كما فعلت هاجر من قبل. فقال ﵊: ((استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما)) (١).
ورحمهم أن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم منهم، وأم إبراهبم بن النبي (ص) منهم.
...
(ي) ميمونة بنت الحارث:
كانت زينب بنت خزيمة الهلالية ﵂ قد مضت إلى جوار ربها، وبنو هلال من أكبر القبائل العربية وميمونة ﵂ في مكة عند أختها أم الفضل بن الحارث امرأة عم النبي (ص) وهي هلالية كذلك. وختم بميمونة زواجه ﵊.
(فعن علي بن عبد الله بن عباس قال: لما أراد رسول الله (ص) الخروج إلى مكة عام القضية بعث أوس بن خولي وأبا رافع إلي العباس فزوجه ميمونة. فأضلا بعيرهما. فأقاما أياما ببطن رابغ حتى أدركهما رسول الله (ص)، وقد ضما بعيرهما. فسارا معه حتى قدم مكة.
فأرسل إلى العباس فذكر ذلك له. وجعلت ميمونة أمرها إلى رسول الله (ص). فجاء رسول الله (ص) منزل العباس فخطبها إلى العباس، فزوجها إياه.) (٢)
(وعن الزهري قال: ميمونة بنت الحارث هي التي وهبت نفسها
стр. 667
للنبي (ص) (١).
(وعن أبي رافع قال: كنت في بعث مرة فقال لي رسول الله (ص) أذهب فائتني بميمونة فقلت: يا رسول الله إني في البعث فقال رسول الله (ص): ((أليس تحب ما أحب.))) فقلت بلى. قال: ((فاذهب فائتني))) فذهبت فجئته بها) (٢).
وكان حرص رسول الله (ص) أن يوظف هذا الزواج لصالح الدعوة. ويفتت حقد أهل مكة. فكان مما قاله لهم بعد انتهاء عمرته: ((وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه))). قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فأخرج عنا. فخرج رسول الله (ص) وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة. حتى أتاه بها بسرف. فبنى بها رسول الله (ص) هنالك.) (٣).
المرحلة الخامسة: من الستين إلى الثالثة والستين
و لم يتزوج فيها رسول الله (ص) رغم إباحة الزواج له بعد التحريم كما روت أم سلمة ﵂: لم يمت رسول الله (ص) حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم).
ومع هذه الإباحة. فقد اقتصر رسول الله (ص) على أزواجه اللاتي اخترنه على الدنيا إكراما لهن. وتوفي عنهن وهن أمهات المؤمنين في الأرض.
стр. 668
خاتمة
стр. 669
الفصل الرابع والثلاثون
عالمية الدعوة: أدلتها ومظاهرها من السيرة
١ - ابتدأت عالمية الدعوة من أول لحظة اتصلت بها السماء بالأرض. ومنذ أن تشرفت الأرض بكلام الله تعالى يفيض على الوجود. ويتلقاه قلب النبي (ص).
﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (١).
إنها قراءة الوجود كله، والخلق كله. والإنسان كله. إنها تسبيحة في هذا الوجود الفسيح بعد أن كان الجاهليون مخنوقين في نتن اللات والعزى وهبل يستمطرونها النفع والرحمة. ويعوذون بها من اللأواء والضر.
٢ - واستمرت المعركة سنين طوالا - يحاول المشركون فيها أن يصوروا محمدا ساحرا وشاعرا أو طالب ملك في رقعتهم الضيقة المخنوقة المحبوسة بجبال مكة. ورسول الله (ص) يخرجهم إلى عوالم الوجود كافة. ((الحمد لله رب العالمين.))
((ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم ولا الملك
стр. 670
عليكم. ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله بيني وبينكم))) (١).
٣ - والآيات القرآنية التي نزلت في مكة. ومنذ الفجر تذكر أن هذا القرآن وهذا الرسول هو للناس جميعا للعالمين.
(أ) ﴿... قل لا أسألكم عيه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ الأنعام / ٩٠ مكية.
(ب) ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ الأنبياء / ١٠٧ مكية.
(ج) ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ الفرقان /١ مكية.
(د) ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ...﴾ الروم / ٥٨ مكية.
(هـ) ﴿إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق ...﴾ الزمر / ٤١ مكية.
(و) ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون﴾ الجاثية / ٢٠ مكية.
(ز) ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ سبأ / ٢٨ مكية.
(ح) ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ الأعراف / ١٥٨ مكية.
٤ - وشهد العهد المكي إسلام صهيب الرومي، وبلال الحبشي. كما شهد إسلام وفد نصارى الحبشة:
стр. 671
﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ (١).
قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي فلما قدموا على النبي (ص) قرأ عليهم ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله ..﴾ (٢).
(قال محمد بن اسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله (ص) وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة. فوجدوه في المسجد. فجلسوا إليه وساءلوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مساءلة رسول الله (ص) عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى. وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله، وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل. فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقموه فيما
стр. 672
قال: ما نعلم ركبا أحمق منكم، أو كما قالوا لهم. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه. ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيرا) (١).
...
٥ - ها هو ﵊ وهو واثق من نصر ربه. يقول في مكة لوفد بني شيبان ((أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن تؤوني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به. فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق ..))) ولم يأل جهدا أن يذكرهم بواقعهم مع الفرس: أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم، اتسبحون الله وتقدسونه؟.) فقال النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش. فتلا رسول الله (ص): ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (٢)﴾) (٣).
إنها بشريات لهم بعالمية هذا الدين وانتصاره مثل قوله لوفد قريش عند أبي طالب:
((.. نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم)). فقال أبو جهل. نعم وأبيك وعشر كلمات، قال: ((تقولون لا إله إلا الله. وتخلعون ما تعبدون من دونه)) (٤).
стр. 673
٦ - وتظهر عالمية هذا الدين التي جاوزت عالم الإنس. لتنتقل إلى عالم الجن.
وحتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي. فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى وهم - فيما ذكر لي - سبعة من جن نصيبين. فاستمعوا له. فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. فقص الله خبرهم عليه (ص). قال الله : ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ..﴾ إلى قوله تعالى ﴿.. ويجركم من عذاب أليم﴾ (١) وقال ﵎ ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ..﴾ (٢) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة) (٣).
...
٧ - والهجرة نفسها تشهد نماذج من عالمية الرسالة والرسول (ص) فالجن يبتهجون بنجاة رسول الله (ص) من المشركين.
قالت: (أي أسماء): ثم انصرفوا فمكثنا ثلاث ليالي وما ندري أين وجه رسول الله (ص) حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... بضيفين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد) (٤)
стр. 674
وهو يبشر سراقة بن مالك ﵁ بقوله:
كيف بك إذا لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه (١). ...
٨ - وتمر الأيام تترى في المدينة، ورسول الله (ص) ماض يؤدي رسالة ربه. وهو يذكر المسلمين دائما بأن الأرض لله يرثها العباد الصالحون. فها هي غزوة الخندق: وبشريات رسول الله (ص) بفتح الأرض له.
(قال ابن إسحاق: وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي صخرة ورسول الله (ص) قريب مني. فلما رآني أضرب. ورأى شدة المكان علي. نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة. ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى قال: ثم ضرب الثالثة فلمعت برقة أخرى. قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: ((أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟))) قلت: نعم. قال: ((أما الأولى فإن الله فتح علي باب اليمن. وأما الثانية فإن الله فتح علي باب الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق))) (٢).
ومع نهاية الخندق حيث رسخت أقدام النبي (ص) في المدينة وقال:
стр. 675
((الآن نغزوهم ولا يغزونا. ابتدأت مرحلة الانطلاقة العالمية))).
...
٩ - وتجسدت هذه الانطلاقه بعد التمكين في الأرض بعد الحديبية. لتمضي كتب رسول الله (ص) إلى كل ملوك الأرض آنذاك تدعوهم إلى الإسلام. ولعل عرض هذه الكتب والمواقف منها تعطي الصورة الكاملة الشافية.
أ - وأملى كتاب هرقل عظيم الروم: (.. فلو أني كنت عنده لغسلت عن قدمه) .. ثم دعا بكتاب رسول الله (ص) الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه فقرأه فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين))).
و ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون))).
قال أبو سفيان: وسار هرقل إلى حمص حتى فلم يرم حمص أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي (ص) وأنه نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد
стр. 676
غلقت. فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي. وقال إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم. فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه. فكان ذلك آخر شأن هرقل ..) (١).
ب - كتاب كسرى عظيم الفرس
قال ابن جرير بسنده عن زيد بن أبي حبيب قال: وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتبع الهدى. وآمن بالله ورسوله. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله. فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فإن تسلم تسلم. وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.))) قال: فلما قرأه شقه وقال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي؟.
ثم كتب كسرى إلى باذان وهو نائبه على اليمن، أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به. فبعث باذان -قهرمانه - وكان كاتبا حاسبا - بكتاب فارس، وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخسرة، وكتب معهما إلى رسول الله (ص) يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابويه أئت بلاد هذا الرجل وكلمه وائتني بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف. فوجدا رجلا من قريش في أرض الطائف فسألوه عنه. فقال: هو بالمدينة. واستبشر أهل الطائف
стр. 677
يعني وقريش بهما وفرحوا وقال بعضهم لبعض ابشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل. فخرجا حتى قدما على رسول الله (ص) فكلمه بابويه فقال: إن شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي. فإن فعلت كتب إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت. فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلدك. ودخلا على رسول الله (ص) وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما وقال: ((ويلكما من أمركما بهذا؟))) قالا: أمرنا ربنا -يعنيان كسرى - فقال رسول الله (ص): ((ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي))) ثم قال: ((ارجعا حتى تأتياني غدا.)) قال: وأتي سول الله (ص). الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا في ليلة كذا وكذا من الليل. قال: فدعاهما فأخبرهما. فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا أفنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذان؟ قال: ((نعم أخبراه ذاك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي إلى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء))) ثم أعطى خرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك. فخرجا من عنده فقدما على باذان بالخبر. فقال: والله ما هذا بكلام ملك وإني لأري الرجل نبيا كما يقول، وليكونن ما قد قال. فلئن كان هذا حقا فهو نبي مرسل. وإن لم يكن فسنرى فيه رأيا.
فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: أما بعد، فإني
стр. 678
قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان استحل من قتل أشرافهم ونحرهم في ثغورهم. فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك. وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه.
فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: إن هذا الرجل لرسول. فأسلم وسلمت الأبناء من فارس) (١).
ج - الكتاب إلى المقوقس ملك مصر:
(وكتب النبي (ص) إلى جريج بن متى الملقب بالمقوقس ملك مصر والإسكندرية:
((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد. فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم القبط.))) ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (٢)﴾ (٣).
стр. 679
وعن عبد الله بن عبد الله القارىء أن رسول الله (ص) بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية فمضى بكتاب رسول الله (ص) فقبل الكتاب وأكرم حاطبا وأحسن نزله وسرحه إلى النبي (ص) وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجيها وجاريتين إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها رسول الله لمحمد بن قيس العبدي) (١).
د - الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة:
(وروى البيهفي عن ابن إسحاق نص كتاب كتبه النبي (ص) إلى النجاشي وهو هذا:
((هذا كتاب من عند محمد النبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة. سلام على من اتبع الهدى. وآمن بالله ورسوله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. وأن محمدا عبده ورسوله. وأدعوك بدعاية الإسلام فإني أنا رسوله فأسلم تسلم))) ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ فإن أبيت فإن عليك إثم النصارى من قومك)) (٢).
ولما بلغ عمرو بن أمية الضميري كتاب النبي (ص) إلى النجاشي أخذه النجاشي ووضعه على عينه.
стр. 680
ونزل عن سريره إلى الأرض وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب وكتب إلى النبي (ص) كتابا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة. سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقا (١). وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد عرفنا ابن عمك وأصحابك. فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا. وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين) (٢).
هـ - بقية الكتب: وأرسل سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي الحنفي .. وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين .. فأما هوذة بن علي (الحنفي) فبعث وفدا بأن يجعل له رسول الله (ص) الأمر بعده حتى يسلم وإلا قصده وحاربه. فقال النبي (ص) ((اللهم اكفنيه!)) فمات بعد قليل. وأما المنذر بن ساوى. فأسلم وأسلم أهل البحرين. وأما الحارث بن أبي شمر الغساني. فإنه لما أتاه الكتاب قال: أنا سائر إليه (يعني محاربا) فقال رسول الله (ص) وقد بلغه ذلك عنه: باد ملكه) (٣).
وقد روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن
стр. 681
رسول الله (ص) كتب قبل مؤته إلى كسرى وقيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله (١).
...
١٠ - وحقق الله تعالى موعود نبيه. على يد الجيل الذي رباه، والذي تلقى البشائر عنه. ففتحت الشام ومن ورائها بلاد الروم، والعراق ومن ورائها بلاد فارس، ومصر، واليمن، ودانت الأرض في أقل من مائة عام للمسلمين. ويكفي أن نعرض نموذج عدي بن حاتم ﵁. مع هذا الدين إذ يقول:
(ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله (ص) حين سمع به مني. أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصرانيا. وكنت أسير في قومي بالمرباع (٢). فكنت في نفسي على دين. وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي فلما سمعت برسول الله (ص) كرهته. فقلت لغلام كان لي عربي، وكان راعيا لإبلي: لا أبالك، أعدد لي من إبلي أجمالا ذلالا سمانا. فاحتبسها قريبا مني. فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذني، ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي، ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن. فإني قد رأيت رايات فسألت عنها. فقالوا: هذه جيوش محمد. قال: قلت: فقرب إلي أجمالي. فقربها. فاحتملت بأهلي وولدي. ثم قلت: ألحق بأهل ديني
стр. 682
من النصارى بالشام. وسلكت الجوشية. وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر. فلما قدمت الشام أقمت بها) (١).
ثم يذكر قصة أخته وأسرها من المسلمين ثم عودتها إليه في الشام. وحثها له ليقدم على محمد (ص). فيقول: (.. فخرجت حتى أقدم على رسول الله (ص) المدينة فدخلت عليه، وهو في مسجده فسلمت عليه، فقال: ((من الرجل؟)) فقلت: عدي بن حاتم. فقام رسول الله (ص) فانطلق بي إلى بيته. فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلم في حاجتها؛ قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك ثم مضى بي رسول الله (ص) حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال: ((اجلس على هذه) (٢) ثم قال:
((لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول هذا الدين ما ترى من حاجتهم. فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم فلا يوجد من يأخذه. ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف. ولعلك إنما يمنعك من دخول هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم. وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض في أرض بابل قد فتحت عليهم))) قال: فأسلمت.
стр. 683
وكان عدي يقول: قد مضت اثنان وبقيت الثالثة: والله لتكونن. قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت. وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وأيم الله لتكونن الثالثة، ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه) (١).
...
стр. 684
الفصل الخامس والثلاثون
أخلاقه ﷺ
أخلاق رسول الله (ص) لا يفي بها بحث ولا يتقصاها فصل. لقد ألفت بها كتب وأسفار.
وليس عند الخلق شيء يضيفون في الثناء على رسول الله (ص) بعد ثناء رب السموات والأرض عليه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. (١).
لقد أثنى الله تعالى على خيرة خلقه المصطفين الأخيار بأن ذكر أبرز أخلاقهم فقال عن إبراهبم ﴿إن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾. (٢) وقال عن أيوب ﴿إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب﴾. (٣) وقال عن إسماعيل ﴿إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا﴾. (٤) وقال عن نوح ﴿سلام على نوح في العالمين كذلك نجزي المحسنين﴾. (٥) أما هذا الوصف الجامع المانع فقد اختص به رسول الله (ص) من دون الخلق جميعا. ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
وجعل الله تعالى رسالته، خاتم الكمالات البشرية الخلقية ((بعثت لأتمم صالح الأخلاق))) (٦).
стр. 685
وسنعرض نبذة يسيرة هي غيض من فيض من خلقه ﵊.
١ - قالت عائشة: كان خلقه القرآن (١).
٢ - وعن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله (ص) أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا ليس بالطويل البائن ولا بالقصير (٢).
٣ - عن أنس بن مالك قال: خدمت رسول الله (ص) عشر سنين فما قال لي أف قط. وما قال لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته. وكان رسول الله (ص) من أحسن الناس خلقا ولا مسست خزا قط، ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله (ص)، ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله (ص) (٣).
٤ - ومن تواضعه (ص) (أن امرأة عرضت لرسول الله (ص) في طريق من طرق المدينة فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة. قال: ((يا أم فلان اجلسي في أي سكك المدينة أجلس إليك)). قال ففعلت، فقعد إليها رسول الله (ص) حتى قضت حاجتها))) (٤).
٥ - عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سأل رجل عائشة: هل كان رسول الله (ص) يعمل في بيته؟ قالت: نعم كان رسول الله (ص) يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته) (٥).
стр. 686
٦ - أما حياؤه وقلة كلامه. فعن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله (ص) أشد حياء من عذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا رأيناه في وجهه) (١).
وعن عائشة أن النبي (ص) كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه) (٢).
وعنها قالت: ما كان رسول الله (ص) يسرد سردكم. ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه (٣).
٧ - أما شجاعته (ص). فعن البراء قال: (كنا - والله - إذا احمر البأس نتقي به - يعني النبي (ص) - وإن الشجاع منا الذي يحاذي به) (٤).
وعن علي بن أبي طالب قال: كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله (ص). فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه (٥). وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله (ص) من أجمل الناس، وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة مرة. فركب فرسا لأبي طلحة عريانا ثم رجع وهو يقول: ((لن تراعوا لن تراعوا))) ثم قال: ((إنا وجدناه بحرا))) (٦).
٨ - وجوده (ص) الذي جذب القلوب الجاسية. وألان به الأفئدة القاسية.
стр. 687
فهذه بعض نماذجه:
فعن جبير بن مطعم قال: لما قفل رسول الله () من غزوة حنين تبعه الأعراب يسألونه فألجؤوه إلى شجرة. فخطفت رداءه وهو على راحلته. فقال: ((ردوا علي ردائي أتخشون علي البخل؟ فوالله لو كان لي عدد هذا العضاه (١) نعما (٢) لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا (٣)))).).
وعن أنس أن رجلا أتي النبي (ص) فسأله. فأعطاه غنما بين جبلين، فأتى الرجل قومه فقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء رجل ما يخاف فاقة) (٤).
وعن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله (ص) يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي. فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي) (٥).
٩ - وأما عن حلمه (ص) الذي وسع كل الخلق. فمن نماذجه:
عن أنس ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله (ص) وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي. فجذبه بردائه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي
стр. 688
عندك. فالتفت إليه رسول الله (ص) ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء) (١).
وعن بن مسعود قال: قسم رسول الله (ص) قسما. فقال رجل: ما أريد بهذا وجه الله، فأتيت النبي (ص) فذكرت ذلك، فتمعر وجهه ثم قال: ((يرحم الله موسى قد أوذي بأشد من هذا فصبر)).) (٢).
١٠ - وفي وصف جوامع خلقه وخلقه (ص) نعرض لحديثين رواهما الترمذي في الشمائل. وهما وإن كانا ضعيفي الإسناد. لكن الأحاديث الأخرى تقويهما. وذلك لما فيهما من الشمول والسعة. وقد عرض لهما كبار المحدثين. رغم هذا الضعف وهما:
أ - عن الحسن بن علي ﵁ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة (٣). وكان وصافا عن حلية النبي (ص). وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا فقال:
كان رسول الله (ص) فخما مفخما، يتلألأ تلألؤ القمر ليلة البدر؛ أطول من المربوع، وأقصر من المشذب (٤). عظيم القامة، رجل الشعر إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره (٥). أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب (٦)، سوابغ من غير
стр. 689
قرن. بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين (١). له نزر يعلوه يحسبه من يتأمله أشم، كث اللحية (٢)، سهل الخدين، ضليع الفم (٣)، مفلح الأسنان، دقيق المسربة (٤)، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس (٥)، أنور المتجرد (٦)، موصل ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين (٧)، سائل الأطراف، خمصان الأخمصين (٨)، مسيح القدمين (٩)، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيا (١٠)، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب (١١)، فإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، يبدر من لقي بالسلام.
стр. 690
قال الحسن: سألت خالي، قلت: صف لي منطق رسول الله (ص) قال: متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا. غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها. فإذا تعدي الحق. لم يقم بغضبه شيء حتى ينتصر له .. لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى. وإذا غضب أعرض وأشاح، جل ضحكه التبسم.
قال الحسن: فكتمته الحسين زمانا ثم حدثثه فوجدته قد سبقني إليه. فسألني عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله، وعن مخرجه وشكله فلم يدع منه شيئا:
قال الحسين: فسألت أبي عن دخول النبي (ص) فقال: كان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءا لأهله، وجزءا لنفسه. ثم جزءا جزأه بينه وبين الناس، فيرد بذلك بالخاصة على العامة. ولا يدخر عنهم شيئا. وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بأدبه وقسمه على قدر فضلهم في الدين. فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج. فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألتهم عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ويقول: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وابلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا
стр. 691
يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا (١)، ولا يفترقون إلا عن ذواق (٢)، ويخرجون أدلة، يعني على الخير.
قال: فسألته عن مخرجه: كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان رسول الله (ص) يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلفهم ولا يفرقهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره. ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقومه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه. الذين يلونه من الناس خيارهم. أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه، فقال: كان رسول الله (ص) لا يقوم ولا يجلس إلا عن ذكر وإذا انتهى إلى قوم، جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه بنصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه ممن جالسه، ومن سأله عن حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع كل الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوت، ولا تؤبن (٣) فيه الحرم، يتعاطون فيه بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون
стр. 692
فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.). (١).
...
وجوب محبته ومن لوازم محبته اتباعه:
لاشك أن المسلم الحق يملأ عليه رسول الله (ص) حياته وكيانه ووجدانه، ويعيش معه فى كل ذرة من جسده، وكل لحظة من حياته. فهو مثله الأعلى في سلوكه.
لقد علمنا الله تعالى موقع النبي منا فقال: ﴿.. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾. (٢) فهو أقرب إلى قلوبهم من قلوبهم، وأحب إلى نفوسهم من نفوسهم، وهو مقدم على أعز ما لديهم من نفس ومال وولد وحبيب. ولن يذوق المسلم في شعوره ووجدانه لذة الإيمان. ورسول الله (ص) على هامش حياته. كما حدثنا ﵊ فيما رواه أنس عنه:
((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) (٣).
стр. 693
ولابد من اجتماع هؤلاء الثلاثة حتى تخالط حلاوة الإيمان حشاشة القلب. فتملك على المسلم حياته ووجوده. وتنقله إلى عالم من هذه العوالم، وأفق أرقى من هذه الآفاق. وبهذا الحب يصنع المؤمنون المعجزات، ويغيرون التاريخ، وينشئون المجتمع الإسلامي المنشود. بهذه الدفقة العاطفية الضخمة التي تكون المجرى العميق في وجودهم ونفوسهم.
هذا جانب.
والجانب الآخر. لا يقف عند حد تذوق حلاوة الإيمان فقط. بل يمضي بعيدا حتى ينفي الإيمان عمن لا يكون رسول الله (ص) أحب إليه من الخلق كلهم بلا استثناء كما روى أنس عن رسول الله (ص).
((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ومن الناس أجمعين)) (١).
فلوجود أصل الإيمان، ولتذوق حلاوته. لابد من أن يكون الحب النبوي فوق كل شيء في حياة المسلم. والدعاة إلى الله تعالى. حين يغفلون هذا الجانب الشعوري. هذا الجانب الروحاني العاطفي الحي. إنما يغفلون سر هذا الوجود، يغفلون (الدينامو) المحرك لها. يغفلون القلب الذى ينبض بالحياة. ويتعاملون مع أشكال هذه الحياة وهيكلها لا مع حقيقتها وسرها. وحين يغدو رسول الله (ص) أولى بالدعاة من أنفسهم. بدل أن يدوروا حول ذاتهم وأنفسهم. عندها يغيرون ما في
стр. 694
نفوسهم فيغير الله تعالى بهم واقعهم.
حتى ليحسن أن يشحذ العزم، وتلتهب المشاعر دائما في حب رسول الله (ص). من عرض معاناة المحبين وأشواقهم. كي لا تخبو هذه الشعلة. ولا ينطفىء هذا المصباح، وتذكو نارها من جديد.
وغني عن البيان. أن اتباع رسول الله (ص) والاقتداء به هو الدليل الحقيقى على صحة المشاعر وصدق الحب. حين يتخلف الاتباع والاقتداء. يتخلف الحب. هكذا علمنا الله تعالى في كتابه:
﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (١).
﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٢) فقد انتهى حب الله باتباع النبي (ص) ومغفرة الذنب وانتهت معصية الله ورسوله بالكفر، وبغض الله للكافرين.
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... إن المحب لمن يحب مطيع (٣)
ورسول الله (ص) هو المبعوث بما يريده الله تعالى منا، وهو الأمين على وحيه. فالطاعة الواجبة. لا تقبل جدلا.
﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾ (٤).
стр. 695
وأي فصل بين الحب والاتباع هو انحراف في المنهج. والذي نؤكد عليه مدى التفاعل والالتحام بين الجانبين. إن وجود الحب يقود قطعا إلى الاتباع والاقتداء. وإن التعبد لله بالاتباع والاقتداء يذكي مشاعر الحب، ويغذي شجرته ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الأمثال للناس لعلهم يتذكرون﴾ (١).
نماذج من تربيته (ص) لأصحابه:
وحيث لا يتسع المقام لعرض التربية النبوية اليومية والمستمرة لأصحابه (ص). فهذا له مقام غير هذا المقام وسفر غير هذا السفر. لكن لابد من وضع النموذج الحي الذي يبرز ذلك التفاعل الأعظم بين أمام المربين ﵊، وجنده.
ونكتفي بعرض عشر نماذج متنوعة. تعطينا لمحة عن هذا الأمر:
١ - أبو حذيفة بن عتبة: عن ابن عباس أن النبي (ص) قال لأصحابه يومئذ: ((إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا. فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البخترى بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله فلا يقتله. فإنه إنما أخرج مستكرها))) .. قال: فقال أبو حذيفة (ابن عتبة): أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا. ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف. قال. فبلغت رسول الله (ص)، فقال: لعمر بن الخطاب: ((يا أبا حفص)) قال عمر: والله إنه أول
стр. 696
يوم كناني فيه رسول الله بأبي حفص - ((أيضرب وجه عم رسول الله (ص) بالسف؟)) فقال عمر: دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق.
فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا) (١).
وهذا أبو حذيفة ﵁ نفسه الذي يهدد بقتل عم محمد في سورة انفعال نراه في المعركة نفسها وقد سقط أبوه وعمه وأخوه صرعى بسيوف المسلمين. فماذا يفعل؟
(قال ابن إسحاق: ولما أمر رسول الله أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب. فنظر رسول الله (ص) - فيما بلغني - في وجه أبي حذيفة بن عتبة. فإذا هو كئيب قد تغير لونه. فقال: ((يا أبا حذيفة: لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء))) أو كما قال ﵊، فقال: لا، والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه. ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا. فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك فدعا له رسول الله (ص) بخير وقال له خيرا) (٢).
стр. 697
لقد ربى رسول الله (ص) أبا حذيفة حين أبرز له خطأه عن طريق عمر ودفعه إلى الندم عليه. وتابعه في أشد لحظات انفعاله حيث برز أثر التربية فيه، خلال الغزوة نفسها. وانتقل من هيئة من كان يريد قتل عم محمد (ص) بسيفه إلى هيئة من يرى مصرع أبيه وعمه وأخيه فلا يغضبه بل يحزنه موتهم على الكفر. وهي نقلة هائلة ولاشك. لا يمكن أن تتم إلا في مصنع العقيدة وعند مربيها ﵊.
٢ - أبو العاص بن الربيع: قال ابن اسحاق: وقام أبو العاص (بن الربيع) بمكة، وأقامت زينب عند رسول الله (ص) بالمدينة حين فرق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام. وكان رجلا مأمونا، بمال له وأموال لقريش. فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله (ص) فأصابوا ما معه، وأعجزهم هاربا. فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله، أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله (ص)، فاستجار بها فأجارته، وجاء في طلب ماله. فلما خرج رسول الله (ص) إلى الصبح - كما حدثني يزيد بن رومان - فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة (١) النساء: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. قال: فلما سلم رسول الله (ص) أقبل على الناس فقال: ((أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟)) قالو: نعم، قال: ((أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، إنه تجير على المسلمين أدناهم)).ثم انصرق رسول الله (ص). فدخل على ابنته فقال: ((أي بنية. أكرمي مثواه. ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له.))).
стр. 698
قال ابن اسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله (ص) بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص فقال لهم: ((إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا. فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك. وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم فأنتم أحق به))). فقالوا: يا رسول الله بل نرده عليه فردوه عليه، حتى إن الرجل ليأتي بالدلو، ويأتي الرجل بالشنة (١) وبالاداوة (٢)، حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ (٣)، حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا ...) (٤).
ونتساءل ماذا كانت ثمرة هذه المعاملة في نفس أبي العاص؟
(... ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله، ومن كان أبضع معه، ثم قال: يا معشر قريش: هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه، قالوا: لا. فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما. قال: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم. فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت.
ثم خرج حتى قدم على رسول الله (ص).
قال ابن اسحاق .. وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: رد عليه رسول الله (ص) زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئا بعد ست سنين) (٥).
стр. 699
لقد بقي أثر المعاملة النبوية في نفس أبي العاص يعمل عمله في نفسه حتى انتهى به جنديا في الصف الإسلامي دون أن يكون الخوف والإرهاب سبيله إلى الإسلام، فلم يعلن إسلامه إلا في مكة.
٣ - وقال البيهقي بسنده عن ابن عباس عن شيبة بن عثمان، قال:
لما رأيت رسول الله (ص) يوم حنين قد عري (١) ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله (ص). قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه. فإذا العباس بن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله. ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. فقلت: ابن عمه ولن يخذله. قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يمحشني. فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى. فالتفت رسول الله (ص) وقال: ((يا شيب ادن مني، اللهم اذهب عنه الشيطان))) قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: ((يا شيب قاتل الكفار))) (٢).
فالبشرية لم تشهد أبدا إلا عند إمام المربين ﵊ أن ينتقل هذا الثائر الموتور الذي يود أن يغتال رسول الله (ص) إلى جندي فدائي يفدى من يود اغتياله قبل لحظات.
...
٤ - وعن عائشة قالت: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى
стр. 700
اليمن. فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر. فأمنه يا رسول الله صلى الله عليك. قال: ((هو آمن)). فقال: يا رسول الله. فأعطني آية يمعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله عمامته التي دخل فيها مكة. فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان: فداك أبي وأمي! الله الله في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول الله (ص) وقد جئتك به. قال: ويلك أغرب عني فلا تكلمني، قال: فداك أبي وأمي! أفضل الناس، وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس! ابن عمك، عزه عزك، وشرفه شرفك وملكه ملكك. قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم فرجع معه حتى وقف على رسول الله (ص). فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني. قال: ((صدق)). قال: فاجعلني في الخيار شهرين. قال: ((أنت في الخيار أربعة أشهر))) (١).
وعن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله (ص) يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي. فما فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي) (٢). وإذا كان المال هو الذي ينزع الغل ويمسح الحقد ويدفن الضلالة فليكن ولينتقل صفوان ابن أمية بذلك من أعنف المبغضين إلى أعنف المحبين.
...
٥ - وقال سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: إن رجلا
стр. 701
ممن شهد حنينا قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله (ص) على ناقة لي وفي رجلي نعل غليظة إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله (ص) ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله (ص) فأوجعه. فقرع قدمي بالسوط وقال: ((أوجعتني. فتأخر عني))) فانصرفت. فلما كان الغد إذا رسول الله (ص) يلتمسني. قال. قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله (ص) بالأمس. قال فجئته وأنا أتوقع. فقال: ((إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني. فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لأعوضك عنها))). فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني) (١) وعلى القادة في الأرض أن يتعلموا من سيد الخلق كيف يعامل رعاع الناس، وكيف تذوب الفوارق بين الطبقات. من عقوبة عاجلة يتوقعها الإنسان الغمر الذي أوجع محمدا بقدمه. إلى تعويضه ثمانين نعجة على أثر سوط لسعه لتلك الزحمة.
٦ - عن أنس بن مالك قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي (ص) يعطي رجالا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟. قال أنس: فحدث رسول الله بمقالتهم. فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة أدم ولم يدع معهم غيرهم. فلما اجتمعوا قام النبي (ص). فقال: ((ما حديث بلغني عنكم؟)) قال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا .. فقال رسول الله (ص): ((فإني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال
стр. 702
وتذهبون بالنبي إلى رحالكم.))) (١).
وفي رواية (فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكو شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار))). قال: فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما. ثم انصرف وتفرقوا) (٢).
ولابد أن يفقه الدعاة كيف يكون التعامل مع النفوس. فالمؤلفة قلوبهم يمضون بالغنائم ويحرم منها الأنصار، ولا تزال سيوفهم تقطر من دمائهم. ويمضي الأنصار برسول الله (ص) إلى المدينة. فكان هذا أعز عليهم من الدنيا كلها لو سيقت لهم.
٧ - جابر وجمله:
عن جابر قال: خرجت مع رسول الله (ص) إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف فلما قفل رسول الله (ص) جعلت الرفاق تمضي وجعلت أتخلف. حتى أدركني رسول الله (ص) فقال: ((ما لك يا جابر؟))) قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا، قال: ((أنخه))) قال: فأنخته، وأناخ رسول الله (ص) ثم قال: ((اعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لي غصنا من شجرة)))، قال: ففعلت. قال: فأخذها رسول الله (ص) فنخسه بها نخسات. ثم قال: ((اركب))). فركبت. فخرج والذي بعثه بالحق، يواهق (٣) ناقته
стр. 703
مواهقة قال: وتحدثت مع رسول الله (ص) فقال لي: (أتبيعني جملك هذا يا جابر؟))) قلت: يا رسول الله بل أهبه لك، قال: ((لا. ولكن بعنيه))). قلت: فسمينه يا رسول الله، قال: ((قد أخذته بدرهم)). قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول الله! قال: ((فبدرهمين)))، قلت: لا. قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله. في ثمنه حتى بلغ الأوقية. قال: فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله؟ قال: ((نعم))). قلت: فهو لك، قال: ((قد أخذته))). ثم قال: ((يا جابر، هل تزوجت بعد؟))) قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((أثيبا أم بكرا؟))) قلت: لا، بل ثيبا، قال: ((أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك!)) قلت: يا رسول الله: إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهن، وتقوم عليهن، قال: ((أصبت إن شاء الله)). أما إنا لو جئنا صرارا (١) أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسعمت بنا فنفضت نمارقها.)) قلت: يا رسول الله، ما لنا من نمارق. قال: ((إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا)). قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله بجزور فنحرت، وأقمنا عليها ذلك اليوم. فلما أمسى رسول الله (ص) دخل ودخلنا. فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله (ص) قالت: فدونك فسمع وطاعة. فلما أصبحت أخذت برأس الجمل. فأقبلت به حتى أنخت على باب رسول الله (ص). ثم جلست في المسجد قريبا منه، وخرج رسول الله (ص) فرأى الجمل، فقال: ((ما
стр. 704
هذا؟))). قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: ((فأين جابر))). فدعيت له. فقال: ((يابن أخي خذ برأس جملك فهو لك ..))) ودعا بلالا فقال له: ((اذهب بجابر فأعطه أوقية))). قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية، وزادني شيئا يسيرا.
قال: فوالله ما زال ينمى عندي، ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس بما أصيب لنا (١)).
ويحسن أن لا ننسى أن عمر جابر في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز السابعة عشر من عمره. والحبيب المصطفى يرعاه في تخلفه، ويتفقد أحوأله في زواجه، ويعينه بالنفقة، ويساره ويحدثه، ويحمل مؤونته.
٨ - هذا الجيل الذي رباه النبي (ص) كيف كان في الشدائد والملمات؟ نسمع الجواب من عروة بن مسعود ﵁، الذي كان العدو الألد للمسلمين يقول:
(.. ثم ان عروة جعل يرمق صحابة النبي (ص) بعينيه، قال: فوالله ما نخم نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يمدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف أحدهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده. وما
стр. 705
يمدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.) (١).
٩ - وعروة هذا الذي أذهله حب قوم محمد محمدا. ما باله يصبح مثلهم بعد إسلامه؟؟.
(.. وكان من حديثهم أن رسول الله (ص) لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام. فقال له رسول الله (ص)، - كما يتحدث عن قومه.
((إنهم قاتلوك)). وعرف رسول الله (ص) أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله: أنا أحب إليهم من أبكارهم. كان فيهم محببا مطاعا. فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على علية له. وقد دعاهم إلي الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله .. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي. فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله (ص) قبل أن يرتحل عنكم. فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله (ص) قال فيه: (إن مثله في قومه كمثل صاحب يسن في قومه.))) (٢).
١٠ - وماذا عن معاملة زعيم النفاق عبد الله بن أبي وابنه المؤمن عبد الله بن عبد الله؟