр. 484
يصلي، فولله ما عدا أن رجعت، راجعني القر وجعلت أقرقف (١).
فأومأ إلي رسول الله (ص) بيده وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل علي شملته، وكان رسول الله (ص) إذا حزبه أمر صلى. فأخبرته خبر القوم، أخبرته أني تركتهم يرحلون. قال: وأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا﴾ يعني الآيات كلها إلى قوله ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ (٢) أي صرف الله عنهم عدوهم بالريح التي أرسلها إليهم) (٣).
٤ - وعن ابن عباس قال: احتفر رسول الله (ص) الخندق، وأصحابه قد شدو الحجارة على بطونهم من الجوع .. ثم مشوا إلى الخندق فقال: ((اذهبوا بنا إلى سلمان)) وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، النبي (ص) لأصحابه: ((دعوني فأكون أول من ضربها)) فقال: ((بسم الله)) فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: ((الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة)) ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة. فقال: ((الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة)) فقال عندها المنافقون: نحن بخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم) (٤).
стр. 485
٥ - (عن جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. قال النبي (ص): (والله ما صليتها) فنزلنا مع النبي (ص) بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب) (١).
٦ - وعن جابر بن عبد الله (أن النبي (ص) شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأمر بلالا فأذن فأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأذن فأقام فصلى العصر، ثم أمره فأذن فأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأذن فأقام فصلى العشاء. ثم قال: ((ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم))) (٢).
٧ - (قالت أم سلمة ﵂: شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف - المريسيع وخيبر، وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين - لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله (ص) ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة (٣)، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري فالمدينة تحرس حتى الصباح، نسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا خوفا، حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا. وقال محمد بن مسلمة
стр. 486
وغيره: كان ليلنا بالخندق نهارا وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، ويغدو هبيرة بن أبي وهب يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، ويغدو ضرار بن الخطاب يوما حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفا شديدا، وكان معهم رماة يقدمونهم إذا غدوا متقرقين، أو مجتمعين بين أيديهم وهم حبان بن العرقة وأبو أسامة الجشمي في آخرين. فتناوشوا بالنبل ساعة، وهم جميعا في وجه واحد، وجاه قبة رسول الله (ص). ورسول الله قائم بسلاحه على فرسه، فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله (١). وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال رسول الله (ص): ((عرق الله وجهه في النار)) ثم أجمع رؤساء المشركين أن يغدو جميعا، وجاؤوا يريدون مضيقا يقحمون خيلهم إلى النبي (ص) حتى أتوا مكانا ضيقا أغفله المسلمون، فلم تدخله خيولهم، وعبره عكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد الله المخزومي وضرار بن الخطاب الفهري، وهبيرة بن أبي وهب، وعمرو بن عبد، وقام سائرهم وراء الخندق. فدعا عمرو بن عبد إلى البراز - وكان قد بلغ تسعين سنة، وحرم الدهن حتى يثأر بمحمد وأصحابه - فأعطى رسول الله (ص) عليا ﵁ سيفه وعممه (٢) وقال: ((اللهم أعنه عليهم)) فخرج له وهو راجل وعمر فارسا، فسخر به عمرو، ودنا منه علي، فلم يكن بأسرع من أن قتله علي، فولى أصحابه الأدبار.
стр. 487
وسقط نوفل بن عبد الله عن فرسه في الخندق، فرمي بالحجارة حتى قتل، ومر عمر بن الخطاب والزبير في إثر القوم، فناوشوهم ساعة، وسقطت درع هبيرة بن أبي وهب، فأخذها الزبير ﵁.
ثم وافى المشركون سحرا وعبأ رسول الله أصحابه، فقاتلوا يومهم إلى هوي من الليل وما يقدر رسول الله ولا أحد من المسلمين أن يزولوا عن موضعهم، وما قدر (ص) على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فجعل أصحابه يقولون: ما صليا، فيقول: ((ولا أنا والله ما صليت)) حتى كشف الله المشركين، ورجع كل من الفريقين إلى منزله. وقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق، فكرت خيل المشركين يطلبون غرة - وعليها خالد بن الوليد - فناوشهم ساعة فزرق (١) وحشي الطفيل بن النعمان الأنصاري بمزراقه، فقتله كما قتل حمزة ﵁ بأحد) (٢).
...
١ - لقد كانت عودة قريش من أحد - رغم النصر الظاهري الذي حققته - تحمل مرارة الخيبة في عجزها عن استئصال شأفة المسلمين في يثرب، ولذلك استجابت لدعوة زعماء بني النضير لغزو محمد (ص) من جديد، واستجابت غطفان وهي نصف الناس. ومن أجل ذلك سميت الغزوة الأحزاب، والقرآن أطلق عليهم هذه التسمية ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما
стр. 488
زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾.
لقد تمالأ العرب واليهود في الجزيرة، وقاد أبو سفيان أضخم جيش شهدته جزيرة العرب الذي كان عشرة أضعاف جيش بدر، وقرابة أربعة أضعاف جيش أحد، إضافة إلى العدو الداخلي يهود بني قريظة الذين نقضوا العهد، وانضموا إلى الأحزاب.
لقد جاء الكفرة جملة واحدة، وكما وصفهم ﵊: ((لقد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب)).
وإذن فلا بد أن يقر في حس الدعاة إلى الله أن الكفر كله قد يلتقي في مرحلة من المراحل على إبادة الإسلام والمسلمين، ويتناسى خلافاته، ويتناسى ما يسمى باستراجيته فالمصلحة فوق المبدأ، واليهود الذين شهدوا لقريش أن دينها خير من دين محمد (ص)، وهو نقض لكل الأسس التي قام عليها وجودهم من ربانية الدعوة والرسالة.
وعلى الجماعة المسلمة أن تكون دائما على غاية الحذر من هذه المخططات، لتدرك كيف تواجهها في اللحظة المناسبة، ولا تستسلم خائفة يائسة.
٢ - والخطة أن يطور المسلمون أساليبهم في مواجهة عدوهم، بحيث تكون مكافئة لها بل سابقة عليها. هي قضية خطيرة يجب أن يعيها المسلمون تمام الوعي، والاستفادة من الخبرات، والطاقات الكامنة هي السبيل المناسب لذلك.
стр. 489
لقد كان حضور سلمان الفارسي ﵁ غزوة الخندق أول حضور عسكري له مع النبي (ص)، وكان حضوره في الوقت المناسب حيث عاش المشكلة الضخمة التي تواجه المسلمين، وقدم خبرته بهذا الصدد، فيما كان يفعله الفرس إذا دهموا من عدو. ولم يكن سلمان ﵁ من قادة المسلمين الكبار من المهاجرين والأنصار، وكان قبل قليل مولى لرجل من يهود، لكن الخبرة تؤخذ من مظانها، فالفرس أمة عريقة في القتال والحرب والمواجهة، فلا بد أن يستفيد المسلمون من هذه الطاقات والخبرات.
واستفاد النبي (ص) من هذه الخبرة فطورها إلى أعلى مستوياتها، لقد راد المدينة مع القيادات حوله، واختار الموقع المناسب، وتمت مباشرة تهيئة الوسائل الناقصة من حلفائهم بني قريظة وتم توزيع المهمات على المهاجرين والأنصار، وتحددت الجزئيات كلها، حتى في عمق الحفر ومسافته. وابتدأ التنفيذ على الفور. وهذه هي الإيجابية الفذة في التعامل مع الطاقات والخبرات. وشهد العدو مباشرة بالكفاءة الإسلامية، وبالتفوق النوعي للمسلمين. وقالوا: إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها.
وأحبطت هذه الخطة عتاوة الهجوم الشرس على المسلمين من العدو اللدود.
٣ - وحين تبذل الطاقة البشرية كلها جهدا، ومالا وقوة في الدفاع والذود عن الدين، ثم تنقص الوسائل، فالله تعالى هو الذي يرعى جنده وأحبابه.
стр. 490
والمعجزات التي ظهرت للنبي (ص) في حفر الخندق، لتؤكد أن الله تعالى هو الذي يهزم العدو وينصر حزبه.
((لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر جنده، وهزم الأحزاب وحده)) فهو الذي أطعم الجيش الجائع كله، حين لم يجد الطعام والقوت الذي يعينه في حالة السلم فكيف في حالة الحرب، والمطلوب من المسلمين أن يحفروا هذا الخفدق بأقصر وقت، والرسول ﵊ هو الذي فتت الصخرة - معجزة منه سبحانه -حين عجز المسلمون جميعا عن ذلك، وهو ﵊ الذي أضاءت له قصور الشام وفادس والروم .. وبشرهم بفتحها، وهم بين براثن العدو يوشك أن يستأصلهم من جذورهم.
إن الله تعالى يطعم جنده ويسقيهم يوم لا يجدون طعاما، إلا عناقا وعدة أرغفة. وهو الذي يبعث الريح والجنود من عنده الذين لا يراهم المؤمنون، ويهزم عدوه وعدوهم بها ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ (١).
وإن الانتقال من هذا الكرب والخوف وإطباق أهل الأرض على المؤمنين إلى أفق ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى
стр. 491
الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ (١). إن هذا الانتقال، ليجلي تمامأ الإرادة الربانية حين تريد بالمؤمنين النصر رغم كل القوى العاتية في الأرض ولو بدون قتال.
٤ - الخوف يقع وقد ينال كل النوعيات والمستويات الإيمانية، لكن الموقف الناتج عن الخوف يختلف من إنسان لآخر، وهنا موضع القدوة والأسوة.
فالمؤمنون في الخندق خافوا، وبلغت القلوب الحناجر، وزاغت الأبصار، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. فالمؤمنون الصادقون الصديقون رغم ما وقع بهم من الخوف والفزع قال الله تعالى عنهم: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾ (٢).
أما المنافقون الذين أصابهم الخوف، واقتلع قلوبهم الرعب، فقال الله تعالى عنهم: ﴿وإذ يقول المنافوق والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ (٣).
стр. 492
فلقد زاد الخوف المؤمنين إيمانا وتسليما، وزاغت عقيدة المنافقين قبل أن يزوغ بصرهم وقالوا: (إن محمدا يعدنا بكنوز كسرى وقيصر، ولا يأمن أحدنا أن يخرج إلى حاجته، أو لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط) (١).
ومثل هذه القوة وهذا الثبات رغم الهول والفزع موقف سعد بن معاذ من مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة (قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم) (٢).
٥ - وكان رسول الله (ص) هو القمة التي لا يرقى إليها أحد في الثقة بالله، والثبات أمام العدو، فعندما بلغ النبي (ص) صحة نقض قريظة للعهد قال: ((الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين)).
وفي قلب هذه المحنة، وشدة هذا الهول، قال ﵊: ((إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق، وآخذ المفتاح، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن أموالهم في سبيل الله)) (٣).
стр. 493
ولا شك أن القائد الواثق بنفسه، الواثق بنصر الله له، الذي يتمالك ويتماسك أمام الهول، هو الذي يستحق القيادة بجدار أسوة برسول الله (ص)، وقد يغفر التزعزع والرعب للفرد العادي، أما القائد الفذ فهو الذي يستطيع أن يرفع معنويات جنوده من الحضيض، ويقارع بهم العدو، أما أن يكون الوهن والعجز لدى القائد، فعل جماعته العفاء.
٦ - حيث أن المعركة معركة عقيدة، فلا بد من اللجوء إلى الله تعالى وحده أن يكشف الغم، ويزيل الكرب، واللجوء إلى الله تعالى والتذلل له، وطلب النصر منه وحده، هو أمر غير أمر الزلزلة أو التراجع. ولا بد أن يميز في حس المسلم بين هذين الجانبين.
فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله (ص) يوم الأحزاب فقال: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب .. اللهم اهزمهم وزلزلهم)) (١).
وحرص الرسول ﵊ أن يؤكد لصحبه، ثم للمسلمين في الأرض، أن هذه الأحزاب التي تجاوزت عشرة آلاف مقاتل، لم تهزم بالقتال من المسلمين - رغم تضحياتهم - ولم تهزم بعبقرية المواجهة، إنما هزمت بالله وحده، بالمسلم الذي أسلم في قلب المعركة، واندفع يخذل العدو، وبالريح التي قلبت قدورهم واقتلعت
стр. 494
خيامهم؛ ﴿فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا﴾ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله (ص) كان يقول: ((لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده)) (٢).
عن جابر ﵁ قال:
(دعا رسول الله (ص) على الأحزاب في مسجد الأحزاب يوم الإثنين، يوم الثلاثاء يوم الأربعاء. فاستجيب له بين الظهر والعصر يوم الأربعاء. قال: فعرفنا السرور في وجهه. وقال جابر: فما نزل بي أمر غائظ مهم إلا تحينت تلك الساعة من ذلك اليوم فأدعو الله، فأعرف الإجابة) (٣).
٧ - ودعاء رسول الله (ص) ربه، واعتماده عليه وحده، لا يتناقض أبدا مع التماس الأسباب البشرية للنصر، فقد بذل ﵊ جهده لتفريق القوم وفك الحصار. واختار أضعف النقاط وهي غطفان، فليس بين غطفان ورسول الله (ص) حرب مباشرة مع أنها تمثل نصف الجيش، وإنما حركها لذلك الرغبة في الغنيمة أكثر من أي شيء آخر، فإذا
стр. 495
عولجت بالعلاج نفسه، ورأت مصلحتها في ترك حرب رسول الله (ص) فعلت. وقد وقع ذلك، لولا طمع عيينة بن حصن في نصف ثمار المدينة، على بعض الروايات، أو رفض السعدين المصالحة التي لم تبرم بعد، وأرجئت على موافقة السعدين، هو الذي حال دون ذلك، لحكمة أكبر ولله الحمد.
وتوجيه رسول الله (ص) لنعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ أن يمضي في تخذيل القوم والإذن له بالخديعة في الحرب كما في روية ابن إسحاق، إنما هي جهد بشري بشري تكلف القيادة به في محاولة لإنقاذ الموقف وتفتيت صف العدو.
٨ - والتضحيات العظيمة التي قدمها المسلمون في حراستهم للخندق، وحراستهم لرسول الله (ص)، وصد الهجوم المتفرق، والهجوم المطبق الذي شنه عليهم المشركون من أبطال المشركين لهو دليل حي على يقظة المسلمين وقيادتهم، حتى ليستمر القتال ذات يوم من السحر إلى هوي من الليل في اليوم الثاني، ويفوت المسلمون الصلوات الأربع ويقضونها لعجزهم عن التوقف لحظة واحدة أثناء الاشتباك المباشر للقتال.
ومواجهة علي بن أبي طالب ﵁ هو في ريعان شبابه لبطل قريش عمرو بن عبدود، وشدة شكيمته في قتاله حتى قتله، لتؤكد قدرة المسلمين في اللحظات الحاسمة على مواجهة الصعاب مهما كانت ومقاومة التحديات مهما ادلهمت، فبذل الروح والنفس هو أهون ما يملكه المسلم.