← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله (ص) منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله (ص) يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء، بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله (ص). وإيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنبي (ص)، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي (ص) وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلما جاء النبي (ص) قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، قالت: قال: ((ما قلت له؟)) قالت: قلت: كذا وكذا. قال: ((ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان)) (١). وكان هذا هو الوسام الثاني للوفد المرافق لجعفر، حملته أسماء وزعته على جميع أعضاء الوفد حيث كانوا كما قالت: (يأتوني أرسالا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في نفوسهم مما قال لهم النبي (ص) (٢). ...

стр. 527

الفصل السابع والعشرون غزوة مؤتة أحداث الغزوة: ١ - عن عروة بن الزبير قال: بعث النبي (ص) بعثا إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، فقال لهم: ((إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس. فإن أصيب جعفر فعبد الله ابن رواحة على الناس)) فتجهز الناس ثم تهيؤوا للخروج وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله (ص)، وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى. فقيل له: ما يبكيك يا ابن روحة؟ فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة، ولكن سمت رسول الله (ص) يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال لهم المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع (١) تقذف الزبدا

стр. 528

أو طعنة بيدي حران مجهزة (١) ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا ثم إن القوم تهيؤوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله (ص) يودعه فقال: فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخيل نافلة ... فراسة خالفتهم في الذي نظروا أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى بها القدر (٢) ثم خرج القوم، وخرج رسول الله (ص) يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة: خلف السلام على امرى ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل في مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم. وقد اجتمعت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهرام وبلى في مائة ألف عليهم رجل من بلى أخذ رايتهم، يقال له مالك بن زافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم. وقالوا: نكتب إلى رسول الله (ص) فنخبره بعدد عدونا. فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. فشجع عبد الله بن روحة الناس، وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون

стр. 529

للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة .. ومضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال له مؤاب، ثم دنا المسلمون، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة. فالتقى الناس عندها، وتعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبادة بن مالك. ثم التقى الناس وقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله (ص) حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألجمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، فقاتل القوم حتى قتل، وكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام) (١). ٢ - وعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: (حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزاة غزوة مؤتة. قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه وتردد بعض التردد ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه

стр. 530

ما لي أراك تكرهين الجنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه (١) لطالما قد كنت مطمئنه هل أنت إلا نطقة من شنة (٢) وقال عبد الله بن رواحة: يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد لقيت ... إن تفعلي فعلهما هديت ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعظم من لحم فقال: اشدد بها صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما قد لقيت. فأخذه من يده فانتهش منه نهشة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل. فأخذ الراية ثابت بن أقرم أحد بلعجلان، وقال: يا أيها الناس اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فلما أخد الراية دافع القوم، ثم انحاز حتى انصرف. فلما أصيبوا قال رسول الله (ص): ((أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا. ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيدا)) ثم صمت النبي (ص) حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه كان في عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهونه. قال: ((ثم أخذها عبد الله بن رواحة،

стр. 531

فقاتل بها حتى قتل شهيدا)) ثم قال: ((لقد رفعوا إلي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه. فقلت: بم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ومضى)) (١). ٣ - (وعن ابن شهاب قال: ثم بعث النبي (ص) جيشا إلى مؤتة، وأمر عليهم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم، حتى لقوا ابن سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم وبها تنوخ وبهرام. فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام ثم خرجوا فالتقوا على زرع أخضر، فاقتتلوا قتالا شديدا وأخذ اللوء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر فقتل، ثم أخذه ابن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله (ص) على خالد بن الوليد، فهزم الله العدو، وأظهر المسلمين وبعثهم رسول الله (ص) في جمادى الأولى) (٢). ٤ - (عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أمر رسول الله (ص) في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله (ص): ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة)) قال عبد الله: كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه من القتلى وجدنا في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية) (٣).

стр. 532

٥ - عن أنس ﵁ أن النبي (ص) نعى زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم. فقال: ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخد ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)) (١). ٦ - (وعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صحيفة يمانية) (٢). ٧ - قال ابن إسحاق: (وقد كان قطبة بن قتادة العذري الذي كان على ميمنة المسلمين، قد حمل على مالك بن زافلة فقتله، فقال قطبة بن قتادة: طعنت بن زافلة بن الأراش ... برمح مضى فيه ثم انحطم ضربت على جيده ضربة ... فمال كما مال غصن السلم وسقنا نساء بني عمه ... غداة رقوقين (٣) مثل النعم) (٤) ٨ - قال الإمام أحمد (.. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله (ص) فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن حاص. فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم

стр. 533

قلنا: لو دخلنا المدينة قتلنا. ثم قلنا: لو عرضنا أنفسا على رسول الله (ص) فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا. فأتيناه قبل صلاة الغداة. فخرج فقال: ((من القوم؟)) قلنا: نحن فرارون. فقال: ((لا، (بل أنتم الكرارون، إنا فئتكم وإنا فئة المسلمين))) فأتيناه حتى قبلنا يده. ثم رواه غندر عن شعبة عن يزيد بن أبي زياد .. عن ابن عمر قال: كنا في سرية ففررنا. فأردنا أن نركب البحر فأتينا رسول الله (ص) فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون. فقال: ((لا بل أنتم العكارون)) (١). رواه الترمذي وابن ماجة من حديث يزيد بن أبي زياد، وقال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديثه) (٢). ٩ - يقول ابن كثير: (وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم، وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا: ((ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه)) ورواه البخاري، وهذا هو الذي رجحه ومال إليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين لما ذكر من الحديث. قلت: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين، وهو أن خالدأ لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة. فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة - كما ذكر

стр. 534

الواقدي - توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموا بإذن الله). ... وعندي أن ابن إسحاق وهم في هذا السياق، فظن أن الجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله (ص) للمسلمين وهو على المنبر بقوله: ((ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه)) فما كان المسلمون ليسلمونهم فرارا بعد ذلك، وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما، وإنما كان التأنيب وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هنالك وقد كان فيهم عبد الله بن عمر ﵄ (١). ... من فقه الغزوة: ١ - تكاد تكون كل غزوة من الغزوات تمثل مرحلة من مراحل الدعوة، فإذا كانت غزوة خيبر قد أنهت الوجود اليهودي في جزيرة العرب، فغزوة مؤتة مثلت أول معركة ضد النصرانية في جزيرة العرب، وكانت هاتان الجبهتان قد فتحتا بعد هدنة الحديبية، ولم يكن رسول الله (ص) حريصا على فتح هذه الجبهة لولا الاعتداء الآثم على رسوله إلى الشام. (وكان سببها أن رسول الله (ص) بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى هرقل عظيم الروم بالشام، أي فلما زل مؤتة تعرض له شرحبيل بن

стр. 535

عمرو الغساني، من أمراء قيصر على الشام. فقال: أين تريد؟ لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم. فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه. ولم يقتل لرسول الله (ص) رسول غيره. فلما بلغ رسول الله (ص) ذلك اشتد الأمر عليه، فجهز جمعا من أصحابه وعدتهم ثلاثة آلاف وبعثهم إلى مقاتلة ملك الروم) (١). وكما أن بيعة الرضوان التي تعاهد المسلمون فيها على الموت كانت قد تمت ثأرا لعثمان بن عفان ﵁ حين أشيع نبأ مقتله، كذلك كانت غزووة مؤتة ثأرا لرسول رسول الله (ص). وفي رواية ثانية: أن صاحب بصرى رفض الإسلام وقال: من ينزع ملكي مني؟ أنا سائر إليه. فتهديده بالمسير إلى المسلمين يقتعضي ردا على مستوى التحدي، فكانت غزوة مؤتة. إن دم الجندي المسلم مصون، وإن الجماعة المسلمة على استعداد لخوض معركة دامية من أجله، بحيث لا يطل دمه ولا يذهب هدرا. ٢ - وثلاثة آلاف مقاتل، هو أكبر جيش تمكن رسول الله (ص) من إعداده لمواجهة عدوه، وهو ضعف جيش الحديبية، وتحديد قيادات الجيش إشارة

стр. 536

واضحة إلى عنف الحرب بين الفريقين .. ومع ذلك فلا يكاد يذكر أمام الجيش الذي وجهه حيث كان عدده في أقل الروايات مائة وخمسون ألفا، وترفعه الروايات الأخرى إلى مئتي ألف أي أنه يزيد قرابة سبعين ضعفا عن جيش المسلمين. إن الهدف العسكري وراء المعركة، هو إعلام الروم بالوجود العسكري الإسلامي، ولو كان هذا الجيش كله ضحايا المعركة، وهذه الإعدادات والتوجيهات تشير إلى ذلك. ٣ - وموقف المسلمين في معان وتشاورهم حول مواجهة الروم أو التريث في ذلك قد حسم الموقف فيها أحد الأمراء الثلاثة الذي قال: (والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون) ولم يحدث انقسام في الموقف وهذا من أعجب ما شهد التاريخ، أن يستجيب الجيش كله لداعي الجهاد ويقرر المواجهة رغم الفرق الهائل الضخم بين الجيشين، إن الشهادة في سبيل الله التي يحلم بها المؤمنون هي أقوى سلاح يملكونه في الأرض. فحب الموت والجهاد والشهادة في سبيل الله يبقى الغذاء الروحي الأعمق في كل تحركات المسلمين، ولن تستطيع الأمة المسلمة اليوم، والجماعة المسلمة أن تعيد الوجود الإسلامي للأرض، ما لم تعد هذه الروح تسري في الأمة من جديد. فإذا كانت سمة الأمة المسلمة عند ابتلاعها من عدوها هو الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية المولت، فبالمقابل لا بد أن تكون سمة الأمة المسلمة عند بعثها وولادتها من جديد هي حب الموت والشهادة،

стр. 537

وكراهية الخنوع والذل للمحافظة على الدنيا ونعيمها، وأن تكون روح جعفر الوثابة هي التي يزغرد بها الجيل الإسلامي كله: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها علي إذ لاقيتها ضرابها ويسقط القائد جعفر ﵁ وفي جسده تسعون جرحا ما بين طعنة ورمية، وأن يفقد يديه ليعوضه الله تعالى عنهما جناحين يطير بهما في الجنة، ويكون أول من حاز على لقب - طيار - في التاريخ الإسلامي كله وتفرد به دون الناس أجمعين. ٤ - ومن عادة كل جيش أن ينتهي مع مقتل قائده، وهؤلاء القادة الثلاثة يسقطون شهداء في أرض المعركة، ومع ذلك فيثبت الجيش ويتمالك ويسلم قياده إلى خالد بن الوليد ﵁ ليقود المعرك. وفي هدنة الحديبية كان خالد قائد خيالة المشركين، ولما يمر على إسلامه خمسة أشهر فقد أسلم في صفر سنة ثمان للهجرة، وكانت مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان للهجرة، ويقبله المسلمون قائدا يدير المعركة، حيث رفض ثابت بن أقرم الأقدم سابقة ذلك، فحاجة المعركة الآن إلى قائد عسكري مجرب خبير بالحرب، وخالد هو المؤهل لذلك، ولم يكن من الأمراء وإنما أمر نفسه وأعطاه رسول الله (ص) لقبا ما عرف في التاريخ شبيها له. وما طمع أحد من المسليمن بمثله، ولئن مضى جعفر

стр. 538

رضي الله عنه بلقب الطيار في مؤتة، فقد مضى خالد بلقب سيف الله في مؤتة كذلك. والذين يدعون ذلك كثيرون، أما الذي يملك الشهادة من رسول الله (ص) وحده في الدنيا هو خالد بن الوليد. والجماعة المسلمة بحاجة أن تفقه معادن الرجال وتضع الرجال في مواضعهم وهي تخوض معركتها مع العدو. والحقد والثأر مقبول من الجاهلين ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية﴾ أما الدعاة إلى الله فهم أرفع الناس في هذا الوجود عن الحقد. وصراع خالد سبعة عشر عاما مع رسول الله (ص) لم يمنع أبدا أن يحوز على لقب سيف الله بعد أربعة أشهر أو تزيد على دخوله الإسلام. وما أحوجنا إلى أن نفقه هذه الدروس، فتضم الجماعة المسلمة في صفها أعظم النماذج البشرية، ولو كانت قبل قليل تصليها نار العداء والحرب، فالإسلام يجب ما قبله. ٥ - ((جعل الله الفتح على يديه)) هذا النص من حديث البخاري والنصوص الأخرى ذات السند الصحيح، تؤكد أن مؤتة قد انتهت بفتح وانتصار، وابن إسحاق الذي أخذ برأي المحاجر بين المسلمين والروم بدون نصر، هو الذي روى مقتل قائد جيش العدو مالك بن زافلة، وأخذ نساء الروم سبايا بعد مقتله، وتبقى المعجزة الخالدة، في نصر هذه القلة الفدائية المستضعفة على العدو اللجب الضخم الذي تحرك بمئتي ألف ليئد الإسلام وأهله، وذلك بحكمة خالد وعبقريته يوم غير مواقع الجيش كله، وبثباته وصموده يوم كسرت في يده تسعة أسياف ولم تثبت

стр. 539

إلا صحيفة يمانية. وثبات أغلب الجيش معه حتى اللحظة الأخيرة التي أذن الله تعالى فيها بنصر جنده. ٦ - وهذا لا يتعارض مع الروايات الصحيحة عن فرار فئة من الجيش وصلت المدينة بعد مقتل القيادات الإسلامية، وأن يرويها لنا عبد الله بن عمر ﵄، فبنية الرواية نفسها تؤكد أن فريقا من الجيش قد فر، وليس الجيش كله. والذين تولوا يوم التقى الجمعان في أحد، وقد استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، وعفا عنهم مثل الذين تولوا يوم مؤتة، بل أخف لأنهم فاؤوا إلى رسول الله (ص)، وهو فئة كل مسلم، وهم الذين قال لهم الرسول (ص): ((بل أنتم الكرارون إن شاء الله، بل أنتم العكارون)) في الوقت الذي يعجب المسلم فيه لذلك المستوى العالي للوتيرة الإيمانية في المدينة، حتى الصبيان يشتدون، ويعيرون الفارين بفرارهم، ويحثون في وجوههم التراب، ولولا أن رسول الله (ص) قد عذرهم، واعتبرهم منحازين لقتلوا على يد الغلمان والصبيان، لأن الفرار في حس المسلم لا يقابله إلا القتل. وحين ترتفع الوتيرة الإيمانية لدى الفتيان الناشئين في الجيل الإسلامي إلى هذا المستوى فلا شك أن هذا التغير هو الكفيل بتغيير حال المسلمين ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. ***

стр. 540

الفصل الثامن والعشرون فتح مكة أولا: أحداث الغزوة: ١ - (وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية، ما ذكره محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعا قالا: كان في صلح الحديبية أن من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل. فتواثبت خزاعة وقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر، وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم. فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء يقال له الوتير وهو قريب من مكة وقالت قريش: ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا من أحد. فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله (ص)، وأن عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم على رسول الله (ص) يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله (ص) أنشدها إياه:

стр. 541

يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا (١) قد كنتموا ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا (٢) في فيلق كالبحر تجري مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا ... فهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله (ص): ((نصرت يا عمرو بن سالم)) فما برح حتى مرت بنا عنانة في السماء. فقال رسول الله (ص): ((إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب)) وأمر رسول الله (ص) الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم) (٣). ٢ - (ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله (ص) المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله (ص) طوته عته، فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله (ص) وأنت

стр. 542

رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله (ص)، قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر) (١). ٣ - (فبلغ ذلك قريشا، فقالوا لأبي سفيان: ما تصنع وهذه الجيوش تجهزوا إلينا. انطلق فجدد بيننا وبين محمد كتابا، وذلك مقدمه من الشام (٢)، فخرج أبو سفيان حتى قدم المدينة، فكلم رسول الله (ص) فقال: هلم فنجدد بيننا وبينك كتابا. فقال النبي (ص): ((فنحن على أمرنا الذي كان، وهل أحدثتم من حدث؟)) فقال أبو سفيان: لا. فقال النبي (ص): ((فنحن على أمرنا الذي كان بيننا)) فجاء علي بن أبي طالب. فقال: هل لك أن تسود العرب، وتمن على قومك فتجيرهم، وتجدد لهم كتابا؟ فقال: ما كنت لأفتات على رسول الله (ص) بأمر. ثم دخل على فاطمة، فقال: هل لك أن تكوني خير سخلة في العرب: أن تجيري بين الناس. فقد أجارت أختك على رسول الله (ص) زوجها أبا العاص بن الربيع، فلم يغير ذلك. فقالت فاطمة: ما كنت لأفتات عل رسول الله (ص) بأمر. ثم قال بعد ذلك للحسن والحسين: أجيرا بين الناس، قولا: نعم. فلم يقولا شيئا، ونظر إلى أمهما وقالا: نقول ما قالت أمنا. فلم ينجح من واحد منهم بما طلب. فخرج حتى قدم على قريش، فقالو: ماذا جئت به؟ قال: جئتكم من عند قوم قلوبهم على قلب واحد. والله ما تركت منهم صغيرا

стр. 543

ولا كبيرا، ولا أنثى ولا ذكرا إلا كلمته. فلم أنجح منهم شيئا، قالوا: ما صنعت شيئا، ارجع فرجع) (١). ٤ - عن عبيد الله بن أبي رافع قال: (سمعت عليا ﵁ يقول: بعثني رسول الله (ص) أنا والزبير والمقداد فقال: ((انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها)) قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروض، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها (٢). فأتينا به رسول الله (ص) فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله (ص). فقال رسول الله (ص): ((يا حاطب ما هذا؟)) قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت أمرءا ملصقا في قريش - يقول: كنت حليفا، ولم أكن من نفسها - من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأمواله، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله (ص): ((أما أنه قد صدقكم)) فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: ((إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا)) فقال: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) فأنزل

стр. 544

الله السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ إلى قوله: ﴿... فقد ضل سواء السبيل﴾) (١). ٥ - وعن ابن عباس: (أن النبي (ص) خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة فسار هو ومن معه إلى مكة يصومون ويصوم حتى إذا بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد أفطر وأفطروا) (٢). ٦ - (عن هشام بن عروة عن أبيه قال: (لما سار رسول الله (ص) عام الفتح، فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن خرام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله (ص) فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة. فقال أبو سفيان: ما هذه لكأنها نيران عرفة. فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو. فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله (ص) فأدركوهم فأخذوهم. فأتوا بهم رسول الله (ص) فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند حطم الخيل، حتى ينظر إلى المسلمين. فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي (ص) تمر كتيبة كتيبة، على أبي سفيان .. فمرت كتيبة، قال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار، قال: ما لي ولغفار. ثم مرت جهينة، قال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك،

стр. 545

ومرت سليم، فقال مثل ذلك حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار. ثم جاءت كتيبة، وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله (ص) وأصحابه. وراية الرسول (ص) مع الزبير بن العوام. فلما مر رسول الله (ص) بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ((ما قال؟)) قال: قال كذا وكذا. فقال: ((كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة)) قال: وأمر رسول الله أن تركز رايته بالحجون) (١). ٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: (ثم مضى رسول الله (ص) واستعمل على المدينة أبارهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان. فصام رسول الله (ص) وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد - ماء بين عسفان وأمج - أفطر ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، وألف من مزينة وسليم وفي كل القبائل عدد وسلاح. وأوعب مع رسول الله (ص) المهاجرون والأنصار ولم يتخلف منهم أحد. فلما نزل رسول الله (ص) مر الظهران، وقد عميت الأخبار على قريش، فلم يأتهم عن رسول الله (ص) خبر ولم يدروا ما هو فاعل، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به.

стр. 546

وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقى رسول الله (ص) في بعض الطريق. وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب تلقى رسول الله (ص) في بعض الطريق، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة لقد لقيا رسول الله (ص) فيما بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه. فكلمته أم سلمة فيهما. فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصهرك (١) قال: ((لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فقد هتك عرضي (٢) بمكة، وأما ابن عمتي وصهري، فهو الذي قال لي بمكة ما قال) (٣). فلما خرج إليهما بذلك ومع أبي سفيان بني له، فقال: والله لتأذنن لي، أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن بالأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك رسول الله (ص) رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا فأسلما. فلما نزل رسول الله (ص) بمر الظهران قال العباس: واصباح قريش: والله لئن دخل رسول الله (ص) مكة عنون قبل أن يستأمنوه، إنه لهلاك قريش آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله (ص) البيضاء، فخرجت إليها فجئت لأراك. فقلت: لعلي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله (ص) فيسأمنوه قبل أن يدخلها عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها، وألتمس ما خرجت له. إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما

стр. 547

يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانا ولا عسكرا. قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حشتها الحرب. قال يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة. فعرف صوتي. فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم. فقال: ما لك فداك أبي وأمي. فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله (ص) في الناس، واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله (ص) فاستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه. وحركت به، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين. قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله (ص) قالوا: عم رسول الله على بغلته حتى مررت بنار عمر بن الخطاب. فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة. قال: أبو سفيان! عدو الله قد أمكن الله منه بغير عقد، ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله (ص) وركضت البغلة فسبقته بما تسبق البغلة الرجل البطيء. فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله (ص) ودخل عمر ٠ فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان، قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله (ص) فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة دوني أحد. فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال: مهلا يا عباس.

стр. 548

والله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام أبي لو أسلم، وما بي إلا لأني قد عرفت أن إسلامك أحب إلى رسول الله (ص) من إسلام الخطاب. فقال رسول الله (ص): ((اذهب إلى رحلك يا عباس فإذا أصبحت فأتني به)) فذهبت به إلى رحلي فبات عندي. فلما أصبح غدوت به على رسول الله (ص)، فلما رآه رسول الله (ص) قال: ((ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله)) قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأحلمك وأوصلك. لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا. قال: ((ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله)) قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأحلمك وأوصلك، هذه كان في النفس منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن يضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق وأسلم. قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا. قال: ((نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن)) قلت: يا أبا سفيان: التجىء إلى قومك. قال: فخرج حتى جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الدسم الأحمش، فبئس طليعة قوم. قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاء بما لا قبل لكم به. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالو: ويحك ما تغني عنا دارك. قال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى

стр. 549

المسجد) (١). ٨ - وعن سعد (يعني ابن أبي وقاص) قال: (لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: ((اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح)) فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعد بن الحرث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمار، وكان أشب الرجلين فقتله. وأما مقيس بن صبابة فأدركه رجل من السوق في السوق فقتله. وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا. هاهنا: فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص، ما ينجيني في البر غيره. اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه آتي محمدا فأضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما قال: فجاء فأسلم) (٢). ...

стр. 550

من فقه الغزوة: ١ - كان سبب الفتح كما تقدم هو نقض قريش لعهدها، وعونها لبكر بن وائل على الاعتداء على خزاعة حليفة رسول الله (ص)، وقد حرص الرسول ﵊ على الوفاء بالعهد في أشد الظروف حراجة وصعوبة، وأعاد أبا بصير إلى قريش، وأعاد أبا جندل إلى قريش، فالغدر ليس من صفات النبيين وأتباعهم. لكن عندما ينقض العدو العهد، ويستبيح حمى النبي (ص)، ويعتدي على حلفائه، فلا مجال إلا للعقوبة الرادعة. ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم﴾ (١). ولن ينتهي الباغي عن بغيه ويرتدع، ما لم يجد القوة المرهبة التي تكفه. وحين يعرف أعداء الله أن الجماعة المسلمة لن تقبل بضيم، ولن تركن لاعتداء، يمكن أن يتوقفوا عن عدوانهم، وحين يعرف عامة الناس أن الجماعة المسلمة قادرة على حماية أبنائها وأصدقائها وحلفائها

стр. 551

فسيكونون معها، ويفدونها بالمهح والأرواح. لقد كانت استجابة رسول الله (ص) لنصرة بنى كعب، والرد على عدوان قريش من السرعة والحزم بحيث لا يقبل المناقشة والجدل، ((نصرت يا عمرو بن سالم، إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب)). ٢ - وجاء الأمر النبوي بالتهيؤ للغزو دون تحديد جهته في المراحل الأولى، حتى لتكتم عائشة رضوان الله عليها عن أبيها جهة الغزو، ثم كانت المرحلة الثانية أن أعلم رسول الله (ص) خاصته بذلك. وكانت التربية النبوية من السمو والعلو بحيث تكتم عائشة ﵂ ابنة السادسة عشرة الأمر عن أبيها، كما صدرت الأوامر بذلك، (فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنفى. فقال لها: يا بنية! لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت. فقال: أيريد رسول الله أن يغزو؟ فصمتت، فقال: يريد بني الأصفر - وهم الروم - فصمتت، قال: فلعله يريد أهل نجد؟ صمتت. قال: فلعله يريد قريشا؟ فصمتت ..) (١) وكانت الخطة النبوية كما دعا ﵊: ((اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فجأة)). ٣ - وشذ عن هذا الكتمان زلة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ الذي كتب إلى قريش كتابا يخبرهم فيه بتحرك محمد نحوهم .. وعولج الأمر ابتداء

стр. 552

بأخذ الكتاب، ثم كانت محاسبة حاطب، ولقد تدخل الوحي لتحقيق الرجاء النبوي، فأعلم محمدا (ص) بالأمر حتى أخذ الكتاب وحيل بينه وبين وصوله إلى قريش. وأكد حاطب عذره، بأن الذي دفعه لذلك، حرصه على ماله وولده، وليس كفرا أو ارتدادا أو شكا بنصر الله، فهو واثق من انتصار رسول الله (ص)، ولئن كان حضوره بدرا قد شفع له أن لا يعاقب، لكن الحكم في القضية لا بد أن يعمم لجميع المسلمين في كل عصر ومصر، فهو ضلال عن سبيل الله، ولو لم يكن يدفع له إلا الحفاظ على المال والولد: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ (١). ٤ - واصطدام أبي سفيان بالصف الداخلي الإسلامي الملتحم أذهله وأفقده صوابه، ولقد توك لأبي سفيان حرية التحرك في داخل هذا الصف، حتى ليدخل على بيت رسول الله (ص) ويخلو بأم حبيبة ﵂ زوج النبي (ص) وابنة أبي سفيان، دون أن يكون رقيب واحد على هذه الخلوة. ترى كم عظمة ثقة النبي (ص) بزوجه وجنده وصفه؟؟ فهو لا

стр. 553

يرى داعيا، حتى لمراقبة هذا اللقاء، وكانت أم حبيبة محل ثقة رسول الله (ص) بل بلغ بها الأمر أن تطوي فراش رسول الله (ص) وتحول بينه وبين الجلوس عليه، لأن أباها مشرك نجس، ولا يمس فراش رسول الله (ص) إلا طاهر. وكانت محاولات أبي سفيان المضنية ليس مع ابنته فقط، بل مع ابنة محمد (ص) فاطمة، وابنيها الحسن والحسين، وصهري رسول الله (ص) علي وعثمان، ووزيري رسول الله أبي بكر وعمر .. لقد كان يلقى جوابا واحدا لا يتغير مع الصغير والكبير والذكر والأنثى (ما كنت لأفتات على رسول الله (ص) بأمر) وعاد مخفقا من مهمته أن يتمكن من تجديد العهد وزيادة المدة. وكما تجاهل عذر قريش، تجاهله ﵊ ليحقق الهدف الذي يريد في غزو مكة دون علم أهل مكة، الذين غدروا بالعهد ونقضوه، ولعل الجدال مع أبي سفيان يثير انتباهه إلى احتمال الغزو. وبرزت عظمة الصف الإسلامي الملتحم مرة ثانية، وأبو سفيان رهينة بيد المسلمين (فما كان عند صلاة الصبح وأذن المؤذن، تحرك الناس فظن (أبو سفيان) أنهم يريدونه. قال: يا عباس ما شأن الناس؟ قال: تحركوا للمنادي للصلاة، قال: فكل هؤلاء، إنما تحركوا لمنادي محمد (ص)؟ قال: نعم. فقام العباس للصلاة وقام معه. فلما (فرغوا قال: يا عباس: ما يصنع محمد شيئا إلا صنعوا مثله؟ قال: نعم، ولو أمرهم أن يتركوا الطعام والشراب حتى يموتوا جوعا لفعلوا.

стр. 554

وإني لأراهم سيهلكون قومك غدا) (١). وهو الذي وصفهم بقوله: (جئتكم من عند قوم قلوبهم على قلب واحد، والله ما تركت منهم صغيرا ولا كبيرا ولا أنثى ولا ذكرا إلا كلمته، فلم أنجح منهم شيئا). وبمثل هذا الصف تفتح الأرض كلها، لا مكة وحدها، وهذا الجيل وهذا الصف هو الذي حمل الراية بعد، وسار بالإسلام إلى أقصى الأرض مشرق ومغربا، فصبيه ووليده يدرك مهمته، فيقول الحسن والحسين، ابنا الأربع سنين: نقول ما قالت أمنا. وابنة قائد الشرك تطوي الفراش عن أبيها، فهل سمعت الدنيا بمثل هذا الجيل؟! ٥ - لا بد من الوقوف بأناة عند أبي سفيان الذي مر بمراحل حتى وصل إلى الإسلام. فلقد غزي وهو في غزة عندما قابل هرقل، وقال له: (فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عند قدميه) فكان جواب أبي سفيان وموقفه المعلن: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملوك بني الأصفر) (٢). أما الجواب والموقف الخفي فكان: (فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام (٣).

стр. 555

لقد جاء أبو سفيان ابتداء ليواجه الموقف بعد قدومه من الشام، وهو مهزوم نفسيا، وهو يعرف يقينا أن أمر محمد سيظهر. وكانت المرحلة الثانية: يوم فشل في مهمته وعجز أن ينفذ من ثغرة واحدة في الصف الداخلي المسلم يحول دون المواجهة، وعرف أن خصمه محمدا وحزبه على قلب رجل واحد: كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فأعيا وأوهى قرنه الوعل وأنهم قلعة حصينة يرتد عنها كل من أرادها بسوء. وكانت المرحلة الثالثة: حين صار رهينة بيد المسلمين، وأصبح رهن إشارة النبي (ص) بقتله، وهم به عمر والمسلمون واستغاث بالعباس، فأجار العباس، ثم أتى في صبيحة اليوم الثاني ليمثل بين يدي رسول الله ﵊ .. وكانت المفاجأة الصاعقة له بدل التوبيخ له والإذلال له وتهديده بالقتل أن يدعى إلى الإسلام. لقد غدا خلقا آخر بهذا الموقف، فهو ليس أمام قائد خصم يريد إبادته وإبادة قومه، إنما هو أمام سيد أهل الأرض يدعوه إلى الإسلام، لقد اهتز كيانه كله في الدور الثالثة لتربيته، فلم يتمالك أن يقول: بأبي أنت وأمي يا محمد، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. إنه يفدي أعدى العدو بأبيه وأمه، ويثني عليه الخير كله: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. وكانت المرحلة الرابعة: أن يحبس حتى يرى جنود الله، كلها

стр. 556

بإمرة محمد (ص)، لقد كانوا قبل سنتين جميعا معه في الأحزاب، وها هم اليوم مع رسول الله (ص)، حتى رفيق دربه خالد بن الوليد هو اليوم قائد من قادة جيش محمد (ص). ولكن أكثر ما هاله وأفظعه كتيبة الأنصار. (قال: من هؤلاء يا عباس الذين كأنهم حرة سوداء؟ قال: هذه الأنصار عندها الموت الأحمر. فقال أبو سفيان: سر يا عباس، فلم أر كاليوم صباح قوم في ديارهم) (١). ولا غرابة بعد هذه المراحل الأربعة التي مر بها أن يمضي إلى مكة، لا ليجهز جيشا يواجه محمدا به، بل ليدعو قومه إلى الدخول إلى بيوتهم، إن كانوا حريصين عى حياتهم، ويسفه كل من يفكر بالمواجهة، وهو الذي أمضى عمره في حرب النبي صلوات الله وسلامه عليه: (ثم انطلق فلما أشرف على مكة نادى - وكان شعار قرش - يا آل غالب: أسلموا تسلموا. فلقيته امرأته هند، فأخذت بلحيته، وقالت: يا آل غالب، اقتلوا الشيخ الأحمق، فإنه صبأ. فقال: والذي نفسي بيده لتسلمن أو ليضربن عنقك) (٢). أو قوله: (ويحكم لا تغرنكم هذه عن أنفسكم، فإنه قد جاءكم

стр. 557

ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن). وصحيح أن أبا سفيان فرد بفخر من قومه أن اعتبرت داره من دون الدور جميعا مكان آمن، لكن الصحيح كذلك، أن تغدو الدار التي كانت تجهز الجيوش لحرب محمد (ص) دار الإسلام لمحمد ﵊. وكانت هذه الدورات الأربع كفيلة بتغيير البناء النفسي لقائد جيش العدو أبي سفيان، والانتقال به من ظلمة الكفر إلى واحة الإسلام وكانت هي صمام الأمان في تحطيم أية مواجهة للجيش الإسلامي المظفر. فهل يدرك الدعاة إلى الله مدى الجهد العنيف الدؤوب المخطط الذي بذل مع أعدى العدو حتى غدا الولي الحميم، والداعية إلى الله ورسوله في قومه؟؟؟ ٦ - ومن القائد العام لقريش إلى قيادات الدرجة الثانية، التي انضمت تباعا إلى الإسلام، ولم تحتج إلى كل تلك المراحل التي مر بها أبو سفيان، فهي لا تملك العقد التي لديه، وكثيرها سارع إلى الانضمام للإسلام من أول هزة إيمانية اجتاحها، فعكرمة رضوان الله عليه، يغدو إنسانا آخر منذ أن قيل له وهو مقدم على ركب البحر (لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص، ما ينجيني في البر إلا غيره، اللهم لك علي عهدا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا فأضع يده في يدي فلأجدنه عفوا

стр. 558

كريما فجاء فأسلم). وذلك أبو سفيان بن الحارث شاعر مكة وقريش الذي سخر شعره لهجو المسلمين، ومعه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، الذي مثل أعتى صور الكفر المعاندة، يقدمان فيعلنان إسلامهما بدافع ذاتي عميق، ولم يتأخر من القيادات إلا صفوان بن أمية الذي كانت الهزة الوجدانية عنده من غنائم حنين: (ما كان أحد على ظهر الأرض أبغض إلي من محمد، فما زال يعطيني من غنائم حنين حتى لم يعد أحد على ظهر الأرض أحب إلي من محمد). وهند بن عتبة التي دعت إلى قتل زوجها، وألبت الجيش، وكتبت الكتاب ضد محمد (ص) .. تتعرض للهزة الوجدانية المطلوبة ويبهرها تكبير المسلمين وتهليلهم، فتقول: ما رأيت الله عبد حق عبادته إلا هذا اليوم. ومضت لتكون على رأس المبايعات قائلة: (يا رسول الله، الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتنفعني رحمك، يا محمد إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة برسوله ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة. فقال رسول الله (ص): ((مرحبا بك)) فقالت: والله ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك. فقال رسول الله (ص) ((وزيادة)) (١).

стр. 559

٧ - وإذا كانت كل غزوة تمثل مرحلة من مراحل الدعوة، فلقد كان فتح مكة إيذانا بدخول الناس أفواجا في دين الله (وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم) (١). وإذا كانت الحديبية هي الفتح المبين الذي رفع عدد المسلمين من ألف وخمسمائة إلى عشرة آلاف يوم فتح مكة، فإن الفتح نفسه، قد رفع العدد إلى مائة ألف وزيادة يوم الحج الأكبر في حجة الوداع. وكان فقه ابن عباس ﵄ للسورة الكريمة، إيذانا بأجل رسول الله (ص) حيث حقق موعود الله تعالى في الأرض، وسقطت الأصنام الثلاثمائة والستون المنتصبة في الكعبة، وأخرجت الأزلام وكسر هبل، وارتفعت راية التوحيد، وسقطت معظم المعسكرات المعادية للإسلام في الأرض، بعد النصر الذي تم على اليهودية في خيبر، والنصرانية في مؤتة، والمشركين في الفتح. يقول ابن عباس ﵄: (.. قلت هو أجل رسول الله (ص) أعلمه الله له ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، فتح مكة، فذلك علامة أجلك ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم) (٢). ٨ - والطلقاء الذين عفا عنهم رسول الله (ص)، وهم مسلمة الفتح، مثلوا

стр. 560

تصفية آخر الجيوب الوثنية في مكة: ((يا معشر قريش: ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا: خير، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) وأعلن في سماء مكة لأول مرة دون منازع: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده ..)) (١). وانقلب الثأر لخزاعة المنكوبة إلى فتح جلجلت به الآفاق، ورفرفت راية التوحيد على ربوع مكة التي حاربت الدعوة عشرين عاما أو تزيد. ...

стр. 561

الفصل التاسع والعشرون غزوة حنين أحداث الغزوة: ١ - قال عباس: (شهدت مع رسول الله (ص) يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله (ص) فلم نفارقه، ورسول الله (ص) على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامى. فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين. فطفق رسول الله (ص) يركض بغلته قبل الكفار. قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله (ص) أكفها إرادة أن لا تسرع. وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله (ص). فقال رسول الله (ص): ((أي عباس ناد أصحاب السمرة)) فقال عباس - وكان رجلا صيتا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة. قال: فو الله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يالبيك قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحاث بن الخزرج. فنظر رسول الله (ص) وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم. فقال رسول الله (ص) هذا حين حمي الوطيس. قال: ثم أخذ رسول الله (ص) حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أري. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم

стр. 562

بحصياته. فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا) (١). ٢ - (قال رجل للبراء: يا أبا عمارة: أفررتم يوم حنين؟. قال: لا والله ما ولى رسول الله (ص) ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نصر. فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون. فأقبلوا هناك إلى رسول الله (ص)، ورسول الله على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل فاستنصر وقال: أنا النبي لا أكدب أنا ابن عبد المطلب، ثم صفهم) (٢). ٣ - وعن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا. قال: وفي عماية الصبح. وقد كان القوم قد كمنوا لنا في شعابه. وفي أجنابه ومضائقه قد أجمعوا وتهيؤوا وأعدوا. قال: فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد وانهزم الناس راجعين. فانشمروا لا يلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله (ص) ذات اليمين ثم قال: إلي أيها الناس. إلا أن مع رسول الله (ص) رهط من المهاجرين والأنصار وأهل بيته غير كثير. وفيمن ثبت معه أبو بكر وعمر ﵉ ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وابنه الفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن وأسامة بن زيد ﵉. قال: ورجل من هوازن على جمل له

стр. 563

أحمر في يده راية له سوداء في رأس رمح له طويل أمام الناس وهوازن خلفه. فإذا أدرك طعن برمحه. فإذا فاته الناس رفع لمن وراءه فاتبعوه قال: وبينما ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه قال: فيأتيه على من خلفه فيضرب عرقوبي الجمل فيوقع عجزه ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه. فانعجف عن رحله واجتلد الناس فوالله ما رجعت رجعة الناس حتى الأسارى مكتفين عند رسول الله (ص)) (١) ٤ - وعن عبد الله بن مسعود قال: (كنت مع النبي (ص) يوم حنين قال: فولى الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار فنكصنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله (ص)، على بغلته يمضي قدما فحارت به بغلته. فمال عن السرج. فقلت: ارتفع رفعك الله. فقال: ناولني كفا من تراب فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا. قال: أين المهاجرون والأنصار قلت: هم أولاء. قال: اهتف بهم فهتفت بهم. فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم) (٢). ٥ - وعن الحارث بن بدل قال: (شهدت رسول الله يوم حنين وانهزم

стр. 564

أصحابه أجمعون إلا العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان بن الحارث فرمى رسول الله (ص) وجوهنا بقبضة من الأرض فانهزمنا، فما يخيل إلي أن كل شجرة ولا حجر إلا وهو في آثارنا) (١). ٦ - وعن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول الله (ص) في غزوة حنين في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر. فلما زالت الشمس. لبست لأمتي وركبت فرسي فأتيته في فسطاطه فسلمت عليه فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقلت: حان الرواح يا رسول الله قال: فناد بلالا. فثار بلال من تحت شجرة كأن ظله ظل طائر. فقال لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال: أسرج لي فرسي سرجا دفتاه من ليف ليس فيه أشر ولا بطر فأسرج له ثم ركب ومضينا عشيتنا وليلتنا. فلما تسامت الخيلان (٢) ولى المسلمون مدبرين كما قال الله فقال رسول الله (ص) يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله واقتحم عن فرسه فنزل فأخذ كفا من حصى قال: فحدثني من هو أقرب إليه مني أنه ضرب وجوههم وقال: شاهت الوجوه فهزم الله المشركين. قال: فحدثني أبناؤهم أن آباءهم قالوا: فما بقي منا يومئذ أحد إلا امتلأت عينه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة من السماء إلى الأرض كإمرار الحديد على الطست) (٣).

стр. 565

٧ - وقال محمد بن شهاب: (وزعم عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبره أن رسول الله (ص) قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوا أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله (ص): ((معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه. فاختاروا إحدى الطائفتين. إما السبي وإما المال. وقد كنت استأنيت بكم - وكان نظرهم رسول الله - (ص) - بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف - فلما تبين لهم أن رسول الله (ص) غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا. فقام رسول الله - (ص) - في المسلمين. فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: ((أما بعد فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين، وقد رأيت أن أرد إليهم سبيهم. فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل. ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا.)) فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله (ص) فقال: ((إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم.)) فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله (ص) فأخبرو أنهم قد طيبوا وأذنوا) (١). ٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: لما فرغ النبي (ص) من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس. فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى، وبعثني مع أبي عامر. فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته. فانتهيت
следующие страницы →