عبد: كيف علمت ذلك؟
عمرو: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، وبلغ هذا هرقل، فقال له أخوه بناق، أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين دينا محدثا؟ فقال هرقل، رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت ما صنع.
عبد: انظر يا عمرو ما تقول.
عمرو: والله صدقتك
عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به "الإسلام" وينهى عنه؟
عمرو: يأمر بطاعة الله ، وينهى عن معصيته، وينهى عن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الأحجار والأوثان والصليب.
عبد: ما أحسن الأحكام التي يدعو إليها، ليت أخي يتابعني عليه فنذهب حتى نبايع محمدا، ولكني أرى أخي أضن بملكه من أن يدعه.
عمرو: إن أسلم ملكه النبي ﷺ على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم.
عبد: هذا حسن لكن ما المقصود بالصدقة؟
فأخبره عمرو بن العاص بمسائل الزكاة، وحين أخبره أن للإبل أيضا زكاة، قال عبد: وتؤخذ الصدقة من مواشينا التي ترعى الشجر وترد الماء.
فقال عمرو بن العاص: نعم.
فقال عبد: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون هذا.
والحاصل أن عمرو بن العاص مكث هناك أياما، وعبد ينقل لأخيه ما يقوله عمرو ابن العاص، وفي يوم من الأيام دعاه الملك، فدخل عليه فأخذ أعوانه بضبعه فقال دعوه، فأرسل فذهب ليجلس فأبوا أن يدعوه يجلس. فنظر إليه فقال له:
- تكلم بحاجتك.
فسلمه عمرو بن العاص رسالة النبي مختومة. ففض جيفر الخاتم وقرأ الرسالة ثم
стр. 142
دفعها إلى أخيه، ورأى عمرو بن العاص أن الأخ أرق وألطف من الملك.
قال الملك: ألا تخبرني عن قريش، ماذا صنعت.
فقال عمرو بن العاص، تبعوه جميعهم طوعا وكرها.
فقال الملك: ومن معه؟.
قال عمرو بن العاص: الناس الذين دخلوا الإسلام رغبة ورضا وتركوا كل شيء واتبعوا النبي ﷺ .
قال الملك، ارجع إلي غدا.
فالتقى عمرو بن العاص في اليوم التالي بأخي الملك أولا، فقال الأخ، إني لأرجو أن يسلم الملك إن لم يضن بملكه.
والتقى عمرو بن العاص بعد ذلك بالملك، فقال الملك، لقد فكرت في الأمر مليا، إذا أطعت رجلا لا تبلغ خيله ههنا فإنني أكون أضعف العرب، وإذا بلغت خيله هنا قاتلتكم قتالا لم تشاهدوه من قبل.
قال عمرو بن العاص، حسنا إني عائد غدا.
قال الملك، لا أنتظر الغد.
يقول عمرو بن العاص: "وفي اليوم التالي أرسل إلي الملك فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه كما أسلم معظم الرعايا" (١).
٤ - وكان منذر بن حارث بن أبي شمر حاكما على دمشق وواليا على الشام، أرسل إليه شجاع بن وهب الأسدي برسالة النبي ﷺ فقرأ الرسالة وغضب كثيرا في البداية وقال: أنا ذاهب بنفسي للهجوم على المدينة، وفي النهاية كرم سفير النبي وأعاده معززا، ولكنه لم يسلم.
٥ - وكان حاكم اليمامة هوذة بن علي نصرانيا، أرسل إليه سليط بن عمرو العامري برسالة النبي ﷺ ، فقال، سوف أسلم إذا أقر الإسلام لي نصف ملكي، وقد مات
стр. 143
هوذة بعد ذلك بأيام قليلة.
٦ - وكان جريج بن متى الملقب بالمقوقس (١) النصراني ملكا على الاسكندرية ومصر، أرسل إليه الحاطب بن أبي بلتعة، وقد جاء في آخر رسالة النبي ﷺ : "أسلم تسلم فإن توليت فإن عليك إثم القبط" (أي أهل مصر).
وقد سلم حاطب الرسالة إلى المقوقس، وأفهمه أيضا مضمونها، فقال: كان قبلك رجل كان يقول "أنا ربكم الأعلى" فأخذه الله نكال الدنيا والآخرة، فحين يحل غضب الله لا يبقى ملك ولا غير ذلك ولهذا فعليك أن تعتبر ولا يعتبر بك غيرك.
قال الملك: إن لنا دينا لن نتركه، ما لم نجد خيرا منه.
فقال حاطب ندعوك إلى دين الإسلام وهو يكفي عن بقية الأديان، وقد دعا النبي ﷺ الجميع إلى الإسلام فعارضته قريش وعادته اليهود، ولكن النصارى كانوا أقربهم منه وأحبهم إليه، وأقسم بالله ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل.
وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته ولهذا وجب عليهم أن يطيعوه وأنت ممن أدركه ولتؤمن بأننا ندعوك إلى دين المسيح.
فقال المقوقس إني فكرت في أمر هذا النبي، وليس لدي أي رغبة الآن مع أنه لا ينهى عن مرغوب فيه، وأنا لا أجده بالساحر الضار ولا الكاهن الكاذب، وقد وجدت فيه علامة النبوة، وعلى كل حال سوف أفكر أكثر وأكثر في هذا الأمر. وأخذ رسالة النبي ووضعها في علبة من عاج وأمر بختمه ووضعه في خزانته. وأرسل للنبي بعض الهدايا وكتب ردا على رسالته:
"قد علمت أن نبيا سيظهر وكنت أظن أنه يخرج بالشام" وهو الذي أهدى البغلة المعروفه بـ "دلدل" (٢) .. ضمن ما أرسل من هدايا.
٧ - كان هرقل ملك القسطنطينية أو الفرع الشرقي للإمبراطورية الرومانية نصرانيا،
стр. 144
حمل إليه رسالة النبي ﷺ دحية بن خليفة الكلبي (١)، فالتقى بالملك في مكان ببيت المقدس، فاحتفى به هرقل احتفاء عظيما، وسأله مستفسرا عن النبي ﷺ وأراد أن يعرف المزيد عن النبي ﷺ فأمر بإحضار كل من قدم من مكة إلى ملكه واتفق أن أبا سفيان كان قدم من مكة إلى الشام مع بعض التجار (٢) في تلك الأيام، فطلب إلى بيت المقدس ودعى إلى البلاط، وقال القيصر للتجار المرافقين له: سوف أسأل أبا سفيان فإذا ما أخطأ جوابا ذكروا لي ذلك.
وكان أبو سفيان في تلك الأيام من ألد أعداء رسول الله ﷺ . يقول أبو سفيان، والله لولا الخوف من أن يكذبني أصحابي لكذبته ولكني استحييت أن يأثروا الكذب عني فصدقته.
واستمر السؤال والجواب هكذا:
القيصر: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ أبو سفيان: شريف وعظيم. سمع هرقل هذا الجواب فقال، حقا النبي يكون من بيت شريف حتى لا يكون في إطاعته عار على أحد. قيصر: هل ادعى أحد من العرب أو من قريش النبوة من قبل؟ قال أبو سفيان: لا. فسمع هرقل هذا الجواب فقال: لو كان الأمر كذلك لظننت أنه يقلد من سبقه. قيصر: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول بالنبوة؟ قال أبو سفيان: لا. فقال هرقل، هذا لا يمكن لأن من لا يكذب على الناس لا يكذب على الله. قيصر: هل كان من آبائه ملك؟ أبو سفيان: لا. فقال هرقل بعد أن سمع هذا، أنا أرى أنه قد يكون ادعى النبوة ليحصل على ملك أبيه. قيصر: هل أشراف القوم يتبعونه أم ضعفاؤهم؟، أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: إن الضعفاء هم عادة أتباع الرسل. قيصر: هل يزيد أتباعه أم ينقصون؟ أبو سفيان: بل يزيدون. فقال هرقل، وكذلك الإيمان حتى يتم. قيصر: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ أبو سفيان: لا. فقال هرقل: وهذا من أثر لذة الإيمان، فحين تقر في القلب ويثبت أثرها في الروح، فيبقى الإيمان ولا يزول. قيصر: هل نقض عهدا أو حنث بوعد؟ أبو سفيان: لا، ولكن بيننا وبينه عهد هذا العام ولنرى
стр. 145
ما النتيجة. يقول أبو سفيان: لقد تمكنت فقط من إضافة هذه الفقرة، إلا أن قيصر لم يلتفت إليها وقال، بلا شك أنه لا يحنث بوعد ولا ينقض عهدا، فطالب الدنيا طالما ينقض العهد، أما النبي فلا حاجة له بالدنيا. قيصر: هل قاتلتموه أو قاتلكم؟ أبو سفيان: نعم، قيصر: فكيف كانت النتيجة؟ أبو سفيان: يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى. فقال هرقل، هذا هو حال الأنبياء تبتلى وتكون لها العاقبة فتنال النصر من الله. قيصر: فماذا يأمركم به؟
أبو سفيان: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والزكاة والعفاف والصدق وصلة الرحم.
فقال هرقل: هذه هي علامات النبي المولود قد كنت أعلم أنه ظاهر. ولكن لم أعلم أنه من العرب وأن يك ما قلت حقا فإنه يوشك أن يمتلك موضع قدمي هاتين، ليتني أستطيع أن أصل إليه لكنت، أغسل قدميه.
ثم قرئ خطاب النبي ﷺ ، فلم يعجب أعضاء البلاط فعلت أصواتهم وكثر لغطهم وصياحهم، ثم أخرج الجميع من البلاط، ويقول أبو سفيان ومنذ ذلك اليوم وأنا أرى نفسي ذليلا وقد تأكدت من عظمة النبي ﷺ .
٨ - خسرو برويز، كسرى إيران كان إمبراطور نصف العالم الشرقي، ويدين بالزردشتية، أرسل إليه عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي برسالة النبي ﷺ التي جاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك" (١).
فلما رأى كسرى رسالة النبي غضب ومزقها قائلا: يكتب لي هذا وهو من رعاياي
стр. 146
ويضع اسمه قبل اسمي، ثم كتب إلى عامله باليمن ويدعى "باذان" وكان يعتقد أن جميع بلاد العرب تحت إمرته، أن يقبض على هذا الشخص (أي النبي ﷺ ) ويرسله له.
فبعث باذان بعض جنوده وعلى رأسهم بابويه، وأمر بابويه أن يدرس أحوال النبي وأن يأخذه إلى كسرى، فإذا ما رفض الذهاب معهم فعليه أن يعود ويقدم له تقريرا لما حدث، وحين وصل هؤلاء الجنود إلى الطائف، استبشر أهل الطائف، فقد ظنوا أن محمدا ﷺ هالك لا محالة لأن كسرى قد أمر بعقابه على تطاوله عليه.
وحين حضر رئيس الجند بابويه ومن معه إلى المدينة ولقي النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : ارجعا حتى تأتياني غدا، وفي اليوم التالي قال النبي ﷺ : إن الله قد أهلك ملككم الليلة، فاذهبا وانظرا الأمر فسمع بابويه بهذا فعاد إلى اليمن، وهناك وصل خبر مفاده أن خسرو قتل على يد ابنه، واعتلى شيرويه العرش، وشيرويه هو قاتل أبيه.
وأعلن باذان إسلامه بعد أن تأكد من خبر النبي ﷺ ومن أخلاقه وعاداته وخصاله وما إلى ذلك وأسلمه معه جميع من في البلاط وأكثر مناطق البلاد.
وحين رجع عبد الله سفير النبي ﷺ وأخبر النبي أن كسرى مزق الرسالة قال ﷺ : "مزق ملكه".
وعلى القارئ أن يفكر في هذه الجملة المختصرة التي تحمل معنى كبيرا ونبحث في تاريخ العالم مدى ثلاثة عشر قرنا وربع من الزمان، هل هناك أثر لتلك الإمبراطورية في أي مكان، تلك الإمبراطورية التي حكمت نصف الدنيا لأكثر من أربعة أو خمسة آلاف سنة ووصلت فتوحاتها إلى اليونان وروما؟ بالطبع لا يوجد أي أثر.
إسلام بعض حكام المناطق المختلفة:
ومن المناسب هنا أن نذكر أسماء بعض الولاة والحكام الذين اهتدوا بهدي الإسلام بعد أن وصل إليهم الدعاة الذين أرسلهم النبي ﷺ فعرفوا حقيقة الإسلام وهديه.
١ - ثمامة حاكم نجد وأسلم في سنة ست من الهجرة (١).
٢ - جبلة حاكم دولة غسان العربية القديمة أسلم في السنة السابعة للهجرة
стр. 147
٣ - فروة بن عمرو الخزاعي (الخزامي) والي قيصر على الشام، أسلم فدعاه قيصر إليه وترك الإسلام. فأنكر فروة ذلك، فحبسه قيصر، ثم أمر بقتله، وقد ضحى هذا العبد الصالح بالثروة والحكومة والعزة والجاه والنفس ولم يرض بترك الإسلام.
٤ - أكيدر حاكم دومة الجندل أسلم في السنة التاسعة للهجرة.
٥ - ذو الكلاع الحميري، وكان حاكما على بعض مناطق اليمن والطائف وكان ملكا على قبيلة حمير القوية، وكان يدعى أنه إله، ويأمر الناس بالسجود له، ولما أسلم اعتق في يوم واحد ثمانية عشر ألفا من العبيد، وفي عهد عمر الفاروق تخلى من نفسه عن الحكم وقدم إلى المدينة المنورة حيث عاش فيها حياة كلها زهد وتقوى.
стр. 148
الباب الثالث
يمكن التعرف على الطريقة المثلى لنشر الإسلام في العهد النبوي من خلال الاطلاع على بساطة هذه الطريقة ومن خلال التعرف على الوفود التي كانت تصل إلى النبي ﷺ من حين لآخر.
إن قدوم الوفود وعودتها، والاتصال بمختلف الأمم والقبائل في كل مرحلة وإبلاع دعوة الإسلام إلى الناس، كل هذا كان يتم بأسلوب رائع وحسن، كما أن الحروب الدفاعية التي اضطر رسول الله ﷺ للاشتراك فيها كانت في منطقة محدودة من البلاد، أما الوفود التي كانت تصل إليه فكانت تصل من كل صوب ومن كل ناحية من أنحاء البلاد، وكانت ينابيع الإسلام والهداية التي فجرها النبي ﷺ في واد قفر قد جذبت إليها الظمأى من كل صوب، كما أن قدوم الوفود يعد دليلا قويا على عالمية الدعوة وذلك بعد أن أرسل النبي ﷺ سفراءه إلى الحكام والملوك في مختلف البلاد.
وأذكر هنا أسماء القبائل التي أرسلت وفودها إلى النبى ﷺ تاركا أسماء تلك القبائل التي أتت لأغراض سياسية أو لتحقيق فائدة ذاتية:
دوس، صدا، ثقيف، عبد القيس، بني حنيفة، طي، الأشعريون، الأزد، وفروة الجذامي، همدان، طارق بن عبد الله، تجيب، بنو سعد، هذيم، بنو أسد، بهراء، عذرة، خولان، محارب، غسان، بنو الحارث، بنو عيش، غامد، بنو فزارة، سلامان، نجران ونخع.
وفيما يلي نذكر باختصار أحوال وفود القبائل سابقة الذكر:
وفد بني دوس:
سبق الحديث عن إسلام طفيل بن عمرو الدوسي، بعد قبوله الإسلام وحين استعد للعودة إلى موطنه قال للنبي ﷺ : ادع الله لي حتى يسلموا، فدعا النبي ﷺ بأن يجعل الله لطفيل آية، فوصل طفيل إلى بيته فأتاه أبوه الشيخ الكبير فقال لطفيل: يا أبت لست مني ولست منك، قال الشيخ: لماذا؟ قال طفيل: لقد جئتك بعد أن أسلمت وتبعت دين
стр. 149
محمد. فقال الشيخ، أنا على ما أنت عليه فديني هو دينك. فقال طفيل: إذن اذهب واغتسل وطهر ثيابك ثم تعال أعلمك الإسلام.
ثم جاءت زوج طفيل، فقال لها ما قاله لأبيه، فأسلمت ثم بدأ الدعوة إلى الإسلام، إلا أن أهل القبيلة لم يسلموا.
فحضر طفيل إلى النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الزنا فلم يسلموا، فادع لهم فدعا النبي ﷺ وقال: "اللهم اهد دوسا" ثم رجع دوس إلى قومه.
إرشادات هامة للدعوة إلى الإسلام:
قال النبي لطفيل وارجع وادع قومك إلى دين الله، وارفق بهم، وفي هذه المرة نجح طفيل نجاحا كبيرا، وفي السنة الخامسة للهجرة أخذ معه إلى المدينة سبعين أو ثمانين أسرة أسلمت فعرف أن النبي ﷺ في خيبر، فوصل إلى خيبر فكان له شرف المشاركة، وشرف جميع من معه برؤية النبي ﷺ في خيبر، وكان ابن عم النبي ﷺ قد وصل من الحبشة مع تلك القبائل الحبشية التي أسلمت، إلى خيبر أيضا.
وكان لوصول جعفر ﵁ من الحبشة ومعه من أسلم من هناك وحضور طفيل بن عمرو من اليمن ومعه من أسلم من قبيلة دوس، إلى خيبر إيذانا من الله تعالى لليهود بأن تعاليم النبي ﷺ التي تفتح قلاع القلوب في البلاد البعيدة لا يعقل معارضتها اعتمادا على قلاع الحجارة والطوب.
وفد صداء:
قدم هذا الوفد إلى النبي ﷺ في السنة الثامنة للهجرة، جاء في البداية شخص يدعى زياد بن الحارث الصدائي، ثم قدم بعد ذلك في خمسة عشر رجلا من رؤساء القوم، فاستضافهم سعد بن عبادة، وبعد عودة هؤلاء انتشر الإسلام في قبيلتهم.
قال زياد للنبي ﷺ : إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، وإذا كان الصيف قل علينا، ولهذا يتفرق القوم بحثا عن الماء وقبيلتنا أسلمت حديثا ونحتاج إلى المزيد من التربية والتعليم فادع لنا الله في بئرنا.
فقال النبي ﷺ ناولني سبع حصيات، فناوله زياد سبع حصيات فعركهن في يده
стр. 150
ودفعهن إلى وقال: إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة حصاة وسم الله، فقال زياد: ففعلت فما أدركنا لها قعرا حتى الساعة.
وفد ثقيف:
أول من جاء إلى النبي ﷺ من ثقيف لتعلم الإسلام كان عروة بن مسعود الثقفي، وهو رئيس قومه، وكان قد قدم سفيرا لقريش إلى رسول الله في صلح الحديبية. وبعد غزوة هوازن وثقيف وبتوفيق من الله حضر إلى المدينة وأسلم، وكان في بيت عروة عشر زوجات فأمره النبي ﷺ أن يمسك منهن أربعا (١) ويطلق الأخريات ففعل (٢).
стр. 151
وحين تعلم عروة ﵁ الإسلام طلب من رسول الله أن يسمح له بالذهاب إلى قومه ليكون داعية للإسلام فيهم، فقال النبي ﷺ : إن قومك قاتلوك فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم، فقدم قومه وبدأ يدعوهم إلى الإسلام، وفي يوم كان يصلي على سطح بيته فإذا بشقي يرميه بسهم فيقتله.
ومع أن الفرصة لم تسنح لعروة للاستمرار في الدعوة إلا أن النداء الذي أوصله إلى آذان قومه لم يمض دون أن يترك أثره على قلوبهم، فلم تمض فترة بسيطة حتى انتخب القوم بعض رؤسائهم وأرسلوهم إلى النبي ﷺ حتى يتعلموا الإسلام جيدا.
وصل الوفد في السنة التاسعة من الهجرة إلى النبي ﷺ وكان على رأس الوفد عبد ياليل بن عمرو بن عمير وهو الذي كان قد ذهب إليه النبي ﷺ في جبل الطائف في السنة العاشرة للنبوة لتفهيمه الإسلام فأبى وسلط عليه الصبية وأشرار الناس وأوباشهم يضحكون عليه ويهزأون منه، وهو الذي أشار عليهم بإلقاء الحجارة والوحل على النبي ﷺ .
وكان النبي طهبهد قد قال وهو في طريق عودته من هناك: إني لا أدعو عليهم بالهلاك
стр. 152
فإنهم لو لم يسلموا فإن الله تعالى يكرم نسلهم بالإيمان، والآن يأتي نفس أعداء الإسلام بأنفسهم ليوجدوا في قلوبهم مكانا للإسلام، ويأتون إلى النبي ﷺ والشوق ملء قلوبهم والرغبة ملء أرواحهم.
وطلب المغيرة بن شعبة من النبي ﷺ أن يستضيف أهل ثقيف فهم قومه فقال النبي ﷺ :
"لا أمنعك أن تكرم قومك ولكن أنزلهم حيث يسمعون القرآن".
وهكذا أقام لهم خيمة في ناحية من صحن المسجد، حيث أمكنهم سماع القرآن الكريم ورؤية الناس يصلون فأثر صدق الإسلام في قلوبهم وبايعوا النبي ﷺ على الإسلام، وكانوا قد طلبوا قبل البيعة أن يسمح لهم بترك الصلاة، فقال النبي ﷺ "لا خير في دين ليس فيه ركوع" ثم طلبوا إعفاءهم من الجهاد والزكاة فأعفاهم النبي ﷺ .
وقال لأصحابه سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا (١).
وتكلم رئيسهم عبد ياليل مع النبي ﷺ في أوقات مختلفة عن القضايا التالية:
١ - سأل النبي عن الزنا وقال: نحن قوم نغترب ولابد لنا منه (أي من الزنا) فقال النبي ﷺ ، الزنا حرام وقد أصدر الله حكما في القرآن الكريم: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ (الإسراء: ٣٢).
٢ - ثم سأل النبي عن الربا وقال، نحن لا نأخذ فيه إلا مالنا، فقال النبي ﷺ : لكم رؤوس أموالكم، فقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ (البقرة: ٢٧٨).
٣ - ثم سأل النبي ﷺ عن الخمر قائلا إنها عصير بلادنا ولا نستطيع أن نعيش بغيرها،
стр. 153
فقال النبي ﷺ : إن الله قد حرم الخمر، يقول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (المائدة: ٩٥).
وفي اليوم التالي جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الربة (وهي مؤنث رب وكان صنما يعبد) فقال ﷺ : أهدمها.
فقال الوفد الذين معه، هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها، لقتلتنا جميعا.
قال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد ياليل، ألا تفهم أنها حجر.
فنهض ابن عبد ياليل وقال: إنا لم نأتك يا عمر، ثم قال لرسول الله ﷺ : ليتولى الرسل هدمها لأننا لن نهدمها أبدا - فقال رسول الله ﷺ سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها.
وقال أحدهم، أرسله بعد انصرافنا ولا يذهب معنا (١).
وأسلم كل من حضر في الوفد، وعادوا إلى وطنهم، وفي طريق العودة رأوا أن يعينوا لأنفسهم إماما من بينهم فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان أصغرهم عمرا، كما أنه كان يدرس القرآن الكريم وأحكام الشريعة سرا منذ فترة، فكان يتعلم من النبي حينا ومن أبي بكر الصديق حينا آخر، وقد عينه النبي ﷺ إماما لهم.
وفي الطريق تشاور الوفد ورأو إخفاء إسلامهم إذ يجب أن يصاب القوم باليأس أولا، فلما وصلوا إلى وطنهم، سألهم القوم: ما وراءكم؟
فقال الوفد: إننا جئنا من عند رجل لا يعرف إلا إصدار الأحكام ولم نر له مثيلا في ذلك فهو مثلا يأمر بهدم اللات والعزى، ويحرم الربا، والخمر والزنا.
فأقسم القوم وقالوا، لسنا على استعداد لقبول هذه الأمور.
فقال الوفد، إذن أعدوا سلاحكم وتأهبوا للقتال، ورمموا قلاعكم، فمكثت ثقيف على هذا يومين أو ثلاثة، وفي اليوم التالي بدأت ثقيف تقول: هل سيمكننا قتال محمد؟
стр. 154
إن العرب جميعهم دخلوا في طاعته، ثم قالوا للوفد: اذهبوا ووافقوا على ما يقول.
قال الوفد: سنخبركم بالحقيقة، لقد وجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه.
فقال القوم: لماذا أخفيتم عنا هذا السر؟
قال الوفد، أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان.
وبعدها أسلم هؤلاء القوم، وبعد عدة أيام قدم إليهم رسل رسول الله ﷺ تحت إمرة خالد بن الوليد، فأرادوا أن يبدأوا أولا بهدم اللات. فخرج جميع رجال ونساء وشيوخ وأطفال ثقيف ممن ظنوا أنها مستعصية، حتى العواتق من الحجال خرجن أيضا لمشاهدة هذا الحدث، فضرب المغيرة سهما لهدمها، وسقط على الأرض من شدته (١)، فصاحت ثقيف بعد أن رأت هذا وقالت أبعد الله المغيرة وقتلته الربة (٢) وقالوا وهم مسرورون، فلتحاول ولكن لن تستطيع هدمها".
فغضب المغيرة بن شعبة وقال، يا أهل ثقيف، ما أجهلكم ما هي إلا قطع من حجارة وماذا عساها فاعلة؟ فأقبلوا عافية الله واعبدوه.
ثم ضرب الباب فكسره ثم علا سورها وبدأ في هدمه وعلا معه بقية المسلمين وهدموا اللات حجرا حجرا، فقال سدنة المعبد، لابد أن الأساس سيخسف بهم، فلما سمع المغيرة هذا حفر الأساس جميعه وهكذا رسخ أساس الإسلام في قلوب هؤلاء القوم.
وفد عبد القيس:
قدم وفد قبيلة عبد القيس إلى النبي ﷺ ، فسألهم: ممن القوم؟ فقالوا من ربيعة، فرحب بهم النبي - فقالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل، نأخذ به ونأمر من وراءنا.
فقال رسول الله ﷺ آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع آمركم بالإيمان بالله وحده، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم
стр. 155
رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم. وأنهاكم عن أربع:
الدباء والحنتم والنقير والمزفت (١). فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم.
فقالوا: يا رسول الله ما علمك بالنقير؟ فقال بلى، جذع تنقرونه ثم تلقون فيه من التمر ثم تصبون عليه الماء حتى يفور فإذا سكن شربتموه فعسى أحدكم (وهو سكران) أن يضرب ابن عمه بالسيف (٢) وكان في هذا الوفد رجل قتل ابن عمه وهو سكران من شرب النقير.
فسأل هؤلاء الناس النبي ﷺ ، ففيم نشرب يا رسول الله، فقال: اشربوا في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها، قالوا يا رسول الله. إن أرضنا كثيرة الجرذان لهذا لا تبقى فيها أسقية الأدم سالمة، فقال النبي ﷺ وإن أكلها الجرذان.
وقدم مع هذا الوفد أيضا الجارود بن بشر بن المعلى، وكان نصرانيا فقال يا رسول الله، إني الآن على دين، وإني تارك ديني إلى دينك، فهل تضمن لي بما فيه؟ قال: نعم أنا ضامن لذلك لأن الدين الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت فيه، فأسلم الجارود وأسلم من معه من النصارى أيضا (٣).
وفد بني حنيفة:
قدم وفد بني حنيفة إلى النبي ﷺ وكان الإسلام قد انتشر في بلادهم بجهود ثمامة ابن أثال (٤). وأسلم الوفد بعد قدومه إلى المدينة، وكان مسيلمة الكذاب مع الوفد، فبعد أن وصل إلى المدينة راح يقول للناس: إن جعل لي محمد الأمر من بعده بايعته، فسمع النبي ﷺ بهذا وكان بيده قطعة من جريد النخل فقال: لا أقبل بيعتك حتى لو سألتني هذه
стр. 156
القطعة. ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني أراك الذي أريت فيما رأيت ... أي فيما رأيت في منامي: في يدي سوارين من ذهب فأوهمني شأنهما، فأوحى إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي، فهذان هما، أحدهما مسيلمة صاحب اليمامة والآخر العنسي صاحب صنعاء (١).
ومع أن مسيلمة الكذاب ادعى الرسالة إلا أنه كان يعترف بالنبي ﷺ ولعل هذا في الغالب كان السبب الذي جعل مسلمي تلك المنطقة لم يقفوا ضده.
وفي السنة العاشرة للهجرة جرت مراسلات بين مسيلمة الكذاب والنبي ﷺ ، كتب مسيلمة:
من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشا لا ينصفون والسلام عليكم.
فكتب له النبي ﷺ :
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين والسلام على من اتبع الهدى".
وكان رسول الله ﷺ قد أرسل حبيب بن زيد بن عاصم وعبد الله بن وهب الأسلمي إلى مسيلمة الكذاب فقام بقطع يدي حبيب ورجليه (٢).
وفد طي:
حضر إلى النبي ﷺ وفد قبيلة طي برئاسة زعيمهم زيد الخيل، وقد قال النبي ﷺ : ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، ثم سماه زيد الخير، ولابد أن هؤلاء الناس أسلموا بعد نقاشهم مع النبي ﷺ (٣).
стр. 157
وفد الأشعريين:
حضر وفد قبيلة الأشعريين وهم من أهل اليمن، وقال النبي ﷺ عند مقدمهم، جاء أهل اليمن وهم أرق أفئدة وأضعف قلوبا، والإيمان يمان والحكمة يمانية، والسكينة في أهل الغنم والفخر والخيلاء في أهل الوبر قبل المشرق. ولما دخلوا المدينة جعلوا ينشدون:
غدا نلاقي الأحبة ... محمدا وحزبه
وفد الأزد:
تضمن هذا الوفد سبعة من الأزد، حضروا إلى النبي فأعجبه ما رأى من سمتهم وزيهم.
فقال من أنتم، فقالوا نحن مؤمنون، فقال النبي ﷺ لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم، فقالوا: خمس عشرة خصلة.
خمس منها أمرتنا رسلك بأن نؤمن بها
وخمس أمرتنا أن نعمل بها
وخمس نحن عليها من قبل.
والخمس التي أمرتنا رسلك باتباعها هي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت.
والخمس التي أمرتنا أن نعمل بها هي القول بلا إله إلا الله وأن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، والخمس التي نحن عليها من قبل هي الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، والرضا بالقضاء، والصدق في مواطن البلاء، وترك الشماتة بالأعداء.
فقال رسول الله ﷺ :
"حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء".
стр. 158
ثم قال وأنا أمدكم خمسا فيتم لكم عشرون خصلة:
- فلا تجمعوا ما لا تأكلون.
- ولا تبنوا ما لا تسكنون.
- ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون.
- واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون
- وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون
وعمل هؤلاء القوم بوصية النبي ﷺ .
ذكر قدوم فروة بن عمرو الجذامي:
كان فروه بن عمرو حاكم منطقة العرب الشمالية كلها التي كانت تحت سيطرة إمبراطورية القسطنطينية وكانت عاصمته معان، وكان تحت إمرته أيضا المنطقة المتاخمة لفلسطين بعث إليه النبي ﷺ برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، فأسلم فروة، وأرسل للنبي ﷺ بغلة بيضاء ثمينة.
وحين علم صاحب القسطنطينية بإسلامه عزله من الحكم وطلب منه ترك الإسلام، فرفض فروة فحبسوه ورأوا أن يصلبوه، وصلب على حوض يقال له عفراء بفلسطين، وحين وصل إلى مكان الصلب أنشد يقول:
ألا هل أتى سلمى بأن خليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها ... مشذبة أطرافها بالمناجل (١)
ويقال إنه أنشد أيضا قبل أن تفارقه الروح هذا الشعر:
بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقاصي
وفد همدان:
كانت هذه القبيلة تسكن اليمن وقد بعث إليهم النبي خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام، فأقام بينهم، ولم يسلموا، فأمر النبي ﷺ عليا ﵁ بتبليغ الإسلام
стр. 159
في تلك القبيلة فكان أن أسلمت القبيلة كلها، وحين قرأ النبي خطاب علي ﵁ خر ساجدا لله شكرا وقال: السلام على همدان. وتضمن وفد همدان أولئك الذين أسلموا على يد علي ﵁، وتشرفوا برؤية النبي ﷺ .
وقد أنشد مالك بن نمط هذا الشعر في حضرة النبي ﷺ .
إليك جاوزن سواد الريف ... في هبوات الصيف والخريف
... مخطمات بحبال الليف ...
وفد طارق بن عبد الله:
قال طارق بن عبد الله: كنت واقفا بسوق المجاز إذ أقبل رجل وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا - ورجل يتبعه يرميه بالحجارة ويقول: يا أيها الناس لا تصدقوه فإنه كذاب.
فقلت من هذا فقالوا: هذا من بني هاشم يزعم أنه رسول الله، وهذا عمه عبد العزى (وكان اسم أبي لهب عبد العزى) (١).
يقول طارق، وبعدها مرت سنوات، وهاجر النبي إلى المدينة في ذلك الوقت ذهب بعض من قومنا وأنا منهم إلى المدينة حتى نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها ونخلها، نزلنا مكانا نغير فيه ملابس السفر ولم نكد نستعد لدخول المدينة حتى قدم رجل في طمرين له فسلم وقال من أين القوم؟ قلنا من الربذة، فسألنا عن سبب قدومنا، قلنا لشراء التمر.
وكان معنا جمل أحمر مخطوم، فقال الرجل: أتبيعون هذا الجمل؟ فقلنا نعم بكذا وكذا صاعا من تمر، فما استوضعنا مما قلنا شيئا وأخذ بخطام الجمل فانطلق، وحين وصل إلى داخل المدينة فبدأنا النقاش فيما بيننا وقال الناس، والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا له ثمنا فقالت المرأة التي معنا في الهودج (امرأة رئيس القوم) لقد رأيت رجلا كأنه شقة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم، فبينما نحن نتكلم إذ أقبل رجل
стр. 160
وقال أنا رسول الله إليكم، أرسلت لكم بتمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، ودخلنا المدينة فإذا بالرجل قائم على المنبر يخطب الناس، فأدركنا من خطبته قوله "تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك".
وفد تجيب:
قدم ثلاث عشرة رجلا من قبيلة تجيب، حاملين معهم صدقات أموال ومواشي قومهم. فقال رسول الله ﷺ : ردوها فاقسموها على فقرائكم، فقالوا ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا.
فقال أبو بكر: ما وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب.
فقال رسول الله ﷺ : إن الهدى بيد الله فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان.
وسأل هؤلاء الناس رسول الله أشياء فكتب لهم بها (١) وكان هؤلاء الناس راغبين بشدة في تعلم القرآن والسنن فأمر رسول الله بلالا بأن يحسن ضيافتهم.
وأظهر القوم رغبة شديدة في العودة، فسألهم الصحابة: ما يعجبكم البقاء بيننا؟ فقالوا: بل نريد أن نرجع لمن وراءنا، فنخبرهم بتشرفنا برؤية رسول الله ﷺ وما نلناه من فيض كلامه، وما شرفنا به من بركات وفوائد.
فأجازهم رسول الله ﷺ بأرفع ما كان يجيز به الوفود وودعهم وسألهم هل بقي منكم أحد، فقالوا، نعم، صبي خلفناه على رحالنا، فقال أرسلوا إليه فحضر وقال: يا رسول الله، لقد قضيت حوائج قومي فاقض حاجتي.
فقال النبي ﷺ وما حاجتك؟
قال الصبي: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، ولو أني أعرف أنهم قدموا راغبين في الإسلام وأحضروا صدقاتهم.
وسأله النبي عما يريد، فقال:
стр. 161
والله ما تركت بيتي وجئت هنا إلا لتسأل الله أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي، فدعا له النبي ﷺ .
وفي السنة العاشرة للهجرة حين ذهب النبي ﷺ التقى هؤلاء القوم بالنبي ﷺ فسألهم عن أمر الغلام فقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها (١).
وفد بني سعد هذيم:
قبيلة بني سعد فرع من قضاعة، حين وصلوا إلى المسجد النبوي وجدوا النبي ﷺ يصلي على جنازة، فقرروا فيما بينهم أن يقيموا في ناحية من المسجد لأنه لا ينبغي أن يعملوا شيئا سوى لقاء النبي ﷺ ، وحين انصرف النبي ﷺ ناداهم وسألهم، أمسلمون أنتم؟ قالوا نعم، فقال: فهلا صليتم على أخيكم؟ فقالوا، لقد اعتقدنا أنه لا يجوز لنا أن نفعل شيئا حتى نبايعك. فقال:
أينما أسلمتم فأنتم مسلمون.
وبينما هم كذلك إذ أتى أصغرهم الذي تركوه على رحالهم، فقال الوفد، يا رسول الله هذا أصغرنا ولهذا فهو خادمنا، قال النبي نعم، أصغر القوم خادمهم بارك الله فيه، فكان من بركة هذا الدعاء أن صار خيرهم وإمامهم وأقرأهم للقرآن.
وحين رجع هؤلاء الناس إلى قومهم انتشر الإسلام في القبيلة كلها (٢).
وفد بني أسد:
تضمن وفد بني أسد عشرة رجال كان من بينهم وابصة بن معبد وطلحة بن خويلد، قدموا إلى رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه في المسجد فقال أحدهم:
يا رسول الله، لقد جئنا إليك بأنفسنا ولم تبعث إلينا أحدا، فأنزل الله على رسوله:
стр. 162
﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ (الحجرات: ١٧).
ثم سأل هؤلاء الناس رسول الله ﷺ عن العيافة والكهانه وضرب الحصى وغيرها، فنهاهم رسول الله عن ذلك كله، فقالوا: يا رسول الله أرأيت خصلة بقيت؟ قال وما هي: قالوا الخط (أي الرمل) قال، علمه الناس نبي من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم فهو بلا شك علم.
وفد بهراء:
قدم هؤلاء القوم إلى المدينة، فأناخوا رواحلهم أمام بيت المقداد ﵁ فهيأ لهم الطعام وحمله إليهم ورحب بهم، وضع أمامهم المقداد جفنة من حيس، وبعث المقداد بعض هذا الطعام للنبي ﷺ فأصاب منها رسول الله ﷺ ، ثم ردها إلى المقداد (١) فأكل منها الضيوف ما أقاموا، فتحير القوم وقالوا: "إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر عليه كل يوم وقد ذكر لنا أن الطعام في بلادكم هو العلقة أو نحوه".
فأخبرهم المقداد أن هذا من بركة أصابع النبي ﷺ فقد أكل منها النبي ﷺ وردها، فقال القوم بعد أن سمعوا هذا الكلام: نشهد أنه رسول الله ﷺ وازدادوا إيمانا ويقينا. أقام الوفد بالمدينة فترة فتعلموا القرآن الكريم وأحكام الإسلام ثم رجعوا.
وفد عذرة:
في شهر صفر من السنة التاسعة للهجرة حضر وفد عذرة المكون من تسع عشرة رجل وكان فيهم جمرة بن النعمان، فسأل النبي ﷺ : من القوم؟ فقالوا نحن بنو عذرة إخوة قصي (لأمه) نحن الذين عضدوا قصيا، وأزاحوا من مكة خزاعة وبني بكر، ولهذا فلنا قرابات وأرحام. فقال النبي ﷺ : مرحبا بكم وأهلا.
وقد بشرهم النبي ﷺ بفتح الشام وهروب هرقل، ثم نهاهم النبي ﷺ عن سؤال الكهنة وعن القرابين التي كانوا يقدمونها، وأن ما عليهم إلا أضحية عيد الأضحى، وأقام
стр. 163
الوفد أياما في المدينة المنورة ثم انصرفوا بعد أن شرفوا بالجوائز والهدايا (١).
وفد خولان:
ضم وفد خولان عشرة أشخاص قدموا إلى النبي ﷺ في شهر شعبان سنة عشر للهجرة.
فقالوا، نحن على من وراءنا من قومنا ونحن مؤمنون بالله ورسوله، قطعنا إليك سفرا طويلا ونحن نقر بأن المنة لله ولرسوله علينا، وقد حضرنا لك زائرين.
فقال رسول الله ﷺ : "من زارني في المدينة كان في جواري يوم القيامة".
ثم سألهم النبي ﷺ ، عما فعل "عم أنس" (وهو صنم كانت خولان تعبده) فقالوا، شكرا لله ألف شكر فقد بدلنا ما جئت به وقد بقيت منا بقايا من شيخ هرم وعجوز، متمسكون به، وإن شاء الله إنا لهادموه، فقد كنا منه في غرور وفتنة.
قال رسول الله ﷺ : "وما أعظم ما رأيتم من فتنة؟ "!
قالوا: كنا جمعنا مائة ثور ونحرناها لعم أنس ذات يوم، وتركناها للسباع، ونحن أحوج إليها من السباع، وقالوا أنهم كانوا يقسمون لعم أنس من أنعامهم وزرعهم، وقالوا: "كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه ونسمي زرعا آخر حجرة لله، فإذا مالت الريح فالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس أما الذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله".
وقد علمهم الرسول ﷺ فرائض الدين وخاصة الوفاء بالعهد وأداء الأمانة وحسن الجوار، وأن لا يظلموا أحدا.
وأخبرهم أن الظلم ظلمات يوم القيامة (٢).
وفد محارب:
ضم وفد محارب عشرة أشخاص قدموا إلى رسول الله نيابة عن قومهم في السنة العاشرة للهجرة وتولى ضيافتهم بلال فكان يأتيهم بالطعام صباحا ومساء وفي يوم جلسوا مع النبي ﷺ ، من الظهر حتى العصر. وكان من بينهم رجل أطال الرسول النظر إليه
стр. 164
وسأله، كأني رأيتك، فقال ذلك الرجل: أي والله لقد رأيتني وكلمتني. وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد بعكاظ، وأنت تطوف على الناس - فقال النبي ﷺ : نعم.
فقال ذلك الرجل: يا رسول الله ما كان في أصحابي أشد عليك يومئذ، ولا أبعد عن الإسلام مني، وقد ماتوا على دين آبائهم، وإني لأحمد الله الذي أبقاني حتى صدقت بك وآمنت.
فقال رسول الله: إن هذه القلوب بيد الله فقال ذلك الشخص: يا رسول الله استغفر لي من مراجعتي إياك، فقال رسول الله ﷺ ، إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر.
وفد غسان:
قدم ثلاثة رجال من غسان وذلك في شهر رمضان في السنة العاشرة من الهجرة، فأسلموا ورجعوا للدعوة في قومهم، إلا أنهم لم يوفقوا في نشر الإسلام، ومات منهم اثنان وبقي واحد منهم على قيد الحياة حتى عام اليرموك فالتقى بأبي عبيدة الجراح.
وفد بني الحارث:
قدم هذا الوفد على النبي ﷺ في شوال في السنة العاشرة للهجرة، وكان خالد بن الوليد قد أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم هؤلاء، وكتب خالد بن الوليد إلى رسول الله بذلك وبقي فيهم يعلمهم الإسلام، فطلب منه رسول الله ﷺ أن يعود ومعه وفد من هؤلاء القوم، وتضمن الوفد قيس بن الحصن وعبد الله بن قراد وغيرهما (١).
فقال لهم النبي ﷺ : بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: يا رسول الله لم نكن نغلب أحدا إذا ما اجتمعنا للقتال لا نتفرق، ولا يبدأ أحد بالظلم فقال النبي ﷺ صدقتم.
وفد بني عبس:
قدم هذا الوفد على رسول الله قبل وفاته بأكثر من أربعة أشهر، وكان هذا الوفد من أهل نجران قدموا إلى النبي بعد أن أسلموا، فقالوا: يا رسول الله: سمعنا من دعاة
стр. 165
الإسلام أن النبي ﷺ يقول: "لا إسلام لمن لا هجرة له" ولنا أموال ومواشي وهي معايشنا فإذا كان الأمر كذلك فلا خير في أموالنا ومواشينا، ومن الأفضل أن نبيعها ونهاجر عن آخرنا.
فقال النبي ﷺ : اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم الله من أعمالكم شيئا (١).
وقد أخبر النبي ﷺ بهذا الجواب على أنه اجتماع المسلمين كلهم في "مركز الإسلام" وتضييقهم بذلك أرض الإسلام أمر غير مناسب، بل من الأفضل أن ينتشر المسلمون في البلاد البعيدة ويجب عليهم أن يعملوا على نشر دعوة الإسلام.
والذين يتركون الآن بلادهم ويهاجرون إلي البلاد الإسلامية ويقيمون فيها، عليهم أن يتذكروا أن هذا يتعارض مع التعليم النبوي ويخالف مقتضى الدين الحنيف.
وفد غامد:
قدم هذا الوفد في السنة العاشرة للهجرة وكان يتكون من عشرة رجال، نزلوا خارج المدينة، فأبقوا على صبي مع رحالهم وحضروا إلى النبي ﷺ ، فسألهم النبي ﷺ من خلفتم على رحالكم؟ فقالوا، خلفنا صبيا، قال النبي ﷺ : لقد نام فأتى شخص فأخذ عيبة أحدكم، فقال شخص: هي لي يا رسول الله، فقال النبي. لا تقلق لقد استيقظ الصبي وجرى خلف اللص ومتاعكم كله سالم. وحين عاد القوم من عند النبي ﷺ ، قص لهم الصبي ما حدث، فكان مثلما أخبرهم النبي ﷺ أسلم القوم من فورهم، وأمر عليهم النبي ﷺ أبي بن كعب ليحفظهم القرآن الكريم ويعلمهم شرائع الإسلام، وحين رجع الوفد كتب لهم شرائع الإسلام في رقعة (٢).
وفد بني فزارة:
حين رجع رسول الله ﷺ من تبوك قدم عليه وفد من فزارة ضم ما بين عشرة وخمس عشرة رجلا، كانوا قد أسلموا، وكان من بين مطيهم جملا هزيلا ضعيفا، فسألهم الرسول ﷺ عن حال بلادهم، فقال أحدهم، يا رسول الله أسنت بلادنا، وهلكت مواشينا وجفت بساتيننا ومات أطفالنا جوعا، فادع لنا ربك يغيثنا واشفع لنا إلى ربك وليشفع لنا ربك إليك.
стр. 166
فقال رسول الله ﷺ سبحان الله، وبيده هذا إنما شفعت إلى ربي ، فمن الذي يشفع ربنا إليه: لا إله إلا هو العظيم وسع كرسيه السماوات والأرض.
ثم دعا النبي ﷺ لهؤلاء القوم بالمطر ومما حفظ من دعائه.
"اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء".
وفد سلامان:
ضم هذا الوفد سبع عشرة شخصا قدموا إلى رسول الله ﷺ في شوال سنة ١٠ هـ وكان فيهم حبيب بن عمرو، فسأل رسول الله ﷺ عن أي الأعمال أفضل فقال: الصلاة في وقتها، ثم شكوا إليه جدب بلادهم، وطلبوا أن يدعو الرسول لهم، فقال رسول الله ﷺ اللهم اسقهم الغيث في دارهم.
فقال حبيب: يا رسول الله، ارفع يديك وادع، فتبسم رسول الله ﷺ ورفع يديه ودعا.
وحين عاد الوفد إلى بلاده عرفنا أن المطر قد نزل في ذلك اليوم الذي دعا فيه الرسول ﷺ (١).
وفد نجران:
يفهم من تدبر الأحاديث التي وردت تحت عنوان "وفد نجران" أن رؤساء نصارى نجران حضروا إلى النبي ﷺ مرتين، ونورد هنا هذا الأمر بالترتيب.
في رواية أبي عبد الله الحاكم عن يونس بن بكير، أن النبي ﷺ كتب إلى أهل نجران كتابا يدعوهم فيه إلى الإسلام، وحين قرأ الأسقف الكتاب ذعر ذعرا شديدا، وارتعد، فاستدعى على الفور شرحبيل بن وداعة وكان من قبيلة همدان، وما كان ليتخذ رأيا في موضوع هام دون أخذ رأيه.
دفع الأسقف إليه الكتاب فقرأه.
стр. 167
ثم قال الأسقف، يا أبا مريم أخبرنا ما رأيك؟
فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية (١) إسماعيل من النبوة، فيمكن أن يكودن هذا هو ذلك الرجل، لا يمكن أن يكون لي في النبوة رأي، لو كان الأمر من أمور الدنيا لأمكنني أن أنظر فيه وأقول فيه رأي.
قال الأسقف، حسشا تفضل بالجلوس.
ثم بعث الأسقف إلى شخص آخر يدعى عبد الله بن شرحبيل من قوم حمير، فأراه كتاب النبي وسأله عن رأيه فأجابه يمثل ما أجاب به شرحبيل، ثم بعث الأسقف إلى جبار ابن فيض بن الحارث بن كعب، فأراه الكتاب وسأله الرأي، فأجاب بما أجاب به من قبله.
وحين رأى الأسقف أن أحدا منهم لا يعطيه الجواب الشافي أمر بضرب الناقوس، ورفع المسوح عن الكنيسة، وقد كان هذا دستورهم إذا ما ألم بهم خطب عظيم، يضرب الناقوس وترفع المسوح في النهار وفي الليل يضرب الناقوس وترفع النيران على الجبال. وكانت هذه الكنيسة تشرف على ثلاث وسبعين قرية تضم أكثر من مائة وعشرين ألف مقاتل. وطول الوادي بقسميه الأعلى والأسفل مسيرة يوم لفارس.
وحين اجتمع أهل المنطقة، وكانوا كلهم من النصارى، قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، وسألهم الرأي والمشورة، فرأوا أن يرسلوا شرحبيل بن وداعة الهمداني،
стр. 168
وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بتفصيل الأخبار.
وصل هؤلاء الناس إلى المدينة، وبقوا عند النبي ﷺ عدة أيام، سألوه ماذا يقول في عيسى ﵇ فنزلت الآيات الكريمة:
﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من المترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ (آل عمران: ٥٩ - ٦١).
وقد نادى النبي ﷺ الحسن والحسين بعد نزول هذه الآيات وفاطمة سيدة نساء العالمين تمشي عند ظهره وذلك للمباهلة (١) (...).
فانتحى النصارى جانبا للتشاور، وقال شرحبيل لصاحبيه: ليس من السهل اتخاذ أي رأي في هذا الشخص، ولو اجتمع الوادي أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، فإن كان هذا الرجل ملكا فلا تصح مباهلته .. ولو كان نبيا مرسلا فلاعناه فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك، ولهذا أرى أن نقبل حكمه ونترك له تحديد مبلغ الجزية. واتفق صاحباه معه في الرأي فلقي شرحبيل رسول الله وأخبره بأنه من الأفضل أن يحكم النبي فيهم بحكم آخر خير من المباهلة في الصباح.
وفي اليوم التالي ضرب عليهم النبي ﷺ الجزية وكتب لهم في المعاهدة التي خطها المغيرة وشهد عليها من الصحابة أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف
стр. 169
والأقرع بن حابس الحنظلي.
وننقل هنا فقرة من المعاهدة توضح كيف كان النبي ﷺ رحيما كريما مع النصارى مراعيا لحقوقهم:
"لنجران جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وتبعتهم، وأن لا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير كل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم ريبة، ولا دم جاهلية ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم الجيش ... الخ"
وأخذ هؤلاء المعاهدة وانطلقوا عائدين إلى نجران، وقدم الأسقف وبعض كبار أهل نجران للقائهم على بعد منزل فدفع الوفد إلى الأسقف بكتاب النبي، فأخذ يقرأه وهو يمشي، وإذا بناقة بشر تكبو به (وكان بشر بن معاوية يكنى بأبي علقمة) فتعسر بشر، فقال له الأسقف عند ذلك قد تعست والله نبيا مرسلا، فقال بشر، لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتيه، قال هذا وغير وجهته وانطلق إلى المدينة، وتبعه الأسقف بناقته وراح يقول له: إنما قلت هذا لتبلغ عن العرب مخافة ألن يقولوا إنا أخذنا حمقة أو نخعنا لهذا الرجل بما لم تنخع به العرب ونحن أعزهم وأجمعهم دارا.
فقال بشر لا والله لا أقيلك ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته وهو مول ظهره للأسقف وهو يقول:
إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها
... مخالفا دين النصارى دينها ...
حتى قدم بشر على النبي ﷺ ولم يزل معه حتى استشهد بعد ذلك، ولنرى حكاية بقية الوفد.
حين وصل الوفد نجران سمع أحد رهبان كنيسة نجران القصة كلها وأن نبيا بعث في تهامة، وأنه كتب إلى الأسقف، وأقبل الوفد بالكتاب إلى الأسقف فبينما الأسقف يقرأه وبشر معه كبت ببشر ناقته فتعسه، فشهد الأسقف أنه نبي مرسل فانصرف أبو علقمة نحو المدينة يريد الإسلام، وحاول الأسقف منعه ولم يستطع، فقد بدأ الراهب الذي سكن في أعلى برج الكنيسة لسنوات في الصياح والصراخ أنزلوني وإلا رميت بنفسي فأنزلوه فحمل
стр. 170
الراهب بعض الهدايا وانطلق إلى رسول الله ﷺ . وقدم للنبي القعب والعصا والبرد (الذي ظل محفوظا حتى عهد الخلفاء العباسيين) وأقام الراهب بعد ذلك في المدينة المنورة فترة من الزمن يدرس تعاليم الإسلام، ثم استأذن من رسول الله في العودة إلى قومه على وعد بلقاء آخر، إلا أنه لم يعد حتى قبض رسول الله ﷺ .
وصل الأسقف أبو حارثة بعد هذا الوفد بفترة إلى النبي ﷺ وكان الأسقف أبو حارثة رئيس كنيسة وكان موضع احترام ملك الروم في القسطنطينية وكان أكثر الناس يقدرونه تقديرا خاصا لما له من كرامات تنسب إليه شخصيا كما كان يعد مجتهدا في الدين، حين وصل إلى النبي كان معه الأيهم وهو قاض وحاكم، وكان يلقب بالسيد، وعبد المسيح الملقب بالعاقب، وكان حاكما للمنطقة كلها وكان معهم أربعة وعشرون من الرؤساء المشهورين وضمت القافلة كلها ستين راكبا، وصلوا إلى المسجد النبوي وقت العصر وكان ذلك وقت صلاتهم أو لعله كان يوم الأحد فأذن لهم رسول الله ﷺ بالصلاة في المسجد، فصلوا في الجانب الشرقي من المسجد، وقد أراد بعض المسلمين أن يمنعوهم من الصلاة في المسجد النبوي ولكن النبي منع هؤلاء المسلمين من ذلك.
وكان اليهود أيضا يأتون لرؤيتهم، وكانوا يتباحثون معهم أحيانا، وذات مرة قالت اليهود للنبي ﷺ إن إبراهيم كان يهوديا، وقال هؤلاء النصارى إنه كان نصرانيا، فنزلت في ذلك الآيات التالية ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ... ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ... ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ... إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ (آل عمران: ٦٥ - ٦٨).
ومرة قالت اليهود (بهدف الاعتراض على المسلمين والنصارى): هل تريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟
فقال نصراني من نجران: أخبرنا يا محمد هل تنوي هذا وتدعونا إلى هذه العقيدة؟
فقال النبي ﷺ : معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني.
فأنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمة:
стр. 171
﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾. (آل عمران ٧٩، ٨٠).
وفي رواية محمد بن سعد أن الآيات الثمانين الأولى من سورة آل عمران نزلت في وجود هذا الوفد، وحين هم الوفد بالعودة حصلوا من رسول الله على كتاب ورد فيه صراحة ذكر الكنائس والأساقفة وننقل هنا ما جاء في هذا الكتاب.
"بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد النبي إلى الأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وأهل بيعهم ورقيقهم وملتهم وسوقتهم وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا مما كانوا عليه على ذلك جوار الله ورسوله أبدا ما نصحوا وأصلحوا عليهم غير منقلبين بظالم ولا ظالمين" (كتبه المغيرة بن شعبة) (١).
وقالوا للنبي وقت انصرافهم: أرسل معنا رجلا أمينا نؤدي له الجزية (٢)، فأرسل معهم النبي أبا عبيدة بن الجراح وقال: هو أمين أمتي.
وقد انتشر الإسلام بجهود أبي عبيدة ﵁ في تلك المنطقة (٣).
стр. 172
وفدالنخع:
قدم وفد النخع على النبي ﷺ في نصف المحرم من السنة الحادية عشرة للهجرة، ولم يحضر بعد ذلك أي وفد، وتضمن الوفد مائتي رجل كانوا قد أسلموا على يد معاذ بن جبل ﵁، فنزلوا في بيت الضيافة، وكان من بينهم رجل يدعى زرارة بن عمرو قال للرسول ﷺ : يا رسول الله، إني رأيت في سفري رؤيا عجيبة، قال النبي: وما رأيت؟
قال: رأيت أتانا تركتها في الحي كأنها ولدت جديا أسفع أحوى.
فسأله النبي ﷺ : هل تركت امرأة لك في حملها؟، فقال: نعم.
فقال النبي ﷺ إنها ولدت غلاما وهو ابنك.
فقال زرارة: فما باله أسفع وأحوى؟
فقال النبي ﷺ : أدن مني، وسأله: هل في جسمك برص تكتمه؟ قال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد حتى اليوم.
فقال النبي ﷺ : لقد أثر هذا على الطفل.
وحكى زرارة رؤياه الثانية فقال ورأيت النعمان بن المنذر (١) عليه قرطان مدملجان ومسكتان.
قال النبي ﷺ : ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته.
وقال زرارة، ورأيت عجوزا عليها شعر بعضه أبيض وبعضه أسود وقد خرجت من الأرض.
قال النبي ﷺ تلك البقية الباقية من الدنيا.
قال زرارة: ورأيت نارا ظهرت من الأرض، فحالت بيني وبين ابني، وكانت النار تقول: لظى لظى بصير أو أعمى، أطعموني أنفسكم وأهلكم ومالكم.
قال النبي ﷺ : تلك فتنة آخر الزمان قال زرارة. وكيف ستكون الفتنة؟.
فقال النبي ﷺ : يقتل الناس إمامهم ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس، كما تتخالف
стр. 173
أصابع اليد، يحسب المسيء فيها أنه محسن ويكون دم المؤمن عند المؤمن فيها أحل من شرب الماء.
إن مات ابنك أدركت الفتنة وإن مت أنت أدركها ابنك.
فقال زرارة: يا رسول الله ادع الله أن لا أدركها.
فدعا رسول الله ألا يدركها.
فمات زرارة وبقي ابنه، وكان ممن خلع عثمان ﵁ (١).
стр. 174
الباب الرابع
أهم أحداث العهد المدني (عشر سنوات)
ووفاة النبي ﷺ
•---------------------------------•
لما هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة لم يطب له المقام نظرا لأن أعداء مكة دأبوا على حبك المؤامرات والقيام بالهجمات والحروب ضده مما كان يقلق المسلمين الذين بيعوه ﷺ .
ولأن كاتب هذا الكتاب قد سجل هذه الأحداث بعد الهجرة مباشرة لهذا اختل ترتيب الموضوعات.
وفي هذا الباب أورد ذكر أهم الأحداث التي وقعت أثناء إقامة النبي ﷺ في المدينة، ولضرورة الإيجاز تم اختيار حادثة واحدة على الأقل من كل سنة.
ومطالعة هذا الباب بإمعان توضح للقارئ أمورا كثيرة تتعلق بسيرة النبي ﷺ ، وعلى ضوئها يجب على الأمة أن تصلح من أحوالها وأسلوبها.
بناء المسجد النبوي:
بني المسجد النبوي حيث بركت ناقة النبي ﷺ حين وصل إلى المدينة قادما من مكة، وكان هذا المكان ليتيمين يقوم على تربيتهما أسعد بن زرارة، وكان أسعد قد أقام في هذا المكان قبلا مكانا صغيرا للصلاة، وحين أراد رسول الله ﷺ أن يتخذ هذا المكان مسجدا، رفض الغلامان اليتيمان أن يأخذوا قيمة الأرض، وأرادت قبيلة بني النجار أن يسمح لها بدفع قيمة الأرض، فأبى النبي ﷺ وابتاعه من الغلامين بعشرة دنانير، ودفع الثمن أبو بكر الصديق، ثم سويت الأرض وبنى عليها المسجد، وكان طوله مائة ذراع.
وشارك النبي ﷺ في بناء المسجد فكان يحمل الطين والحجارة ويقول:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة (١)
стр. 175
وكان الصحابة أيضا ينقلون الحجارة ويرتجزون هذا الشعر:
لئن جلسنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
وكان ارتفاع المسجد الذي بنيت جدرانه من الطين اللبن ثلاثة أذرع، وكانت أعمدته جذوع النخيل وسقفه من السعف.
وقال الصحابة ألا نسقفه؟ فقال النبي: لا، هكذا أفضل كعريش موسى (١).
وكان السقف إذا نزل المطر يتقطر منه الماء فيسقط الطين على أرضية المسجد، وكان المسلمون المؤمنون بربهم يسجدون فوق هذا الوحل (٢).
إسلام عبد الله بن سلام (سنة ١ه ـ):
كان عبد الله من أحبار اليهود، يرتبط نسبه بيوسف الصديق، سمع وعظ النبي ﷺ وهو يقول:
(يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام) فثبتت هذه الكلمات في قلبه فأضاء بنور الإيمان وفكر في أحوال النبي فوجد أن أخبار كتب الأنبياء السابقين تنطبق على ذاته المباركة، فحضر إلى النبي، وعرض بعض القضايا الصعبة التي كان يظن أنه لا يستطيع حلها سوى نبي الله وحين سمع الإجابة الصحيحة من النبي ﷺ قال: يا رسول الله لقد جئت مسلما مؤمنا ولكني أريد قبل أن أعلن إسلامي أن تدعو قومي وتسألهم رأيهم عني، فدعا النبي ﷺ أكابر اليهود، واختفى عبد الله بن سلام، فسأل النبي ﷺ القوم، أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ فقالوا:
стр. 176
هو سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا (١)، وعندئذ خرج عليهم عبد الله وهو ينطق بالشهادة. وحين رأى اليهود أنه أسلم قالوا: إنه أجهلنا وابن أجهلنا وأذلنا وابن أذلنا. وبإسلام عبد الله بن سلام هذا الصحابي الجليل، أظهر الله الحجة على اليهود جميعا.
إسلام أبي قيس الراهب الفاضل (سنة ١ه ـ):
بعد إسلام عبد الله بن سلام أعلن أبو قيس صرمة بن أبي أنس إسلامه، وكان نصرانيا راهبا، فصيح اللسان، شاعرا واعظا وعالما باللاهوت وبإسلامه أقام الله الحجة على النصارى جميعا.
الصلاة:
في السنة الأولى للهجرة زيدت ركعتان في الصلاة المفروضة، فأقرت الركعتان في السفر، وجعلت صلاة الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات فرضا وأثناء الإقامة بمكة كانت الصلاة المفروضة ركعتين.
ولو ورد هذا الخاطر على الذهن وهو كيف يصبح المسلم في مكة غريبا لمجرد إسلامه، وكيف أن أقاربه وأحبابه يصبحون غرباء عنه، وكيف كان كل مسلم على استعداد للهجرة من مكة في أي وقت؟ لقيل بأن كل مسلم في مكة كان في حالة سفر دائم وهذا هو السبب الذي من أجله اعتبرهم الله ﵎ مقيمين بعد وصولهم إلى المدينة.
والصلاة هي أول ركن من أركان الإسلام يفرض على المسلم (فيستحب للطفل أن يصلي وهو في السابعة من عمره كما تفرض عليه الصلاة وهو في العاشرة)، وفرضية الصلاة مستمرة وقائمة على الإنسان حتى النهاية أي حتى لحظة الموت، ولا تسقط فرضية الصلاة على المسلم في أي حال من الأحوال، في الصحة أو المرض، في السراء أو الضراء، في السفر أو الحضر، أو في الخوف والخطر، ومهما كان هذا المسلم في بلد استوائي حار أو قطبي بارد، وليس هناك أي عارض من العوارض يسقط الصلاة عن المسلم.
١ - فالمداومة على عبادة الله طوال العمر مظهر لكمال ثبات العقيدة، والمحافظة
стр. 177
على الصلوات الخمس بأوقاتها يوميا يعود المسلم على الالتزام بالمحافظة على الوقت، كما أن تطهير الجسم واللباس والمكان من الأوساخ والنجاسة خير وسيلة إلى صحة الجسم، هذا بالإضافة إلى أن تأدب القلب واللسان والجوارح أمام العظمة الإلهية وجلال الله وكبريائه هو نور مدهش يؤدي إلى التنوير الروحاني.
٢ - وعلى قدر الالتزام بالصلاة تكون مبادرة الإنسان إلى النوم والاستيقاظ، وكأنه يخضع كل هذا إلى جدول زمني محدد، وهذا يعني أن الإسلام يقضي عن طريق الصلاة على أهواء النفس وشهواتها.
٣ - إن حضور المسجد للصلاة، والتزام الجماعة هو روح التمدن والرقي، ومن أظهر الوسائل للاتحاد والانسجام وتبادل الأفكار والآراء فالأمي يسهل عليه أن يتعلم من خلال الأشباه والنظائر، كما يمكن للعالم أن يؤدي واجبه في الدعوة بسهولة ويسر، ويتلقى الغني بوقوفه جنبا إلى جنب في الصلاة درس المساواة، ويرضى الفقير نفسه وروحه بعدالة الإسلام حين يجد نفسه جالسا بجوار الغني.
٤ - إن من يتركون الصلاة أو يتكاسلون في الحضور إلى المسجد أو التزام الجماعة يحرمون من هذه الفضائل الخلقية، ولا يخفى مصير الأمة التي يتجرد أفرادها من هذه المثل الأخلاقية: يقول ﵎: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾.
المؤاخاة:
جعل الله ﵎ المسلم أخا للمسلم وهكذا قال:
﴿فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾.
١ - ومن آثار هذه الأخوة أنه لو عقد مسلم معاهدة مع قوم معادين وجب على جميع المسلمين الالتزام بهذه المعاهدة التزاما كاملا.
ولو ذهب مسلم إلى بلد بعيد فإن الأمة كلها تطلب له السلامة والعافية، ولو تعرض لظلم معتد، التزمت الأمة كلها برد هذا المعتدي والثأر منه.
كما أن كل مسلم يرى أن قضاء حاجة اليتيم والأرملة وطالب العلم فرض عليه مثلما يلتزم بذلك تجاه أولاده وتجاه أولاد شقيقه وأرملته.
стр. 178
٢ - وكانت هناك أخوة أكبر من هذه الأخوة وهي تلك التي أقامها النبي ﷺ بين أفراد المسلمين، وكانت هذه الأخوة في مكة بين أهل مكة، وفي المدينة بين المهاجرين والأنصار، وأيضا بين أهل المدينة فيما بينهم. وتلك الأخوة التي أقامها بين المهاجرين والأنصار هي أشهرها جميعا.
وبمقتضى هذه المؤاخاة وصل تأثير العلاقة فيما بينهم إلى أنهم كانوا يتوارثون (١)، ففي الساعة التي تنعقد فيها المؤاخاة كان الأخ الغني يعطي أخاه الفقير نصف ماله ونصف ممتلكاته، وقد أثبت المؤرخون أسماء الأشخاص الذين توثقت بينهم صلة المؤاخاة المذكورة، نذكر منهم تيمنا:
- محمد رسول الله ﷺ مع علي المرتضى ﵁.
- أبو بكر الصديق مع خارجة بن زيد عقبي البدري.
- عمر الفاروق مع عتبان بن مالك البدري.
- عثمان بن عفان مع أوس بن ثابت البدري.
- جعفر بن أبي طالب الهاشمي مع معاذ بن جبل البدري.
- أبو عبيدة بن الجراح القرشي الفهري مع سعد بن معاذ البدري.
- عبد الرحمن بن عوف الزهري مع سعد بن ربيع البدري.
- زبير بن العوام الأسدي مع سلمة بن سلامة العقبي.
- طلحة بن عبيد الله القرشي العدوي مع كعب بن مالك.
- سعيد بن زيد القرشي العدوي مع أبي بن كعب العقبي.
- مصعب بن عمير العدوي مع أبي أيوب العقبي.
- أبو حذيفة بن عتبة مع عباد بن بشر.
- عمار بن ياسر مع حذيفه بن اليمان.
- سلمان الفارسي مع أبي الدرداء حكيم الأمة.
стр. 179
- منذر بن عمرو مع أبي ذر الغفاري.
﵃ أجمعين (١).
ولم يشهد العالم نموذجا للأخوة أسمى من ذلك النموذج الذي وجد في الإسلام.
الأذان:
بدأ الأذان في السنة الثانية للهجرة، وقد شعر بضرورته في البداية حتى يجتمع الناس ويصلون في وقت واحد، واستشار النبي ﷺ أصحابه حتى يدلوه على الطريقة التي يمكن جمع الناس بها، فقال بعضهم يمكن إشعال النار من فوق مكان عال (كما كان عليه الحال عند المجوس) وقال البعض الآخر يمكن استخدام البوق (كما كان يفعل اليهود) ورأى البعض أنه يمكن استعمال الناقوس (كما كان يفعل النصارى)، فلم يقبل الرسول ﷺ أيا من هذه الآراء، وفي اليوم التالي قدم عبد الله بن زيد الأنصاري وعمر الفاروق واحدا بعد الآخر وذكر للنبي أنه سمع في المنام تلك الألفاظ التي تقال الآن في الأذان وهكذا أجاز النبي ﷺ أن ينادى بهذه الألفاظ بصوت عال وكانت هذه الألفاظ تحقق رغبة النبي ﷺ التي استهدفها في تشريع الأحكام والأذان هو إعلام بطريقة سهلة بسيطة تتلاءم مع الدين العالمي، وهو في الحقيقة إعلان ونشر لمبادئ الإسلام. إذ يقوم المسلم بإيصال هذه المبادئ إلى آذان سكان كل بلدة وما جاورها، يخبرهم عن طريق النجاة، ولا يمكن لعملية توزيع المنشورات أو النداء بمثل ما ينادى به للاجتماعات أن يصل إلى ما يمكن للأذان أن يحققه من نتائج. فالأذان يبرهن على أن الإسلام فضل الصوت الإنساني على الناقوس والمعدن، وهذا أيضا أسلوب للقضاء على الوثنية ودعم التوحيد.
إسلام سلمان الفارسي:
أسلم سلمان الفارسي في السنة الثانية من الهجرة، وكان من أهل أصفهان، وكانت ديانته القديمة هي عبادة الفرس الأبلق، خرج من بيته بحثا عن الدين الحق،
стр. 180
فوصل إلى بلاد العرب، فقبض عليه أحدهم وباعه إلى أحد اليهود، وبعد تنقله من مذهب إلى آخر، وبعد أن مر على عشرة مذاهب دخل في اليهودية. وكان اليهودي الذي أقام عنده سلمان كثيرا ما يذكر له أوصاف النبي الذي سيظهر قريبا.
ولما رأى سلمان النبي ﷺ في المدينة، عرفه من خلال العلامات والآثار والأخبار التي سمعها من سيده، فأعلن إسلامه وسمى باكورة ثمار بلاد فارس.
تحويل القبلة:
كان من عادة النبي ﷺ أن يوافق أهل الكتاب في الأمور التي لم يؤمر فيها بأمر من الله تعالى (١).
وكانت الصلاة قد فرضت في أول النبوة، ولكن لم يرد حكم يتعلق بالقبلة، ولهذا اتخذ النبي ﷺ بيت المقدس قبلة طوال إقامته بمكة لثلاثة عشرة سنة، وعمل بهذا أيضا حين وصل إلى المدينة، إلا أنه في العام الثاني للهجرة أو بعد سبعة عشر شهرا (٢) أنزل الله تعالى في هذا حكما، وكان هذا الحكم موافقا لرغبة النبي ﷺ لأنه ﷺ كان يرغب من كل قلبه أن تكون قبلة المسلمين ذلك المسجد الذي بناه إبراهيم ﵇ والذي أطلق عليه الكعبة لأن مبناه مكعب الشكل وقد سمى ببيت الله نظرا لأنه بني لعبادة الله فقط وسمى بالمسجد الحرام لعظمته وحرمته، والحكم الذي أنزله الله تعالى في القرآن يتضمن ما يلي:
١ - أن لله نسبة في جميع الجهات على حد سواء ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾.
٢ - وأن اتخاذ جهة من الجهات للعبادة معروف لدى جميع البشر ﴿ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا﴾.
٣ - وأن التوجه إلى جهة ما لاصلة له بأصل العبادة ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾.
٤ - وأن الهدف الأساسي من تحديد القبلة هو وضع علامة مميزة لأتباع الرسول ﷺ ﴿لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾.