الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية، وكانوا من الذين بالغوا في إيذاء النبي ﷺ وحاولوا كثيرا القضاء على الإسلام، فرآهما الرسول ﷺ وأعرض عنهما. فقالت له أم سلمة: يا رسول الله أبو سفيان ابن عمك، وعبد الله ابن عمتك وبعدها قال علي لأبي سفيان أن يأتي النبي بمثل ما قاله إخوة يوسف وذلك طلبا لعفو الرسول، فجاء أبو سفيان وقرأ للنبي الآية: ﴿تا الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ فقال له الرسول ﷺ ﴿لا تثريب عليكم اليوم. يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾.
ولما سمع أبو سفيان ذلك أنشد هذه الأشعار وقد اعتراه حماس وسرور ونشوة:
لعمرك إني حين أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليلة ... فهذا أواني حين أهدي فأهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردت كل مطرد
فقال النبي ﷺ : نعم أنت طردتني كل مطرد (١).
وكان النبي ﷺ يحب أن يباغت أهل مكة فكان كذلك (٢). إذ لم يعلموا بقدومه
стр. 107
المبارك إلا حين وصل مكة وضرب خيامه خارجها وأمر بإيقاد النار إعلاما منه بالوصول.
وفي اليوم التالي أمر النبي ﷺ بدخول الجيوش مكة من طرق مختلفة وأن تلتزم الجيوش بالأحكام التالية:
١ - أن لا يقتل من ألقى السلاح.
٢ - أن لا يقتل من دخل الكعبة.
٣ - أن لا يقتل من بقي جالسا في بيته.
٤ - أن لا يقتل من دخل دار أبي سفيان.
٥ - أن لا يقتل من دخل دار حكيم بن حزام.
٦ - أن لا يعقب الهارب.
٧ - أن لا يقتل الجريح.
٨ - أن لا يقتل الأسير.
ولم تصدر مقاومة للفرق التي دخلت مكة إلا لتلك التي قادها خالد بن الوليد، وقد انتهت بفرار المقاومين، وقد قتل في هذه المواجهة اثنان من المسلمين وثمانية وعشرون من غير المسلمين.
стр. 108
ودخل رسول الله مكة في العشرين من رمضان، خاشعا خاضعا لله (١) يتلو سورة الفتح، متوجها إلى بيت الله على ناقته (٢) وأردف معه أسامة بن زيد مولاه، ولما وصل ﷺ هناك قام أولا بتطهير بيت الله من الأصنام، وكان فيه آنذاك ٣٦٠ صنما، فكان ﷺ يوقع صنما صنما بقضيب في يده وهو يتلو قول الحق:
﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ (الإسراء: ٨١).
﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ (سبأ:٤٩).
فما أن فرغ من ذلك حتى دعا عثمان بن أبي طلحة، وكان مفتاح الكعبة لدى أسرته منذ مدة.
وفي بداية أيام النبوة أمر النبي ﷺ عثمان بن أبي طلحة أن يفتح بيت الله، فرفض، فقال رسول الله ﷺ ، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت، فقال عثمان أهلكث قريش يومئذ وذلت؟ فقال النبي ﷺ : "بل عمرت وعزت" (٣).
أخذ النبي ﷺ مفتاح باب بيت الله وفتحه، وكبر في نواحيه وصلى لله شكرا وسجد لله تضرعا وإنابة.
وتجمع في ذلك الوقت جميع رؤساء مكة وكبارها ممن:
١ - قتلوا أو أمروا بقتل عشرات المسلمين.
٢ - آذوا مئات المسلمين وأخرجوهم من بيوتهم.
٣ - سافروا إلى الحبشة والشام ونجد واليمن للقضاء على الإسلام والمسلمين.
٤ - هاجموا المدينة مرات عديدة فأقلقوا حياة المسلمين بعد أن اضطروهم للهجرة بعيدا عن ديارهم (٣٠٠ ميل).
стр. 109
أي جميع أولئك الناس الذين بذلوا قصارى جهدهم بالمال والجهد والحيلة والسلاح والغش والخدل، من أجل "إبادة المسلمين"، طوال واحد وعشرين سنة، إلا أن رسول الله الذي بعثه الله رحمة للعالمين، جلس بعد الصلاة، فطلب العباس (عم الرسول) أن يعطى مفتاح بيت الله لبني هاشم، فقال النبي ﷺ : "اليوم يوم البر والوفاء" واستدعى عثمان بن أبي طلحة، وسلمه مفتاح الكعبة وقال: "لا ينزعها منكم إلا ظالم" (١).
خطبة النبي ﷺ بعد فتح مكة أمام المهزومين والأعداء:
ثم توجه النبي ﷺ إلى الجماعة التي استوجبت القتال وقال: "يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم "وآدم خلق من تراب" ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ثم قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (٢).
بيعة المسلمين وشروطها:
ثم توجه النبي ﷺ إلى جبل الصفا فجلس يتلقى البيعة على الإسلام، وكان عمر ابن الخطاب يأخذ على الناس واحدا واحدا وتضمنت البيعة ما يلي:
١ - إني لا أشرك بالله أحدا في ذاته وصفاته واستحقاقه للعبادة والاستعانة.
٢ - لا أسرق ولا أزني ولا أقتل نفسا بغير حق، ولا أقتل البنات ولا آتي ببهتان.
٣ - إني أطيع النبي ﷺ في أمور الحق على قدر الاستطاعة.
وبايع النساء على ما بايع الرجال وزاد:
"ألا يخمشن الوجوه حدادا على أحد، ولا يلطمنها ولا يثرن الرؤوس ولا يشققن الجيوب ولا يلبسن السواد ولا يجلسن على القبور حزنا".
وكان النبي ﷺ إذا بايع النساء وضع يده في إناء فيه ماء ثم أخرجها، فتأتي من تريد مبايعته فتضع يدها فيه، وفي مناسبات أخرى كان يأخذ عليهن البيعة بالقول فقط.
ويذكر أنه في اليوم التالي من الفتح وبينما كان النبي ﷺ يطوف بالكعبة إذا بفضالة
стр. 110
ابن عمير الملوح يراها فرصة ويعزم على قتل النبي، فلما دنا منه قال النبي ﷺ : أفضالة؟ فقال فضالة: نعم.
فقال النبي ﷺ : ماذا كنت تحدث به نفسك الآن؟
قال فضالة: لا شيء، كنت أذكر الله.
فضحك النبي ﷺ وقال: استغفر ربك، ثم وضع يده على صدره.
يقول فضالة: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت، هلم يا فضالة إلى الحديث، فقلت لا - يأبى الله والإسلام ذلك (١).
وبيان سيرة النبي ﷺ لا يعد كاملا إذا لم يذكر عفوه عن الإساءات التي تعرض لها في مكة، ومن الواضح أنه ﷺ أمر جميع جيشه قبل دخول مكة ألا يهاجموا أحدا، ولكنه ﷺ أمر بقتل أربعة رجال وامرأتين وجب القصاص منهم لجرائمهم السابقة، فقتل من الرجال الأربعة ابن خطل فقط، وكان مسلما (وارتد) وقد قتل غلامه لأنه لم يعد له الطعام في وقته وفر هاربا إلى مكة - وأصدر العفو عن الثلاثة الآخرين عكرمة بن أبي جهل، وهبار بن الأسود وعبد الله بن أبي سرح.
١ - أما عكرمة فبالإضافة إلى أنه ابن أبي جهل، فقد قاتل المسلمين مرارا وكان سببا فيما أصاب بني خزاعة حلفاء المسلمين.
٢ - وأما هبار فهو الذي عرض للسيدة زينب بنت رسول الله ﷺ وهي تركب الهودج من مكة إلى المدينة فنخس بها حتى سقطت وأسقطت جنينها وتوفيت في النهاية من جراء هذه الصدمة، وقد أسلم فيما بعد وحسن إسلامه.
٣ - وأما عبد الله بن أبي سرح فكان يزعم أن الوحي يأتيه وأن محمدا يتلقى منه ثم يملي عليه الله أكبر، ما أرحم نبي الرحمة الذي عفا عن هؤلاء المجرمين.
ومن بين المرأتين نفذ القصاص في امرأة ارتكبت جريمة القتل العمد وصدر العفو عن هند زوجة أبي سفيان، وهي التي مضغت كبد حمزة عم النبي ﷺ وجدعت أنفه وأذنه
стр. 111
فجعلت منها عقدا، كما صدر العفو أيضا عن وحشي الذي قتل حمزة (أسد الله ورسوله) خداعا ومثل بجسده.
ويفهم من إمعان النظر والفكر أن جند رسول الله لم يفتحوا مكة بالقوة بل الخلق المحمدي والعفو النبوي والرحمة التي كانت سمة من سماته كل هذا فتح قلوب أهل مكة للإسلام (١).
ولهذا فبعد فتح مكة لم يذكر أنه حدث استيلاء على أموال الكفار وممتلكاتهم كغنائم حرب، ودور المسلمين المهاجرين الذين أخرجوا من مكة، كانت بأيدي الكفار، وحين طلب هؤلاء المسلمون من النبي ﷺ استعادة ممتلكاتهم، لم يوافق على طلبهم هذا، وقال الرسول ﷺ أن ليس لهم الحق في المطالبة باسترداده.
*****
وقبل أن أنتقل من الحديث عن فتح مكة (الذي ورد في نبوءات صحف الأنبياء السابقين) أود أن ألفت أنظار القراء إلى نبوءة أخرى عظيمة.
سورة يوسف، التي وردت في القرآن الكريم، نزلت في مكة، قال الله تعالى في نهايتها: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾.
وهنا على القراء أن يعرفوا التشابه بين أحوال يوسف الملقب بالكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم وأحوال الرسول ﷺ :
١ - إن إخوة يوسف حسدوه لكمالاته الروحية، وكذلك كان حسد إخوة النبي ﷺ .
٢ - مكث يوسف في البئر، وكذلك أقام الرسول في الغار.
٣ - قضى يوسف عدة سنين في السجن وكذلك حوصر النبي ﷺ عدة سنين في شعب أبي طالب.
٤ - حظى يوسف بالجاه والجلال بعد خروجه من وطنه وذهابه إلى مصر، والنبي
стр. 112
- ﷺ حالفه التوفيق حين ترك وطنه وذهب إلى المدينة.
٥ - لجأ إخوة يوسف إليه في زمان القحط، وهكذا طلب إخوة النبي منه، فقد ورد في صحيح البخاري في باب الاستسقاء أن أهل مكة أصيبوا بقحط شديد فجاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ وقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم ونحن نموت قحطا فادع الله لنا، فدعا لهم فرفع عنهم.
٦ - أرسل يوسف الطعام من مصر لإخوته في كنعان وكذلك أمر النبي ﷺ ثمامة بن أثال فأتى بالطعام من نجد إلى مكة.
٧ - اعترف إخوة يوسف له بالعظمة في النهاية، وقد اضطر إخوة النبي ﷺ بالاعتراف بعظمته في النهاية.
٨ - دعا يوسف ﵇ لإخوته الذين آذوه بقوله: ﴿يغفر الله لكم﴾. وكذلك دعا النبي ﷺ لابن عمه أبي سفيان بن الحارث ولعبد الله بن أمية بهذا الدعاء مع أنهما كانا من المبالغين في إيذائه ﷺ .
٩ - بين يعقوب ﵇ علو منزلة يوسف، كما آمن بالنبي ﷺ يوم فتح مكة عمه العباس بن عبد المطلب والعم صنو أبيه كما جاء في الحديث "صنو أب".
١٠ - عفا يوسف عن إخوته بقوله: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ وكذلك فرج رسول الله بهذه الكلمات الطيبة عن أخوته الذين بالغوا في ايذائه.
ولما كان النبي ﷺ قد أخبر بجميع هذه الأحوال في مكة وتم إعلان سورة يوسف في مكة بين المنكرين، تحقق ما ورد فيها جميعه حتى زمان فتح مكة، لهذا ترتبط هذه السورة بفتح مكة ارتباطا خاصا، والسورة بأسرها نبوءة للنبي ﷺ .
نتائج فتح مكة وأسباب انتشار الإسلام السريع:
بعد فتح مكة (وهو الفتح الذي كانت نتائجه أفضل ألف مرة من السلم والعفو) زاد عدد المسلمين أكثر فأكثر، وكان ذلك لعدة أسباب:
١ - كانت قبائل كثيرة قد امتنعت عن الإسلام لأنها عاهدت قريشا، وقبولها للإسلام يعني خروجها على العهد.
стр. 113
٢ - كما امتنعت قبائل أخرى عن الإسلام لأنها أضعف من أن تواجه قريشا، كما كانت لها صلة أو قرابة بقريش وقبولها الإسلام يعني قطع هذه الصلة والقرابة والتعرض لسخط قريش وغضبها.
٣ - كانت قبائل كثيرة ترى أن السيطرة على مكة هي إمارة الصدق ورضا الله، ذلك لأنهم اعتقدوا منذ مئات السنين أن مكة تمضي تحت سيطرتهم وأن مكة لا يمكن أن تخضع لسيطرة من لا ينال تأييد رب العالمين ونصره - فيقولون: "أتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق" (البخاري كتاب المغازي ٥/ ٩٥ عن عمرو بن سلمة).
٤ - حتى ذلك الوقت كانت مختلف القبائل تضم عشرات الشيوخ ممن شاهدوا جيش أبرهة الجرار الذي ضم أربعين ألفا (١) وهو يهجم على مكة وكانت فيه فيلة، وكان فيل أبرهة الخاص من نسل "محمود" (٢).
وقد رأى هؤلاء الشيوخ بعيونهم قبل ستين (٣) عاما الأحباش وهم يهاجمون مكة، وشاهدوا أهل مكة يتركون بيوتهم خوفا ويصعدون إلى قمم الجبال، حتى إنه لم يبق أحد في مكة يقاوم المهاجمين، ومع هذا فقد رأوا جيش الأحباش يصاب بالهلاك والدمار، وقائدة يهرب ويفر بعد أن شاهد أحوال جيشه، فلم يبق جند ولا فيلة بل أشلاء مبعثرة
стр. 114
على بعد أربعة أميال من مكة وكان هؤلاء الشيوخ لا يزالون يتذكرون ما دار من كلام وحديث بين عبد مناف وأبرهة حين نزل جيش أبرهة إلى حدود مكة فأصاب مواشي أهل مكة وفيها مائة بعير لعبد مناف، وعبد مناف هو جد النبي ﷺ وهو يومئذ سيد مكة ورئيسها، ذهب بنفسه إلى جيش الحبشة ولقي أبرهة عن طريق سائس الفيلة، فكرمه أبرهة وأجلسه بجواره وسأله ماذا جاء به، فقال عبد مناف: لقد استولى جيشك على مواشينا فلتأمر بردها إلينا.
فقال أبرهة: كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني.
فقال عبد مناف: لماذا؟
فقال أبرهة: لقد جئت لأهدم بيتا هو دينك ودين آبائك وأقيم بدلا منه كنيسة يعظمها العرب ويقدسها، وأراك لا تكلمني في هذا وتكلمني في مواشيك.
فقال عبد مناف: أنا رب الإبل أما البيت فله رب سيمنعه.
والحاصل أنه حين سيطر المسلمون على مكة بهذا التوفيق والنجاح وبهذه السهولة، لم تعد هناك معاهدات تمنع من يريد الدخول في الإسلام من الدخول فيه، كما زال ضغط قريش وإرهابهم للناس ورأى الناس أن المسلمين - حسب معتقدهم - هم المقبولون عند الله ولهذه الأسباب زاد عدد المسلمين.
٥ - والسبب الأخير هو أنه لم يعد هناك موانع أمام الدعاة المسلمين العاملين في مجال تبليغ الإسلام وبيان حقيقته، فكان الدعاة يقومون بالدعوة بحرية كاملة وكان المتلقين يستمعون إليهم بحرية واطمئنان، كما كانت قوة الإسلام وجاذبيته تشد إليه الناس.
الدفاع ضد هجوم ثقيف وهوازن:
غزوة حنين شوال ٨ هـ:
بعد فتح مكة فكرت قبيلتا هوازن وثقيف وكانت حدودهما متصلة بمكة، بأنهما لو هزما المسلمين لعادت إليهم بساتين أهل مكة وأملاكهم بالطائف (١) وأمكنهم الانتقام من المسلمين لتحطيمهم الأصنام. فضموا إليهما قبائل بني مضر وبني هلال وخرجوا إلى مكة في أربعة آلاف من الشجعان، ونزلوا بوادي حنين، وكانوا قد أتوا بنسائهم وصبيانهم
стр. 115
وأموالهم وإبلهم معهم بناء على مشورة رئيسهم مالك بن عوف وذلك حتى لا يفر أحد منهم عن ميدان المعركة.
ولما سمع النبي ﷺ بالخبر تقدم خارج مكة فقد رأى أنه ليس من المناسب القتال في الحرم بجوار مكة، وكان معه ألفان من أهل مكة من مسلمين ومعاهدين من غير المسلمين وعشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة وقد أعجبتهم كثرتهم، فابتعدوا عن الحذر والحيطة والحزم.
وكمن الأعداء للمسلمين في واد ضيق صعب ونصبوا عليه رماة سهامهم، وحين صار الجزء الأول من جيش المسلمين (وكان في معظمه من الطلقاء والشباب الذي لا يبالي فليس مع أحدهم عدة ولا عتاد كما أنهم ليسوا على قدر من التدريب الحربي) في مرمى الأعداء دون أن يدري، قام الأعداء فأمطروا مقدمة الجيش بوابل من السهام، فبدأ الجميع يولون أدبارهم هاربين، وصمد في ميدان المعركة ما يقرب من مائة صحابي، وحين رأى النبي ﷺ المهاجمين يتقدمودن من الجهات الأربع وجيشه يتقهقر، ضرب للجيش مثلا في الشجاعة لا نظير له، فنزل ﷺ من فوق بغلته وجعل يرتجز:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (١)
وكان هذا يعني أن معيار صدقي ليس بانهزام جيش أو انتصار جيش ولكن معيار صدقي نابع من ذاتي (أي من كونه ﷺ نبي الله ورسوله).
وبدأ العباس (عم النبي ﷺ ) ينادي المهاجرين والأنصار وكان كل منهم يستمعون إلى ندائه فيتجمعون كما يتجمع الحمام إلى برجه (٢) وأعيد ترتيب الجيش من جديد. وبينما الأنصار والمهاجرون يتقدمون بدأ الأعداء يهربون وانقسموا إلى قسمين:
١ - قسم بقيادة مالك بن عوف، أخذ جماعته وتحصن في قلعة الطائف.
٢ - والقسم الثاني وكان فيه أهله وعياله وماله ومتاعه هرب واختبأ في أوطاس.
ثم أمر النبي ﷺ بمحاصرة قلعة الطائف وأمر أبا عامر الأشعري بالتوجه إلى أوطاس. فوصل أبو عامر هناك وتمكن من أهل وعيال ومال ومتاع الأعداء كله، وحين علم النبي
стр. 116
- ﷺ بنتيجة ما حدث في أوطاس، أمر بمحاصرة قلعة الطائف، لأن ضياع أهل هؤلاء يعد مصيبة ما بعدها مصيبة.
وكانت الغنائم التي غنمها المسلمون في أوطاس ٢٤ ألف رأس من الإبل، ٤٥ ألف رأس من الغنم، ٤ آلاف أوقية من الفضة ومن السبي نساء وصبيانا ستة آلاف (١).
وبينما كان النبي ﷺ ينتظر بالقرب من ميدان المعركة إذا بستة من رؤساء قبيلة هوازن يأتون إليه ويسترحمونه وكان من بينهم اثنان ممن أمطروه بالحجارة في الطائف، حتى أن زيدا حمله في آخر مرة وهو مغشي عليه.
فقال النبي ﷺ : نعم لقد كنت في انتظاركن، وبقيت في انتظاركم لأسبوعين اثنين ولهذا لم تقسم أموال الغنائم (٢) أنا تارك لكم ما كان لي ولبني عبد المطلب وإذا كان معي الأنصار والمهاجرون فقط لسهل الأمر ولكنكم كما ترون في جيشي هذا أناس لم يسلموا بعد، ولهذا فإني أرى أن تأتوا غدا بعد صلاة الفجر وتقدموا طلبكم أمام الجميع، ولتختاروا بين أن تأخذوا المال أو الأهل والعيال، لأنه من الصعب أن يعود الجنود خالي الوفاض.
وفي اليوم التالي حضر رؤساء هوازن أنفسهم وقدموا طلبهم أمام الناس إلى رسول الله لفك أسراهم.
فقال النبي ﷺ : أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم - وقال الأنصار والمهاجرون، ما كان لنا فهو لرسول الله.
أما بنو سليم وبنو فزارة فقد أعطاهم النبي ﷺ قيمة كل أسير ستة من الإبل.
وهكذا أطلق سراح جميع الأسرى، وأمر رسول الله ﷺ بكسوة جميع الأسرى في حضوره.
стр. 117
وكان من بين السبي أخته في الرضاعة الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، عرف الرسول أنها أخته في الرضاعة، فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها بين الإقامة معه أو العودة إلى قومها فاختارت العودة إلى قومها، فأرسلت إلى قومها معززة مكرمة.
نموذج للإخلاص:
وتم تقسيم مال الغنيمة في نفس المكان، فأعطى القسم الأكبر منها لأولئك الناس الذين أسلموا منذ أيام عديدة أما الأنصار وهم المخلصون فلم يكن لهم من العطايا شيء، وأثر هذا على بعضهم فقال النبي ﷺ : يا معشر الأنصار أنا بنفسي لكم والناس يرجعون بالشاة والبعير وترجعون برسول الله. فرضي القوم بهذا وتأثروا حتى بكوا واخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسما وحظا (١).
стр. 118
فصل
كيد اليهود، ونقضهم للعهود، هجومهم على المسلمين ودفاع المسلمين
•---------------------------------•
إن كلمة اليهود، وإن لزم أن يكون المقصود بها قبيلة واحدة انحدرت من نسل يهودا ابن يعقوب، إلا أنها تعني اصطلاحا أسباط بني إسرائيل الإثنا عشر، وقد كان بنو إسرائيل في بادئ أيامهم مقبولين ومفضلين عند الله، ولكنهم ابتعدوا في أيامهم الأخيرة عن الله ابتعادا جعلهم يستحقون غضب الله وسخطه.
وهكذا نعتهم المسيح، الذي اتصف بالرحمة، بالحيات وأولاد الحيات، كما تنبأ بأن مملكة الرب سوف تنتقل من أيديهم إلى أيدي أمة أخرى خير منهم (١).
ولما حان وقت ظهور هذه البشرى، وبدأ محمد رسول الله ﷺ يبلغ رسالته السامية استشاط اليهود غيظا وغضبا، ثم قرروا في النهاية إيذاء محمد رسول الله ﷺ بنفس ما فعلوه مع المسيح من قبل.
ومع أن اليهود كانوا قد عقدوا في السنه الأولى للهجرة معاهدة سلام، إلا أن طبعهم الشرير لم يبق في الخفاء طويلا، وهكذا وبعد سنة ونصف من توقيع المعاهدة بدأت مكايدهم في الظهور.
المكيدة الأولى وإخراج بني القينقاع:
حين ذهب المسلمون مع النبي ﷺ ، إلى بدر، يذكر أن امرأة مسلمة ذهبت لبيع الحليب في حي بني القينقاع، فتحرش بها بعض اليهود، وكشفوا عن جسدها أمام الناس في السوق، فصرخت المرأة، فقدم رجل من المسلمين، وثار وقتل اليهودي، فتجمع
стр. 119
عليه اليهود، فقتلوه، وهكذا وقع الشر، وعاد النبي ﷺ من بدر واستدعى اليهود ليسألهم عما وقع من بلاء وشر، فأرسلوا ورقة المعاهدة واستعدوا للقتال. وهكذا وصل الأمر إلى إعلان العصيان ولهذا تم عقابهم فأخرجوا من المدينة ليسكنوا في خيبر.
المكيدة الثانية، مؤامرة قتل النبي أو إجلاء بني النضير:
سبق أن ذكرنا أن قريشا كتبت إلى الوثنيين بالمدينة في شأن قتال النبي ﷺ ، ولكن خطتهم فشلت نظرا لفراسة النبي ﷺ وحكمته، ثم عادت قريش بعد هزيمتها في بدر فكتبت مرة ثانية إلى اليهود: "إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهي الخلاخيل".
فلما بلغهم هذا الكتاب عقدت بنو نضير النية عن نقض العهد وخدل النبي ﷺ (١).
ويذكر أنه في السنة الرابعة للهجرة خرج النبي ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية، فإذا بهم يجلسون خلف حائط ويتآمرون على قتله بأن يقوم عمرو بن جحاش بإلقاء الرحى على النبي.
فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء فقام وخرج راجعا إلى المدينة برعاية الله.
وتم عقاب بني النضير بإجلائهم عن المدينة إلى خيبر، فخرجوا وقد حملوا متاعهم على ستمائة بعير، فهدموا بيوتهم بأيديهم وخرجوا إلى خيبر (٢).
مؤامرة اليهود الثالثة (العصيان العام) وما نتج عنها من غزوة الأحزاب أو الخندق:
كانت غزوة الخندق (٣) من أشهر أحداث العام الخامس من الهجرة. فلم يجنح بنو نضير إلى السلم بعد وصولهم إلى خيبر فعقدوا العزم على أن يكونوا جبهة واحدة للقضاء على المسلمين وأن تتكاتف الجهود وتجتمع لذلك جميع قبائل العرب وأصحاب المذاهب المختلفة أيضا.
стр. 120
فاختاروا عشرين رئيسا لتحريض جميع قبائل العرب على الهجوم على المسلمين، ونتج عن ذلك أن تجمع في ذي القعدة في السنة الخامسة للهجرة عشرة آلاف من المقاتلين الشرسين منهم عبدة الأوثان واليهود وغيرهم، هاجموا المدينة، وقد ورد ذكر هذا الهجوم في القرآن الكريم باسم "غزوة الأحزاب".
١ - كانت قريش وبنو كنانة وأهل تهامة تحت قيادة أبي سفيان بن حرب.
٢ - كانت فزارة تحت قيادة عقبة بن حصين.
٣ - كانت بني مرة تحت قيادة حارث بن عوف.
٤ - كان بنو أشجع وأهل نجد تحت قيادة مسعر بن رخيلة (١).
ولما رأى المسلمون أنهم لاطاقة لهم بمواجهة هذه الجيوش ضربوا الخندق على المدينة فكان كل عشرة رجال يحفرون أربعين ذراعا من الخندق، وكان الصحابة يرتجزون هذا الشعر وهم يحفرون:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا (٢)
وكان النبي ﷺ يساعد الصحابة في حفر الخندق وكسر الحجارة ورفع التراب الذي غطى شعر صدره المبارك وهو ينشد أبياتا لعبد الله بن رواحة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا (٣)
كان المسلمون ثلاثة آلاف فقط، ونزل الجيش في المدينة فكان الخندق أمامهم وجبل السلع من خلفهم، وكان بنو قريظة اليهود يقيمون في المدينة وكان من الواجب عليهم نصرة المسلمين طبقا للمعاهدة المعقودة بينهم وبين النبي ﷺ ، إلا أن ما حدث كان عكس ذلك.
стр. 121
ففي ظلمة الليل ذهب حيي بن أخطب إلى بني قريظة واتفق مع رئيسهم على نقض العهد والتحالف معهم، وأرسل لهم النبي ﷺ عددا من النقباء حتى يثنوهم عن عزمهم ولكنهم قالوا بوضوح: لا عقد بيننا وبين محمد (١).
وحاول بنو قريظة بعد ذلك الإخلال بأمن المدينة وتعريض نساء المسلمين وأطفالهم للخطر مما اضطر المسلمين إلى تخصيص ثلاثة آلاف جند المسلمين لحراسة هذا الجزء من المدينة.
واعتقد بنو قريظة أن وجود عشرة آلاف من جنود الأعداء خارج المدينة مع قيامهم بإخلال الأمن داخل المدينة سوف يؤدي إلى الفت في عضد المسلمين وسيتم القضاء عليهم نهائيا ولا يبقى لهم اسما ولا رسما.
ولأن النبي ﷺ يكره الحرب، لهذا استشار صحابته في أن يعقد صلحا مع رئيس غطفان على ثلث ثمار المدينة، إلا أن الأنصار فضلوا القتال، وقال سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة؛ قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلا السيف.
واستمر الحصار عشرون يوما، حدثت فيها أحيانا مناوشات بسيطة بالرميا والنبال، وأقبل عمرو بن عبد ود وكان يعتبر نفسه مساويا لألف شاب، فبارزه علي بن أبي طالب وقتله.
وقتل أيضا نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وقد عرض أهل مكة عشرة آلاف درهم للحصول على جسد نوفل فقال النبي ﷺ اعطوهم الجسد ولا حاجة لنا بثمنه.
ولما لم يتمكنوا من اختراق حصار المسلمين، حبطت همتهم، وفي ليلة من الليالي، وبقدرة الله تعالى وجد المشركون أنفسهم وقد خسروا كل شيء وأصيبوا بالرعب والخوف، وصدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده (٢).
نهاية بني قريظة:
بعد أن تخلص النبي ﷺ من هذه المصيبة أرسل في طلب بني قريظة، وسألهم عن
стр. 122
موقفهم في غزوة الأحزاب، فإذا بهم قد تحصنوا، واستعدوا تماما للقتال، وهناك عرف المسلمون أن رئيس بني النضير حيي بن أخطب الذي كان قد جاء ليحرض بني قريظة ضد المسلمين لا يزال داخل حصنهم.
ولم يكن هذا أول غدر يصدر عن بني قريظة، بل سبق لهم أن ساعدوا قريشا (الذين قدموا للهجوم على المسلمين) بإمدادهم بالأسلحة، ولكن النبي ﷺ الرحيم الكريم عفا عنهم وسامحهم على فعلتهم تلك.
ولما تحصنوا داخل قلاعهم لم يجد المسلمون أمامهم من حل سوى القتال، فحاصروهم في شهر ذي الحجة واستمر الحصار لخمسة وعشرين يوما، وضاق بنو قريظة من شدة الحصار، فوسطوا مسلمي قبيلة الأوس وكان بينهم علاقة، وطلبوا من النبي قبول حكم سعد بن معاذ (وهو رئيس قبيلة الأوس) فيما يتعلق ببني قريظة وأن يوافق النبي على ما سيصدره سعد من حكم.
وهكذا خرجت بنو قريظة من الحصن، وعهدت بالقضية إلى سعد، ويعلم الله وحده الآمال التي علقها يهود بني قريظة ومسلمو الأوس على سعد وما سيصدره من حكم.
وبعد التحقيقات اللازمة أصدر هذا الرجل العسكري حكمه بأن:
١ - يقتل الرجال القادرين على القتال.
٢ - تسبى النساء والأطفال.
٣ - وتقسم الأموال.
والحديث الذي أورده البخاري عن أبي سعيذ الخدري فيما يتعلق بتنفيذ قضاء سعد يفهم منه قتل الرجال القادرين على القتال، ولكن لم يرد في الحديث ذكر لسبي النساء والأطفال.
ويجب على القارئ أن يتذكر أن الحكم الذي اختاره من حكموا في قضيتهم هو نفسه الحكم الذي كان يعاقب به اليهود أعداءهم تقريبا (١) وهو موجود في شريعتهم.
стр. 123
وهناك من الوجوه والنظائر أن بني قريظة لو فوضوا أمرهم للنبي ﷺ ، ما حكم فيهم إلا بالخروج من المدينة إلى خيبر، ويدل على ذلك ما فعله مع بني القينقاع وبني النضير، والنبي ﷺ قد استثنى برحمته وكرمه بعضا من بني قريظة أيضا، فقد أمره على سبيل المثال بالإفراج عن الزبير اليهودي مع أهله وعياله وأولاده وماله، كما عفا عن قتل رفاعة ابن شمويل اليهودي (١).
стр. 124
فصل
قتال النصارى
•---------------------------------•
كانت علاقة النبي بالنصارى علاقة طيبة، وقد عاداه حاكم أو اثنان من هؤلاء إلا أن جمهورهم كان بمعزل عن ذلك، وهذا ما توضحه الأحداث فقد وقعت حرب واحدة مع حاكم نصراني، كما انتشر خبر مفاده الخروج (أو السفر) للقتال، ولا شيء غير هذا.
الثأر لداعية الإسلام أو غزوة مؤتة في جمادي الأولى ٨ ه ـ:
مؤتة بلدة بالشام حيث أمر شرحبيل بن عمرو الغساني بقتل الحارث بن عمير الأزدي سفير رسول الله وكان يحمل كتاب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم. وقد عرض قتل الحارث أرواح سفراء رسول الله للخطر، لهذا أرسل النبي ﷺ جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، ولم يبدي حاكم غسان الندم على ما فعل بل استعد للقتال، وحدث أن قدم هرقل إلى هذه المنطقة في جيش قوامه مائة ألف، وانضم إليه من قبائل النصارى العرب التي كانت تقطن الصحراء كلخم وجذام وبلقين (بلقيس) وبهرام، حوالي مائة ألف. ولهذا طلب حاكم غسان بعض جنود الملك وجمع القبائل، والحاصل أن عدد جنود العدو وصل مائة ألف، واضطر المسلمون إلى القتال، وقد قتل في هذه المعركة زيد بن حارثة وهو من القادة المسلمين العظام وحبيب رسول الله (١) وجعفر بن أبي طالب (الطيار) شقيق علي المرتضى الأكبر عن ثلاثة وثلاثين سنة (٢) بعد أن جرح أكثر من تسعين جرحا، وكذا قتل عبد الله بن رواحة الصحابي الكريم الذي تولى قيادة الجيش بعد جعفر ﵁، وحين تولى خالد بن الوليد قيادة الجيش وبعد قتال يوم ونصف اضطر إلى الخروج من المعركة فقد كانت جيوش الأعداء تفوق جيش المسلمين بأكثر من أربعين ضعفا وقد تكسرت في يد خالد بن الوليد تسعة سيوف (٣) وسمع النبي ﷺ في نفس اليوم وهو
стр. 125
بالمدينة عن مقتل هؤلاء الصحابة وعن مصير الحرب وبعد الحرب لقب خالد بن الوليد بسيف الله (١).
سفر تبوك (٢) رجب ٩ هـ:
في رجب سنة تسع من الهجرة قدمت قافلة من الشام وأعلنت أن جيش قيصر يعد العدة للهجوم على المدينة ومعه من قبائل العرب النصرانية لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرها وكأنهم يريدون الانتقام من الهزيمة التي لحقتهم في مؤتة، لحقت بعامل القيصر وبجيش القيصر.
ورأى النبي ﷺ أن من المناسب أن يلقى الجيش المهاجم قبل أن يدخل أرض العرب حتى لا يضطرب الأمن الداخلي للبلاد. وكانت هذه المواجهة مع إمبراطورية تحكم نصف الدنيا، وكان جيشها قد فرغ مؤخرا من هزيمة جيش الإمبراطورية الإيرانية وكان المسلمون يفتقدون إلى العدة والعتاد، وكان السفر طويلا، وكان فصل الصيف الحار والثمار قد طابت وأينعت والناس قد تعودوا الجلوس في ظلال أشجارهم يأكلون ثمارها.
أعد رسول الله فهرسا لجمع الأموال لتجهيز الجيش. فتبرع عثمان بن عفان بتسعمائة بعير ومائة فرس وألف دينار ونال لقب: "مجهز جيش العسرة" - وقدم عبد الرحمن بن عوف أربعين ألف درهم، وأتى عمر بن الخطاب بنصف ما عنده في البيت من أثاث ومال وبلغ ثمنها عدة آلاف دينار، أما أبو بكر الصديق فرغم أن ما قدمه كان يبدو قليل القيمة إلا أنه قدم كل ما في بيته ولم يترك لبيته سوى "حب الله والرسول".
وقدم أبو عقيل الأنصاري صاعا من التمر، وقال: سقيت طول الليل زرعا بصاعين من تمر، فتركت صاعا للعيال وأتيت بصاع في سبيل الله، فقال رسول ﷺ ؛ أنثروه على جميع الأمتعة الثمينة. وهكذا قدم كل صحابي ما يملك بإخلاص وسعة قلب، ولم يتخلف سوى ٨٢ رجلا من المسلمين الأعراب بقوا في بيوتهم مختلقين بعض الأعذار، وكان عبد الله بن أبي بن سلول المنافق الأكبر قد طمأن هؤلاء، فقال لهم: إن محمدا وأصحابه لن يتمكنوا من العودة لأن قيصر سيقبض عليهم ويرسلهم إلى بلاد متفرقة.
стр. 126
وسار نبي الله ﷺ في جمع من ثلاثين ألفا إلى تبوك. واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة (١)، وعهد إلى علي بن أبي طالب (٢) القيام على أمور أهل بيته.
وكان الجيش يعاني من قلة في وسائل النقل حتى أن ثمانية عشر شخصا كانوا يتناوبون بعيرا واحدا، ولقلة المؤن والأطعمة اضطروا لأكل أوراق الأشجار فتورمت شفاههم، ولم يجدوا ماء في بعض الأماكن التي نزلوا فيها فاضطروا إلى ذبح الإبل الخاصة بالركوب فكانوا يشربون من ماء الأمعاء (٣).
وهكذا تحملوا جميع المتاعب بصبر وثبات حتى وصلوا إلى تبوك.
ولم يكد جيش المسلمين يصل إلى تبوك حتى لحق بهم علي بن أبي طالب وراح المنافقون فيما بعد يغيظون عليا ﵁ ويقولون إنما تركه النبي لأنه استثقله فأراد أن يتخفف منه، فأخذته ﵁ الغيرة فانطلق حتى وصل إلى النبي ﷺ بعد أن تحمل مشقة السفر الطويل وتورمت قدماه - فقال له النبي ﷺ : أفلا ترضى أنك مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي" (٤) سمع علي المرتضى هذا فرجع إلى المدينة فرحا مسرورا.
وفي تبوك أقام النبي ﷺ شهرا، وقد أحدثت هذه الخطوة أثرها على أهل الشام. فتخلوا عن فكرة الهجوم على العرب ورأوا أن أحسن وأفضل وقت لذلك بعد وفاة النبي ﷺ .
وفي تبوك (٥) ألقى النبي ﷺ بعد صلاة الفجر خطبة وجيزة بليغة ويمكن أن نقسمها
стр. 127
إلى خمسين فقرة كل فقرة تحمل معنى كبيرا، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال ﷺ :
فإن أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى. وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها وشر الأمور محدثاتها وأحسن الهدي هدي الأنبياء وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، خير الأعمال ما نفع، خير الهدى ما اتبع وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضره الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومنهم من لم يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما وقر في القلوب اليقين والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من حر جهنم، والسكر كي من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، وشر المأكل مأكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وملاك العمل خواتمه، وشر الرؤيا رؤيا الكذاب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتعال على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر الله له، ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعصى الله يعذبه الله، ثم استغفر ثلاثا (١).
стр. 128
وفاة ذي البجادين:
توفي ذو البجادين أثناء الإقامة في تبوك، وذكر هذا المخلص يوضح مدى لطف النبي ﷺ وعنايته بالفقراء المخلصين من الصحابة، واسمه عبد الله، توفي والده وهو طفل فرباه عمه ولما شب أصلح عمه حاله بأن وهبه الإبل والغنم والعبيد، سمع عبد الله عن الإسلام فتشوق قلبه إلى التوحيد، إلا أنه كان يخاف عمه لدرجة جعلته لا يستطيع إعلان إسلامه وحين عاد النبي من فتح مكة قال عبد الله لعمه:
"يا عمي مضت سنوات وأنا أنتظر أن تتحرك فيك رغبة للإسلام فتسلم، ولكن حالك لم يتغير وعمري قد لا يطول كثيرا فاسمح لي أن أسلم".
قال عمه: انظر لو أردت أن تقبل دين محمد فسوف أسلبك كل ما عندك حتى الإزار والرداء.
قال عبد الله: "يا عمي لأسلمن وأتبعن محمدا، فقد تأذيت كثيرا من الشرك والوثنية، فافعل ما تشاء، ولتأخذ مالي وكل ما أملك، فإني أعلم أني تاركه في الدنيا جميعه في يوم ما، ولهذا لا يمكن أن أترك في سبيله الدين الحق".
قال عبد الله هذا وخلع عنه ثيابه وذهب إلى أمه كما ولدته، رأته أمه فتحيرت وسألته عما جرى، فقال عبد الله؛ أصبحت مؤمنا وموحدا بالله وأريد الذهاب إلى النبي ﷺ وأحتاج إلى ما أستر به عورتي، فأعطته أمه بجادا، فشقه عبد الله إلى شقين، اتزر بواحد واشتمل بواحد، ووصل المسجد النبوي في الفجر وظل إلى جدار المسجد ينتظر رسول الله ﷺ ، وحين كان النبي ﷺ يدخل المسجد المبارك، رآه فسأله عمن يكون، فقال: اسمي عبد العزى، فقير مسافر، عاشق جمال وطالب هداية، جئت تاركا ورائي كل شيء.
قال النبي ﷺ ، اسمك عبد الله، ولقبك ذو البجادين، انزل قريبا منا واسكن المسجد.
انضم عبد الله إلى أصحاب الصفة (١)، يتعلم القرآن من النبي ﷺ ويتلوه بشوق
стр. 129
وحماس وذوق ونشاط.
وذات مرة قال عمر الفاروق: إن الناس يصلون وهذا الأعرابي يرفع صوته لدرجة أنة يشوش عليهم في القراءة فقال النبي ﷺ : يا عمر، لا تقل له شيئا، لقد جاء تاركا كل شيء في سبيل الله ورسوله.
وجاء عبد الله إلى رسول الله أثناء الاستعداد لغزوة تبوك وقال له: ادع لي أن أفوز بالشهادة في سبيل الله، قال النبي ﷺ : اذهب فأحضر قشرة من شجرة، وحين عاد عبد الله بالقشرة، ربطها النبي ﷺ على عضده وقال: اللهم أحرم دمه على الكفار" فقال عبد الله، إني أطلب الشهادة يا رسول الله، قال النبي ﷺ : حين خرجت بنية الغزوة، وأصبت بالحمى فمت فأنت شهيد.
وهكذا حدث ما قاله الرسول، فحين وصل عبد الله إلى تبوك أصيب بالحمى وانتقل إلى رحمة الله، قال بلال بن الحارث المزني، لقد رأيت دفن عبد الله. كان الوقت ليلا، وكان في يد بلال مصباح وأبو بكر وعمر كانا يضعان جسده في اللحد، والنبي ﷺ كان قد نزل القبر وهو يقول: أدبا إلى أخيكما" ثم وضع النبي ﷺ اللبنة بيديه على القبر ودعا له قائلا:
"اللهم إني أمسيت راضيا عنه فارض عنه" (١).
قال عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة.
ووصل النبي ﷺ سالما إلى المدينة قادما من تبوك وندم المنافقون الذين ظنوا أن محمدا وأصحابه سيؤسرون وينفون إلى جزيرة بعيدة، ولن يصلوا إلى المدينة سالمين، فجاءوا يعتذرون عن عدم خروجهم معه وقد اختلقوا الأعذار، فعفا عنهم النبي ﷺ ، وكان ثلاثة من الصحابة المخلصين لم يشتركوا في الذهاب مع النبي نظرا لضعف عادي أو تكاسل منهم، وهؤلاء تعرضوا لامتحان بسبب صدقهم. ومن بينهم صحابي كبير أرى
стр. 130
من الضروري إثبات ما قاله بلسانه عن نفسه، وهذا الصحابي هو كعب بن مالك الأنصاري، وكان من بين الثلاثة والسبعين الذين حضروا بيعة العقبة الثانية، وكان من خاصة الشعراء.
امتحان شديد لكعب بن مالك ﵁:
قال كعب: كان تخلفي من هذا السفر وبقائي في بيتي ابتلاء محض، ولم تكن هذه إرادتي ولم يكن لي عذر في هذا الأمر، وكان جميع عتاد السفر جاهز، وكنت أمتلك أفضل النوق، وكانت حالتي المالية أحسن مما كانت عليه من قبل وكنت اشتريت استعدادا لهذا السفر راحلتين، بينما لم يجتمع لدي راحلتان من قبل، وبينما كان الناس يعدون العدة للسفر رأيتني أتكاسل وفكرت بأن أمضي يوم الرحيل، ويوم غادر جيش المسلمين، كان لدي عمل بسيط فقلت، لأذهب في الغد، وهكذا مضى يومان أو ثلاثة وأنا في هذا التكاسل والتردد، ومضى الجيش بعيدا حتى أنه صار من الصعب اللحاق به، وصدمت مما حدث.
فخرجت يوما من البيت، فلم أر إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا مما عذر الله من الضعفاء. ولم يقابلني في الطريق سوى هؤلاء، واعتصرني الألم والحزن ومرت الأيام على هذا الحال حتى عاد النبي ﷺ ، وتحيرت ماذا عساي أفعل وماذا أقول وكيف أنجو من سخط رسول الله، وعلمني الناس بعض الحيل والذرائع إلا أنني قررت بأن النجاة لا تكون إلا بالصدق، وحضرت في نهاية الأمر إلى النبي ﷺ ورآني النبي ﷺ وتبسمم تبسم الغاضب، وذهب عني عقلي.
سألني النبي ﷺ : ما خلفك يا كعب، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟
قلت: يا رسول الله، كان عندي كل شيء، غافلتني نفسي وغلبني ضعفي، وأضلني الشيطان وأوقعني في دوامة الحرمان والخذلان.
قال النبي ﷺ : الزم بيتك حتى يقضي الله فيك أمره.
فقال بعض الناس: لو أنك اختلقت عذرا وحيلة لما حدث هذا، فقلت، إن الوحي الإلهي سيفضح كذبي وهكذا لن يبقى أي مكان، فالأمر لا يتعلق بالدنيا بل برسول الله" وسألت: هل لقي أحد غيري مثلما لقيت؟ قال الناس: نعم هلال بن أمية ومرارة بن
стр. 131
ربيع، فلما سمعت هذا اطمأن قلبي، فقد كانا رجلين صالحين ولي فيهما أسوة.
ثم أصدر رسول الله حكمه ونهى الناس عن التحدث معنا وعن مخالطتنا، وهكذا صارت لنا الدنيا وبالا، وبقي الاثنان هلال ومرارة لا يبرحان بيتهما فقد كانا عجوزين، ولكني كنت شابا وشجاعا، أخرج من البيت وأنصب إلى المسجد أصلي وأجلس في ركن من أركان المسجد. وكنت إذا أقبلت على صلاتي نظر إلي رسول الله وإذا التفت نحوه أعرض عني، ولم يكن أحد من المسلمين يكلمني أو يرد على سلامي، وخرجت يوما من المدينة وأنا في غاية الألم، فوصلت إلى بستان لابن عمي وحبيبي أبي قتادة كان يقيم عليه حائطا، فسلمت عليه، فلم يرد السلام ولم يلتفت حتى إلي، فقلت: يا أبا قتادة، أنت تعلم أني أحب الله ورسوله، وليس في قلبي ذرة من نفاق أو شرك فلماذا لا تكلمني؟ فسكت أبو قتادة ولم يرد، ولما ناشدته الحديث للمرة الثالثة ما زاد على أن قال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وانخرطت في البكاء، ورجعت إلى المدينة، فقابلني رجل نصراني، كان يبحث عني في المدينة، فأشار الناس إلي، فأعطاني الرجل كتابا من ملك غسان مكتوب فيه: سمعنا أن سيدك قد جفاك، وطردك من مجلسه، وجفاك جميع الناس أيضا، نحن نعرف قدرك ومنزلتك، لم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فألحق بنا بعد قراءة هذا الخطاب، فنحن نعرف كيف نكرمك ونعزك".
فقلت حين قرأت الكتاب، وهذا بلاء آخر، وأي بلاء أكبر من أن يطمع في وفي ديني رجل نصراني فيأتي يدعوني إلى الكفر، وزاد حزني وغمي ووضعت الرسالة في النار وقلت للرسول حامل الكتاب: اذهب وقل لمن أرسلك إن سخط صاحبي أحب إلي من رضاك.
وحين رجعت إلى البيت وجدت رسولا من قبل النبي ﷺ قد أتاني فقال لي: إن النبي ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك؟ فسألته: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، فأرسلت زوجتي إلى أهلها، وعلمت أن هلال ومرارة أرسل إليهما بمثل ما أرسل إلي، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله، وقالت إن هلال بن أمية شيخ كبير لا خادم له أتأذن لي في أن أخدمه، فقال: نعم ولكن لا يقربنك فقالت: يا رسول الله، إن ما به من غم وحزن لا يجعلانه يفكر في شيء ..
فقال لي بعض الناس: ماذا لو استأذنت رسول الله لامرأتك، فقلت: أنا لا أجرؤ
стр. 132
على ذلك فما أدري ما يقول رسول الله وأنا رجل شاب، يمكن أن أخدم نفسي.
وهكذا مضى خمسون يوما على هذه المصيبة (١)، وبينما كنت راقدا أفكر في مصيبتي تلك، صعدت إلى جبل سلع (٢) قريبا من بيتي، فسمعت أبا بكر الصديق ينادي: فلتبشر يا كعب فقد قبلت توبتك".
وقدم أصدقائي وأحبابي على هذا الصوت من بعيد وراحوا يبشرونني بقبول توبتي، فخررت ساجدا، وبعد أن أديت سجدة الشكر انطلقت إلى رسول الله.
كان النبي ﷺ يجلس مع المهاجرين والأنصار، رآني المهاجرون فباركوا لي قبول توبتي وأما الأنصار فسكتوا، فتقدمت وسلمت، وكان النبي ﷺ إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر، وكان ﷺ من عادته أن يبرق وجهه من السرور.
قال: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، أقدم فقد قبل رب العالمين توبتك.
فقلت: إن من توبتي أن أنخلع عن مال صدقة إلى الله وإلى رسوله.
فقال: أمسك عليك بعض مالك؟
فقلت: النصف.
стр. 133
قال: لا.
فقلت: الثلث.
قال: نعم الثلث، الثلث خير لك.
الحمد لله، فقد انتهت الفتنة وانتهى الشر الذي أثاره الأعداء لسنوات، والذي سمم بالبغي والفساد جميع قبائل العرب، ووسط جميع تلك الحروب كان للمودة البالغة والرحم الذي لا نظير له من قبل رسول الله أثرهما في تعريف العالم كله بالأصول الحضارية والشجاعة للقتال. فقد كانت جميع تلك الحروب حروبا اضطرارية خاضها رسول الله دينية والمسلمون اضطرارا على مدار سبع سنوات.
ولهذا فالقارئ لن يرى أن المسلمين قد بدأوا أي حرب وكانت جميع هذه الحروب حروبا دفاعية لصد هجوم المعتدين واتقاء لشرهم، ولم يحدث أن قتل رجل واحد طوال العصر النبوي لمجرد كونه وثنيا أو مجوسيا أو نصرانيا أو يهوديا.
وقد أوضح الله تعالى بجلاء في القرآن الكريم أن الاختلاف الديني والعقدي قديم في هذا العالم وسيظل على الدوام لا ينتهي أبدا ولهذا لا يجوز إكراه أحد من أجل الدين، والآيات التالية توضح ذلك:
- ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: ٢٥٦).
- ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ (يو نس: ٩٩).
- ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ (هود: ١١٨، ١١٩)
- ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (القصص: ٥٦)
- ﴿نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ (ق:٤٥).
- ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ (الغاشية: ٢١، ٢٢).
стр. 134
أسرى الحرب:
أرى من المناسب قبل الانتهاء من الحديث عن الحرب أن نلقي الضوء على معاملات النبي ﷺ مع أسرى الحرب.
كانت الأمم والحكومات قبل الإسلام تتعامل مع أسرى الحرب بوحشية تقشعر منها الأبدان.
كان تعامل النبي ﷺ مع الأسرى يتم بطريقتين:
- الاعتاق بعد دفع الدية.
- الاعتاق والعفو عن الدية.
وقد وقع الأسرى في يد المسلمين أول مرة في غزوة بدر وكانوا أهل مكة، ألد أعداء المسلمين، وقد عرض النبي ﷺ أمرهم أولا على الصحابة، فقال بعض الصحابة ومعهم أبو بكر الصديق بأخذ فدية عن الأسرى وإطلاق سراحهم، وأيدوا رأيهم هذا بأمرين:
١ - يمكن الاستفادة بالفدية في إصلاح عتادهم وعدتهم.
٢ - يمكن لهؤلاء الأسرى أن يدخلوا الإسلام بعد إطلاق سراحهم، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام.
وكان رأي عمر الفاروق ومن معه من الصحابة هو قتلهم، وقالوا في تأييد رأيهم أن:
١ - هؤلاء أئمة الكفر وقادة الشرك لذا يجب الإطاحة برقابهم.
٢ - لقد نصرنا الله عليهم ولهذا فعلى المسلمين أن يقتصوا منهم.
فأعجب النبي ﷺ برأي أبي بكر، أي أخذ الفدية من الأسرى، على أن يقوم من لا يستطيع دفع الفدية بتعليم أولاد الأنصار القراءة والكتابة.
ويظن بعض الناس حتى الآن أن رأي عمر الفاروق كان الأصوب، ويستدلون على ذلك بالجزء الأول من الحديث الذي يذكر أنه لما كان من الغد رأى عمر رسول الله وأبا بكر يبكيان ولكن طائفة من العلماء ترجح رأي أبي بكر مستدلة بالأسباب التالية:
стр. 135
١ - وجود حكم سابق في القرآن الكريم يؤيد رأي أبي بكر.
٢ - هذا الرأي يتضمن الرحمة التي هي أوسع من كل شيء.
٣ - شبه النبي ﷺ في الحديث المذكور أبا بكر بإبراهيم وعيسى وشبه عمر بنوح وموسى.
٤ - رأي النبي كان موافقا لرأي أبي بكر.
٥ - أقر رب العالمين أيضا هذا الرأي.
٦ - صح ظن أبي بكر، فقد أسلم فيما بعد كثير من هؤلاء الأسرى، وأصلح المسلمين بمال الفدية أحوالهم.
والحاصل أن النبي ﷺ أطلق سبعين من أسرى بدر بعد قبول الفدية، وكان قد أبقاهم كضيوف على المسلمين ولا تزال بياناتهم مسطرة، وقد قالوا أن أهل المدينة كانوا يهتمون بهم أكثر من أولادهم، وقتل من الأسرى اثنان (عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث). وكان هذا العقاب لسبب جرائمهم السابقة التي جعلت من قتلهم أمرا ضروريا.
وبعد غزوة بدر، أسر المسلمون مائة رجل وامرأة في غزوة المصطلق، وأطلق سراحهم جميعا دون فدية. وقد أكرم النبي ﷺ امرأة منهم - هي جويرية - بإدخالها في أمهات المؤمنين.
وفي الحديبية أسر ثمانون من مهاجمي جبل التنعيم فأطلق النبي سراحهم دون شرط ودون فدية.
وفي غزوة حنين أطلق سراح ستة آلاف رجل وامرأة دون فدية ودون شرط، وأعطى النبي ﷺ ، من عنده مالا عوضا عن فك بعض الأسرى، وسرح معظمهم بعد أن أعطاهم هدايا.
ويثبت من كل هذه الوقائع والدلائل أن رحمة للعالمين ﷺ كان يعامل أعداء المهاجمين له بعد الانتصار عليهم برحمة ولين. وتذكر كتب الأحاديث واقعة تبادل بين الأسرى.
وكان من أثر هذه التربية الطاهرة التي ربى عليها النبي أصحابه، أن قام الخلفاء
стр. 136
الراشدون بفتح مئات المدن في العراق والشام ومصر وكامل الجزيرة العربية وإيران وخراسان.
ولم يحدث أن استرقوا أحدا من المحاربين أو الرعايا كما لم يأخذوا فدية من المنهزمين. ومع أن هذه الحروب كانت بلاء شديدا على المسلمين إلا أن رب العالمين قد جعل فيها حكمة، إذ قدم الإسلام للبشرية وللعالم نموذجا للحرب "الدفاعية" بما فيها من تعاطف إنساني ورحمة ولطف.
стр. 137
الباب الثاني
إرسال الرسل إلى الملوك من أتباع الديانات الأخرى
في مختلف البلاد للدعوة إلى الإسلام
ومواقفهم من الدعاة
•---------------------------------•
من خصائص نبوة النبي ﷺ والتي لا توجد في نبوة ورسالة بقية الأنبياء ﵈، خصوصية بارزة وهي أنه ﷺ قدم الإسلام كدين وحيد للعالم أجمع.
ولذا قام رسول الله ﷺ بتبليغ الإسلام في أصحاب الديانات والأمم الأخرى في بداية زمان الدعوة في وقت لم يكن فيه أهل مكة قد عرفوا الإسلام بطريقة جيدة. ويعد بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وعداس النينوائي الذين دخلوا الإسلام من الثمار الأولى من الحبشة واليونان وإيران ووسط آسيا.
والآيات القرآنية توضح هذا بجلاء:
- ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ (٣٤: ٢٨).
- ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كل﴾. (٦١: ٩) و (٤٨: ٢٨)
- ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (٢١: ١٠٧).
- ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾ (٧: ١٥٨).
وانطلاقا من التوجيه الوارد في الآيات الكريمة أرسل النبي ﷺ الرسائل التالية إلى رؤساء الأمم والأديان المختلفة، وأوضح لكل منهم أن إثم رفض الإسلام لا يقع عليهم فقط بل سيقع وزر ذلك على أمتهم أيضا لأنهم بإنكارهم للإسلام يمنعون أمتهم من الهداية، ذلك لأن سحب ضلالتهم سوف تمطر عليهم أيضا لأن هذا الأمر ليس أمرا شخصيا بل هو موجه لهم بصفتهم رؤساء أقوامهم.
стр. 138
ومثل هذا الإجراء الذي اتخذه رسول الله ﷺ للدعوة إلى الإسلام لا نظير له في تاريخ الديانات السابقة، فلم يسبق لأحد من اتباع الديانات الأخرى اتخاذ مثل هذا الإجراء.
ولما كنا نحترم ونقدر داعي كل ديانة صادقة فإننا نستنتج من صمتهم وسكوتهم أن الدعاة كانوا يرون أن دينهم قاصر على أمتهم التي أرسلوا إليها (١) دون غيرها من الأمم، فلو خالف اليوم أتباعهم سلوكهم فهذا أمر خاص بهم هم ولا يمكن أن يكون حجة من الناحية الدينية.
في غرة محرم من السنة السابعة للهجرة أرسل النبي ﷺ سفراءه حاملين رسائل الدعوة إلى الإسلام إلى ملوك العالم، وكان كل واحد منهم يعرف لغة القوم الذين أرسل إليهم حتى يمكنه القيام بالدعوة على أحسن وجه (٢).
ولم يكن النبي ﷺ قد اتخذ خاتما بعد، فلما كتبت الرسائل إلى ملوك العالم صنع لهذا خاتم من فضة لدمغها به ونقش عليه "محمد رسول الله" (٣)
ويفهم من هذه الرسائل أن ما أرسل منها إلى ملوك النصارى كان يكتب فيها بصفة خاصة الآية التالية:
﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ...﴾ (٣: ٦٤).
ونذكر هنا بإيجاز أخبار هذه السفارات:
١ - رسالة إلى ملك الحبشة:
حمل رسالة النبي ﷺ إلى ملك الحبشة أصحم بن أبجر الملقب بالنجاشي، عمرو ابن أمية الضمري، وكان النجاشي نصرانيا، وننقل هنا هذه الرسالة عن الطبري:
стр. 139
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفرا معه من المسلمين فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى".
وقد أسلم النجاشي بعد قراءة هذه الرسالة وبعث بالجواب التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن الأبجر، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، من الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، أما بعد، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثفروقا، إنه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك وأصحابه، فاشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني ارها بن الأصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق والسلام عليك يا رسول الله.
٢ - كان منذر بن ساوي ملك البحرين يدفع الخراج إلى إمبراطور الفرس، وقد حمل إليه رسالة رسول الله علاء بن الحضرمي، وقد أسلم هو أيضا وأسلم معه العدد الأكبر من رعاياه، وكتب إلى رسول الله في جواب رسالته أن بعض الناس أحبوا الإسلام كثيرا، وبعضهم كرهه، وبعضهم عارضه فإن في أرضي كثير من اليهود والمجوس فأخبرني ماذا يكون في شأنهم.
فردعليه النبي ﷺ :
" ... من ينصح فإنما ينصح لنفسه .. ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية" (١)
стр. 140
٣ - وأرسل النبي إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملك عمان رسالة مع عمرو بن العاص وطبقا لرواية عمرو بن العاص ﵁ أنه لما وصل إلى عمان التقى أولا بعبد وكان رئيسا وكان أكثر مرونة ولطفا من أخيه وعلى خلق، فأخبرته أني سفير رسول الله ﷺ إليه وإلى أخيه.
قال عبد: أخي أكبر مني عمرا وهو ملك البلاد، أوصلك إليه ولكن أخبرني إلى ما تدعو إليه.
قال عمرو بن العاص: أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
قال عبد: يا عمرو إنك ابن سيد قومك، فماذا صنع أبوك حتى يكون لنا قدوة.
قال عمرو بن العاص: مات ولم يؤمن بمحمد ﷺ ووددت لو أنه كان أسلم وصدق به وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام.
قال عبد: فمتى تبعت محمدا؟
قال عمرو بن العاص: منذ فترة بسيطة.
فقال عبد: وأين كان ذلك؟
قلت: في بلاط النجاشي، والنجاشي قد أسلم.
عبد: فماذا فعل الرعايا بملكهم؟
عمرو: أقروه وأسلموا.
عبد: وهل تبعه الأساقفة والرهبان أيضا؟
عمرو: نعم.
عبد: انظر يا عمر ما تقول، فليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب.
عمرو: ما كذبت وما نستحله في ديننا
عبد: ماذا فعل هرقل، هل علم بإسلام النجاشي؟
عمرو: نعم.
стр. 141
عبد: كيف علمت ذلك؟
عمرو: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، وبلغ هذا هرقل، فقال له أخوه بناق، أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين دينا محدثا؟ فقال هرقل، رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت ما صنع.
عبد: انظر يا عمرو ما تقول.
عمرو: والله صدقتك
عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به "الإسلام" وينهى عنه؟
عمرو: يأمر بطاعة الله ، وينهى عن معصيته، وينهى عن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الأحجار والأوثان والصليب.
عبد: ما أحسن الأحكام التي يدعو إليها، ليت أخي يتابعني عليه فنذهب حتى نبايع محمدا، ولكني أرى أخي أضن بملكه من أن يدعه.
عمرو: إن أسلم ملكه النبي ﷺ على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم.
عبد: هذا حسن لكن ما المقصود بالصدقة؟
فأخبره عمرو بن العاص بمسائل الزكاة، وحين أخبره أن للإبل أيضا زكاة، قال عبد: وتؤخذ الصدقة من مواشينا التي ترعى الشجر وترد الماء.
فقال عمرو بن العاص: نعم.
فقال عبد: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون هذا.
والحاصل أن عمرو بن العاص مكث هناك أياما، وعبد ينقل لأخيه ما يقوله عمرو ابن العاص، وفي يوم من الأيام دعاه الملك، فدخل عليه فأخذ أعوانه بضبعه فقال دعوه، فأرسل فذهب ليجلس فأبوا أن يدعوه يجلس. فنظر إليه فقال له:
- تكلم بحاجتك.
فسلمه عمرو بن العاص رسالة النبي مختومة. ففض جيفر الخاتم وقرأ الرسالة ثم
стр. 142
دفعها إلى أخيه، ورأى عمرو بن العاص أن الأخ أرق وألطف من الملك.
قال الملك: ألا تخبرني عن قريش، ماذا صنعت.
فقال عمرو بن العاص، تبعوه جميعهم طوعا وكرها.
فقال الملك: ومن معه؟.
قال عمرو بن العاص: الناس الذين دخلوا الإسلام رغبة ورضا وتركوا كل شيء واتبعوا النبي ﷺ .
قال الملك، ارجع إلي غدا.
فالتقى عمرو بن العاص في اليوم التالي بأخي الملك أولا، فقال الأخ، إني لأرجو أن يسلم الملك إن لم يضن بملكه.
والتقى عمرو بن العاص بعد ذلك بالملك، فقال الملك، لقد فكرت في الأمر مليا، إذا أطعت رجلا لا تبلغ خيله ههنا فإنني أكون أضعف العرب، وإذا بلغت خيله هنا قاتلتكم قتالا لم تشاهدوه من قبل.
قال عمرو بن العاص، حسنا إني عائد غدا.
قال الملك، لا أنتظر الغد.
يقول عمرو بن العاص: "وفي اليوم التالي أرسل إلي الملك فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه كما أسلم معظم الرعايا" (١).
٤ - وكان منذر بن حارث بن أبي شمر حاكما على دمشق وواليا على الشام، أرسل إليه شجاع بن وهب الأسدي برسالة النبي ﷺ فقرأ الرسالة وغضب كثيرا في البداية وقال: أنا ذاهب بنفسي للهجوم على المدينة، وفي النهاية كرم سفير النبي وأعاده معززا، ولكنه لم يسلم.
٥ - وكان حاكم اليمامة هوذة بن علي نصرانيا، أرسل إليه سليط بن عمرو العامري برسالة النبي ﷺ ، فقال، سوف أسلم إذا أقر الإسلام لي نصف ملكي، وقد مات
стр. 143
هوذة بعد ذلك بأيام قليلة.
٦ - وكان جريج بن متى الملقب بالمقوقس (١) النصراني ملكا على الاسكندرية ومصر، أرسل إليه الحاطب بن أبي بلتعة، وقد جاء في آخر رسالة النبي ﷺ : "أسلم تسلم فإن توليت فإن عليك إثم القبط" (أي أهل مصر).
وقد سلم حاطب الرسالة إلى المقوقس، وأفهمه أيضا مضمونها، فقال: كان قبلك رجل كان يقول "أنا ربكم الأعلى" فأخذه الله نكال الدنيا والآخرة، فحين يحل غضب الله لا يبقى ملك ولا غير ذلك ولهذا فعليك أن تعتبر ولا يعتبر بك غيرك.
قال الملك: إن لنا دينا لن نتركه، ما لم نجد خيرا منه.
فقال حاطب ندعوك إلى دين الإسلام وهو يكفي عن بقية الأديان، وقد دعا النبي ﷺ الجميع إلى الإسلام فعارضته قريش وعادته اليهود، ولكن النصارى كانوا أقربهم منه وأحبهم إليه، وأقسم بالله ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل.
وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته ولهذا وجب عليهم أن يطيعوه وأنت ممن أدركه ولتؤمن بأننا ندعوك إلى دين المسيح.
فقال المقوقس إني فكرت في أمر هذا النبي، وليس لدي أي رغبة الآن مع أنه لا ينهى عن مرغوب فيه، وأنا لا أجده بالساحر الضار ولا الكاهن الكاذب، وقد وجدت فيه علامة النبوة، وعلى كل حال سوف أفكر أكثر وأكثر في هذا الأمر. وأخذ رسالة النبي ووضعها في علبة من عاج وأمر بختمه ووضعه في خزانته. وأرسل للنبي بعض الهدايا وكتب ردا على رسالته:
"قد علمت أن نبيا سيظهر وكنت أظن أنه يخرج بالشام" وهو الذي أهدى البغلة المعروفه بـ "دلدل" (٢) .. ضمن ما أرسل من هدايا.
٧ - كان هرقل ملك القسطنطينية أو الفرع الشرقي للإمبراطورية الرومانية نصرانيا،
стр. 144
حمل إليه رسالة النبي ﷺ دحية بن خليفة الكلبي (١)، فالتقى بالملك في مكان ببيت المقدس، فاحتفى به هرقل احتفاء عظيما، وسأله مستفسرا عن النبي ﷺ وأراد أن يعرف المزيد عن النبي ﷺ فأمر بإحضار كل من قدم من مكة إلى ملكه واتفق أن أبا سفيان كان قدم من مكة إلى الشام مع بعض التجار (٢) في تلك الأيام، فطلب إلى بيت المقدس ودعى إلى البلاط، وقال القيصر للتجار المرافقين له: سوف أسأل أبا سفيان فإذا ما أخطأ جوابا ذكروا لي ذلك.
وكان أبو سفيان في تلك الأيام من ألد أعداء رسول الله ﷺ . يقول أبو سفيان، والله لولا الخوف من أن يكذبني أصحابي لكذبته ولكني استحييت أن يأثروا الكذب عني فصدقته.
واستمر السؤال والجواب هكذا:
القيصر: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ أبو سفيان: شريف وعظيم. سمع هرقل هذا الجواب فقال، حقا النبي يكون من بيت شريف حتى لا يكون في إطاعته عار على أحد. قيصر: هل ادعى أحد من العرب أو من قريش النبوة من قبل؟ قال أبو سفيان: لا. فسمع هرقل هذا الجواب فقال: لو كان الأمر كذلك لظننت أنه يقلد من سبقه. قيصر: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول بالنبوة؟ قال أبو سفيان: لا. فقال هرقل، هذا لا يمكن لأن من لا يكذب على الناس لا يكذب على الله. قيصر: هل كان من آبائه ملك؟ أبو سفيان: لا. فقال هرقل بعد أن سمع هذا، أنا أرى أنه قد يكون ادعى النبوة ليحصل على ملك أبيه. قيصر: هل أشراف القوم يتبعونه أم ضعفاؤهم؟، أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: إن الضعفاء هم عادة أتباع الرسل. قيصر: هل يزيد أتباعه أم ينقصون؟ أبو سفيان: بل يزيدون. فقال هرقل، وكذلك الإيمان حتى يتم. قيصر: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ أبو سفيان: لا. فقال هرقل: وهذا من أثر لذة الإيمان، فحين تقر في القلب ويثبت أثرها في الروح، فيبقى الإيمان ولا يزول. قيصر: هل نقض عهدا أو حنث بوعد؟ أبو سفيان: لا، ولكن بيننا وبينه عهد هذا العام ولنرى
стр. 145
ما النتيجة. يقول أبو سفيان: لقد تمكنت فقط من إضافة هذه الفقرة، إلا أن قيصر لم يلتفت إليها وقال، بلا شك أنه لا يحنث بوعد ولا ينقض عهدا، فطالب الدنيا طالما ينقض العهد، أما النبي فلا حاجة له بالدنيا. قيصر: هل قاتلتموه أو قاتلكم؟ أبو سفيان: نعم، قيصر: فكيف كانت النتيجة؟ أبو سفيان: يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى. فقال هرقل، هذا هو حال الأنبياء تبتلى وتكون لها العاقبة فتنال النصر من الله. قيصر: فماذا يأمركم به؟
أبو سفيان: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والزكاة والعفاف والصدق وصلة الرحم.
فقال هرقل: هذه هي علامات النبي المولود قد كنت أعلم أنه ظاهر. ولكن لم أعلم أنه من العرب وأن يك ما قلت حقا فإنه يوشك أن يمتلك موضع قدمي هاتين، ليتني أستطيع أن أصل إليه لكنت، أغسل قدميه.
ثم قرئ خطاب النبي ﷺ ، فلم يعجب أعضاء البلاط فعلت أصواتهم وكثر لغطهم وصياحهم، ثم أخرج الجميع من البلاط، ويقول أبو سفيان ومنذ ذلك اليوم وأنا أرى نفسي ذليلا وقد تأكدت من عظمة النبي ﷺ .
٨ - خسرو برويز، كسرى إيران كان إمبراطور نصف العالم الشرقي، ويدين بالزردشتية، أرسل إليه عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي برسالة النبي ﷺ التي جاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك" (١).
فلما رأى كسرى رسالة النبي غضب ومزقها قائلا: يكتب لي هذا وهو من رعاياي