← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

تتم نهاية اليهود. بهذه السهولة وقد دافعوا دفاع المستميت عن وجودهم وحصونهم، وقاتلوا وصبروا. لكن المؤمنين كانوا أصبر الفريقين. وأشجع الفرقين. وما بذله أبطال المسلمين من النفس والنفيس فاق تصورات العدو. وكان البذل مشتركا من الفريقين المهاجرين والأنصار. فعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب في المبارزات الفردية. ومن أبطال الأنصار، الحباب بن المنذر ومحمد بن مسلمة، وأبو دجانة سماك بن خرشه. حطموا كل البطولات الفردية عند اليهود الذين كانوا يحسبون كل بطل من أبطالهم بألف رجل. والقتال العام الذي كان يستمر أياما. فيضطر اليهود للانسحاب والتراجع. وقد شارك في هذا القتال الجيش كله بلا استثناء. وهذا يعني أن المسلمين لم يبخلوا في هذه المعركة بشيء من أرواحهم ودمائهم وطاقاتهم. وهي أطول معركة عجم فيها عودهم، واختبر فيها صبرهم. فكانوا على مستوى المعركة. وتبدو ضراوة المعركة وضخامتها حين نتصور المعركة مع المتحصنين وراء القلاع والحصون كما وصفهم القرآن. ﴿لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ...﴾ (١). وكل هذه الحصون والقلاع. لم تفل من عزيمة المسلمين ولم توهن من هجومهم. لقد كان النصر الإسلامي في خيبر من القوة والضخامة بحيث أنهى الوجود العسكري لليهود في أرض العرب. ولم ينهه لعقد أو عقدين من الزمان، أو لقرن أو قرنين من الزمان. إنما أنهاه لخمسة عشر قرنا لم

стр. 632

يقم بعدها لليهود قائمة، ولم يرتفع لهم علم، ولم تخفق لهم راية. إلى أن كان منتصف هذا القرآن، وقامت دولة اسرائيل فوق ربى فلسطين، ولم يغب عن ذهن اليهود مرارة خيبر، وقد تجرعوا الذل والهوان فيها، وبقي الجيل بعد الجيل يرويها، ويورث سلفهم الحقد لخلفهم، ويذكره بالثأر من المسلمين. حتى كانت معركة الخامس من حزيران. التي استمرت ستة أيام. وسقطت الأرض العربية من جديد بما فيها القدس بأيدي اليهود. وحين نقارن بين حرب الخامس من حزيران (١) وبين فتح خيبر. فليست مقارنة عرضية. بل هي مقارنة حقيقية. فقد أعلن موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي بعد أن احتل القدس، واكتسح بجيوشه الأرض العربية في سورية والأردن ومصر. قال وقد مس ثرى القدس: هذه بخيبر. وغمر اليهود فرحة العمر بهذا الثأر. وراحوا يهتفون على ثرى الأض المباركة: محمد مات، خلف بنات. (٢).

стр. 633

وقد مثلوا الحقيقة المرة في هذا الهتاف. فلم يكن هذا الجيل وهو يحارب في فلسطين. يحمل راية لا إله إلا الله، ولم يكن يقاتل براية التوحيد التي أعلنها الرسول (ص) في هذا الوجود. وعليها عاش وعليها قاتل، وعليها لقي وجه ربه .. إنما قاتل هذا الجيل لحماية الحاكمين ولإرضاء الطواغيت، ولإقامة الدولة العلمانية في فلسطين. فكان هذا الحصاد المر. لهذا الغرس المشؤوم. ولن يتحقق النصر من جديد. إلا بالعودة إلى تلك الراية. راية التوحيد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبىء اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر. يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) (١). ...

стр. 634

الفصل الثالث والثلاثون أزواج النبي (ص) يقول جل شأنه: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج، وكان الله غغورا رحيما ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا﴾ (١). ... من خلال هذه الآيات الكريمة نفقه المعاني التالية: ١ - سيد ولد آدم، وعبد الله ورسوله محمد (ص) والذي اجتمعت به الكمالات البشرية. له وضعه الذي يناسبه مع النساء كما يقرر القرآن

стр. 635

ذلك. فلابد من الانعتاق من الحيز المحدود الذي نفكر فيه. إلي الآفاق العليا التي قررها رب السماوات والأرض لنبيه ومصطفاه في هذا الوجود. فيما يحل له من النساء. بما يتناسب مع ما أعده الله له من الرسالة، وما يتناسب مع فضله وعظمته وكماله. ٢ - ومن هذا المنطلق كانت النماذج المباحة لرسول الله (ص) من النساء ثلاثة: (أ) أزواجه اللاتي آتاهن أجورهن (١). قال ابن أبي حاتم: تزوج رسول الله (ص) ثلاث عشر امرأة: ستا من قريش خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة. وثلاثا من بني عامر بن صعصعة وامرأتين منهما من بني هلال بن عامر، ميمونة بنت الحارث وزينب أم المساكين .. وزينب بنت جحش الأسدية. (٢). (ب) ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك. وليست مقيدة بقيد. (ج) وبنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك. وقيدهن أن يكن هاجرن مع رسول الله (ص) ﴿اللاتي هاجرن معك﴾ (د) وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي. ولا شرط في الواهبة إلا قبولها من رسول الله (ص). ﴿إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين.﴾

стр. 636

فهو ﵊ من دون المؤمنين لا يجب عليه للواهبة شيء ولو دخل بها لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود (ولهذا قال قتادة: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي (ص).) (١) ٣ - وكما نرى، فالآفاق واسعة من رب هذا الكون لنبيه محمد (ص). في موضوع الزواج. والسبب الرئيسي في هذا الإطلاق كما ذكر الله تعالى في كتابه: لكيلا يكون عليك حرج. فهو مناط الثقة من ربه. فالأبواب مشرعة له فيما يراه من رأي ويقتضيه من موقف. ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما﴾. (٢) ٤ - هذا من حيث الإباحة في الزواج. ومن حيث التعامل. فهو مصطفى الحكيم الخبير. والله أعلم حيث يجعل رسالته. ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ (٣). إنها المشيئة الربانية. التي أعطت للمشيئة النبوية هذه الآماد والآفاق في التعامل مع نسائه اللاتي تزوجهن. قال عامر الشعبي في قوله تعالى ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ الآية، كن

стр. 637

نساء وهبن أنفسهن لنبي (ص). فدخل يعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده. منهن أم شريك. وقال آخرون: بل المراد بقوله ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ الآية، أي من أزواجك لا حرج عليك أن تترك القسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت، هكذا يروى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزبن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ومع هذا كان النبي (ص) يقسم لهن. ولهذا ذهب طائفة من فقهاء الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن واجبا عليه (ص)، واحتجوا بهذه الآية الكريمة) (١). فالنبي (ص) وحكمته في الإرجاء والإيواء، ومن يبتغيها بعد عزلها. ليست موطن مناقشة. ومن أجل ذلك كانت مشيئته هي الميزان في هذا الأمر. ولم تعط لأي بشر غيره. على أي من التفسيرين السابقين كان. ٥ - ومن إكرام رسول الله (ص) كان إكرام نسائه. فهنا سبب آخر لهذه المشيئة النبوية هي عواطف نسائه: ﴿ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن﴾. (٢). (قال البخاري: عن عائشة أن رسول الله (ص) كان يستأذن في اليوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿ترجي من تشاء ..﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذلك لي فإني لا

стр. 638

أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدا). فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجود القسم وحديثها الأول (١) يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات. ومن ها هنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده أنه مخير فيهن، إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم. وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي. وفيه جمع بين الأحاديث. ولهذا قال تعالى: ﴿ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن﴾ الآية. أي إذا علمن أن الله تعالى قد وضع عنك الحرج في القسم فإن شئت قسمت وإن شئت لم تقسم. لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أن تقسم لهن اختيارا منك. لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به. وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهم في قسمتك لهن وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فيهن) (٢). ٦ - وأكرم الله تعالى نساء نبيه محمد (ص) لاختيارهن إياه والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها. أن قصره عليهن. ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا﴾ (٣).

стр. 639

(ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد ... أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي (ص)، ورضا منهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله كما تقدم في الآية (١). فلما اخترن رسول الله (ص). كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن. وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن. ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حرج عليه فيهن.) (٢). ٧ - وتحقق المعنى المقصود من هذا القصر جزاء ومثوبة على اختيارهن لرسول الله (ص). لكن هذا القصر كان مؤقتا. وعادت الإباحة للنبي (ص). قال الإمام أحمد: عن عائشة ﵂ قالت: ما مات رسول الله (ص) حتى أحل الله له النساء. ورواه أيضا من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبيد الله بن عمير عن عائشة ورواه الترمذي والنسائي في سننهما. وقال ابن أبي حاتم عن ... أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله (ص) حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله تعالى ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ الآية. فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة. كآيتي عدة الوفاة في البقرة. الأولى ناسخة للتي بعدها. والله أعلم. ثم إن الله تعالى رفع عنه الحرج في ذلك ونسخ حكم هذه الآية

стр. 640

﴿لا يحل لك النساء ..﴾ وأباح له التزوج. ولكنه لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة لرسول الله (ص) عليهن.) (١) من هذه العوالم المباحة، والأبواب المشرعة، والآفاق الفسيحة لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، نلحظ كيف تعامل ﵊. مع هذه المباحات. ليبرز الجوهر المكنون لسيد ولد آدم. الذي اصطفاه ربه رحمة للعالمين. وقد مر هذا الأمر في عدة مراحل: المرحلة الأولى: حتى الخامسة والعشرين: ١ - أمضى رسول الله (ص) من عمره خمسا وعشرين عاما. وفيها عنف صبوة الشباب وتأجج العاطفة . في مجتمع الجاهلية الآسن الذي يستبيح حتى الزنا. وقد عصمه الله تعالى عن كل سوء. حتى مجالس اللهو التي يقصدها السمار والشباب كان عزوفا عنها. كما حدثنا ﵊ عن نفسه: ((ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من الغناء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله فيهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاء غنم أهلها. فقلت لصاحبي: ابصر لي غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان. فقال: بلى. قال: فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة. فسمعت عزفا بالغرابيل والمزامير. فقلت: ما هذا؟ قالوا: تزوج فلان فلانة فجلست أنظر، وضرب الله على أذني. فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس. فرجعت إلى صاحبي. فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئا. ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت ليلة أخرى:

стр. 641

ابصر لي غنمي حتى أسمر ففعل، فدخلت. فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة. فسألت فقيل: نكح فلان فلانة. فجلست انظر، وضرب الله على أذني. فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس. فرجعت إلى صاحبي. فقال: ما فعلت. فقلت: لا شيء ثم أخبرته الخبر. فوالله ما هممت ولا عدت بعهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته))) (١). فهذا هو تاريخه ﵊ في أطهر شباب وأعف رجولة، وأنزه سلوك. وهو في الجاهلية. ومن أجل هذا كان صبوة نساء مكة. لاستقامته وشرفه وخلقه. والذي ينجو من أعنف المراحل في حياته. صبابة وحبا واندفاعا. حتى الخامسة والعشرين من عمره. خليق بأن يكون من أعف أهل الأرض. وليس عنده امرأة أو زوجة يقضي منها وطره. المرحلة الثانية: حتى الخمسين من عمره ٢ - ثم كان زواجه من خديجة ﵂ . في الخامسة والعشرين من عمره. (وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة. مع ما أراد الله بها من كرامته. فلما أخبرها مسيرة بما أخبرها به. بعثت إلى رسول الله (ص) فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسطتك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم

стр. 642

عرضت عليه نفسها. وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا. كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو قدر عليه. فلما قالت ذلك لرسول الله (ص). ذكر ذلك لأعمامه ...) (١) (فحضر أبو طالب ومعه بنو هاشم ورؤساء سائر مضر. فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل، وأمر حائل. ومحمد من عرفتم قرابته. وقد خطب خديجة بنت خويلد. وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل.) (٢) (فقال عمرو بن خويلد - عمها - هو الفحل الذي لا يقدع أنفه فأنكحها منه) (٣). (فتزوجها فبقيت عنده قبل الوحي خمس عشر سنة. وماتت ولرسول الله (ص) تسع وأربعون سنة. وثمانية أشهر) (٣).

стр. 643

عمر رسول الله (ص) يضاعف. ويبلغ خمسين عاما. يتجاوز الشباب والكهولة. وليس عنده إلا امرأة واحدة هي خديجة ﵂ تكبره بخمسة عشر عاما. وهو أطهر أهل الأرض. وماذا يبقى من الصبوة والشباب بعد الخمسين؟ وقد لخص رسول الله (ص) خلاصة حياتها معه في حواره مع عائشة رضوان الله عليها: (كان رسول الله (ص) إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها فذكرها يوما فحملتني الغيرة. فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن! قال، ((فرأيته غضب غضبا أسقطت في خلدي.)) وقلت في نفسي. اللهم إن ذهب غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلما رأى النبي ما لقيت. قال: ((كيف قلت؟. والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه مني.))). قالت: فغدا وراح علي بها شهرا) (١). لقد كانت ﵂ رفيقة دربه، وعاشت المحنة كلها. فكانت بلسما لجراحه. ومضت في التاريخ أول من آمن به في الأرض. وكان عام وفاتها ووفاة عمه أبي طالب. هو عام الحزن. المرحلة الثالثة: حتى الخامسة والخمسون من العمر ٣ - ثم كان الزواج بعائشة وسودة رضوان الله عليهما. وقد جاوز رسول الله

стр. 644

(ص) الخمسين. ولما ماتت خديجة. حزن عليها النبي (ص) حزنا شديدا. فبعث الله جبريل فأتاه بعائشة في مهد فقال: يا رسول الله هذه تذهب بعض حزنك، وأن في هذه خلفا من خديجة.) (١) وقد حدث رسول الله (ص) عائشة بذلك فقالت: (قال لي رسول الله (ص): ((رأيتك في المنام مرتين، أتيت بك في سرقة من حرير فأكشفها. فإذا أنت. قال فيقال: هذه امرأتك. قال. فأقول: إن كان هذا من عند الله يمضه.))) (٢) (وقال الإمام أحمد في مسنده عن .. محمد بن عمرو أبو سلمة ويحي قالا: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر؟ قالت: ابنة أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبي بكر. قال: ((ومن الثيب؟)) قالت: سودة بت زمعة. قد آمنت بك واتبعتك. قال: ((فاذهبي فاذكريهما علي))). فدخلت بيت أبي بكر. فقالت: يا أم رومان: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله (ص)

стр. 645

أخطب عليه عائشة قالت انتظري أبا بكر حتى يأتي. فجاء أبو بكر. فقالت: يا أبا بكر! ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله (ص) أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه. فرجعت إلى رسول الله (ص) فذكرت ذلك له. فقال: ((ارجعي إليه فقولي له: ((أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي))) فرجعت. فذكرت ذلك له: قال: انتظري، وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه. ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي، وعنده امرأته أم الصبي، فقالت: يا ابن أبي قحافة، لعلك مصب (١) صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك، فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقول هذه تقول؟. قال: إنها تقول ذلك، فخرج من عنده وقد أنهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله (ص). فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين. ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة. فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله (ص) أخطبك إليه، قالت: وددت. ادخلي إلى أبي فاذكري ذلك له - وكان شيخا كبيرا قد تخلف عن الحج - فدخلت عليه فحيته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ قالت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة.

стр. 646

فقال: كفء كريم ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال: ادعيها إلي، فدعيتها قال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم. أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم. قال: ادعيه لي. فجاء رسول الله. فزوجها إياه. فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوعي أحثي على رأسي التراب أن تزوج رسول الله (ص) سودة بنت زمعة ..) (١) فقد تزوج رسول الله (ص) عائشة بوحي من السماء. وبتوجيه من جبريل ﵊. وكان من ثمرة هذا الزواج في الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة. قول ابن اختها عروة بن الزبير: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة (٢). وأما سودة بنت زمعة ﵂. فكان جبرا لخاطر كسير بعد وفاة زوجها السكران بن عمرو ﵁. والذي مات بعد عودته من مهاجرة الحبشة. وهي في بيت شرك ووثنية. حتى ليحثو أخوها التراب على رأسه عندما سمع بهذا الزواج. فعن ابن عباس ﵁ قال: كانت سودة بنت زمعة عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو. فرأت في المنام كأن النبي (ص) أقبل يمشي حتى وطىء على عنقها. فأخبرت زوجها بذلك. فقال: وأبيك لئن صدقت

стр. 647

رؤياك لأموتنن وليتزوجنك رسول الله (ص). فقالت: حجرا وسترا. ثم رأت في المنام ليلة أخرى أن قمرا انقض عليها من السماء وهي مضطجعة وأخبرت زوجها فقال: وأبيك لئن صدقت رؤياك لم ألبث يسيرا حتى أموت وتزوجين من بعدي. فاشتكى السكران من يومه ذلك. فلم يلبث إلا قليلا حتى مات، وتزوجها رسول الله (ص) (١) ومن الناحية العملية. فقد كان بناء رسول الله (ص) بسودة فقط. أما بناؤه بعائشة فقد كان في السنة الثانية من الهجرة. وله من العمر ﵊ خمس وخمسون عاما. وله زوجة واحدة. المرحلة الرابعة: من الخامسة والخمسين حتى الستين ٤ - وهي المرحلة التي بنى فيها رسول الله (ص) بعائشة و بقية نسائه . أي خمس سنوات من عمره ﵊. كان فيها هذا العدد من النسوة. وسنشهد زواجهن والحدث الذي ارتبط بهن. (أ) حفصة بنت عمر ﵂: (عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ يحدث أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله (ص) فتوفي بالمدينة فقال عمر بن الخطاب أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة. فقال: سأنظر في أمري. فلبثت ليالي ثم لقيني. فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق. فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت

стр. 648

عمر. فصمت أبو بكر. فلم يرجع إلي شيئا. وكنت أوجد عليه مني على عثمان. فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله (ص) فأنكحتها إياه. فلقيني أبو بكر. فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت على حفصة فلم أرجع إليك شيئا. قال عمر: قلت: نعم. قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله (ص) قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله (ص). ولو تركها رسول الله (ص) قبلتها.) (١) وروعة الحادثة غنية عن أي تعليق. (ب) زينب بنت خزيمة - كانت بدر في السنة الثانية. وبدأت قوافل الشهداء تترى بعد فرض الجهاد على المسلمين. وكان أول بطل قرع اسمه مسامعنا في بدر عبيدة بن الحارث ﵁. وعندما قال المشركون وقد خرجوا من الصفوف يبارزون: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال النبي (ص): قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم ياعلي .. فبارز عبيدة وكان أسن القوم. عتبة بن ربيعة، واختلفا بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه. قلت: وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف. ولما جاؤوا به إلى رسول الله (ص) أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله (ص). فأفرشه رسول الله (ص) قدمه، فوضع خده على قدمه الشريفة. وقال: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:

стр. 649

ونسلمه (١) حتى نصرع دونه ... ونذهل عن ابنائنا والحلائل ثم مات ﵁. فقال رسول الله (ص) ((أشهد أنك شهيد.))) رواه الشافعي ﵀ (٢). وإذا كان عبيدة بن الحارث ﵁ ذهل عن حليلته. فدى لله ورسوله. فلن يذهل رسول الله (ص) عن ولد عبيدة وزوجه. من أعظم الوفاء لهذا البطل العظيم. أن يتقدم رسول الله (ص) من حليلته وزوجه زينب بنت خزيمة بعد انقضاء عدتها خاطبا لها. ويتزوجها ويرعاها مع ولدها. وشاءت إرادة الله تعالى أن يسجل هذا الوفاء في صحيفة نبيه محمد (ص). لأنها لم تلبث عنده أشهرا حتى ماتت ﵂ وأرضاها. مع الصالحات. ... (ج) أم سلمة: (عن عمر بن أبي سلمة قال: خرج أبي إلى أحد فرماه أبو سلمة الجشمي في عضده بسهم فمكث شهرا يداوي جرحه ثم برىء الجرح. وبعث رسول الله (ص) أبي إلى قطن في المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا فغاب تسعا وعشرين ليلة ثم رجع فدخل المدينة لثمان خلون من

стр. 650

صفر سنة أربع. والجرح منتقض. فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة فاعتدت أمي وحلت لعشر بقين من شوال سنة أربع. فتزوجها رسول الله (ص) في ليالي بقين من شوال سنة أربع، وتوفيت في ذي القعدة سنة خمسين) (١) (وعن زياد بن أبي مريم قال: قالت أم سلمة لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة وهي من أهل الجنة ثم لم تزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة. وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها. فتعال أعاهدك ألا تزوج بعدي ولا أتزوج بعدك. قال: أتطيعينني؟ قلت: ما استأمرتك إلا وأنا أريد أن أطيعك. قال: فإذا مت فتزوجي ثم قال: اللهم أرزق أم سلمة بعدي رجلا خيرا منها لا يحزنها ولا يؤذيها. فلما مات أبو سلمة قلت: من هذا الفتى الذي هو خير لي من أبي سلمة؟ فلبثت ما لبثت ثم جاء رسول الله (ص) فقام على الباب فذكر الخطبة إلى ابن أخيها أو إلى ابنها أو إلى وليها ..) (٢) (وعن أم سلمة قالت: لما انقضت عدتي من أبي سلمة أتاني رسول الله (ص) فكلمني بيني وبينه حجاب. فخطب إلي نفسي. فقلت: أي رسول الله وما تريد إلي، ما أقول هذا إلا رغبة لك عن نفسي. إني امرأة قد أدبر مني سني، وإني أم أيتام. وأنا امرأة شديدة الغيرة وأنت يا رسول الله تجمع النساء فقال رسول الله: ((فلا يمنعك

стр. 651

ذلك. أما ما ذكرت من غيرتك فيذهبها الله، وأما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك سنا. وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله))) فأذنت له في نفسي فتزوجني. فلما كانت ليلة وعدنا البناء قمت من النهار إلى رجل ونعالي فوضعتهما وقمت إلى فضلة شعير لأهلي فطحنتها، وفضلة من شحم فعصدتها لرسول الله. فلما أتانا رسول الله (ص) قدم إليه الطعام فأصاب منه، وبات تلك الليلة. فلما أصبح قال: قد أصبح بك على أهلك كرامة ولك عندهم منزلة فإن أحببت أن تكون هذه ليلتك ويومك هذا كان، وإن أحببت أن أسبع لك سبعت، وإن سبعت لك سبعت لصوحبك. قالت: يا رسول الله! افعل ما أحببت.) (١) وعن أم سلمة قالت: قال أبو سلمة قال رسول الله (ص). ((إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها. وأبدلني بها ما هو خير منها))) فلما احتضر أبو سلمة قال: اللهم اخلفني في أهل بخبر. فلما قبض قلت. إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم عندك احتسبت مصيبتي فآجرني فيها. وأردت أن أقول: وأبدلني بها خيرا منها. فقلت: من خير من أبي سلمة؟ فما زلت حتى قلتها. فلما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردته، ثم خطبها عمر فردته، فبعث إليها رسول الله (ص) فقالت: مرحبا برسول الله وبرسوله (ص) أخبر رسول الله أني امرأة غيري وأني

стр. 652

مصية، وأنه ليس أحد من أوليائي شاهد .. فبعث إليها رسول الله (ص): ((أما قولك إنك مصبية. فإن الله سيكفيك صبيانك. وأما قولك إنك غيرى فسأدعو الله أن يذهب غيرتك وأما الأولياء فليس أحد منهم شاهد ولا غائب إلا سيرضاني)) قال. قالت: قم يا عمر فزوج رسول الله (ص). قال رسول الله: ((أما إني لا أنقصك مما أعطيت أختك فلانة: رحيين وجرتين ووسادة من أدم حشوها ليف ...))) (١). ولابد من الإشار إلى بعض الملاحظات في هذا الزواج النبوي العظيم. ١ - لقد استجاب الله دعوة أبي سلمة وهو يحتضر: اللهم أخلفني في أهلي بخير. ومضى إلى ربه شهيدا. فكان كافل أيتامه وراعي أهله رسول الله (ص). ويحسن ألا ننسى أن أبا سلمة هو ابن عمة الرسول (ص). فهو أولى الناس برعاية أهله وولده. ٢ - واستجاب الله تعالى دعوة أمته أم سلمة أن يبدلها الله به خيرا منها. لكنها في نفسها كانت أقل من أن تكون زوجا لرسول الله (ص) (إني امرأة قد أدبر مني سني وإني امرأة أم أيتام وأنا امرأة شديدة الغيرة) لكن سيد الخلق ﵊ لن يدعها لسنها أو لأيتامها أو لغيرتها. فقد جبر خاطرجا ورعى حقها وأعلمها بكرامتها عنده وعند أهلها. ٣ - ويحسن أن لا ننسى كذلك أن أم سلمة من بني مخزوم، أعز بطون قريش. وهي التي كانت تحمل لواء الحرب والمواجهة لرسول الله (ص).

стр. 653

ووراء هذا الزواج تفتيت حقد هذه القبيلة. وتقريب قلوب أبنائها وتوطئة وتحبب إليهم ليدخلوا في الإسلام كافة بعد أن صاروا أصهار رسول الله ﵊. ٤ - ويحسن أن لا ننسى ذلك الأثاث البيتي البسيط الذي كان رسول الله (ص) يقدمه لأهله رحيين وجرتين ووسادة أما الرحى فلطحن الشعير، وأما الجرة فللشرب وأما الوسادة فللنوم. ونقف إجلالا أمام الأثاث ونحن نرى عشرات الألوف التي تصرف في الأثاث هذه الأيام. ومن خلاله يقيم الأزواج في كثير من الأحيان. ... (د) زينب بنت جحش: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ادعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ (١). (وقد مضى أن رسول الله (ص) زوج زيد بن حارثة الذي كان متبناه - وكان يدعى زيد بن محمد، ثم دعي إلى أبيه - من زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله (ص) ليحطم بهذا الزواج فوارق الطبقات الموروثة، ويحقق معنى قوله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ويقرر هذه القيمة الإسلامية الجديدة بفعل عملي واقعي.

стр. 654

ثم شاء الله أن يحمل نبيه بعد ذلك - فيما يحمل من أعباء الرسالة - مؤنة إزالة آثار نظام التبني فيتزوج من مطلقة متبناه زيد بن حارثة، ويواجه المجتمع بهذا العمل، الذي لا يستطيع أحد أن يواجه المجتمع به على الرغم من إبطال عادة التبني في ذاتها. وألهم الله نبيه (ص) أن زيدا سيطلق زينب. وأنه هو سيتزوجها. للحكمة التي قضى الله بها. وكانت العلاقات بين زيد وزينب قد اضطربت، وعادت توحي بأن حياتهما لن تستقيم طويلا. وجاء زيد مرة بعد مرة يشكو إلى رسول الله (ص) اضطراب حياته مع زينب، وعدم استطاعته المضي معها. والرسول (ص) على شجاعته في مواجهة قومه في أمر العقيدة دون لجلجة ولا خشية يحس ثقل التبعة فيما ألهمه الله من أمر زينب، ويتردد في مواجهة القوم بتحطيم ذلك التقليد العميق فيقول لزيد الذي أنعم الله عليه بالإسلام بالقرب من رسوله وبحب الرسول له. ذلك الحب الذي يتقدم به في قلبه على كل أحد بلا استثناء والذي أنعم الرسول عليه بالعتق والتربية والحب - يقول له: ﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾) ويؤخر بهذا مواجهة الأمر العظيم الذي يتردد بالخروج به على الناس كما قال تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ وهذا الذي أخفاه النبي - (ص) - في نفسه وهو يعلم أن الله مبديه، هو ما ألهمه الله أن سيفعله. ولم يكن أمرا صريحا من الله، وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا حاول تأجيله، ولجهر به في حينه مهما كانت العواقب التي يتوقعها من إعلانه. ولكنه (ص) كان أمام إلهام يجده في نفسه، ويتوجس في

стр. 655

الوقت ذاته من مواجهته، ومواجهة الناس به. حتى أذن الله بكونه. فطلق زيد زوجه في النهاية. وهو لا يفكر لا هو ولا زينب فيما سيكون بعد. لأن العرف السائد كان يعد زينب مطلقة لابن محمد لا تحل له. حتى بعد إبطال عادة التبني في ذاتها، ولم يكن بعد قد نزل إحلال مطلقات الأدعياء، إنما كان حادث زواج النبي بها فيما بعد هو الذي قرر هذه القاعدة. بعدما قوبل هذا القرار بالدهشة والمفاجأة والاستنكار. وفي هذا ما يهدم كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث، والتي تشبث بها أعداء الإسلام قديما وحديثا. وصاغوا حولها الأساطير والروايات. إنما كان الأمر كما قال الله تعالى ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضو منهن وطرا﴾ وكانت هذه إحدى ضرائب الرسالة الباهظة حملها رسول الله فيما حمل. وواجه بها المجتمع الكاره لها كل الكراهية حتى ليتردد في مواجهته بها وهو الذي لم يتردد في مواجهته بعقيدة التوحيد. وذم الآلهة والشركاء، وتخطئة الآباء والأجداد) (١) وعن أنس قال: (لما انقضت عدة زينب قال النبي (ص) لزيد: ((إذهب فاذكرها علي))) فانطلق حتى آتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، ان رسول الله (ص) ذكرها. فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي. وقلت: يا زينب أبشري. أرسلني رسول الله (ص) يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربى . ثم قامت إلى مسجدها ونزل

стр. 656

القرآن. وجاء رسول الله (ص) فدخل عليها بغير إذن. قال أنس: وقد رأيتنا حين دخل عليها رسول الله (ص) أطعمنا عليه الخبز واللحم. فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام. فخرج رسول الله (ص) واتبعته. فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته والقوم قد خرجوا أو أخبر؟ قال: فانطلق حتى دخل البيت. فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ...﴾ الآية. وكذلك رواه مسلم والنسائي من طريق سليمان بن المغيرة (١) وأثلج صدر زينب في أعظم سعادة سيقت إليها في حياتها بهذا الزواج، وعبر الشعبي عن هذا المعنى بقوله فيما رواه عن زينب: كانت زينب تقول للنبي (ص): إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن. إن جدي وجدك واحد - تعني عبد المطلب فإنه أبو أبي النبي (ص) وأبو أمها أميمة بنت عبد المطلب - وإني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير جبريل ﵇ (٢) ... (هـ) أم حبيبة بنت أبي سفيان كانت هناك في أرض الغربة والوحشة. وقد هاجرت إلى الحبشة. مع زوجها عبيد الله بن جحش.

стр. 657

وكانت المحنة العظمى لها أن تنصر زوجها، وقاومته. وواجهته بدينها حتى مات. وكانت تتنقل من محنة إلى محنة. فأين تعود؟ تعود إلي أبيها أبي سفيان. الذي انتهت إليه زعامة قريش في حرب محمد (ص). وغدت لا أب ولا زوج ولا عشيرة. فكل عشيرتها تحارب رسول الله (ص) وماذا لها في هذه الدنيا إلا أنها تعد الأيام لتلقى وجه ربها، صابرة منيبة محتسبة أوابة. غير أن هناك قلبا كان يعيش محنتها، ويتحسس لمصيبتها. ويهتم لابتلائها هو قلب سيد الوجود محمد (ص). الذي لم ينس ألمها الذي يذبحها بعد فراق الأهل والزوج والأب والوطن. ومن هذا العالم المغمور. تحدثنا عن العالم الجديد الذي فتح لها. لتكون أما للمؤمنين في الأرض. قال الزبير بن بكار: عن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: (ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي - جارية يقال لها إبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه - فاستأذنت علي فأذنت لها، فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله (ص) كتب إلي أن أزوجكه، فقلت: بشرك الله بالخير، وقالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك قالت: فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته، وأعطيت إبرهة سوارين من فضة، وخدمتين (١) من فضة كانتا علي، وخواتيم من فضة في كل أصابع رجلي - سرورا بما بشرتني به. فلما أن كان من العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب، ومن كان هناك من المسلمين أن يحضوا. وخطب النجاشي وقال: الحمد لله الملك القدوس

стр. 658

المؤمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم. أما بعد. فإن رسول الله (ص) طلب أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان. فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله (ص)، وقد أصدقها أربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد. فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله (ص)، وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فبارك الله لرسوله (ص). ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن من سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا) (١) قالت أم حبيبة: فلما وصل إلي المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني. فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي. فهذه خمسون مثقالا فخذيها فاستعيني بها فأبت فأخرجت حقا كان فيه كل ما أعطيتها فردته علي وقالت: عزم علي الملك أن لا أرزؤك شيئا وأنا الذي أقوم على ثيابه ودهنه. وقد اتبعت دين رسول الله (ص). وأسلمت لله. وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر. قالت: فلما كان الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير. فقدمت بذلك كله على النبي (ص). فكان يراه علي وعندي فلا ينكره ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله مني السلام وتعلميه إني قد اتبعت دينه. قالت: ثم لطفت بي وكانت هي التي

стр. 659

جهزتتي. فكانت كلما دخلت علي تقول لا تنسي حاجتي إليك. فلما قدمت على رسول الله (ص) أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي ابرهة فتبسم رسول الله (ص)، وقرأته منها السلام فقال: ((وعليها السلام ورحمة الله وبركاته)) (١) ولئن كانت أم سلمة ﵂ من بني مخزوم. فقد كانت أم حبيبة من بني أمية بن عبد شمس أعز بطون قريش كذلك. وبنت زعيم مكة كلها أبي سفيان بن حرب وهذا علي بن أبي طالب ﵁ يسأل فيجيب: (قال رجل لعلي: أخبرني عن قريش قال: أوزننا أحلاما إخوتنا بنو أمية وأنجدنا عند اللقاء أو أسخانا بما ملكت اليمين فهم بنو هاشم. وريحانة قريش التي تشم بها بنو المغيرة، إليك عني سائر اليوم) (٢). (أما نخن بنو هاشم فأنجاد أمجاد هداة أجواد. وأما إخوتنا بنو أمية قادة ذادة. وريحانة قريش التي تشم بها بنو المغيرة) (٣). حتى ان ابن عباس ﵄ يفسر قول الله بهذا الزواج. كما روى البيهقي عنه ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾ قال: هو تزويج النبي (ص) بأم حبيبة بنت أبي سفيان فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين. (٤) وما هي إلا سنتان حتى كان بنو أمية يتسابقون إلى الدخول في الإسلام

стр. 660

ويتبركون بعقيلهم أم حبيبة. ... (و) جويرية بنت الحارث: وندع الحديث عنها وعن أثر زواجها في الدعوة إلى الله لعائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: لما قسم رسول الله (ص) سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له. فكاتبته على نفسها. وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله (ص) تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أن سيرى منها رسول الله (ص) ما رأيت. فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له. فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: ((فهل لك في خير من ذلك؟)) قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((أقضي عنك كتابتك وأتزوجك)) قالت: نعم يا رسول الله. قال: ((قد فعلت.))). قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار. فقال الناس: أصهار رسول الله (ص). وأرسلوا ما في أيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق. فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها) (١).

стр. 661

(ز) ريحانة بنت زيد: عن عمر بن الحكم قال: أعتق رسول الله ريحانة بنت زيد وكانت عند زوج محب لها مكرم، فقالت: لا أستخلف بعده أبدا، وكانت ذات جمال. فلما سبيت بنو قريظة، عرض السببي على رسول الله (ص). فكنت فيمن عرض عليه. فأمر بي فنزلت. وكان له صفي من كل غنيمة. فلما عزلت خار الله لي فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الأسرى. وفرق السببي، ثم دخل علي رسول الله، فتنحيت منه حياء فدعاني فأجلسني بين يديه فقال: ((إن اخترت الله ورسوله، اختارك رسول الله لنفسه.))) فقلت: إني أختار الله ورسوله، فلما أسلمت أعتقني (١) رسول الله وتزوجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونشا كما كان يصدق نساءه، وأعرس بي في بيت أم المنذر، وكان يقسم لي كما كان يقسم إلى نسائه. وضرب علي الحجاب.) (٢) وكان رسول الله (ص) معجبا بها، وكانت لا تسأله إلا أعطاها ذلك، ولقد قيل لها: لو كنت سألت رسول الله (ص) بني قريظة فأعتقهم وكانت تقول: لم يخل بي حتى فرق السبي. ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها. فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع. فدفنها بالبقيع. وكان تزويجه إياها في المحرم سنة ست من الهجرة) (١). لقد كانت نهاية بني قريظة في قتل المقاتلة وسبي الذراري والنساء نهاية قاسية جزاء ما اقترفت أيديهم. ولكن عظمة النبوة التي تأسو الجراح،

стр. 662

وتجبر المصيبة. حدت بالنبي (ص) أن يختار ريحانة لتكون زوجا له بعد أن اختارت الله ورسوله ودخلت في الإسلام. وبقيت معلما عظيما من معالم الدعوة إلى الله. إن القتل يؤكد أن الثأر والتشفي ليس هو الذي يحرك المؤمنين. إنما هو القصاص العادل على الغدر والخيانة. ولا أدل على ذلك. من تزوج رسول الله (ص) واحدة منهن. وقد هدى الله قلبها للإسلام. لتكون قدوة لأخواتها السبايا يدخلن في دين الله. ويذبن الحقد في بوتقة الإيمان. ... (ح) صفية بنت حيي: وما قيل عن ريحانة ﵂ يقال عن صفية ﵂. فكلتاهما من يهود. شرح الله صدرهما للإسلام. وصارت صفية أما للمؤمنين في الأرض. ولم يحل أصلها اليهودي دون ذلك. بل كان رسول الله يعلمها. كيف تفخر بهذا الأصل على أخواتها العربيات: قولي لهم: ((أبي هارون وعمي موسى)) فهي من ضئضىء النبوة. ولو كان أبوها حيي بن أخطب هو فرعون يهود. وطاغيتهم الكبير فلا تزر وازرة وزر أخرى. وما لنا نبعد وهي التي أشارت لذلك. فعن إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: لما دخلت صفية على النبي (ص) قال لها: ((لم يزل أبوك من أشد يهود عداوة لي حتى قتله الله))). فقالت: يا رسول الله إن الله يقول في كتابه: ولا تزر وازرة وزر أخرى. فقال لها رسول الله: ((اختاري فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك وتلحقي بقومك.))) فقالت: يا رسول الله لقد هويت الإسلام، وصدقت بك قبل أن تدعوني حيث

стр. 663

صرت إلى رحلك. وما لي في اليهودية أرب وما لي فيها والد ولا أخ وخيرتني الكفر والإسلام. فوالله ورسوله أحب إلي من العتق. وأن أرجع إلى قومي. قال: فأمسكها رسول الله لنفسه.) (١)) وقد روى ابن سعد حديث صفية من طرق عنده وعن ثلاثة من الصحابة هم أبو هريرة وأنس بن مالك وأم سنان الأسلمية. وأدخل حديث بعضهم ببعض فقال: لما غزا رسول الله (ص) خيبر، وغنمه الله أموالهم سبى صفية بنت حيي وبنت عم لها من القموص فأمر بلالا يذهب بها إلى رحله. فكان لرسول الله (ص) صفي من كل غنيمة. فكانت صفية مما اصطفى يوم خيبر، وعرض عليها النبي (ص) أن يعتقها إن اختارت الله ورسوله. فاختارت الله ورسوله وأسلمت. فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها مهرها. ورأى بوجهها أثر خضرة قريبا من عينها فقال: ((ما هذا))) قالت: يا رسول الله رأيت في المنام قمرا أقبل من يثرب حتى وقع في حجري فذكرت ذلك لزوجي كنانة فقال: تحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة؟ فضرب وجهي. واعتدت حيضة ولم يخرج رسول الله (ص) من خيبر حتى طهرت من حيضتها. فخرج رسول الله من خيبر ولم يعرس بها فلما قرب البعير لرسول الله ليخرج وضع رسول الله رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه فأبت ووضعت ركبتها على فخده وسترها رسول الله وحملها وراءه. وجعل

стр. 664

رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه. فلما صار إلى منزل يقال له تبار على ستة أميال من خيبر. مال يريد أن يعرس بها فأبت عليه. فوجد النبي (ص) في نفسه من ذلك. فلما كان بالصهباء وهي على بريد من خيبر. قال رسول الله (ص) (ص) لأم سليم: عليكن صاحبتكن فأمشطنها. وأراد رسول الله أن يعرس بها هناك. قالت أم سليم وليس معنا فسطاط ولا سرادقات. فأخذت كسائين أو عباءتين فسترت بينهما إلى شجرة فمشطتها، وعطرتها. قالت أم سنان الأسلمية: وكنت فيمن حضر عرس رسول الله (ص) بصفية مشطناها وعطرناها. وكانت جارية تأخذ الزينة من أوضأ ما يكون من النساء، وما وجدت رائحة طيب أطيب من ليلتئذ. وما شعرنا حتى قيل رسول الله يدخل على أهله. وأقبل رسول الله (ص) يمشي إليها فقامت إليه. وبذلك أمرناها. فخرجنا من عندهما، وأعرس بها رسول الله (ص) هناك وبات عندها. وغدونا عليها وهي تريد أن تغتسل. فذهبنا بها حتى توارينا من العسكر فقضت حاجتها واغتسلت. فسألناها عما رأت من رسول الله (ص). فذكرت أنه سر بها، ولم ينم تلك الليلة، ولم يزل يتحدث معها، وقال لها: ((ما حملك على الذي صنعت حين أردت أن أنزل المنزل الأول فأدخل بك؟))) قالت: خشيت عليك قرب يهود فزادها ذلك عند رسول الله (ص). وأصبح رسول الله فأولم عليها هناك وما كانت وليمته إلا الحيس (١) وما

стр. 665

كانت قصاعهم إلا الأنطاع (١). فتغدى القوم يومئذ ثم راح رسول الله (ص) فنزل بالقصيبة وهي على ستة عشر ميلا.) (٢) ... (ط) مارية القبطية: فعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة. قال: بعث المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله (ص) في سنة سبع من الهجرة بمارية وأختها سيرين .. مع حاطب بن أبي بلتعة. فعرض حاطب على مارية الإسلام ورغبها فيه فأسلمت وأسلمت أختها .. وكان رسول الله (ص) معجبا بأم إبرإهيم وكانت بيضاء جميلة. فأنزلها رسول الله (ص) في العالية في المال الذي يقال له اليوم مشربة أم إبراهيم. وكان رسول الله يختلف إليها هناك. وضرب عليها الحجاب. وكان يطأها بملك اليمين. فلما حملت وضعت هناك وقابلتها سلمى مولاة رسول الله (ص). فجاء أبو رافع زوج سلمى فبشر رسول الله (ص) بإبراهيم. فوهب له عبدا. وذلك في ذي الحجة سنة ثمان، وتنافست الأنصار في حب أم إبراهيم، وأحبوا أن يفرغوا مارية للنبي (ص) لما يعلمون من هواه فيها.) (٣). وربطت مارية ﵂ بين المسلمين في الأرض وبين القبط

стр. 666

كما فعلت هاجر من قبل. فقال ﵊: ((استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما)) (١). ورحمهم أن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم منهم، وأم إبراهبم بن النبي (ص) منهم. ... (ي) ميمونة بنت الحارث: كانت زينب بنت خزيمة الهلالية ﵂ قد مضت إلى جوار ربها، وبنو هلال من أكبر القبائل العربية وميمونة ﵂ في مكة عند أختها أم الفضل بن الحارث امرأة عم النبي (ص) وهي هلالية كذلك. وختم بميمونة زواجه ﵊. (فعن علي بن عبد الله بن عباس قال: لما أراد رسول الله (ص) الخروج إلى مكة عام القضية بعث أوس بن خولي وأبا رافع إلي العباس فزوجه ميمونة. فأضلا بعيرهما. فأقاما أياما ببطن رابغ حتى أدركهما رسول الله (ص)، وقد ضما بعيرهما. فسارا معه حتى قدم مكة. فأرسل إلى العباس فذكر ذلك له. وجعلت ميمونة أمرها إلى رسول الله (ص). فجاء رسول الله (ص) منزل العباس فخطبها إلى العباس، فزوجها إياه.) (٢) (وعن الزهري قال: ميمونة بنت الحارث هي التي وهبت نفسها

стр. 667

للنبي (ص) (١). (وعن أبي رافع قال: كنت في بعث مرة فقال لي رسول الله (ص) أذهب فائتني بميمونة فقلت: يا رسول الله إني في البعث فقال رسول الله (ص): ((أليس تحب ما أحب.))) فقلت بلى. قال: ((فاذهب فائتني))) فذهبت فجئته بها) (٢). وكان حرص رسول الله (ص) أن يوظف هذا الزواج لصالح الدعوة. ويفتت حقد أهل مكة. فكان مما قاله لهم بعد انتهاء عمرته: ((وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه))). قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فأخرج عنا. فخرج رسول الله (ص) وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة. حتى أتاه بها بسرف. فبنى بها رسول الله (ص) هنالك.) (٣). المرحلة الخامسة: من الستين إلى الثالثة والستين و لم يتزوج فيها رسول الله (ص) رغم إباحة الزواج له بعد التحريم كما روت أم سلمة ﵂: لم يمت رسول الله (ص) حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم). ومع هذه الإباحة. فقد اقتصر رسول الله (ص) على أزواجه اللاتي اخترنه على الدنيا إكراما لهن. وتوفي عنهن وهن أمهات المؤمنين في الأرض.

стр. 668

خاتمة

стр. 669

الفصل الرابع والثلاثون عالمية الدعوة: أدلتها ومظاهرها من السيرة ١ - ابتدأت عالمية الدعوة من أول لحظة اتصلت بها السماء بالأرض. ومنذ أن تشرفت الأرض بكلام الله تعالى يفيض على الوجود. ويتلقاه قلب النبي (ص). ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (١). إنها قراءة الوجود كله، والخلق كله. والإنسان كله. إنها تسبيحة في هذا الوجود الفسيح بعد أن كان الجاهليون مخنوقين في نتن اللات والعزى وهبل يستمطرونها النفع والرحمة. ويعوذون بها من اللأواء والضر. ٢ - واستمرت المعركة سنين طوالا - يحاول المشركون فيها أن يصوروا محمدا ساحرا وشاعرا أو طالب ملك في رقعتهم الضيقة المخنوقة المحبوسة بجبال مكة. ورسول الله (ص) يخرجهم إلى عوالم الوجود كافة. ((الحمد لله رب العالمين.)) ((ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم ولا الملك

стр. 670

عليكم. ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله بيني وبينكم))) (١). ٣ - والآيات القرآنية التي نزلت في مكة. ومنذ الفجر تذكر أن هذا القرآن وهذا الرسول هو للناس جميعا للعالمين. (أ) ﴿... قل لا أسألكم عيه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ الأنعام / ٩٠ مكية. (ب) ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء / ١٠٧ مكية. (ج) ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ الفرقان /١ مكية. (د) ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ...﴾ الروم / ٥٨ مكية. (هـ) ﴿إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق ...﴾ الزمر / ٤١ مكية. (و) ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون﴾ الجاثية / ٢٠ مكية. (ز) ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ سبأ / ٢٨ مكية. (ح) ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ الأعراف / ١٥٨ مكية. ٤ - وشهد العهد المكي إسلام صهيب الرومي، وبلال الحبشي. كما شهد إسلام وفد نصارى الحبشة:
следующие страницы →