← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾) (١). فإشارة القرآن الكريم إلى الطائفتين المؤمنتين اللتين كادتا تلتحقان بالمنشقين عن الجيش، والإشارة إلى الطائفة التي أهمتها نفسها في المعركة. وهي أخت الطائفة المنشقة وتأكيد القرآن وجود جزء من المنافقين في الجيش في الآية الكريمة ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير﴾) (٢). لتوضح هذه الأمور أن المنافقين هم قرابة نصف الجيش. وتتحدث السيرة عن هذه النماذج في المعركة. فبعضهم قال: (ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. يا قوم إن محمدا قد قتل. فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم) (٣) - وقال رجال (لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الأول) (٤). ونلاحظ أن الخط النبوي في أحد. قد اختلف عن الخط في قينقاع من حيث التعامل مع زعيم النفاق. فقد كانت المراعاة في الموقف

стр. 597

الأول كافية لتبيان نوعية هذه النماذج. وكفيلة بأن تعيدهم إلى حظيرة الإيمان. لكننا نجد أن مواقفهم لم تتغير. فقد كان الموقف حاسما وواضحا في أحد. وقد رد حلفاء عبد الله بن أبي من اليهود. فلا يمكن أن يقوم في الصف الإسلامي تكتل محاذ لكتلة المسلمين وجماعتهم. ولا يمكن أن يقبل تجمع بجوار الجماعة المسلمة. ينتمي لغير قيادتها. ويفرض رأيه عليها. رغم حاجة رسول الله (ص) إلى العدد حيث يواجه ثلاثة آلاف بألف مقاتل. إلا أن المبدأ لا ينقض. فطالما أنهم لم يعلنوا انضمامهم للصف الإسلامي. فلا استعانة بأهل الكفر على أهل الشرك. وهم يشكلون خطرا على الصف الإسلامي نفسه. فالخطورة تكمن في أنهم ليسوا حلفاء المسلمين. إنما هم حلفاء عبد الله بن أبي. فسلامة الصف ووضوح الولاء أهم بكثير من التجمع العشوائي. وكان انفصال عبد الله بن أبي رحمة بالمؤمنين. وكما قال عبد الله بن عمرو بن حرام: (أبعدكم الله. فسيغني الله عنكم نبيه). وكان بالإمكان بعد العودة من أحد أن يوجد في الصف الإسلامي الخالص من يعذر عبد الله بن أبي ويدافع عنه، ويجد له ولحزبه العذر بالعودة بحجة أنهم مسلمون لهم ظروفهم. لكن كلام الله تعالى عنهم جاء كوقع الصاعقة عليهم. فقد كان القرآن يدمغهم بالنفاق بأوضح بيان ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالو لو نعلم قتالا لاتبعنكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم

стр. 598

ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾ (١). ثم يربط القرآن الكريم بين الفريقين الذين استمروا في الجيش لإشاعة البلبلة والهزيمة. والذين انخذلوا إلى المدينة ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ (٢). ولا نبالغ إذا قلنا: إن قمة تجمع المناففين وخطره برز يوم أحد، لكننا نؤكد في الوقت ذاته أنه قد افتضح أمره. وبرز المنافقون بأشخاصهم وأعيانهم حيث يعلن القرآن عنهم أنهم أقرب للكفر منهم للإيمان وبذلك تمت المفاصلة بينهم وبين المؤمنين. وغدت الجماعة المسلمة تنظر إليهم بعين الحذر والكراهية إن استمروا على مواقفهم. وأصبح المسلم يكف عن بث أسراره لأخيه من أبيه وأمه إن كان ممن وصم بالنفاق. وأدت هذه المواقف الحاسمة منهم بعد ذلك أن يخنسوا ويحاولوا التقرب من الصف المؤمن والاعتذار إليه. وأن يتراجعوا عن موقف المواجهة والتحدي، ويغيروا خطتهم للعمل في الخفاء. أما الذين كان مغررا بهم فقد بدؤا ينضمون للصف الإسلامي في توبة نصوح خالصة. حيث فتح لهم القرآن طريق التوبة بعد التحذير العنيف الرهيب بسوء مصيرهم إن استمروا على موقفهم ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا

стр. 599

عظيما﴾ (١). وهكذا سار الخط النبوي في التعامل مع المنافقين على أمل تفتيت تجمعهم. والتحذير من كيدهم، وتحذيرهم من مغبة السير في طريق النفاق من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وحققت هذه الخطة أهدافها بشكل واضح. وبدأ خط التصاعد للمنافقين بالانحدار. فقد كانت سورة النساء وحديثها عن الجهاد والنفاق تعري كل المخططات المشبوهة، وتعالج كل الشبهات المبثوثة، وتفسح المجال رحبا أمام التوبة. ٥ - تآمرهم مع بني النضير . يقول ابن إسحاق: (وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير، أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم. وإن خرجتم خرجنا معكم. فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله (ص) أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقه (٢) ففعل) (٣). ويحدثنا القرآن الكريم عن هذه الحادثة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم

стр. 600

لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾ (١). إن الصورة لتختلف تماما اليوم عنها في أحد. فلئن كان التحدي سافرا في أحد. فقد خنسوا اليوم وراحوا يعملون في الخفاء كخفافيش الظلام، لم يعودوا يملكون القوة على المواجهة، ولا القوه على التحدي إنما يتآمرون من وراء الأقنعة علهم ينتصرون مع حلفائهم اليهود على المسلمين. فهم يدعون بني النضير للثبات في وجه المسلمين، وإلى المقاومة، كما يعلنون لهم أن مددهم قادم ولا ريب في ألف من المنافقين. وقد ربطوا مصيرهم بمصيرهم.) لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا. وإن قوتلتم لننصرنكم) ولئن كان عبد الله بن أبي قد استطاع أن يحافظ على حياة حلفائه بني قينقاع. فهو أعجز اليوم من أن يبدي رأيا أو يتقدم بطلب لرسول الله (ص) بعد تلك الخيانة السافرة في أحد. وهو في الوقت نفسه يجلل بالعار من جديد في الخيانة التي فضحها القرآن عن التآمر السري بين الفريقين، المنافقين وكفار أهل الكتاب. وكان خروج اليهود بدون سلاح، وهدمهم بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين صفعة عنيفة للمنافقين. وإسقاطا ماديا ومعنويا لهم. القرآن يتنزل. والمواقف تتضح والمنافقون يتعرون .. ومع ذلك يبقي الإسلام ورسول الإسلام بابا مفتوحا إلى التوبة. فلن يوصد الباب أبدا. لكن اللعب على الحبال مكشوف والتظاهر بالإيمان مفضوح لا

стр. 601

يجدي. ولن يفيد إلا التوبة الصادقة النصوح الخالصة لله. ٦ - المنافقون يوم الأحزاب . رغم أن الحديث عن المنافقين يوم الأحزاب كان طويلا لحد ما إذا قيس بما ذكر عن غزوة الأحزاب. وموقف المسلمين فيها. لكنه يركز على معان محددة واضحة فيهم تؤكد ضآلة حجمهم وتفاهة تخطيطهم. يقول الله تعالى عنهم: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذن لا تمتعون إلا قيلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أبنائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا﴾ (١).

стр. 602

ولو وقفنا عند هذه الآيات وفقهها نلحظ ما يلى: ١ - الفريق الأول: يقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. فهم قد حضروا المعركة وأمام هول الصدمة وعنف المحنة انهار إيمانهم، وكشفت خبيئة نفوسهم فقالو هذه المقالة. وكتب السيرة تذكر هذا القول أو قريبا منه عن معتب بن قشير إذ قال في ساعات الخوف والزلزلة بعد أن سمع بشريات رسول الله (ص) بالفتح المبين لهذا الدين في أقطار الأرض: (يعدنا محمد أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن من أن يذهب إلى حاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غروز) (١). وطبيعة هذا القول تشي بأنه قول مخنوق يقال في الخفاء بين مجموعة موثوقة تقبل هذا المعنى على الأقل ويحسب هؤلاء أن أمرهم لن يظهر، وقولهم لن يكشف. لكن القرآن الكريم لاحق مؤامراتم وكذبهم إلى كل جحر يلتقون فيه. وهم على كل حال يمثلون كل طوائف المنافقين. فقد تزلزل إيمانهم. واعتبروا أنفسهم متورطين بهذا الإيمان. ٢ - الفريق الثاني: وهو وضع طائفة محددة تذكر حوادث السيرة أنهم بنو حارثة. وهي إحدى الطائفتين اللتين همتا أن تفشلا يوم أحد إذ قالو (إن بيوتنا عورة وليس دار من دور الأنصار مثل دارنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا. فاذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم (ص). فبلغ سعد بن معاذ ذلك. فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا.) (٢)

стр. 603

ويتحدث القرآن عن جبنهم وهلعهم في أربع آيات تؤكد هذا المعنى الذي ذكره سعد بن معاذ ﵁ فهم يريدون الفرار من المعركة، ولو وطىء العدو أرضهم لأجابوه للفتنة عن دينهم والتخلي عن عقيدتهم ولا أدل على ذلك من خوفهم من الموت أن يجتاحهم في أرض المعركة، وكأنما هم بمنجاة منه في غيرها. وتزعزع عقيدتهم ووهنها هو الذي يدفعهم إلى هذا الموقف. لأن الضر والنفع بيد الله وحده. والفرار لن يحول بينهم وبين الموت أو القتل. والمؤمن الصادق يوقن بأن النصر بيد الله، والنفع والضر بيد الله. والموت والحياة بيد الله. وهؤلاء المنافقون ليسوا من هذا الطراز. ٣ - الفريق الثالث: هم المعوقون الذين كانوا يخذلون عن رسول الله (ص). والقابعون في جحورهم في المدينة. وهم جبناء مثل أسلافهم. لكنهم لخذلاتهم وتخاذلهم عن رسول الله (ص) أصبح مهوى قلوبهم مع العدو. وكان الوصف دقيقا لاذعا لهم ﴿فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك كالذي يغشى عليه من الموت﴾ طارت قلوبهم من صدورهم رعبا وهؤلاء حكم القرآن عليهم أنهم غير مؤمنين ﴿أولئك لم يؤمنوا فأحبط أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا﴾ وهم على استعداد أن يتركوا المدينة ومن فيها إذا حاق الخوف واشتدت المصيبة. وأمام هذه النماذج الثلاثة نلحظ أن مواصفاتهم هي التي تستغرقها الآيات في الوصف. أما حجمهم فهو ضئيل. رغم أن الفرصة مواتية لبروزهم من أوكارهم. خاصة حين اشتدت المحنة. وابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالا شديدا. إن المشكلة ليست هي الخوف. فالمؤمنون يخافون، إنما المشكلة هي بواعث الخوف ونتائجه. وارتباط ذلك بالإيمان وعدمه.

стр. 604

إن المحنة هي التي تمحص القلوب، بكشف ما في الصدور من إيمان أو كفر. وبد يتزلزل المؤمن لكنه لا يفقد إيمانه. قد يفقد موقفه. وقد يفقد شجاعته وثباته، لكن إيمانه لا يتزلزل أبدا. أما ضعيف الإيمان فينهار إيمانه أمام الحادثات. وأما الكافر المتجلبب بجلباب الإسلام حين يكشف الغطاء، ويرى أن دولة الإيمان على وشك الزوال - كما يبدو له - فيكشف خبيئة نفسه، ويظهر نتن قلبه، ويعلن شكه بدينه ونبيه وربه. وهؤلاء لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم في الدنيا والآخرة. ٦ - المنافقون يوم بني المصطلق انتصر المسلمون بعد الخندق، وأنهوا وجود بني قريظة. وبذلك انتهى حلفاء المنافقين في المدينة فلم يعد أمامهم إلا أن يسارعوا بالولاء للقيادة المسلمة. وأن يوجهوا جهدهم لخلخلة الصف المسلم نفسه، والعمل على تشتيته وإشغاله بنفسه. عوضا عن أن ينشغل بعدوه. وتظاهروا بالانصهار في هذا الصف. وإن كان بعضهم قد دخل فيه عن قناعة بعد أن بهره نصر الله ورأى من الآيات البينات ما يحرق كل شك أو دخل في قلبه. وكان ابن أبي كالحية الرقطاء يكمن بين الحجارة وخلف الأستار ينتظر الفرصة المواتية للانقضاض، وكان هذا يوم بني المصطلق: (عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي أو لعمر. فذكره للنبي (ص). فدعاني فحدثته. فأرسل رسول الله (ص) إلى

стр. 605

عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا. فكذبني رسول الله (ص) وصدقه. فأصابني هم لم يصبني مثله قط. فجلست في البيت. فقال لي عمي. ما أردت إلى أن كذبك رسول الله (ص) ومقتك. فأنزل الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فبعث إلي النبي (ص) فقال: إن الله قد صدقك يا زيد) (١). وفي رواية (خرجنا مع النبي (ص) في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) (٢). (وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا في غزاة في جيش. فكسع (٣) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: ياللأنصار، وقال المهاجري: ياللمهاجرين. فسمع ذاك رسول الله (ص) فقال: ما بال دعوى الجاهلية. قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها. أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي (ص) فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي (ص): ((دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)) وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة. ثم إن المهاجرين كثروا بعد ذلك) (٤).

стр. 606

(وكان عبادة بن الصامت قبل ذلك قال لابن أبي: إيت رسول الله يستغفر لك، فلوى رأسه معرضا. فقال له عبادة: والله لينزلن في لي رأسك قرآنا يصلى به) (١). هنا يبرز دور النفاق الخطير في المجتمع الإسلامي. فعبد الله بن أبي يجد الفرصة سانحة ولن تتكرر له هذه الفرصة الذهبية مرة ثانية في تدمير هذه الجماعة المسلمة ليقوم على أنقاضها. وها هو يهتبل الفرصة فيعبر عما في نفسه. ولكن أين؟ في عشرة من المنافقين، يطمئن إلى نفاقهم، ويطمئن إلى استعدادهم لقبول أفكاره وتنفيذ مخططاته. ولم يعر التفاتا إلى ذلك الغلام الحدث الذي أصغى إلى قوله. لقد وجدناه في أحد ينفصل بثلث الجيش، ويشكك في البقية الباقية من أتباعه فوق هذا الثلث وهو في قمة مجده، ثم بدأ هذا المجد ينحسر، فيعجز عن نصر حلفائه من بني النضير. ولا يتجاوز دوره التشكيك في النصر وإمكاناته في الخندق. أما اليوم فيبث حديثه في عشرة من أتباعه، ويتحدث عن كل ما يعانيه من بغض للإسلام وأهله، ويدعو صراحة إلى تمزيق الصف والثورة على القيادة. بل يهدد بهذه الثورة التي بدت ملامحها، وذرت قرونها عند العودة إلى المدينة. ولكن الذي حطم هذه الثورة. هو ابنه عبد الله. (وجاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي فقال: يا رسول الله إن كنت تريد قتل أبي فيما بلغك عنه. فمرني به. فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من

стр. 607

مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني. وإني لأخشى يا رسول الله - أن تأمر غيري بقتله. فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله فأدخل النار. فقال رسول الله (ص): ((ما أردت قتله وما أمرت به ...)) (١). (وقد ذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما: أن ابنه عبد الله ﵁ وقف لأبيه عبد الله بن أبي سلول عند مضيق المدينة فقال: قف فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله (ص) في ذلك. فلما جاء رسول الله (ص) استأذنه في ذلك فأذن له. فأرسله حتى دخل المدينة) (٢). لقد كانت عظمة المعالجة النبوية لهذه الفتنة الخطيرة من زعم المنافقين تعطينا أعظم الدروس في سياسة النفوس. وهي التي وأدت الفتنة، ووأدت النفاق معها حتى كاد يتلاشى في المجتمع الإسلامي. (أ) (لم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله (ص) قد طلع على راحلته. وكانوا في حر شديد. وكان لا يروح حتى يبرد) (٣) (ثم مشي رسول الله (ص) بالناس يومهم حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وإنما فعل ذلك رسول الله (ص) ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي) (٤).

стр. 608

(ب) من خلال لقائه (ص) مع القيادات. وجد تيارين أحدهما يرى الرفق به والآخر يرى قتله فاختار الرفق به. لأن أصحاب هذا الرأي من الأنصار. وهم أوثق الناس عنده. هذا من جهة. ومن جهة ثانية. فكما أعلن ﵊ أن سمعة المسلمين لن يضحي بها فتكون هدفا لمخابرات العدو، وثغرة تنفذ منها إلى الصف الداخلي الملتحم. ((فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟)). (ج) ولكن هل تمر هذه الوقاحة والفتنة دون عقوبة؟ لا. وإذا كان رسول الله (ص) قد اختار الرفق. فقد يتمادى الحاقدون والموتورون. وتأتي هنا عظمة المعالجة النبوية التى جعلت من حمل راية العقوبة لهذا المجرم ابنه العظيم عبد الله بن عبد الله. فلقد أشعره بالذل والصغار. وأبقاه رهينة حتى أذن رسول الله (ص) له بالدخول، ومن يجرؤ أن يثور لابن أبي من أحبابه وأصاره وحزبه إذا كان ابنه هو الذي ينفذ هذه العقوبة؟ وهو الذي يعلن على ملأ الدنيا كلها، وخاصة حزب أبيه أنه ينتظر إشارة رسول الله (ص) للإتيان برأس أبيه. لقد خنقت الفتنة في المهد. (د) وبدل أن يحول عبد الله بن أبي إلى بطل شهيد. وترعد أنوف لقتله. تحول إلى تجمع للسخرية والمهانة والمذلة. (وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه فقال رسول الله (ص) لعمر بن الخطاب: ((كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته))) فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري) (١).

стр. 609

(هـ) ولم يجد فرصة يبث فيها حقده إلا من خلال حديث الإفك لكن الذي أضاع دوره بين الأدوار هو مشاركة المؤمنين في الحديث فيه ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. تقول عائشة ﵂ (وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي في رجال من الخزرج). وما كان المنافقون ليجرؤوا على بث هذا الحديث والخوض فيه بعد الفضيحة التي نالتهم والتعرية التى نزلت بابن أبي. لولا انتشار الحديث واستفاضته في الصف الإسلامي، فقد جعل المجال رحبا لهم أن يدسوا أنوفهم فيه. ونستطيع أن نقول أن ظاهرة النفاق ابتدأت معسكرا ضخما قبيل أحد، وبلغت ذروتها في أحد وانتهت فردا واحدا يمتنع عن بيعة الرضوان في الحديبية. ويختبىء في ظل ناقته. ولا يعني هذا انتهاء المنافقين في هذه المرحلة. لكنها تعني حصرهم. وإحباط مخططاتهم، وعجزهم عن التحدي والمواجهة. ٧ - بعد الحديبية وفتح مكة . فتح الحديبية المبين، والفتح الأعظم في مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجا. أوجد مناخا جديدا لتسارع الناس للدخول في الإسلام رهبة من القوة النبوية الضخمة التي دانت لها أرض العرب كلها. وعاد النفاق معسكرا جديدا. وكانت غزوة تبوك. هي المحرق الذي كشف كل مخططات المنافقين. ومن أجل هذا سميت سورة التوبة. بالفاضحة،

стр. 610

والمبعثرة، والمخزية. وقد تحدثنا في الفصل السابق عن معظم تخطيطاتهم التي دمرها الأمر النبوي بالوحي الإلهي الذي يأتيه ويكفينا هنا أن نتحدث عن هذه الأدوار الرهيبة التي برزت من خلال سورة التوبة: (١) التثاقل عن الجهاد ﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ...﴾ (٤٢). (٢) السعي للفتنة ممن انضم إلي الجيش الإسلامي: ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق ...﴾ (٤٨). (٣) الحسد الذى يأكل قلوبهم ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون﴾ (٥٠) فهم يفرحون بمصيبة المسلمين. (٤) المظاهر الإسلامية يحافظون عليها. من إتيان الصلاة والمشاركة في الإنفاق. (٥) النيل من النبي (ص) ﴿ويقولون هو أذن .. قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمني﴾ (٦١). (٦) الهزء والسخرية بآيات الله وبصالح المؤمنين ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون﴾ (٦٥). (٧) يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم (٦٧). (٨) محاولة اغتيال النبي (ص) في محاولة رميه عن الدابة ﴿... وهموا بما لم ينالوا﴾ (٧٤). (٩) ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون

стр. 611

إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ (١). (١٠) التثبيط عن الجهاد ﴿... وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾ (٢). (١١) اتخاذ مسجد الضرار. ليكون وكرا للمنافقين. ومنطلقا لمؤامراتهم. ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ (٣). لقد كانت آيات سورة براءة التي نزلت في المنافقين قرابة مائة آية هي أعنف حرب إعلامية عليهم كشفت كل مخططاتهم. وعرتهم تعرية كاملة في المجتمع الإسلامي. واستطاعت هذه الحملة الناجحة أن تهزم معسكر النفاق، وتعيد الكثيرين إلى الصف الإسلامي الخالص. فيحسن إسلامهم. وكانت أكبر فاجعة نزلت بهم هي موت عبد الله بن أبي زعيمهم. وكي لا يفتح رسول الله (ص) معركة مع أتباعه فيما بعد. فصل عليه واستغفر له. وأعطاه كساءه. فعاتب الله تعالى نبيه على ذلك بقوله: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (٤). وهذا الخط السياسي الذي اختاره النبي (ص) بتوجيه ربه له في

стр. 612

عملية البناء الداخلي تحتاج الجماعة المسلمة اليوم إلى دراسة أبعاده وجوانبه وأساليبه، بحيث تستطيع أمام أي خلل في صفها أن تعالجه بتفتيت ذلك التجمع المضاد. وفضح أهدافه. وضرب مركز القوة فيه حتى لا ينساق سواد الصف معه. وأية معالجة غير هذه المعالجة تصل بالصف الإسلامي كله إلى التفجر والتشرذم والجبهات الداخلية. كذلك الصلة المستمرة بالدعاة، والتوعية التربوية والسياسية التي تشير إلى دور المغامرين والمقامرين بمصير الجماعة دون أن تتحول القضية إلى حرب شخصية أو صراعات فردية - هي صمام الأمان لسلامة خط الجماعة. وحسن سيرها إلى الهدف الذي تسعى إليه. ***

стр. 613

الفصل الثاني والثلاثون مواقف اليهود من الدعاة ١ - الموقف الديني: (أ) لقد كان اليهود والنصارى هم الذين يتحدثون عن موعد نبي أطل زمانه بينما كان المشركون العرب غفلا عن ذلك لأنهم أميون. ليس عندهم كتاب من عند الله يتبعونه. وحين نذكر أصحاب العقبة الأولى من الخزرج. نلاحظ دور هذه النبوة في إسلامهم. (... قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟. قالوا: بلى. فجلسوا، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم. وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم في بلادهم. فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله (ص) أولئك النفر. ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم

стр. 614

إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه.) (١). (ب) عبد الله بن سلام: (وكان حديث عبد الله بن سلام كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبرا عالما قال: لما سمعت برسول الله (ص) عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف (٢) له. فكنت مسرا لذلك صامتا عليه، حتى قدم رسول الله (ص) المدينة. فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه. وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها. وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة. فلما سمعت الخبر كبرت. فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: خيبك الله، والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت. قال. فقلت لها: هو والله أخو موسى بن عمران. وعلى دينه بعث بما بعث به. فقالت: أي ابن أخي، أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ فقلت لها: نعم: قالت: فذاك إذن. قال ثم خرجت إلى رسول الله (ص) فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي. فأمرتهم فأسلموا) (٣). (ج) حيي بن أخطب وأخوه: عن صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ قالت:

стр. 615

كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر. لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف. غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر مغلسين. فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالين كسلانين قنطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت إليهما كما كنت أهش من قبل. فوالله ما التفت إلي واحد منهما، مع ما بهما من الغم قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟؟ قال: نعم. قال: أتعرفه وتثبته.؟. قال: نعم: قال: فما في نفسك منه قال: عداوته والله ما بقيت.) (١). وهكذا افترق الموقفان في يهود. قاد الأول عبد الله بن سلام. فلم يتبعه إلا أهله، وتحرك الغدر والمكر والحسد والكيد عند حيي بن أخطب. فقاد الموقف الثاني. وتبعته كل يهود. وبقي يؤجح نار الحرب حتى احترق فيها وقتل يوم غدر بني قريظة. وقال: لا بأس، ملحمة وقدر كتبها الله على بني إسرائيل. والله ما لمت نفسي في عداوتك. ولكنه من يخذل الله يخذل. ولئن كان أبو جهل فرعون هذه الأمة. فحيي بن أخطب أبو جهل يهود وفرعونهم.

стр. 616

وكما قال أبو جهل: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان. قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك مثل هذه. والله لا نؤمن به ولا نصدقه.) (١). قال حيي: أهو هو. قال: نعم. قال فما في نفسك منه. قال: عداوته والله ما بقيت. ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)) (٢). ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير﴾ (٣). ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون﴾ (٤). وكانوا أول كافر به وقد جاء مصدقا لما معهم. (د) ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ (٥).

стр. 617

قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: لما حكموا رسول الله (ص) فيهما (اللذين زنيا بعد إحصان) دعاهم بالتوراة. وجلس حبر منهم يتلوها. وقد وضع يده على آية الرجم. قال: فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر. ثم قال: هذه يا نبي الله آية الرجم يأبي أن يتلوها عليك. فقال لهم رسول الله (ص): ((ويحكم يا معشر يهود! ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم؟)). قال. فقالوا: أما والله إنه كان فينا يعمل فيه. حتى زنا منا رجل بعد إحصانه من بيوت الملوك وأهل الشرف فمنعه الملك من الرجم. ثم زنى رجل بعده. فأراد أن يرجمه. فقالوا: لا والله حتى ترجم فلانا. فلما قالوا ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية. وأماتوا ذكر الرجم والعمل به. قال فقال رسول الله (ص): ((فأنا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به،)) ثم أمر بهما فرجما عند باب مسجده) (١). (وأتى رسول الله (ص) محمود بن سيحان، ونعمان بن أضاء، وبحري بن عمرو، وعزير بن أبي عزير وسلام بن مشكم. فقالوا: أحق يا محمد أن هذا الذي جئت به لحق من عند الله. فإنا لا نراه منسقا كما تنسق التوراة؟ فقال لهم رسول الله (ص): ((أما والله إنكم لتعرفونه من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة. ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاؤوا به))). فقالوا عند ذلك وهم جميع:

стр. 618

يا محمد أما يعلمك هذا إنس ولا جن؟ فقال لهم رسول الله (ص): (أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله وأني لرسول الله تجدونه مكتوبا في التوراة))). فقالوا: يا محمد فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد. فأنزل علينا كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه. وإلا جئناك بمثل ما تأتي به) (١). إنهم يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون. (هـ) تهجمهم على ذات الله: قال ابن إسحاق: وحدثت عن سعيد بن جبير أنه قال: (أتى رهط من يهود إلى رسول الله (ص) فقالوا: يا محمد، هذا الله خلق الخلق. فمن خلق الله؟ قال. فغضب رسول الله (ص) حتى انتقع لونه ثم ساورهم (٢) غضبا لربه. فجاء جبريل ﵇ فسكنه فقال: خفض عليك يا محمد. وجاءه من الله بجواب ما سألوا عنه: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد﴾. فلما تلاها عليهم، قالوا فصف لنا يا محمد كيف خلقه؟ كيف ذراعه؟ كيف عضده؟. فغضب رسول الله (ص) أشد من غضبه الأول، وساورهم. فأتاه جبريل ﵇ فقال له مثل ما قال له أول مرة. وجاءه من الله تعالى بجواب ما سألوه ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه

стр. 619

وتعالى عما يشركون﴾. (١)) (٢). (هـ) إدعاؤهم أنهم على الحق: وأتى رسول الله (ص) رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة. فقالوا: يا محمد. ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟. قال: ((بلى. ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق فيها، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس. فبرئت من أحداثكم))). قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك ولا نتبعك. فأنزل الله تعالى فيهم ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (٣)﴾. (٤). ومن أجل ذلك جاء القرآن الكريم. ففضحهم في تاريخهم كله، وفضح مواقفهم من أنبيائهم. وكشف خبث معدنهم، وسوء طويتهم، وعصيانهم ربهم، واستهزاءهم بآيات الله. وكانت هذه الأمور كلها مخفية عن الناس، بينما يظهرون أنهم حملة كتاب الله. وأنهم شعب الله المختار. الذي يملك القوامة على البشرية.

стр. 620

غير أن هذا لم ينف أبدا. وجود بعض الصالحين فيهم، المؤمنين المخبتين. ولو كان أكثرهم فاسقين. وهذه النماذج أسلمت، وحسن إسلامها. وأن لهم في تاريخهم قدما في العبادة، وقدما في الطاعة وقدما في الجهاد. لكنها تمثل القلة النادرة. ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ (١). ﴿... قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ (٢) ﴿فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ..﴾ (٣). ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ (٤). ثانيا: المواقف السياسية ١ - كان أول موقف سياسي وقفه اليهود من المسلمين. وقد رأوا وحده كلمتهم والتحام صفهم هو العمل على شرخ هذا الصف وتهديمه. قال ابن إسحاق: (ومر شاس بن قيس وكان شيخا قد عسا (٥)

стр. 621

عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله (ص) من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يحدثون فيه. فغاظه ما رأى من إلفتهم وجماعتهم. وصلاح ذات بينهم على الإسلام. بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتى شابا من يهود كان معهم. قال: اعمد اليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث. وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار .. ففعل. فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة (١) فغضب الفريقان جميعا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - السلاح السلاح فخرجوا إليها. فبلغ ذلك رسول الله (ص). فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر. وألف بين قلوبكم))). فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله (ص) سامعين مطيعين. قد أطفأ الله كيد عدو الله شاس بن قيس. فأنزل الله تعالى في شأن شاس وما صنع ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء

стр. 622

وما الله بغافل عما تعملون﴾ (١) (٢). ٢ - وكانت الخطة الثانية هي تحدي المسلمين (وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله (ص) جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: ((يا معشر يهود. احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل. تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.)) قالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك. لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب. فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.) (٣). ٣ - وكانت محاولة الغدر برسول الله (ص) واغتياله. وكانت على ملأ من يهود. (ثم خلا بعضهم ببعض - فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة. فيريحنا منه، وانتدبوا لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله في نفر من أصحابه. فيهم أبو بكر وعمر وعلي. فأتى رسول الله (ص) الخبر من السماء بما أراد القوم. فقام وخرج راجعا إلى المدينة ..) (٤). وكان هذا الذي هيح غزو بني النضير.

стр. 623

٤ - وبقي الحقد هو الذي يغذيهم. وبعد إجلائهم. راحوا يؤلبون العرب عامة، واليهود خاصة لاستئصال الإسلام وأهله. (إنه كان من حديث الخندق أن نقرأ من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري. وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله (ص)، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله (ص) وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد. أفديننا خير من دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾: أي النبوة ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) (١). (٢).

стр. 624

٥ - ثم كان الإعلان الخبيث الخسيس في نقضهم للعهد، وتحالفهم مع أعداء المسلمين. (وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم قد وادع رسول الله (ص) على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده. فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه. فاستأذن عليه. فأبى أن يفتح له. فناداه حيي: ويحك يا كعب! افتح لي قال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه. ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك (١) أن آكل معك دونها، فأحفظ الرجل. ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام (٢). جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة. وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد. قد عاقدوني وعاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه فقال له: كعب جئتني بذل الدهر. وبجهام (٣) قد هراق ماؤه. فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يفتله في

стр. 625

الذروة والغارب (١) حتى سمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا: ولئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك). فنقض كعب عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله (ص) (٢). وهكذا كان موقفهم كله ينصب على العداوة لرسول الله (ص) في السر حين يرون قوة المسلمين ويرهبونها، وفي العلن حين يرون المسلمين في محنة وهول. وكان حيي بن أخطب هو الذي يقود هذه الحرب السياسية العوان ضد محمد (ص). وكان دوره مع كعب بن أسد كدور أبي جهل مع عتبة وشيبة ابنا ربيعة. حين أحفظهما واتهمهما بالجبن. فكانا أول القتلى في بدر. بعد أن دعيا إلى الصلح. ٦ - وليست محاولة اغتيال رسول الله (ص) بالسم من المرأة اليهودية التي أهدت الشاة لرسول الله (ص) بعد خيبر. وحشت الذراع أكثره. ومقتل عبد الله بن سهل وبشر بن البراء بن معرور بالسم بين ظهراني يهود خيبر. إلا محاولات يائسة للفتك والنيل من المسلمين وقيادتهم. ولذلك كان الموقف عنيفا منهم يتناسب مع مخططاتهم. وكان مقتل كعب بن الأشرف. وأبي رافع اليهودي تاجر الحجاز غيلة. يتناسب مع مستوى العداء الذي يخططون له.

стр. 626

وإن كان التاريخ قد حفظ نماذج فردية من اليهود. كانوا صادقين في عهودهم. أشهرها موقف مخيريق حبر يهود الذي قتل شهيدا في خيبر، وعمرو بن سعدى. الذي فارق بني قريظة بعد نقضهم للعهد. وقال عنه ﵊: ذلك رجل نجاه الله بوفائه. المواقف العسكرية ١ - (عن ابن عمر ﵄ قال: حاربت النضير، وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي (ص) فأمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة) (١). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقه، رماه في الأكحل. فضرب النبي (ص) خيمة في المسجد ليعوده من قريب. فلما رجع رسول الله (ص) من الخندق وضع السلاح واغتسل. فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار. فقال: قد وضعت السلاح. والله ما وضعته. أخرج إليهم. قال النبي (ص) فأين؟ فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله (ص). فنزلوا على حكمه. فرد الحكم إلى سعد. قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية. وأن تقسم أموالهم.) (٢).

стр. 627

ووقع في مسند عائشة من مسند أحمد في أثناء حديث طويل ((قال أبو سعيد. فلما طلع قال النبي (ص): قوموا إلى سيدكم فأنزلوه. فقال عمر: السيد هو الله. قال: أنزلوه فأنزلوه. قال رسول الله (ص): ((أحكم فهيم)). قال سعد ﵁ فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. فقال رسول الله (ص): ((لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى وحكم رسوله.))) (١). ٣ - عن أنس ﵁ أن رسول الله (ص) أتى خيبر ليلا. وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر بهم حتى يصبح. فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم. فلما رأوه قالوا: محمد ولله، محمد والخميس. فقال النبي (ص): ((خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))) (٢). وعن بريدة الأسلمي قال: حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذه من الغد عمر فخرج فرجع ولم يفتح له، وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد فقال رسول الله (ص) إني دافع اللواء غدا إلى رجل يحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له. وبتنا طيبة نفوسا أن الفتح غدا. فلما أن أصبح رسول الله (ص) صلى الغداة، ثم قام قائما. فدعا باللواء والناس على مصافهم، فدعا عليا وهو أرمد فتفل في عينيه ودفع إليه اللواء وفتح له. قال بريدة. وأنا فيمن تطاول لها (٣)

стр. 628

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرج مرحب اليهودي من حصنهم قد جمع سلاحه. يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تلهب كأن حماي الحمى لا يقرب وهو يقول من يبارز. فقال رسول الله (ص) ((من لهذا؟)) فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله أنا الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس. قال: ((فقم إليه. اللهم أعنه عيه.))). فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة غمرته من شجر العشر. فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه كلما لاذ بها منه اقتطع بسيفه ما دونه حتى برز كل منهما لصاحبه. وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها من فنن (١) حمل مرحب على محمد فضربه فاتقاه بالدرقة. فوقع سيفه فيها فعصب به فأمسكه، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله) (٢). وحاصر رسول الله (ص) أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم، وأن يحقن لهم دماءهم.

стр. 629

ففعل. وكان رسول الله (ص) قد حاز الأموال كلها، الشق ونطاة والكتيبة، وجميع حصونهم، إلا ما كان من ذينك الحصنين. فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله (ص) يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال. ففعل. وكان فيمن مشى بين رسول الله (ص) وبينهم محيصة بن مسعود أخو بني حارثة. فلما نزل أهل خيبر على ذلك. سألوا رسول الله (ص) أن يعاملهم في الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها، فصالحهم رسول الله (ص) على النصف. ((على أننا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم.))). فصالحه أهل فدك على مثل ذلك. فكانت خيبر فيئا بين المسلمين. وكانت فدك خالصة لرسول الله (ص) لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.) (١). ... لقد كانت نهاية بني قينقاع بعد بدر. وكانت نهاية بني النضير بعد أحد، وكانت نهاية بني قريظة بعد الخندق، وكانت نهاية بني قريظة من أسوأ النهايات. لأن غدرم كان أعظم الغدر. وكان يمثل الطبيعة اليهودية أكبر تمثيل، وكانت المعركة شوكة كبيرة للمسلمين وهزيمة ماحقة لليهود وإنهاء لوجودهم في المدينة بعد ست سنوات من التعايش القلق. وهذا ما قاله سلام بن مشكم زعيم بني النضير بعد حيي بن أخطب، والذي أقام في خيبر، وتلقى مع بقية اليهود نبأ مقتل بني قريظة صبرا بالسيف: هذا كله عمل حيي بن أخطب، لا قامت يهودية بالحجاز

стр. 630

أبدا) (١). ولكن هذا الحكم العادل لم يكن غضبا لنفس أو إهانة لآدمية. فقد حرص رسول الله (ص) على أن لا يكون التشفي والثأر هو الذي يسيطر على الموقف (فلقد جابذ نباش بن قيس الذي جاء به (لقتله) حتى قاتله ودق أنفه وأرعفه. فقال (ص) للذي جاء به. لم صنعت به هذا؟ أما كان السيف كفاية! ثم قال: (أحسنوا إسارهم، وقيلوهم واسقوهم، لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح) وكان يوما صائفا. فقيلوهم وسقوهم وأطعموهم. فلما أبردوا راح رسول الله (ص) فقتل من بقي منهم) (٢). ... ثم التقت كلمة اليهود جميعا النضير، وقريظة، وقينقاع الذين تبقوا في خيبر على استئصال الوجود الإسلامى، جيشوا الجيوش، وحزبوا الأحزاب، ووحدوا صفهم لحرب المسلمين، وتحالفوا مع غطفان على ذلك. لأن قريشا كانت في هدنة الحديبية. وكان الصف الإسلامي على مستوى الأحداث. فقد عانى المسلمون من الجهد في غزوة خيبر ما لم يعانوه في معركة سابقة. فالخندق أطول المعارك الإسلامية استمرت عشرين يوما أو تزيد. والمسلمون في بيوتهم وبلدهم وحصونهم بينما هم هنا ولا يملكون من الطعام حتى التمر، وهم في أشد الحاجة يصبرون قرابة شهرين على الحرب. فلم

стр. 631

تتم نهاية اليهود. بهذه السهولة وقد دافعوا دفاع المستميت عن وجودهم وحصونهم، وقاتلوا وصبروا. لكن المؤمنين كانوا أصبر الفريقين. وأشجع الفرقين. وما بذله أبطال المسلمين من النفس والنفيس فاق تصورات العدو. وكان البذل مشتركا من الفريقين المهاجرين والأنصار. فعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب في المبارزات الفردية. ومن أبطال الأنصار، الحباب بن المنذر ومحمد بن مسلمة، وأبو دجانة سماك بن خرشه. حطموا كل البطولات الفردية عند اليهود الذين كانوا يحسبون كل بطل من أبطالهم بألف رجل. والقتال العام الذي كان يستمر أياما. فيضطر اليهود للانسحاب والتراجع. وقد شارك في هذا القتال الجيش كله بلا استثناء. وهذا يعني أن المسلمين لم يبخلوا في هذه المعركة بشيء من أرواحهم ودمائهم وطاقاتهم. وهي أطول معركة عجم فيها عودهم، واختبر فيها صبرهم. فكانوا على مستوى المعركة. وتبدو ضراوة المعركة وضخامتها حين نتصور المعركة مع المتحصنين وراء القلاع والحصون كما وصفهم القرآن. ﴿لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ...﴾ (١). وكل هذه الحصون والقلاع. لم تفل من عزيمة المسلمين ولم توهن من هجومهم. لقد كان النصر الإسلامي في خيبر من القوة والضخامة بحيث أنهى الوجود العسكري لليهود في أرض العرب. ولم ينهه لعقد أو عقدين من الزمان، أو لقرن أو قرنين من الزمان. إنما أنهاه لخمسة عشر قرنا لم

стр. 632

يقم بعدها لليهود قائمة، ولم يرتفع لهم علم، ولم تخفق لهم راية. إلى أن كان منتصف هذا القرآن، وقامت دولة اسرائيل فوق ربى فلسطين، ولم يغب عن ذهن اليهود مرارة خيبر، وقد تجرعوا الذل والهوان فيها، وبقي الجيل بعد الجيل يرويها، ويورث سلفهم الحقد لخلفهم، ويذكره بالثأر من المسلمين. حتى كانت معركة الخامس من حزيران. التي استمرت ستة أيام. وسقطت الأرض العربية من جديد بما فيها القدس بأيدي اليهود. وحين نقارن بين حرب الخامس من حزيران (١) وبين فتح خيبر. فليست مقارنة عرضية. بل هي مقارنة حقيقية. فقد أعلن موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي بعد أن احتل القدس، واكتسح بجيوشه الأرض العربية في سورية والأردن ومصر. قال وقد مس ثرى القدس: هذه بخيبر. وغمر اليهود فرحة العمر بهذا الثأر. وراحوا يهتفون على ثرى الأض المباركة: محمد مات، خلف بنات. (٢).

стр. 633

وقد مثلوا الحقيقة المرة في هذا الهتاف. فلم يكن هذا الجيل وهو يحارب في فلسطين. يحمل راية لا إله إلا الله، ولم يكن يقاتل براية التوحيد التي أعلنها الرسول (ص) في هذا الوجود. وعليها عاش وعليها قاتل، وعليها لقي وجه ربه .. إنما قاتل هذا الجيل لحماية الحاكمين ولإرضاء الطواغيت، ولإقامة الدولة العلمانية في فلسطين. فكان هذا الحصاد المر. لهذا الغرس المشؤوم. ولن يتحقق النصر من جديد. إلا بالعودة إلى تلك الراية. راية التوحيد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبىء اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر. يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) (١). ...

стр. 634

الفصل الثالث والثلاثون أزواج النبي (ص) يقول جل شأنه: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج، وكان الله غغورا رحيما ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا﴾ (١). ... من خلال هذه الآيات الكريمة نفقه المعاني التالية: ١ - سيد ولد آدم، وعبد الله ورسوله محمد (ص) والذي اجتمعت به الكمالات البشرية. له وضعه الذي يناسبه مع النساء كما يقرر القرآن

стр. 635

ذلك. فلابد من الانعتاق من الحيز المحدود الذي نفكر فيه. إلي الآفاق العليا التي قررها رب السماوات والأرض لنبيه ومصطفاه في هذا الوجود. فيما يحل له من النساء. بما يتناسب مع ما أعده الله له من الرسالة، وما يتناسب مع فضله وعظمته وكماله. ٢ - ومن هذا المنطلق كانت النماذج المباحة لرسول الله (ص) من النساء ثلاثة: (أ) أزواجه اللاتي آتاهن أجورهن (١). قال ابن أبي حاتم: تزوج رسول الله (ص) ثلاث عشر امرأة: ستا من قريش خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة. وثلاثا من بني عامر بن صعصعة وامرأتين منهما من بني هلال بن عامر، ميمونة بنت الحارث وزينب أم المساكين .. وزينب بنت جحش الأسدية. (٢). (ب) ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك. وليست مقيدة بقيد. (ج) وبنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك. وقيدهن أن يكن هاجرن مع رسول الله (ص) ﴿اللاتي هاجرن معك﴾ (د) وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي. ولا شرط في الواهبة إلا قبولها من رسول الله (ص). ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين.﴾
следующие страницы →