← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الفصل التاسع والعشرون غزوة حنين أحداث الغزوة: ١ - قال عباس: (شهدت مع رسول الله (ص) يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله (ص) فلم نفارقه، ورسول الله (ص) على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامى. فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين. فطفق رسول الله (ص) يركض بغلته قبل الكفار. قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله (ص) أكفها إرادة أن لا تسرع. وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله (ص). فقال رسول الله (ص): ((أي عباس ناد أصحاب السمرة)) فقال عباس - وكان رجلا صيتا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة. قال: فو الله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يالبيك قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحاث بن الخزرج. فنظر رسول الله (ص) وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم. فقال رسول الله (ص) هذا حين حمي الوطيس. قال: ثم أخذ رسول الله (ص) حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أري. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم

стр. 562

بحصياته. فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا) (١). ٢ - (قال رجل للبراء: يا أبا عمارة: أفررتم يوم حنين؟. قال: لا والله ما ولى رسول الله (ص) ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نصر. فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون. فأقبلوا هناك إلى رسول الله (ص)، ورسول الله على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل فاستنصر وقال: أنا النبي لا أكدب أنا ابن عبد المطلب، ثم صفهم) (٢). ٣ - وعن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا. قال: وفي عماية الصبح. وقد كان القوم قد كمنوا لنا في شعابه. وفي أجنابه ومضائقه قد أجمعوا وتهيؤوا وأعدوا. قال: فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد وانهزم الناس راجعين. فانشمروا لا يلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله (ص) ذات اليمين ثم قال: إلي أيها الناس. إلا أن مع رسول الله (ص) رهط من المهاجرين والأنصار وأهل بيته غير كثير. وفيمن ثبت معه أبو بكر وعمر ﵉ ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وابنه الفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن وأسامة بن زيد ﵉. قال: ورجل من هوازن على جمل له

стр. 563

أحمر في يده راية له سوداء في رأس رمح له طويل أمام الناس وهوازن خلفه. فإذا أدرك طعن برمحه. فإذا فاته الناس رفع لمن وراءه فاتبعوه قال: وبينما ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه قال: فيأتيه على من خلفه فيضرب عرقوبي الجمل فيوقع عجزه ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه. فانعجف عن رحله واجتلد الناس فوالله ما رجعت رجعة الناس حتى الأسارى مكتفين عند رسول الله (ص)) (١) ٤ - وعن عبد الله بن مسعود قال: (كنت مع النبي (ص) يوم حنين قال: فولى الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار فنكصنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله (ص)، على بغلته يمضي قدما فحارت به بغلته. فمال عن السرج. فقلت: ارتفع رفعك الله. فقال: ناولني كفا من تراب فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا. قال: أين المهاجرون والأنصار قلت: هم أولاء. قال: اهتف بهم فهتفت بهم. فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم) (٢). ٥ - وعن الحارث بن بدل قال: (شهدت رسول الله يوم حنين وانهزم

стр. 564

أصحابه أجمعون إلا العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان بن الحارث فرمى رسول الله (ص) وجوهنا بقبضة من الأرض فانهزمنا، فما يخيل إلي أن كل شجرة ولا حجر إلا وهو في آثارنا) (١). ٦ - وعن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول الله (ص) في غزوة حنين في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر. فلما زالت الشمس. لبست لأمتي وركبت فرسي فأتيته في فسطاطه فسلمت عليه فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقلت: حان الرواح يا رسول الله قال: فناد بلالا. فثار بلال من تحت شجرة كأن ظله ظل طائر. فقال لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال: أسرج لي فرسي سرجا دفتاه من ليف ليس فيه أشر ولا بطر فأسرج له ثم ركب ومضينا عشيتنا وليلتنا. فلما تسامت الخيلان (٢) ولى المسلمون مدبرين كما قال الله فقال رسول الله (ص) يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله واقتحم عن فرسه فنزل فأخذ كفا من حصى قال: فحدثني من هو أقرب إليه مني أنه ضرب وجوههم وقال: شاهت الوجوه فهزم الله المشركين. قال: فحدثني أبناؤهم أن آباءهم قالوا: فما بقي منا يومئذ أحد إلا امتلأت عينه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة من السماء إلى الأرض كإمرار الحديد على الطست) (٣).

стр. 565

٧ - وقال محمد بن شهاب: (وزعم عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبره أن رسول الله (ص) قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوا أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله (ص): ((معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه. فاختاروا إحدى الطائفتين. إما السبي وإما المال. وقد كنت استأنيت بكم - وكان نظرهم رسول الله - (ص) - بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف - فلما تبين لهم أن رسول الله (ص) غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا. فقام رسول الله - (ص) - في المسلمين. فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: ((أما بعد فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين، وقد رأيت أن أرد إليهم سبيهم. فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل. ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا.)) فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله (ص) فقال: ((إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم.)) فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله (ص) فأخبرو أنهم قد طيبوا وأذنوا) (١). ٨ - عن أبي موسى ﵁ قال: لما فرغ النبي (ص) من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس. فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى، وبعثني مع أبي عامر. فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته. فانتهيت

стр. 566

إليه. فقلت يا عم من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت إليه فلحقته، فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت. فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته. ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته. فنزا منه الماء. قال: يابن أخي اقرىء النبي (ص) السلام وقل له: استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس. فمكث يسيرا ثم مات. فرجعت فدخلت على النبي (ص) في بيته على سرير مرمل وعليه فراش. قد أثر رمال السرير بظهره وجنبه. فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال: قل له: استغفر لي. فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: ((اللهم أغفر لعبيد أبي عامر)) ورأيت بياض إبطيه. ثم قال: ((اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس)). فقلت: ولي فاستغفر. فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما) (١). ٩ - وعن أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع النبي (ص) عشرة آلاف، ومن الطلقاء. فأدبروا عنه حتى بقي وحده. فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه. فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك. ثم التفت عن يساره. فقال: يا معشر الأنصار. قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك. وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون. فأصاب يومئذ غنائم كثيرة. فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا.

стр. 567

فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا. فبلغه ذلك. فجمعهم في قبة. فقال: ((يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم)) فسكتوا. فقال: ((يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله (ص) تحوزونه إلى بيوتكم.)) قالوا: بلى: فقال النبي (ص): ((لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار.)) فقال هشام: يا أبا حمزة وأنت شاهد على ذلك. قال: وأين أغيب عنه) (١). ... من فقه الغزوة: ١ - لقد كانت حنين في حقيقة الأمر امتدادا لفتح مكة. غير أنا أفردناها عن فتح مكة. لأن القرآن الكريم أفردها بالذكر. وتطوى في هذا المجال الفترة الزمنية. بينما يأخذ الحديث عن عبر حنين مداه. لأنها تمثل خطا أصيلا من خطوط مبادىء النصر والهزيمة في الإسلام. ٢ - ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضافت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين. ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم﴾ (٢).

стр. 568

أ - (لن نغلب اليوم عن قلة) (١) قالها رسول الله (ص)، أو قالها رجل من بني بكر، أو قالها غلام من الأنصار. وحين يقولها النبي (ص) إنما يعني أن الخلل لن يأتي من العدد - والله أعلم - وحين يقولها غيره. فلا شك أن كثرة العدد قد غرته وأعجبته. ورأى أنه لن يكون هزيمة وهذه الأعداد الضخمة قائمة، والتي بلغت اثني عشر ألفا من المسلمين أو أربعة عشر الفا في رواية ثانية. ولم تشهد جزيرة العرب جيشا بهذه الضخامة منذ أن وجدت الجزيرة. وهم مسلمون وفيهم رسول الله (ص). فلن يتطرق إلى ذهن أحدهم وقوع الهزيمة بحال. ب - غير أن الله تعالى الذي نصر المؤمنين في مواقع كثيرة. أراد أن يتربى هذا الجيش كله، وبأعداده الضخمة الوافدة الجديدة. على مبدأ - النصر من عند الله - وأن الله تعالى هو الذي يهبه ويعطيه ابتداء. وليس النصر متحققا بكثرة العدد والعدة، وقوة الشكيمة. وإن كانت هذه أسباب يكلف المسلم بها من حيث الإعداد والتهيؤ. وفي المرحلة السابقة كان هذا الأمر واضحا لهم من الواقع العملي. ففي كل المعارك التي خاضوها كان عددهم أقل. ففي حسهم النصر من عند الله واقع. لأنهم أقل عددا وعدة. أما الآن. وقد دخل الناس في دين الله أفواجا، وطغى جانب الثقة بالعدد والكثرة والعدة. وضعف

стр. 569

في حس الناس تجريد النصر من عند الله وحده عن أي مفهوم آخر. خصوصا أن كثيرا من هذه الأعداد قد انضمت إلى الإسلام. انطلاقا من قوة النبي (ص) وتمكنه في الأرض بعد الحديبية. ودخوله مكة باعتراف رسمي من قريش. وأعطي الحق لكل قبيلة تود أن تحالف محمدا أو تنضم له. من خلال وثيقة الحديبية. هذه العوامل كلها اجتمعت. فكونت هذا الخلل في مفهوم - النصر الرباني - فكان لابد من هذا الدرس المباشر. الذي شهده المسلمون كي يتبرأوا من حولهم وقوتهم. ويكون توكلهم واعتمادهم على الله تعالى واهب النصر. ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ...﴾ (١). ٣ - وتتراوح الروايات عن الذين ثبتوا مع رسول الله (ص) بين بضعة أفراد إلى بضعة وثمانين فردا. وهذه الأرقام في أعلاها وأدناها تبقى ذات مغزى هائل حين يثبت قرابة المائة - على الرواية الأكثر عددا - من اثني عشر ألفا. وتعني أن المسلمين من الممكن أن ينتهوا. لولا ثبات النبي (ص) ومن معه. وثبات رسول الله (ص) وإركاض بغلته قبل الكفار. تعني أنه أشجع الخلق. وتعني أنه اثبت الناس. وإنما تقاس شجاعة الناس به ﵊ وكما يقول البراء ﵁: ((ولقد كنا إذا حمي البأس نتقي برسول الله (ص) وإن الشجاع الذي يحاذي به)) (٢). والقائد الفذ بثباته هو الذي يستطيع أن يحول الهزيمة نصرا بإذن

стр. 570

الله. ولقد فعلها رسول الله (ص) مرتين. مرة في أحد، ومرة في حنين. ومرت عليه مرحلة. ليس معه أحد .. وثباته هو الذى يجعل الناس يفيؤون إليه ويتابعون مواجهتهم مع العدو. ٤ - وحين نقف مع النوعيات التي ثبتت مع رسول الله (ص) نلاحظ أنها تمثل خلاصة الصف الأول من المهاجرين والأنصار. كما روى ابن مسعود ﵁ ((فولى الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار. فنكصنا على أقدامنا نحو من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة)). ونلاحظ أنه بين هذه الصفوة المختارة مجموعة جديدة تكاد تكويا من مسلمة الفتح. نشهد العباس بن عبد المطلب ﵁. وهو الذي تلقى رسول الله (ص) قبل دخول مكة. وشهد أبا سفيان بن الحارث ﵁ ابن عم النبي (ص). والذي يشهد أول مشهد معه ﵊ والذي رفض رسول الله ابتداء أن يلقاه وقال عنه: أما ابن عمي فقد هتك عرضي. وكلاهما العباس وأبو سفيان. وولد العباس الفضل. وأخو أبي سفيان ربيعة بن الحارث. وعلي بن أبي طالب. وهذا الحصن الحصين الذي تماسك حول رسول الله (ص) يحميه هم من أهل بيته. وها هو شيبة بن عثمان الذي أراد أن يهتبل الفرصة لاغتيال رسول الله (ص) في خضم هذه الهزيمة. يصفه فيقول: (فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا العباس بن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج. فقلت: عمه ولن يخذله. ثم جئته عن يساره. فإذا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. فقلت: ابن عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف. إذ رفع

стр. 571

شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق. فخفت أن يمحشنى. فوضعت يدي على صدري ومشيت القهقرى. فالتفت رسول الله (ص) وقال: ((يا شيب ادن مني، اللهم اذهب عنه الشيطان)) قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي ومن بصري. فقال: ((يا شيب قاتل الكفار)) (١). وفي لحظة. انضمت لبنة جديدة إلى القلعة التي كانت تحمي النبي (ص). بعد أن كان قد أقدم مصمما على اغتياله. إن قوة الإيمان والعقيدة. ليس من الضرورة أن يمر عليها الزمن والسنون الطوال حتى تثبت. وأبو سفيان بن الحارث، وشيبة بن عثمان. قد اسلموا ومحضوا الإسلام قلوبهم. وفي أيام أو لحظات وصلوا إلى مصاف السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بثباتهم. والدعاة إلى الله تعالى. بحاجة إلى تبصر هذه المواقف. وإلى التثبت العميق في حكمهم على الناس. ومدى تمكن الإسلام منهم. بين من آمن خالصا من قلبه. فتغير تركيبه وتكوينه وغدا إنسانا آخر. وبين من دخل الإسلام خوفا أو رغبة. فلا بد أن تصقله الأيام والسنون حتى تتعمق معاني الإيمان في قلبه. وكانت الطبقة الثانية التي انضمت للطبقة الأولى. هي طبقة الأنصار عموما الذين بلغوا قرابة الألف. وذلك حين توجه النداء من رسول الله (ص).

стр. 572

((قال أين المهاجرون. والأنصار؟)) قلت: هم أولاء قال: ((اهتف بهم.))) فجاؤوا سيوفهم بأيمانهم كأنهم الشهب.) ونادى أصحابه وزمزم: يا أصحاب البيعة يوم الحديبية: الله. الله الكرة على نبيكم! يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج، يا أصحاب سورة البقرة. (أي عباس ناد أصحاب السمرة - أي الذين بايعوا تحت الشجرة يوم الحديبية - فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطف البقر على أولادها. فقالوا: يالبيكاه، يالبيكاه. فاقتتلوا هم والكفار.) وهذه المرحلة الثانية من المعركة التي شهدت الهول الأكبر من زخم الهجوم من هوازن، وضراوة الدفاع من هذه الألف. (فنظر رسول الله (ص) وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: هذا حين حمي الوطيس. ٥ - وقد تحقق الهدف من الدرس. لكن الله تعالى لن يخذل نبيه. فحين كان وحده أو معه بضعة أفراد أو بضعة عشر فردا. كان هذا في حس المسلمين. أما في حس الكفار. فقد كانت آلاف الملائكة تملأ الساحة وتسد الأفق. فلم يشعر المشركون أبدا أن الساحة خالية. وأن الذين بقوا من المسلمين بضعة أفراد أو بضعة عشر. بل كان الرعب يزعزع قلوبهم. وكان السلاح الثاني الذي زلزل الجيش كله بعد نزول الملائكة. هو سلاح الحصيات أو التراب الذي رمى به رسول الله (ص) المشركين.

стр. 573

(ثم قال: ((انهزموا ورب محمد)) فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى. فوالله ما هو أن رماهم بحصياته. فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا). (ثم قبض قبضة من تراب الأرض، واستقبل به وجوههم وقال: ((شاهت الوجوه)). فما خلى الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة. فولوا مدبرين). إن الله تعالى قادر على أن ينزل نصره. بدون المسلمين جميعا. وآلافهم المؤلفة. وقادر جل شأنه أن يفعل بقبضة الحصى والتراب. ما يعجز عن فعله عشرات الألوف من السيوف والرماح. وقادر جل شأنه أن يزلزل الأرض بعدوه. من دون قتال. ولكنها السنة الإلهية. فلم يقاتل الملائكة في حنين. لكنها أبقت المسلمين كثرة في أعين عدوهم. ريثما بدأ توافد المسلمين من جديد. وحمي الوطيس، واستعرت المعركة. ولم تقض كف الحصباء على المشركين. إنما ملأت عيونهم ترابا ثم راحت سيوف المسلمين تعمل في رقابهم. وشاءت إرادته تعالى أن يتم النصر ظاهرا من خلال عالم الأسباب. بعد أن حمى رسوله وخذل عدوه حين انقطع عالم الأسباب. ٦ - وفي معركة القلوب برزت أعظم ظاهرتين. وبرزت من خلالهما المستويات الإيمانية الرفيعة. وكانت الأولى: إعادة سبايا هوازن لهوازن. بعد أن تم

стр. 574

توزيعهن على الجيش كله. وعظمة التجربة والتربية النفسية اتنها تمت بعد تملك المسلمين للسبايا. وليس قبل ذلك. حتى تمتحن هذه النفوس بإيثارها. واستعدادها للتخلي عن أعز ما تحب وتشتهي دون أمر أو قسر أو إكراه. بل بمحض الرغبة والاختيار. وأن يتعنت اثنان أو ثلاثة من قادة القبائل. فهو وضع مثالي كذلك بين المئات الذين أعلنوا تنازلهم دون إكراه ودون مقابل. وذلك من خلال القدوة العملية. ابتداء من رسول الله (ص) ثم أبي بكر وعمر، وانتهاء بعيينه بن حصن والاقرع بن حابس. وكانت الثانية: يوم اعطيت غنائم حنين. للمؤلفة قلوبهم. وحرم منها الأنصار ولما تزل سيوف الأنصار تقطر من دمائهم. وهم الذين نصروا رسول الله (ص) منذ بيعة العقبة. وفي كلمات خالدات. ختمهن ﵊ بقوله: ((ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون أنتم برسول الله (ص) ..)) فقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. وما زالوا يبكون حتى اخضلت لحاهم.) ولو كان هذا الأمر في غير جيش النبوة وفي غير ميزان الله. لقطع الأمير والقائد قطعا قطعا بتهمة محاباة أهله على حساب القانون. بالسيوف التي مكنت له. وحين يرتفع الدعاة إلى الله إلى هذه الآفاق العليا من التجرد والإيثار. حين ذلك. يصغي الوجود لهم. فيحكموه. كما حكمه الجيل الرائد من قبل. ألا ما أروع المحنة التي تكشف المعادن العالية، والآفاق السامية للرجال. فتعطى الدنيا. لتكسب سيدها بلا نزاع.

стр. 575

الفصل الثلاثون غزوة تبوك أحداث الغزوة: ١ - قال ابن اسحاق: ثم أقام رسول الله (ص) بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب - يعني من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. وقد ذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة (١) وغيرهم من علمائنا. كل حدث في غزوة تبؤ ما بلغه عنها. وبعض القوم يحدث ما لا يحدث بعض: (أن رسول الله (ص) أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارجم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه. وكان رسول الله (ص) قلما يخرج في غزوة، إلا كنى عنها. وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له. إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال رسول الله (ص) ذات يوم للجد بن قيس أحد بني سلمه: يا جد. هل لك هذا العام في جلاد بني الأصفر؟. فقال: يا رسول الله أو تأذن لي فلا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد

стр. 576

عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر (الروم) أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله (ص) وقال: قد أذنت لك. ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾) (١). وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق، وإرجافا برسول الله (ص) فأنزل الله ﵎: ﴿.. وقالوا لاتنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون﴾) (٢). قال ابن هشام: وحدثني الثقة عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق ابن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله (ص) أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله (ص) في غزوة تبوك. فبعث إليهم النبي (ص) طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم. ففعل طلحة. فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت. فانكسرت رجله. واقتحم أصحابه، وأفلتوا) (٣). ٢ - عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي (ص) بألف دينار .. حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره. قال

стр. 577

عبد الرحمن: فرأيت النبي (ص) يقلبها في حجره ويقول: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم))) مرتين) (١). وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما حصر عثمان أشرف عليهم فوق داره ثم قال .. اذكركم بالله هل تعلمون أن رسول الله (ص) قال في جيش العسرة. من ينفق نفقه متقبلة والناس مجهدون معسرون. فجهزت ذلك الجيش؟ قالوا: نعم ....) (٢). ٣ - ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله (ص) وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم. فاستحملوا رسول الله (ص) وكانوا أهل حاجة. فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) (٣). وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه. فلم يعذرهم الله تعالى وقد ذكر لي أنهم نفر من غفار (٤). ثم استتب برسول الله (ص) سفره، وأجمع السير. وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله (ص) حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب منهم: كعب بن مالك .. ومرارة بن الربيع .. وهلال بن أمية. وأبو خيثمة (٥). وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم (٦).

стр. 578

٤ - (وقد كان رسول الله (ص) حين مر بالحجر (١) نزلها، واستقى الناس من بئرها. فلما راحوا قال رسول الله (ص): لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضؤوا منه. وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا. ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله (ص)، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه. وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتمله الريح حتى طرحته في جبل طيىء. فأخبر بذلك رسول الله (ص) فقال: ألم أنهكم عن أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه، ثم دعا رسول الله (ص) للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبل طيىء. فإن طيئا أهدته لرسول الله (ص) حين قدم المدينة) (٢). ٥ - وعن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن العسرة. فقال: عمر: خرجنا مع رسول الله (ص) إلى تبوك. في قيظ شديد. فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد. حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويضعه على بطنه. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله عودك في الدعاء خيرا فادع فقال النبي (ص): أتحب ذلك يا أبا بكر: قال: نعم. فرفع رسول الله (ص) يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت. فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر) (٣)

стр. 579

٦ - ولما انتهى رسول الله (ص) إلى تبوك. أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة. فصالح رسول الله (ص) وأعطاه الجزية. وأتاه أهل جرباء وأذرح. فأعطوه الجزية. فكتب رسول الله (ص) لهم كتابا فهو عندهم. فكتب ليحنة بن رؤبة: بسم الله الرحمن الرحيم: هذه أمنة من الله، ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة. سفنهم وسياراتهم في البر والبحر. لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا. فإنه لا يحول ماله دون نفسه. وإنه طيب لمن أخذه من الناس. وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر (١). ٣ - ثم إن رسول الله (ص) دعا خالد بن الوليد. فبعثه إلى أكيدر دومة. (هو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها، وكان نصرانيا، فقال رسول الله (ص) لخالد: إنك ستجده يصيد البقر. فخرج خالد حتى إذا كان بحصنه على منظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته. فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر. فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته. فيهم أخ يقال له حسان. فركب، وخرجوا معهم بمطاردهم. فلما خرجوا تلقفتهم خيل رسول الله (ص)

стр. 580

فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب. فاستلمه خالد. فبعث به إلى رسول الله (ص) قبل قدومه به عليه. قال ابن اسحاق عن أنس بن مالك: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله (ص). فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعحبون منه. فقال رسول الله (ص) أتعجبون من هذا؟ فو الذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله (ص). فحقن له دمه، وصالحه على الجزية. ثم خل سبيله. فرجع إلى قريته (١). من فقه الغزوة: لسنا أمام معركة يسود فيها القتل والضرب والطعان. لكننا أمام معركة نفسية من أعنف المعارك. يتدرب فيها المسلمون على مشاق الحياة وصعوباتها، ويتعلمون فيها على الانضباط، والالتزام التام، بالأوامر والنواهي والجهاد بالمال قبل الجهاد بالنفس. ١ - لقد كانت تبوك أول تجربة لهذا التجمع الإسلامي الذي امتد في الجزيرة العربية كلها، وبلغت الأخبار إلى رسول الله (ص) (أن الروم قد جمعوا جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة. وأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة وزحفوا، وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص. ولم يكن ذلك. إنما ذلك قيل.

стр. 581

فقالوه) (١) فإذا كان الروم قد عبؤوا كل قواتهم في الأرض العربية للمواجهة. فلابد للمسلمين أن يعبؤا قواتهم كذلك. وحيث أن المسافة طويلة، والمواجهة صعبة. فقد أعلن ﵊ ابتداء عن اتجاه الغزوة. (وبعث إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم فبعث بريدة بن الحصيب وأمره أن يبلغ الفرع. وبعث أبا رهم الغفاري إلى قومه، وأبا واقد الليثي إلى قومه، وأبا جعدة الضمري إلى قومه بالساحل، ورافع بن مكيث إلى جهينة، ونعيم بن مسعود إلى أشجع، وبديل بن ورقاء والأبسر بن سفيان إلى بني كعب بن عمرو (من خزاعة) والعباس بن مرداس إلى بني سليم.) (٢) وحض على الجهاد ورغب فيه. وبهذه التعبئة التي مثلت أضخم تحرك إسلامي في حياته (ص). (وسار ومعه ثلاثون ألفا، وعشرة آلاف فرس، واثنا عشر ألف بعير. وقال أبو زرعة: كانوا سبعين ألفا، وفي رواية أربعين ألفا) (٣). وكان عنف التجربة في الوقت التي اختير لها (وذلك في وقت عسره من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، يكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه. وكان رسول الله (ص) قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذى يصمد له. إلا ما كان من غزوة تبوك. فإنه بينها للناس لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمر الناس بالجهاز،

стр. 582

وأخبرهم أنه يريد الروم) (١) لاشك أن رسول الله (ص) قد حقق ذروة النجاح في هذا الجيش الذي بلغ مائة ضعف جيشه الأول في بدر. وبدون أن يستعمل الإرهاب والسجن، والإعدام للخيانة العظمى. إنما تم هذا الأمر فقط. من خلال الحث والدعوة والتذكير بالجهاد. وما عرفت أمة في الأرض. تقاد بدافعها القلبي. دون رهبة. أو رعب أو فتك. كما عرفت هذه الأمة. في هذا الجيل الرائد .. وهذه القيادة النبوية التي غيرت وجه الدين، وجمعت كل الطاقات المسلمة في الأرض العربية. لتكون في مواجهة العدو. ٢ - ومن أين يزود هذا الجيش بالمال؟ إنه يحتاج إلى ميزانية سنوية عامة. وقد سدها أفراد أفذاذ. أغنياء. حملوا أعباء التعبئة المادية. بل بلغ جهد فرد واحد فيه أن جهز ثلث الجيش: (وأول من حمل صدقته أبو بكر الصديق ﵁. جاء بماله كله، أربعة آلاف درهم. فقال له رسول الله (ص): هل أبقيت شيئا؟ قال: الله ورسوله!. وجاء عمر ﵁ بنصف ماله .. وحمل العباس بن عبد المطلب ﵁ مالا يقال إنه تسعون ألفا، وحمل طلحة بن عبيد الله مالا، وحمل عبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية، وحمل سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة مالا. وتصدق عاصم بن عدي بتسعين وسقا من تمر. وجهز عثمان بن عفان ﵁ ثلث ذلك الجيش. فكان من أكثرهم نفقة. حتى كفى ثلث ذلك الجيش مؤونتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة!! فجاء بألف دينار ففرغها في حجر النبي (ص). فجعل يقلبها ويقول:

стр. 583

ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم، قالها مرارا. ورغب ﵇ أهل الغنى في الخير والمعروف. فتبادر المسلمون إلى ذلك. حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج. وأتت النساء بكل ما قدرن عليه فكن يلقين في ثوب مبسوط بين يدي النبي (ص) المسك (١)، والمعاضد (٢)، والخلاخل، والأقرطة، والخواتيم، والخدمات. (٣)) (٤). وهذه المساهمة العامة التي اشترك بها الغني والفقير، والمرأة والرجل. استطاعت أن تمون الجيش كله. خلال الدافع القلبي كذلك، والترغيب بما عند الله . لقد غدا المجتمع الإسلامي كله أسرة واحدة. يعيش محنته، ويعيش. أمله. وكأنما هو على قلب رجل واحد. ومن شذ. شذ في النار. والجماعة المسلمة. بحاجة إلى أن تتعلم من هذا المجتمع النبوي. المستوى العالي الذي بلغه في التربية فيجهز أعظم جيش ويمول أكبر جيش بالتذكير. والترغيب فقط. ولابد أن تراجع نفسها في الواقع العملي

стр. 584

لا في المد الشعوري والعاطفي حين تطرح المواجهة مع العدو. وأن تربيتها صارت على مستوى هذه المواجهة. أم لا. حتى لا تعتورها العجلة، وينتابها الغرور. فتضحي بشبابها قبل الأوان. ٣ - وظاهرة النفاق التي برزت من جديد. مستفحلة. منظمة، مخططة. بعد أن اختفت أو كادت تختفي قبل فتح مكة. ويكفي أن نلاحظ أن القرآن الكريم أفرد لها من المعالجة في سورة التوبة أكثر من نصف السورة. هي أمر طبيعي. تعكس ضخامة الامتداد البشري والمكاني للإسلام. والذي رافق قوة الإسلام وسيادته في الأرض. فلم يعد أمام الناس إلا الإسلام. وكانت وفود القبائل تترى لتعلن إسلامها وانضمامها للمعسكر النبوي، ولا شك أن بعض هذه القبائل أو قياداتها. لم يكن مخلصا في دخوله الإسلام. لكنه لابد أن ينحني للعاصفة، ويسعى بعد ذلك للمواجهة. خوفا على سلطانه، وخوفا على طغيانه أن ينتزع منه. وبرزت مظاهر هذا النفاق في جوانب شتى. (أ) في التخلف عن الجهاد. والاعتذار بأعذار واهية. فندها القرآن جميعا، وعراها وعرى أصحابها. (ب) في التثبيط عن الجهاد، ودعوة الناس للقعود. وقالوا: لا تنفروا في الحر. قل نار جهنم أشد حرا. (ج) في اللمز من المطوعين الذين لا يجدون إلا جهدهم. فيسخرون منهم. (د) في اتهام المنفقين بالرياء. حتى. لا يسلم الصف الإسلامى. ويسود فيه اللغط والغيبة. (ض) في التشكيك بالمعجزات النبوية أثناء الغزوة. والحرص على مخالفة

стр. 585

الأوامر النبوية ما أمكنهم ذلك. (و) في محاولة اغتيال رسول الله (ص). ورميه من العقبة عن ناقته. (ز) في بناء مسجد الضرار لتفريق كلمة المؤمنين. وليكون مركزا لتخطيطاتهم. ووكرا لمؤامراتهم. (ح) في الهزء والسخرية بالمؤمنين المجاهدين. ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب وغير ذلك من المؤامرات والأساليب التي ابتكرتها لهم قياداتهم. ٤ - ولابد من الإشارة إلى أن غزوة تبوك كشفت تفاوت المستويات الإيمانية. خاصة. وهذه الأعداد الهائلة ليست على مستوى واحد من التربية. وظهرت طبقات شتى في المجتمع الإسلامي. ضمن الصف المؤمن نفسه. وهذه المستويات. هي غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وقد تتشابه المظاهر أحيانا بين المؤمنين الضعفاء وبين المنافقين. يقول ابن كثير ﵀. كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام: (١) مأمورون مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم مكتوم (وقد تخلفوا بأمر رسول الله (ص). (٢) معذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلون. وهم البكاؤون. (أي الذين لم يجدوا ما ينفقون لجهادهم). (٣) وعصاة مذنبون وهم الثلاثة. (كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (وقد تاب الله عليهم) وأبو لبابة وأصحابه المذكورون. (٤) وآخرون ملومون مذمومون. وهم المنافقون.

стр. 586

وطبقات هذا المجتمع الإسلامي. حين نأخذها عن سورة التوبة. نلاحظ أنها كما يلي: (١) ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾) (١). (٢) ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾) (٢). (٣) ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾) (٣). (٤) ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾) (٤). والطبقة الرابعة تاب الله عليها فيما بعد ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضافت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾) (٥). (٥) الذين عذرهم الله ﵎ ابتداء: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما يفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك

стр. 587

لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾) (١). وهذه الطبقة الخامسة. تكاد تنضم إلى الطبقة الأولى. فقد قال فيهم رسول الله (ص): (عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: ((إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم))). فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: ((وهم بالمدينة. حبسهم العذر))) (٢). وإذا كان الأمر يقتصر في النهاية على ثلاث طبقات هي: السابقون، والمقصرون، والمنافقون. لكن تفاوت المستويات الإيمانية يبقى كبيرا جدا بين السابقين الأولين والمقصرين. وكما يقول القرآن الكريم في موطن آخر: ﴿... فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق للخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير﴾) (٣) لكن الذي نقوله: أن الطبقة الأولى هي الطبقة التي يقوم على أكتافها تربية الطبقة الثالثة. وهي التي تمثل القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي. وهي التي تهضم الطبقة الثالثة. وتضمها إلى صفها. وكذلك تقلص الطبقة الثانية بحيث تكون قادرة على استيعاب عناصر جديدة. تجعل القاعدة الصلبة في اتساع دائم.

стр. 588

يقول سيد ﵀: ٥ - (وكان لغزوة تبوك أثر معنوي ضخم صحيح أنه لم يجر فيها قتال ولا طعان. ولكن هذه القوة التي وصفها الله تعالى ﴿... ترهبون به عدو الله وعدوكم ...﴾) قد أدت مفعولها. فإذا ركائز النصرانية في أرض العرب تأتي لتسالم النبي (ص). ويأتي وفد إيلية ممثلا للنصارى في جزيرة العرب يعلن مهادنته لدولة الإسلام. وكما ورد في المصالحة. أنه يشمل (من كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر). كما صادف وصول رسول قيصر امبراطور الروم إلى تبوك ليعلن نفس الهدنة. وبذلك دانت جزيرة العرب كافة للإسلام. ليس مهمة القوة في الإسلام أن تدمر وتقتل وتسفك. إنها القوة الرادعة المرهوبة الجانب التي تمكن الحرية للناس فيعبدون الله كما يشاؤون. وهي القوة التي تلجم الطغاة الذين يريدون فتنة الناس عن دين الله. ولابد أن يدرك الدعاة إلى الله. أن طريقهم حتى يؤتي ثماره، ويحقق جناه. لابد أن ينتهي إلى ما انتهى إليه الجيل الأول. وتكون دولة الإسلام المرهوبة الجانب. هي التي تحمي الدعاة في كل أرض. وتمكن الناس من وصول شريعة الله إليهم. والتمتع بثمار حكمها في الأرض. والدعوة التي لا تسير على منهج النبوة. لن تصل إلى ما تريد. فلن يحق الحق ويبطل الباطل إلا بالقوة التي تفعل ذلك: ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾). وقوة خالد الفدائية التي اختطفت ملك دومة الجندل أكيدر بن عبد الملك. جاءت به. ليعلن مصالحته. وهدنته مع النبي القائد

стр. 589

صلوات الله عليه. وتدين العرب قاطبة لله ورسوله. ٦ - وتوبة كعب ﵁. وما حملت في آفاقها من معاني السمو، والاعتراف بالخطأ. وتعاليه عن الدنيا التي تتراقص له بدعوة ملك غسان له (أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك. ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة. فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها) (١) وصبر على عقوبة الله تعالى له. حتى أن أعز إخوانه له لا يكلمه. وحتى زوجته يأتيه الأمر النبوي (إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أما ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها) فهو على استعداد لطلاق زوجته وأم ولده. وصبر لا يوما أو يومين. بل خمسين ليلة على هذا الحال، منها عشر ليال بمقاطعة امرأته له إلى أن جاءه الفرج بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت. ونزلت توبته من السماء. وتقدم فقال: (يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله). ويكفي أن نذكر أن كعبا ﵁ وأرضاه. كان من الطبقة الثالثة (المرجون لأمر الله إما أن يتوب عليهم وإما يعذبهم) لتخلفه عن غزوة تبوك دون عذر. وهو ممن شهد بيعة العقبة). فإذا كان هذا مستوى الطبقة الثالثة في الصدق. والولاء لله ورسوله. والالتزام في تنفيذ أشد العقوبات عليه. واستعداده لطلاق امرأته. وتخليه عن ماله. طاعة لله ولرسوله. فعلينا أن نفكر كثيرا. لنقارن بين أعلى المستويات الإيمانية عندنا والتي لا ترقى أبدا إلى أدناها هناك. وكم علينا أن نجاهد أنفسنا. حتى نقترب من ذلك المستوى الإيماني التربوي الرفيع.

стр. 590

الفصل الحادي والثلاثون مواقف المنافقين من الدعوة (النفاق: لغة مصدر من نافق، ونافق لها عدة معاني، ومن معانيها: نافق اليربوع نفاقا ومنافقة، دخل في نافقائه ونافق فلان: أظهر خلاف ما يبطن. ومنه جاء المعنى الاصطلاحي: نافق في الدين: ستر كفره وأظهر إيمانه والمنافق من يخفي الكفر ويظهر الإيمان. ومن يضمر العداوة ويظهر الصداقة ومن يظهر خلاف ما يبطن) (١). ١ - النفاق في مكة: لم يكن للمنافقين وجود في العهد المكي لأنه عهد ابتلاء وفتنة وتمحيص. غير أن من المفسرين من رأى أنه كان لهم وجود في مكة استدلالا بقوله تعالى: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾) (٢). يقول الشهيد سيد قطب ﵀ بصدد هذه الآية: ﴿المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾ قيل: إنهم مجموعة من الذين مالوا إلى الإسلام في مكة. ولكن لم تصح عقيدتهم، ولم تطمئن قلوبهم وخرجوا مع النفير مزعزعين. فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين قالوا هذه المقالة) (٣).

стр. 591

٢ - بداية التجمع: وعند دخول رسول الله (ص) المدينة وإلى غزوة بدر لم يكن النفاق قد نجم بعد. فقد كان معسكر الشرك واضحا بزعامة عبد الله بن أبي نفسه. والذي كانت الجرأة تصل به أن يطالب محمدا (ص) بالكف عن الدعوة إلى الله. (... فسلم رسول الله (ص) ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا، فلا تؤذينا به في مجلسنا، إرجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه ..) (١). وكان معسكر اليهود واضحا كذلك. اللهم إلا أفرادا من اليهود قاموا بمهمة الجاسوسية في الصف المسلم يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر. وقد ذكر القرآن هذا النموذج بقوله ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾) (٢). ونستطيع أن نقول إذن: إن معسكر المنافقين لم يبرز حتى بدر. ووجود أفراد محدودين لا يصل خطره إلى أن يطلق عليه اسم معسكر أو تجمع. إنما برز بعد الانتصار الحاسم في بدر. (.... وكان النبي (ص) يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم. فلما غزا رسول الله (ص) بدرا. فقتل به صناديد كفار قريش،

стр. 592

قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه. فبايعوا الرسول (ص) على الإسلام فأسلموا) (١). وأمام الانتصارات في بدر، والتي ظهرت على صورة معجزة من السماء بدأ ظهور المناففين بشكل واضح. وكانوا يأتمرون بأمر عبد الله بن أبي الذي كانت عقدة الزعامة والمنصب تأكل قلبه. فلم يعد قادرا على أن يواجه الرسول (ص) بعداوة واضحة. لأن من حوله سوف ينفضون عنه لضعفهم أمام قوة المسلمين. ولم تطاوعه نفسه أن يسلم نفسه لله. فأمسك العصا من الوسط. وضمن بقاء أتباعه وجنوده معه. فظاهر الأمر هم مسلمون. وضمن بقاء قيادته وزعامته لهم طالما أنهم غير مكلفين بالمواجهة السافرة. وكانت آيات القرآن تندد بهؤلاء تلميحا لا تصريحا بأسمائهم. ٣ - دورهم في غزوة بني قينقاع: قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: (فحاصرهم نول الله (ص) حتى نزلوا على حكمه. فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول، حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد، أحسن في موالي. وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله (ص) فقال: يا محمد أحسن في موالي قال. فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله (ص) فقال له رسول الله (ص): أرسلني. وغضب رسول الله (ص) حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: ويحك! أرسلني، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربع مائة حاسر وثلاث مائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في

стр. 593

غداة واحدة. إني والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله (ص): هم لك) (١). لقد كان موقفا غريبا تماما على الحس الإسلامي. فلم يعهد الصف المسلم أبدا فيه مثل هذه الظاهرة منذ أن قامت الدعوة. فقد كان المسلم في تعامله مع رسول الله (ص) في غاية الأدب والانضاط والتفاني في الطاعة. مما يجعله دائما يحتاج لتوجيهات النبي (ص) كي يبدي رأيه ويقول كلمته. ويناقش في حقه. وكان رسول الله (ص) يفسح دائما لهذا البناء عن طريق الشورى. أما أن يقف مسلم بهذه الوقاحة، يضع يده في جيب درع رسول الله (ص)، ويطلب منه رسول الله أن يدعه فلا يدعه. فيغضب منه ويلح عليه بقوله: ويحك أرسلني، فلا يستجيب. ويسترسل في وقاحته. فهذا أمر غريب تماما على الحس الإسلامي بين جندي وقائده. بين مسلم ورسول رب العالمين. ورسول الله تعالى بما أعطاه الله من الخلق الأقوم. لم يعهد عنه أنه رد رجاء مسلم وفي فقهه السياسي (ص). أنه إن لبى رجاء ابن أبي. فلعل هذا الموقف يغسل قلبه ويزيل الغشاوة عنه فتتم هدايته. فقال له: ((هم لك))). ولعل الذين يسيرون وراء زعامة ابن أبي يصلحون بصلاحه. فيتماسك الصف المسلم ويلتحم. فلا يضيره كيد العدو أبدا. ٤ - دورهم في غزوة أحد . (... فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم. فوالله ما خرجنا منها إلى عدو إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا

стр. 594

أصبنا منه. فدعهم يا رسول الله. فإن أقاموا أقاموا بشر محبس. وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم. وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يزل الناس برسول الله (ص) الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله (ص) فلبس لأمته .... فخرج في ألف من أصحابه ... حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد. انخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني. ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب. واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة: يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقلوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم. ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه) (١). صحيح أن أزمة الشقاق قد تم تفاديها يوم بني قينقاع. واستجيب لرأي ابن أبي. غير أن الأيام كانت تترى وموقف ابن أبي لم يتغير. فهو لا زال معتدا بحزبه. ولا يزال يوغر الصدور في الخفاء ضد المسلمين. وكان الموقف يوم أحد. هو القشة التي قصمت ظهر البعير. فلم يؤخذ برأيه في البقاء في المدينة. كما تذكر بعض الروايات (وسار إلى أن وصل إلى رأس الثنية. وعندها وجد كتيبة كبيرة. فقال: ما هذه؟ قالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي سلول من يهود. فقال: أسلموا؟ فقيل: لا. فقال: إنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك. فردهم) (٢).

стр. 595

وكانت هذه قاصمة ثانية - فهو يرى أن النصر لو تحقق. فسيشترك فيه طالما أن حزبه وحلفاؤه قد ساهموا فيه. ويكون له المركز الثاني بعد رسول الله (ص). أما وقد فاته تحقيق الزعامة بأخذ رأيه في البقاء في المدينة. وفاته المشاركة في النصر عن طريق حزبه وحلفائه. فليشارك إذن في صنع الهزيمة. عله يتخلص من محمد (ص) وزعامته. وليضرب ضربته الذكية. وينفصل بثلث الجيش عائدا إلى المدينة معلنا: (.... سفه رأيي، ورد حلفائي. ما أدري علام نقتل أنفسنا أيها الناس). ولئن كات تصرفاته يوم بني قنيقاع كبيرة على الحس الإسلامي. فلقد أصبحت تافهة لا تذكر أمام تصرفه في أحد. ولقد كانت ذات أثر خطير جدا من الناحية المعنوية. فأن ينفصل الجيش معه. فهذا يعني تصدع الصف الداخلي وهو مقدم على حرب عنيفة. وإذا أردنا أن نحدد أبعاد هذه الخطوة أكثر فيمكن القول: إن الأمر أكبر من ثلث الجيش. فقد أكد القرآن الكريم أن هناك بعض الفئات كادت تستجر معه ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾) (١). كما يشير القرآن الكريم إلى المنافقين الذين بقوا في الجيش، وعلهم مكثوا بأمره ليتموا المهمة الخطيرة. مهمة إشاعة الفوضى والرعب في الصفوف. حيث يؤكد القرآن هذا المعنى بقول الله : ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من

стр. 596

الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾) (١). فإشارة القرآن الكريم إلى الطائفتين المؤمنتين اللتين كادتا تلتحقان بالمنشقين عن الجيش، والإشارة إلى الطائفة التي أهمتها نفسها في المعركة. وهي أخت الطائفة المنشقة وتأكيد القرآن وجود جزء من المنافقين في الجيش في الآية الكريمة ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير﴾) (٢). لتوضح هذه الأمور أن المنافقين هم قرابة نصف الجيش. وتتحدث السيرة عن هذه النماذج في المعركة. فبعضهم قال: (ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. يا قوم إن محمدا قد قتل. فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم) (٣) - وقال رجال (لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الأول) (٤). ونلاحظ أن الخط النبوي في أحد. قد اختلف عن الخط في قينقاع من حيث التعامل مع زعيم النفاق. فقد كانت المراعاة في الموقف

стр. 597

الأول كافية لتبيان نوعية هذه النماذج. وكفيلة بأن تعيدهم إلى حظيرة الإيمان. لكننا نجد أن مواقفهم لم تتغير. فقد كان الموقف حاسما وواضحا في أحد. وقد رد حلفاء عبد الله بن أبي من اليهود. فلا يمكن أن يقوم في الصف الإسلامي تكتل محاذ لكتلة المسلمين وجماعتهم. ولا يمكن أن يقبل تجمع بجوار الجماعة المسلمة. ينتمي لغير قيادتها. ويفرض رأيه عليها. رغم حاجة رسول الله (ص) إلى العدد حيث يواجه ثلاثة آلاف بألف مقاتل. إلا أن المبدأ لا ينقض. فطالما أنهم لم يعلنوا انضمامهم للصف الإسلامي. فلا استعانة بأهل الكفر على أهل الشرك. وهم يشكلون خطرا على الصف الإسلامي نفسه. فالخطورة تكمن في أنهم ليسوا حلفاء المسلمين. إنما هم حلفاء عبد الله بن أبي. فسلامة الصف ووضوح الولاء أهم بكثير من التجمع العشوائي. وكان انفصال عبد الله بن أبي رحمة بالمؤمنين. وكما قال عبد الله بن عمرو بن حرام: (أبعدكم الله. فسيغني الله عنكم نبيه). وكان بالإمكان بعد العودة من أحد أن يوجد في الصف الإسلامي الخالص من يعذر عبد الله بن أبي ويدافع عنه، ويجد له ولحزبه العذر بالعودة بحجة أنهم مسلمون لهم ظروفهم. لكن كلام الله تعالى عنهم جاء كوقع الصاعقة عليهم. فقد كان القرآن يدمغهم بالنفاق بأوضح بيان ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالو لو نعلم قتالا لاتبعنكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم

стр. 598

ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾ (١). ثم يربط القرآن الكريم بين الفريقين الذين استمروا في الجيش لإشاعة البلبلة والهزيمة. والذين انخذلوا إلى المدينة ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ (٢). ولا نبالغ إذا قلنا: إن قمة تجمع المناففين وخطره برز يوم أحد، لكننا نؤكد في الوقت ذاته أنه قد افتضح أمره. وبرز المنافقون بأشخاصهم وأعيانهم حيث يعلن القرآن عنهم أنهم أقرب للكفر منهم للإيمان وبذلك تمت المفاصلة بينهم وبين المؤمنين. وغدت الجماعة المسلمة تنظر إليهم بعين الحذر والكراهية إن استمروا على مواقفهم. وأصبح المسلم يكف عن بث أسراره لأخيه من أبيه وأمه إن كان ممن وصم بالنفاق. وأدت هذه المواقف الحاسمة منهم بعد ذلك أن يخنسوا ويحاولوا التقرب من الصف المؤمن والاعتذار إليه. وأن يتراجعوا عن موقف المواجهة والتحدي، ويغيروا خطتهم للعمل في الخفاء. أما الذين كان مغررا بهم فقد بدؤا ينضمون للصف الإسلامي في توبة نصوح خالصة. حيث فتح لهم القرآن طريق التوبة بعد التحذير العنيف الرهيب بسوء مصيرهم إن استمروا على موقفهم ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا

стр. 599

عظيما﴾ (١). وهكذا سار الخط النبوي في التعامل مع المنافقين على أمل تفتيت تجمعهم. والتحذير من كيدهم، وتحذيرهم من مغبة السير في طريق النفاق من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وحققت هذه الخطة أهدافها بشكل واضح. وبدأ خط التصاعد للمنافقين بالانحدار. فقد كانت سورة النساء وحديثها عن الجهاد والنفاق تعري كل المخططات المشبوهة، وتعالج كل الشبهات المبثوثة، وتفسح المجال رحبا أمام التوبة. ٥ - تآمرهم مع بني النضير . يقول ابن إسحاق: (وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير، أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم. وإن خرجتم خرجنا معكم. فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله (ص) أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقه (٢) ففعل) (٣). ويحدثنا القرآن الكريم عن هذه الحادثة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم

стр. 600

لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾ (١). إن الصورة لتختلف تماما اليوم عنها في أحد. فلئن كان التحدي سافرا في أحد. فقد خنسوا اليوم وراحوا يعملون في الخفاء كخفافيش الظلام، لم يعودوا يملكون القوة على المواجهة، ولا القوه على التحدي إنما يتآمرون من وراء الأقنعة علهم ينتصرون مع حلفائهم اليهود على المسلمين. فهم يدعون بني النضير للثبات في وجه المسلمين، وإلى المقاومة، كما يعلنون لهم أن مددهم قادم ولا ريب في ألف من المنافقين. وقد ربطوا مصيرهم بمصيرهم.) لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا. وإن قوتلتم لننصرنكم) ولئن كان عبد الله بن أبي قد استطاع أن يحافظ على حياة حلفائه بني قينقاع. فهو أعجز اليوم من أن يبدي رأيا أو يتقدم بطلب لرسول الله (ص) بعد تلك الخيانة السافرة في أحد. وهو في الوقت نفسه يجلل بالعار من جديد في الخيانة التي فضحها القرآن عن التآمر السري بين الفريقين، المنافقين وكفار أهل الكتاب. وكان خروج اليهود بدون سلاح، وهدمهم بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين صفعة عنيفة للمنافقين. وإسقاطا ماديا ومعنويا لهم. القرآن يتنزل. والمواقف تتضح والمنافقون يتعرون .. ومع ذلك يبقي الإسلام ورسول الإسلام بابا مفتوحا إلى التوبة. فلن يوصد الباب أبدا. لكن اللعب على الحبال مكشوف والتظاهر بالإيمان مفضوح لا
следующие страницы →