الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ (١). إن هذا الانتقال، ليجلي تمامأ الإرادة الربانية حين تريد بالمؤمنين النصر رغم كل القوى العاتية في الأرض ولو بدون قتال.
٤ - الخوف يقع وقد ينال كل النوعيات والمستويات الإيمانية، لكن الموقف الناتج عن الخوف يختلف من إنسان لآخر، وهنا موضع القدوة والأسوة.
فالمؤمنون في الخندق خافوا، وبلغت القلوب الحناجر، وزاغت الأبصار، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. فالمؤمنون الصادقون الصديقون رغم ما وقع بهم من الخوف والفزع قال الله تعالى عنهم: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾ (٢).
أما المنافقون الذين أصابهم الخوف، واقتلع قلوبهم الرعب، فقال الله تعالى عنهم: ﴿وإذ يقول المنافوق والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ (٣).
стр. 492
فلقد زاد الخوف المؤمنين إيمانا وتسليما، وزاغت عقيدة المنافقين قبل أن يزوغ بصرهم وقالوا: (إن محمدا يعدنا بكنوز كسرى وقيصر، ولا يأمن أحدنا أن يخرج إلى حاجته، أو لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط) (١).
ومثل هذه القوة وهذا الثبات رغم الهول والفزع موقف سعد بن معاذ من مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة (قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم) (٢).
٥ - وكان رسول الله (ص) هو القمة التي لا يرقى إليها أحد في الثقة بالله، والثبات أمام العدو، فعندما بلغ النبي (ص) صحة نقض قريظة للعهد قال: ((الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين)).
وفي قلب هذه المحنة، وشدة هذا الهول، قال ﵊: ((إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق، وآخذ المفتاح، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن أموالهم في سبيل الله)) (٣).
стр. 493
ولا شك أن القائد الواثق بنفسه، الواثق بنصر الله له، الذي يتمالك ويتماسك أمام الهول، هو الذي يستحق القيادة بجدار أسوة برسول الله (ص)، وقد يغفر التزعزع والرعب للفرد العادي، أما القائد الفذ فهو الذي يستطيع أن يرفع معنويات جنوده من الحضيض، ويقارع بهم العدو، أما أن يكون الوهن والعجز لدى القائد، فعل جماعته العفاء.
٦ - حيث أن المعركة معركة عقيدة، فلا بد من اللجوء إلى الله تعالى وحده أن يكشف الغم، ويزيل الكرب، واللجوء إلى الله تعالى والتذلل له، وطلب النصر منه وحده، هو أمر غير أمر الزلزلة أو التراجع. ولا بد أن يميز في حس المسلم بين هذين الجانبين.
فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله (ص) يوم الأحزاب فقال: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب .. اللهم اهزمهم وزلزلهم)) (١).
وحرص الرسول ﵊ أن يؤكد لصحبه، ثم للمسلمين في الأرض، أن هذه الأحزاب التي تجاوزت عشرة آلاف مقاتل، لم تهزم بالقتال من المسلمين - رغم تضحياتهم - ولم تهزم بعبقرية المواجهة، إنما هزمت بالله وحده، بالمسلم الذي أسلم في قلب المعركة، واندفع يخذل العدو، وبالريح التي قلبت قدورهم واقتلعت
стр. 494
خيامهم؛ ﴿فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا﴾ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله (ص) كان يقول: ((لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده)) (٢).
عن جابر ﵁ قال:
(دعا رسول الله (ص) على الأحزاب في مسجد الأحزاب يوم الإثنين، يوم الثلاثاء يوم الأربعاء. فاستجيب له بين الظهر والعصر يوم الأربعاء. قال: فعرفنا السرور في وجهه. وقال جابر: فما نزل بي أمر غائظ مهم إلا تحينت تلك الساعة من ذلك اليوم فأدعو الله، فأعرف الإجابة) (٣).
٧ - ودعاء رسول الله (ص) ربه، واعتماده عليه وحده، لا يتناقض أبدا مع التماس الأسباب البشرية للنصر، فقد بذل ﵊ جهده لتفريق القوم وفك الحصار. واختار أضعف النقاط وهي غطفان، فليس بين غطفان ورسول الله (ص) حرب مباشرة مع أنها تمثل نصف الجيش، وإنما حركها لذلك الرغبة في الغنيمة أكثر من أي شيء آخر، فإذا
стр. 495
عولجت بالعلاج نفسه، ورأت مصلحتها في ترك حرب رسول الله (ص) فعلت. وقد وقع ذلك، لولا طمع عيينة بن حصن في نصف ثمار المدينة، على بعض الروايات، أو رفض السعدين المصالحة التي لم تبرم بعد، وأرجئت على موافقة السعدين، هو الذي حال دون ذلك، لحكمة أكبر ولله الحمد.
وتوجيه رسول الله (ص) لنعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ أن يمضي في تخذيل القوم والإذن له بالخديعة في الحرب كما في روية ابن إسحاق، إنما هي جهد بشري بشري تكلف القيادة به في محاولة لإنقاذ الموقف وتفتيت صف العدو.
٨ - والتضحيات العظيمة التي قدمها المسلمون في حراستهم للخندق، وحراستهم لرسول الله (ص)، وصد الهجوم المتفرق، والهجوم المطبق الذي شنه عليهم المشركون من أبطال المشركين لهو دليل حي على يقظة المسلمين وقيادتهم، حتى ليستمر القتال ذات يوم من السحر إلى هوي من الليل في اليوم الثاني، ويفوت المسلمون الصلوات الأربع ويقضونها لعجزهم عن التوقف لحظة واحدة أثناء الاشتباك المباشر للقتال.
ومواجهة علي بن أبي طالب ﵁ هو في ريعان شبابه لبطل قريش عمرو بن عبدود، وشدة شكيمته في قتاله حتى قتله، لتؤكد قدرة المسلمين في اللحظات الحاسمة على مواجهة الصعاب مهما كانت ومقاومة التحديات مهما ادلهمت، فبذل الروح والنفس هو أهون ما يملكه المسلم.
стр. 496
وتبقى هذه الصورة كاملة بجوار النفاق الذي نجم والذي أخذ المساحة الأكبر في سوره الأحزاب في الحديث عن الغزوة، ليتضح أن الصف ليس خالصا كله، وليس نقيا كله، ولا يزال للمنافقين وجود واضح فيه، والذي تصاغر وسقط وانحط أمام تدخل ريب العالمين.
٩ - والانضباط العظيم الذي شهدناه لدى حذيفة ﵁، ما أحوج الشباب إلى التأسي به في أبرز نقاطه.
(أ) يوم دعا الشباب إلى تخفيف غلوائهم، وهم يتصورون الواقع نظريا، وأنهم لو كانوا هناك أيام رسول الله (ص) لما تركوه يمشي على الأرض، فنزل بهم إلى أرض الواقع في الصف الإسلامي - خيرة أهل الأرض.
(ب) في تحديد مستوى الجندي الملتزم الذي لا ينبغي له أن يتراجع أو يتلكأ أو يعتذر حين يكلف بشخصه وعينه (فلم يكن لي بد أن أقوم حين دعاني رسول الله (ص) باسمي) من دون أن يتهم أحدا بدينه أو يشكك في عقيدته حين كان الأمر تطوعا لا فريضة.
(ج) وفي التزامه يوم وضع سهمه، ولم يكن إلا أن يرمي به أبا سفيان فيقتله، ورنت في أذنه كلمة قائده الحبيب ((لا تحدثن بهم حدثا)) فنزع سهمه وأقلع عن رميه التزاما بأمر قائده.
١٠ - وكانت الخندق فعلا نهاية ليل طويل ومحنة قاسية امتدت ما ينوف عن سنتين، كان المسلمون فيها في محن متتابعة، وطمعت العرب بهم بعد أحد، إلى أن آذن الله تعالى بانتهاء هذه المرحلة، حيث بلغت المحنة
стр. 497
قمتها بعشرة آلاف من الأحزاب، للبدء بمرحلة جديدة حددها ﵊ ((الآن نغزوهم ولا يغزونا)).
وأخذ زمام المبادرة لغزو المشركين، في عقائدهم قبل غزوهم في أجسادهم، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
***
стр. 498
الفصل الخامس والعشرون
غزوة الحديبية
أحداث الحديبية:
١ - (عبد الرزاق عن معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم صدق كل واحد منهما صاحبه - قالا:
(- خرج رسول الله (ص) زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة (١)، قلد رسول الله (ص) الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا من خزاعة - يخبره عن قريش - وسار رسول الله (ص) حتى إذا كان بغدير الأشطاط (٢) قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش (٣)، وجمعوا لك جموعا
стр. 499
وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. فقال النبي (ص): ((أشيروا علي! أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محرومين (١) وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا قاتلناه)) فقالوا: رسول الله أعلم، يا نبي الله إنما جئنا معتمرين، ولم نجىء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، قال النبي (ص): ((فروحوا إذا)).
فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي (ص): ((إن خالد بن الويد بالغمم (٢) في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين))، فالله ما شعر بهم خالد إذ هو بقترة (٣) الجيش، فانطلق، فإذا هو يركض نذيرا لقريش، وسار النبي (ص) حتى إذا كانوا بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل. فقالوا: خلأت (٤) القصواء، خلأت القصواء. فقال النبي (ص): ((ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكنها حبسها حابس الفيل)) ثم قال: ((والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)) ثم زجرها، فوثبت به.
قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد (٥) قليل الماء، إنما
стр. 500
يتبرضه (١) الناس تبرضا، فلم يلبثه أن نزحوه فشكي إلى رسول الله (ص)، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل (٢). وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. فقال النبي (ص): ((إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكننا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم (٣) الحرب، وأضرت بهم، فإذا شاؤوا ماددتهم (٤) مدة ويخلوا بيني وبين الناس. فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل به الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (٥) وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (٦) أو لينفذن الله أمره)).
فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤمم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه شيء، وقال
стр. 501
ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي (ص)، فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قومي ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ. فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: فأته. فأتاه.
قال: فجعل يكلم النبي (ص) نحوا مما قاله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أرأيت إن استأصلت قومك هل سممت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك، وإن تكن الأخرى، فإني لأرى وجوها، وأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا عنك. فقال أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن ننكشف عنه؟ فقال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يدلك عندي لم أجزل بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي (ص). فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي (ص)، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة يده إلى لحية النبي (ص) ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله (ص)، فرفع عروة رأسه، قال: من هذا؟ فقالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر أولست أسعى في غدرتك .. ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي (ص) بعينيه: فوالله ما تنخم رسول الله نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، قال: فرجع
стр. 502
عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا .. وإنه عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من كنانة (١): دعوني آته. فقالو: أئته، فلما أشرف على النبي (ص) وأصحابه. قال رسول الله (ص): ((هذا فلان وهم من قوم يعظمون البدن فابعثوها له)) فبعثوها له، وانطلق القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فقال رجل منهم يقال له مكرز بن حفص: دعوني آته.
قالوا: أئته. فلما أشرف عليهم قال النبي (ص): ((هذا مكرز وهو رجل فاجر)) فجعل يكلم النبي ..) (٢).
٢ - قال ابن إسحاق: (... ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي. وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان. فدعا رسول الله (ص) عثمان بن عفان. فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما له.
قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة فلقيه إبان بن سعيد بن
стр. 503
العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله (ص) فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله (ص) ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله (ص) إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله (ص)، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله (ص) أن عثمان بن عفان قد قتل) (١).
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله (ص) قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم.
فدعا رسول الله (ص) إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة.
فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله (ص) على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله (ص) لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفر. فبايع رسول الله (ص) الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجد بن قبس، أخو بني سلمة، فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد خبأ إليهاا يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله (ص) أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة عن ابن عمر: أن رسول الله (ص) بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى) (٢).
стр. 504
٣ - قال معمر: قال الزهري في حديثه. فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابا، فدعا النبي (ص) الكتاب، فقال النبي: ((اكتب بسم الله الرحن الرحيم)) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا يكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال رسول الله (ص): ((اكتب: باسمك اللهم)) ثم قال: ((هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)) فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي (ص) ((والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله)) قال الزهري: وذلك لقوله ((لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمة الله إلا أعطيتهم إياها)) فقال النبي (ص): ((على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به)) فقال سهيل: لا تتحدث العرب أنا اخذنا ضغطة. ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب: فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو
جندل بن سهيل يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما
стр. 505
أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي (ص) ((إنا لم نقض الكتاب بعد)) قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. فقال النبي (ص): ((فأجزه لي)) فقال: ما أنا بمجيزه لك. قال: ((بلى فافعل)) قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟! ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، قال: فأتيت النبي (ص) فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: ((بلى)) قال: قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: ((بلى)) قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: ((إني رسول الله، ولست أععصيه وهو ناصري)) قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: ((بلى، فأخبرتك أنك تأتيه العام)) قلت: لا. قال: ((فإنك آتيه ومطوف به)). قال: فأتيت أبا بكر، فقلت يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذا. قال: أيها الرجل إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره. فاستمسك بغرزه حتى تموت. فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟ قال: فأخبرك أنه سيأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله (ص): ((قوموا فانحروا ثم احلقوا)) قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. قال: فلما لم يقم منهم أحد. قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي
стр. 506
الله أتحب ذلك، أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد يقتل بعضهم بعضا غما) (١).
...
١ - ((الآن نغزوهم ولا يغزونا)) لقد ابتدأت المرحلة الجديدة، وتحرك المسلمون نحو مكة: صحيح أنهم قاصدو العمر. لكن هذا التحرك بحد ذاته إيذان بمنطلق جديد، محفوف بالأخطار، فلن ترضى مكة ببساطة هذا التحدي، وقد عبأت كل قواتها من بني عامر بن لؤي وكعب بن لؤي والأحابيش (قريش الظواهر وقريش البطاح) أهل مكة والأعراب المجاورون حولها. يعاهدون الله أن لا يدخل محمد مكة عنوة أبدا. وقد أبدى ﵊ استعداده للمواجهة مرتين:
الأولى: حين بلغه تجمع قريش لمواجهته فقال: ((أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا قاتلناه)).
الثانية: في الرسالة التي بعثها مع بديل بن ورقاء: ((إنا لم نجىء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين .. وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره)).
قبل عام كانوا محاطين بعشرة آلاف مقاتل من فوقهم ومن أسفل منهم، وهم الآن على مشارف مكة، يستعدون للمواجهة مع من يحول
стр. 507
بينهم وبين البيب الحرام.
٢ - لقد تغير الموقف والاتجاه مع الرسول (ص)، منذ أن كانوا في الثنية التي تهبط منها على الحديبية، وبركت الناقة هناك.
لقد كانت الاستشارة قبل بروك الناقة قائمة، في المواجهة أو غزو ذراري المشركين، وحتى في نزول الأمكنة، لكن بروك الناقة يعني تطورا جديدا في الخطة النبوية عبر ﵊ عنها بقوله: ((ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكنها حبسها حابس الفيل)) وحابس الفيل حال دون أبرهة ومكة، ولهذا أعلن ﵊ ملامح الخطة الجديدة المتطورة: ((والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)).
وهذا التطور تم من غير مشورة، إنما ثم بتوجيه رباني صرف، قرر ﵊ على ضوئه الانتقال من المواجهة إلى المصالحة أو الهدنة ما أمكن ذلك.
٣ - ولكنها ليست الهدنة أو المصالحة عن ضعف، بل هي من موطن القوة. ورسل قريش الذين جاؤوا أربعة:
بديل بن ورقاء: وهو متهم بتحيزه لمحمد (ص)، لكن الرسالة التي حملها بثت الرعب في قلب القوم.
عروة بن مسعود: الذي استنجد بثقيف فلم تنجده فجاء بأهله وخاصته ليظاهر قريشا ضد محمد (ص)، ولقد أبدى المسلمون أمام عروة ابن مسعود من القوة والانضباط والتفاني بقيادتهم ما أذهل عروة. يقتتلون على وضوئه، يبتدرون نخامته فيدلكون بها وجوههم، وكان لا بد من هذه
стр. 508
المظاهر لتواجه مكر ثقيف المتمثل بعروة والذي حاول أن يوهن الصف المسلم ويتهمه بالتخاذل (فإني لأرى وجوها وأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا عنك)، فكان الرد الحاسم الصارم من أبي بكر الصديق .. أبي بكر الحليم الوديع الهادىء يجيبه بقوله: (امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟) وفي جواب ابن أخي عروة المغيرة بن شعبة الذي يهدد عروة بقوله: (أخر يدك عن لحية رسول الله (ص) قبل أن لا ترجع إليك). لقد تماسك عروة ظاهرا، أما حقيقة قناعته فهي التي نقلها لقريش: (والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا) ثم دعا قريش لقبول المصالحة.
الوافد الثالث: الحليس بن علقمة زعيم أعراب مكة، ومنذ أن رآه رسول الله (ص) قال: ((إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا في وجهه الهدي)) فرأى الهدي فقفل راجعا من حيث جاء، ومضى يسائل قريشا: أيصد عن البيت من جاء معظما له؟ فيقول له أحدهم: اجلس إنما أنت أعرابي .. فثارت ثائرته وقال: والله ما على هذا حالفناكم .. والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد.
الوافد الرابع: مكرز بن حفص، وقال عنه ﵊ عندما رآه: ((هذا رجل غادر)) وكلم نحوا مما كلم بديلا الخزاعي.
لقد باءت خطة مكة بالفشل، وهي تحاول أن تثني محمدا وصحبه بالإرهاب والتخويف، ووجدت نفسها مسوقة مرغمة إلى
стр. 509
المفاوضات.
إنها عظمة القيادة النبوية التي تسيطر على الموقف. وتواجه كل طارىء بما يناسبه، وعظمة الصف المسلم الذي بدا أمام هؤلاء في أعلى مستوى من الانضباط والطاعة والاستعداد للفداء.
٤ - وإلى سفارة عثمان وبيعة الرضوان: فيقف المسلم أمام جرأته، حيث يمضي لمكة معقل الشرك والمشركين، ليبلغ رسالة رسول الله (ص)، والتزامه في رفضه الطواف حتى يطوف النبي (ص). ومثل هذا الجندي الفدائي، ما أن يبلغ رسول الله (ص) مقتله، حتى ليرى نفسه أن لا خيار أمامه إلا الحرب، إنها القيادة الفذة التي تخوض حربا من أجل جندي واحد بلغها مقتله.
ويعجب المرء أكثر لالتزام الصف المسلم كله، القادم للعمرة لا للحرب، فحين يدعو رسول الله (ص) للبيعة على الموت أو على عدم الفرار، لا يوجد في الصف كله من يعترض أو يناقش، إننا لو كنا في غير هذه الأمة لحقد الجنود على قائدهم أن جاء يورطهم في حرب لم يعدوا لها عدتها، وهم خارجون للنسك لا للقتال. وقد يعذر القائد واحدا أو اثنين أو أكثر، أما في الصف المسلم، في الألف والأربعمائة، لم يتخلف إلا منافق واحد لم يجرؤ على البيعة واختبأ في ظل ناقته، وحق لهؤلاء أن يكونوا خير أهل الأرض.
فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله
стр. 510
(ص) يوم الحديبية: ((أنتم خير أهل الأرض)) وكنا ألفا وأربعمائة) (١).
هذا الصف المسلم الذي يبايع على الموت، توقف المعركة، ويقر الصلح، ويقر رسول الله (ص) بنودا في ظاهرها انتقاص للمسلمين وددنية في دينهم، قد يتكلمون قبل أن يقول الرسول (ص) كلمته، ولكن بعد أن يقولها، فالسمع والطاعة، وإن كادوا ليتميزون غيظا من الألم. لكن هذا لا ينال من انضباطهم شيئا .. ويفقد ابن الخطاب ﵁ توازنه وأعصابه، ويحتج ويأتيه الجواب: ((إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري)).
إن صفا بهذا المستوى العظيم يبايع على الموت، ولم يأت للحرب، ثم يلتزم بإيقاف الحرب لعشر سنين، في فترة واحدة لهو مؤهل أن يغير وجه التاريخ، وقد فعل.
ومن أجل هذا كان أصحاب بيعة الرضوان أفضل المسلمين في الأرض إلى قيام الساعة بعد أهل بدر.
وإن الدعاة إلى الله اليوم مدعوون إلى أخذ أنفسهم بالتربية والمجاهدة إلى أن يقتربوا من هذه القمة السامقة في تكوين القاعدة الصلبة، التي تحارب حين يحارب أميرها، وتسالم حين يسالم .. تحمل السلاح حين تؤمر، وتضع السلاح حين تؤمر .. طائعة على المنشط والمكره وأثره عليها، وعندما تبلغ القاعدة الصلبة هذا المستوي تكون
стр. 511
مؤهلة للتمكين في الأرض، والاستخلاف فيها، وتحقيق موعود الله بنصره وتأييده.
٥ - وكانت الحديبية الفتح المبين: فظاهر الأمر ذلة للمؤمنين، في عودتهم عن مكة وقد صدوا عن البيت، وفي التزامهم برد من جاءهم مسلما دون أن يلتزم المشركون بمقابله، وفي إصرارهم على أن يمحوا اسم الله واسم رسوله من وثيقة الصلح، وقد تجسد هذا الغيظ مضاعفا بقدوم أبي جندل بن سهيل، وقد فر من المشركين للمسلمين، ويصرخ: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني.
ورسول الله (ص) يقول: ((اصبر أبا جندل فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا)).
هذا هو ظاهر الأمر، للعقل البشري القاصر، أما أبعاده فكانت في ميزان الله غير ذلك:
(أ) فعن البراء بن عازب قال: (تعدون الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضون يوم الحديبية) (١).
(ب) (عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله (ص) كان يسير في بعض أسفار، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله (ص) ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه، وقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله (ص) ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري
стр. 512
ثم تقدمت أمام المسلمين وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي. قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، وجئت رسول الله (ص) فسلمت عليه فقال: ((لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب علي مما طلعت عليه الشمس)) ثم قرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾) (١).
(ج) (عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم، قال: لما نزلت: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله﴾ إلى قوله ﴿فوزا عظيما﴾ مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: ((لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا)) (٢).
(د) (عن أنس بن مالك ﵁: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ قال: الحديبية. قال أصحابه: هنيئا مريئا فما لنا فأنزل الله: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات﴾ قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثت بهذا كله عن قتادة ثم رجعت فذكرت له فقال: أما ﴿إنا فتحنا لك﴾ فعن أنس، وأما (هنيئا مريئا فعن عكرمة) (٣).
وحق لعمر ﵁ أن يرتجف قلبه بعد الموقف العنيف الذي وقفه، وهو يسأل رسول الله (ص) ثلاث مرات فلا يرد عليه، حتى
стр. 513
ليخشى أن ينزل الله فيه قرآنا، وعندما نزلت آية الفتح اختار رسول الله (ص) عمر بالذات ليسمعه إياها ردا على تصوره: (فلم نعط الدنية في ديننا) ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ (١).
وحق لرسول الله (ص) أن تكون هذه الآية، أحب إليه مما طلعت عليه الشمس، وأحب عليه من الدنيا جميعا، فالله تعالى قد فتح له الفتح المبين، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأتم نعمته عليه ونصره نصرا عزيزا، فأي نعم في هذا الوجود تفوق هذه النعم؟ وقد نزلت والمسلمون يخالطهم الحزن والكآبة لما نزل بهم من هم الحديبية، وحق لهم أن يفرحوا بعد حزن، وقد سروا لسرور رسول الله (ص) إن كان النصر والفتح والمغفرة لرسول الله فماذا لهم؟ ويأتيهم الجواب: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما﴾ (٢). وكان هذا الفتح المبين، هو فتح القلوب لهذا الدين والتوطئة لفتح مكة: يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلم بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل
стр. 514
في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على ما قاله الزهري أن رسول الله (ص) خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة رجل في قول جابر، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف) (١).
لقد انطلق الإسلام، وتجاوز ليل المحنة الطويل الذي جثم من أحد إلى الخندق، وكان صلح الحديبية إيذانا بفجر جديد للدعوة والدعاة.
...
стр. 515
الفصل السادس والعشرون
غزوة خيبر
أحداث الغزوة:
١ - عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال:
(لما انصرف رسول الله (ص) حتى أتى المدينة فغزا خيبر من الحديبية فأنزل الله عليه ﴿وعدكم الله مخانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه﴾ إلى ﴿ويهديكم صراطا مستقيما﴾ فلما فتحت خيبر جعلها لمن غزا معه الحديبية، وبايع تحت الشجرة ممن كان غائبا أو شاهدا من أجل أن الله كان وعدهم إياها) (١).
وقال موسى بن عقبة: (لما رجع رسول الله (ص) من الحديبية مكث عشرين يوما أو قريبا من ذلك ثم خرج إلى خيبر وهي التي وعدها الله إياها) (٢).
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة
стр. 516
عن مروان والمسور قالا: (انصرف رسول الله (ص) عام الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة. فقدم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر، فنزل بالرجيع - واد بين خيبر وغطهان - فتخوف أن تمدهم غطفان حتى أصبح فغدا عليهم) (١).
٢ - عن أنس ﵁ أن رسول الله (ص) أتى خيبر ليلا وكان إذا أتى قوما بليل لم يغز بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا قالوا: محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي (ص) ((الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح النذرين)) (٢).
وفي رواية: فأصبنا من لحوم الحمر فنادى منادي النبي (ص): إن الله ورسوله ينهانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس) (٣) (فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم) (٤).
٣ - (وتدنى رسول الله (ص) الأموال يأخذها مالا مالا، ويفتتحها حصنا حصنا فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، فألقيت عليه منه رحا فقتلته. ثم القموص حصن بني أبي الحقيق، وأصاب رسول الله (ص) منهم سبايا منهن صفية بنت حيي (٥).
стр. 517
٤ - (فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض أسلم: أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله (ص) فقالوا: والله يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا شيئا، فلم يجدوا عند رسول الله (ص) شيئا يعطيهم إياه فقال: ((اللهم إنك قد عوفت ما لهم وأنه ليست بهم قوة، وأنه ليس بيدي شيء أعطيهم إياه. فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا (١))) فغدا الناس، ففتح الله حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكبر طعاما وودكا منه) (٢).
٥ - (وحاصر رسول الله (ص) أهل خير في حصنيهم الوطيح والسلالم، - وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله (ص) بضع عشرة ليلة - حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم، وأن يحقن لهم دماءهم ففعل. وكان رسول الله (ص) قد حاز الأموال كلها، الشق ونطاة والكتيبة، وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين. فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول الله (ص) يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال. ففعل، وكان فيمن مشى بين رسول الله (ص) وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة. فلما نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول الله (ص) أن يعاملهم في الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها. فصالحهم رسول الله (ص) على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم .. فصالحه أهل فدك على مثل ذلك. فكانت خيبر
стр. 518
فيئا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله (ص) لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب) (١).
٦ - وعن سهل بن سعد أن رسول الله (ص) قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)) قال: فبات الناس يدوكون (٢) ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: ((أين علي ابن أبي طالب)) فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: ((فأرسلوا إليه)) فأتي به فبصق رسول الله (ص) في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: ((انفذ على رسلك حتى تنزل ساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم))) (٣).
٧ - (... ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد. فقال: ((لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله)) قال: فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله (ص) فبصق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية، وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب
стр. 519
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره (١)
كليث غابات كربه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره (٢).
قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه) (٣).
٨ - (عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك: لما افتتح رسول الله (ص) خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالا، وإن لي بها أهلا، وإني أريد أن آتيهم. فأنا في حل إن أنا نلت منك، أو قلت شيئا؟ فأذن له رسول الله (ص) أن يقول ما شاء. فأتى امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندك. فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد (ص) وأصحابه فإنهم قد استبيحوا، وأصيبت أموالهم. وفشا ذلك في مكة، فانقمع المسلمون وأظهر المشركون فرحا وسرورا.
قال: وبلغ الخبر العباس بن عبد المطلب فقعد، وجعل لا يستطيع أن يقوم، قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري عن مقسم قال: فأخذ ابنا
стр. 520
له يشبه رسول الله (ص) يقال له قثم، فاستلقى فوضعه على صدره وهو يقول:
حبي قثم
شبيه ذي الأنف الأشم
نبي رب ذي النعم
برغم أنف من رغم
قال ثابت: قال أنس: ثم أرسل غلاما له إلى الحجاج: ماذا جئت به، وماذا تقول، فما وعد الله خير مما جئت به، فقال الحجاج بن علاط: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فليخل في بعض بيوته لآتيه. فإن الخبر على ما يسره، قال: فجاءه غلامه، فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل. قال: فوثب العباس فرحا حتى قبل ما بين عينيه، فأخبره بما قال الحجاج فأعتقه. ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله (ص) قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله تعالى في أموالهم، واصطفى رسول الله (ص) صفية بنت حيي فأخذها لنفسه، وخيرها بين أن يعتقها وتكون زوجه، أو تلحق بأهلها. فاختارت أن يعتقها وتكون زوجه، ولكني جئت لما كان لي هاهنا. أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله (ص) فأذن لي أن أقول ما شئت. واخف عني ثلاثا. ثم اذكر ما بدا لك، فجمعت امرأته ما كان عندها من حل ومتاع فدفعته إليه، ثم انشمر به) (١).
...
стр. 521
من فقه الغزوة:
١ - ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما﴾ (١).
(وقال شعبة عن الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿وأثابهم فتحا قريبا﴾ قال خيبر) (٢).
وتحقق موعود الله تعالى في أقل من شهر. وكما تقول عائشة ﵂: (لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر) (٣).
لقد خرجوا إلى خيبر وما عندهم ما يأكلونه كما روى سويد بن النعمان أنه خرج مع النبي (ص) عام خيبر (حتى إذا كنا بالصهباء وهي من أدنى خيبر صلى العصر ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق (٤) فأمر به فثرى (٥) فأكل وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ) (٦).
وعادوا من خيبر حيث كانت (الشق ونطاة قد قسمت على ألف
стр. 522
سهم وثمانماثة سهم برجالهم وخيلهم الرجال أربع عشر مائة والخيل مائتا فارس. ثم قسم رسول الله (ص) الكتيبة، وهي وادي خاص (١) بين قرابته وبين نسائه، وبين رجال المسلمين ونساء أعطاهم منها) (٢).
٢ - ولقد تحقق موعود الله بالفتح القريب، وانتهى وكر اليهودية من جزيرة العرب، والتي كانت تقض مضجع المسلمين في كل وقت، فهي التي ألبت الأحزاب يوم الأحزاب، وهي التي حاربت ونقضت العهد في كل مرة ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضوق عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ (٣).
ولقد كان التخطيط النبوي في غاية الحكمة والعبقرية، ففي أقل من شهر بعد هدنة الحديبية مع العدو اللدود، الذين أمن جانبه في الصلح معه، كان يدك أبواب خيبر لينهي العدو الألد من اليهود الذين باتوا يخططون للانقضاض على المدينة، ويحول دون غطفان العدو الثالث وإمداده لليهود، لقد استطاع ﵊ بذكائه وعبقريته أن
ينهي كل عدو على حدة، وهو يتربص به الدوائر.
والجماعة المؤمنة بحاجة على أن تكون على مستوى الأحداث وتفقه كيف تواجه أعداءها، لا أن تكون فريسة لهم.
стр. 523
٣ - ونجد في خيبر نموذجين متقابلين كذلك، فليس كل صمود وقتال يمثل حقيقة الإسلام، إذ لا بد من خلوص النية في الجهاد في سبيل الله لتتضح عوامل النصر والهزيمة أمام أعيننا.
فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله (ص) رجل ممن معه يدعي الإسلام ((هذا من أهل النار)) فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة، حتى كاد بعض الناس يرتاب. فوجد الرجل ألم جراحه فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله أصدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه فقال: ((قم يا فلان فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر)) (١).
ويقابل هذه الصورة ما رواه البيهقي عن أنس: (أن رجلا أتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون قبيح الوجه، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: ((نعم)) فتقدم فقاتل حتى قتل، فأتى عليه رسول الله (ص) وهو مقتول فقال: ((لقد حسن الله وجهك وطيب ريحك وكثر مالك)) وقال: ((لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه يدخلان فيما بين جلدته وجبته)) (٢).
وفي رواية ثانية للبيهقي: وقال فيه ((قتل شهيدا وما سجد لله سجدة)) (٣).
стр. 524
فالذي لم يسجد لله سجدة. صدق الله تعالى فصدقه، وشهد له رسول الله (ص) بالشهادة وكفنه، ودعا له. والذي قاتل وظاهره من أهل الإسلام حتى ((لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه)) (١) يشهد رسول الله (ص) أنه من أهل النار.
٤ - (وشهدت خيبر، وسام رسول الله (ص) للفتاة الغفارية التي حضرت معه الحرب إذ تروي لنا قصة هذا الوسام فتقول: أتيت رسول الله (ص) في نسوة من بني غفار. فقلنا: يا رسول الله: قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: ((على بركة الله)) قالت: فخرجنا معه وكنت جارية حدثة السن فأردفني رسول الله (ص) على حقيبة رحله فوالله لنزل رسول الله (ص) إلى الصبح، ونزلت عن حقيبة رحله، وإذا بها دم مني. وكانت أول حيضة حضتها. فتقبضت إلى الناقة واستحييت. فلما رأى رسول الله (ص) ما بي، ورأى الدم، قال: ((ما لك لعلك نفست)) قالت: قلت: نعم. قال: ((فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك)) قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيىء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها، وعلقها في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا، وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها. قالت: وكانت لا تطهر من حيضها، إلا جعلت في طهورها
стр. 525
ملحا، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت) (١).
وهي صورة حية أمام كل فتاة مسلمة، تحرص على أن تشارك في أجر الجهاد مع المسلمين.
٥ - (وشهدت خيبر، قدوم جعفر بن أبي طالب، والوفد المرافق له من الحبشة.
فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: بلغنا مخرج النبي (ص) ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال في بضع، وإما قال في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلا من قومي - حتى قدمنا جميعا، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي في الحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي (ص) حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة -: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس - وهي ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبي (ص) زائرة. وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر. فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: ألحبشية هذه؟ ألبحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم! قال:
стр. 526
سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله (ص) منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله (ص) يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء، بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله (ص). وإيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنبي (ص)، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي (ص) وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلما جاء النبي (ص) قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، قالت: قال: ((ما قلت له؟)) قالت: قلت: كذا وكذا. قال: ((ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان)) (١).
وكان هذا هو الوسام الثاني للوفد المرافق لجعفر، حملته أسماء وزعته على جميع أعضاء الوفد حيث كانوا كما قالت: (يأتوني أرسالا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في نفوسهم مما قال لهم النبي (ص) (٢).
...
стр. 527
الفصل السابع والعشرون
غزوة مؤتة
أحداث الغزوة:
١ - عن عروة بن الزبير قال: بعث النبي (ص) بعثا إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، فقال لهم: ((إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس. فإن أصيب جعفر فعبد الله ابن رواحة على الناس)) فتجهز الناس ثم تهيؤوا للخروج وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله (ص)، وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى. فقيل له: ما يبكيك يا ابن روحة؟ فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة،
ولكن سمت رسول الله (ص) يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال لهم المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع (١) تقذف الزبدا
стр. 528
أو طعنة بيدي حران مجهزة (١) ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا
ثم إن القوم تهيؤوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله
(ص) يودعه فقال:
فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخيل نافلة ... فراسة خالفتهم في الذي نظروا
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى بها القدر (٢)
ثم خرج القوم، وخرج رسول الله (ص) يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة:
خلف السلام على امرى ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل
ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل في مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم. وقد اجتمعت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهرام وبلى في مائة ألف عليهم رجل من بلى أخذ رايتهم، يقال له مالك بن زافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم. وقالوا: نكتب إلى رسول الله (ص) فنخبره بعدد عدونا. فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. فشجع عبد الله بن روحة الناس، وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون
стр. 529
للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة .. ومضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال له مؤاب، ثم دنا المسلمون، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة.
فالتقى الناس عندها، وتعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبادة بن مالك. ثم التقى الناس وقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله (ص) حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألجمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، فقاتل القوم حتى قتل، وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام) (١).
٢ - وعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: (حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزاة غزوة مؤتة. قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه وتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
طائعة أو لتكرهنه
стр. 530
ما لي أراك تكرهين الجنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه (١)
لطالما قد كنت مطمئنه
هل أنت إلا نطقة من شنة (٢)
وقال عبد الله بن رواحة:
يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد لقيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعظم من لحم فقال: اشدد بها صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما قد لقيت. فأخذه من يده فانتهش منه نهشة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل. فأخذ الراية ثابت بن أقرم أحد بلعجلان، وقال: يا أيها الناس اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فلما أخد الراية دافع القوم، ثم انحاز حتى انصرف. فلما أصيبوا قال رسول الله (ص): ((أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا. ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيدا)) ثم صمت النبي (ص) حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه كان في عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهونه. قال: ((ثم أخذها عبد الله بن رواحة،