← Сира

Сира · id 14328

رحمة للعالمين (مترجم) - المنصورفوري

محمد سليمان المنصورفوري

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ويذكر الكتاب المقدس شيئا عن الجهود المكثفة التي بذلها لوط ﵇ في سبيل الدعوة والإرشاد. أما القرآن الكريم فقد ذكر البراهين القاطعة التي استدل بها لوط في وعظه: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ (سورة الأعراف: ٨٠). ٢ - ذكر الكتاب المقدس سبب تحول امرأة لوط إلى عمود من ملح، أنها كانت نظرت من ورائه (١٩/ ٢٦) ولكن القرآن أخبر بأنها كانت تخون زوجها: ﴿كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما﴾ (سورة التحريم: ١٠). ٣ - والموضوع الذي انفرد بذكره الكتاب المقدس هو قصة ابنتي لوط. انظروا الأصحاح رقم (١٩) أما القرآن الكريم فقد ترفع عن ذكر مثل هذه القصص. ونحن نستطيع إثبات بطلان هذه القصة القذرة بأدلة من الكتاب المقدس نفسه انظروا سفر التكوين (١٩/ ٣١ - ٣٢) فالدليل الذي أقامته البكر على جواز الفاحشة هو قولها: " ليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض ". وهذا الدليل باطل تماما فقد ورد في الأصحاح التاسع عشر (٢٠ - ٢٣) ذكر وجود مدينة صوغر وبقائها فكيف تقول هذه الجواري ليس على الأرض رجل؟. وبذلك نستطيع التأكيد على أن هذه القصة لا أساس لها من الصحة. إسحاق ﵇: ورد ذكر إسحاق ﵇ في الأصحاح (٢٦) من سفر التكوين. والأمر الذي ورد هنا ولم يرد ذكره في القرآن الكريم هو: " أقام إسحاق في جرار وسأله أهل المكان عن امرأته فقال هي أختي " آية (٦). ويستطيع القراء أن يفهموا هل ينقص عدم ذكر هذا البيان في القرآن من شأن إسحاق شيئا؟ يعقوب ﵇: يظهر من الأصحاح (٢٥) من سفر التكوين أن يعقوب وعيسو كانا توأمين وكان عيسو أسبق ولادة من يعقوب. والآن فكروا وتدبروا فيما يلي: ـ[أولا]ـ: ورد في الدرس من التاسع والعشرين إلى الرابع والثلاثين: " طبخ يعقوب

стр. 492

طبيخا فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك فقال عيس،: ها أنا ماض إلى الموت فلماذا لي بكورية. فقال يعقوب: أحلف لي اليوم فحلف له فباع بكوريته ليعقوب فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس فأكل وشرب وقام ومضى فاحتقر عيسو البكورية ". وليتدبر القراء قليلا هل في القصة المذكورة مدح وثناء على يعقوب الذي لم يعط شقيقه الخبز والعدس حتى أخذ منه ذلك الحق الذي أعطاه الله إياه؟ والحمد لله على أن هذه القصة لا توجد في القرآن. ـ[ثانيا]ـ اقرءوا الأصحاح (٢٧) من سفر التكوين الذي جاء فيه: " دعا إسحاق عيسو ابنه الأكبر وقال له: يا ابني اخرج إلى البرية وتصيد لي صيدا حتى تباركك نفسي وأخذت رفقة (أم يعقوب) ثياب عيسو ابنها الأكبر الفاخرة التي كانت عندها في البيت وألبست يعقوب ابنها الأصغر وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جديي المعزى وأعطت الأطعمة والخبز التي صنعت في يد يعقوب ابنها فدخل إلى أبيه وقال: يا أبي فقال: ها أنا ذا من أنت يا ابني؟ فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك قد فعلت كما كلمتني. قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك ". فانخدع إسحاق به وبارك يعقوب بدل عيسو". والحمد لله أن هذه القصة أيضا لا توجد في القرآن الكريم. ـ[ثالثا]ـ: وفي الأصحاح (٣٤) من سفر التكوين وردت قصة دينة ابنة يعقوب ﵇. وفي نفس الأصحاح أن بني يعقوب عاهدوا حمور الحوي رئيس الأرض يعطونهم بناتهم زوجات ويعطيهم بناته فحدث أن ابني يعقوب شمعون ولاوي أخوى دينة أخذ كل واحد سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا ثم أتى بنو يعقوب على القتلى ونهبوا المدينة لأنهم بخسوا أختهم وغنمهم وبقرهم وحميرهم وكل ما في المدينة وما في الحقل أخذوه وسبوا ونهبوا كل ثروة وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما في البيوت ". والحمد لله أن القرآن لم يذكر لفظة تتعلق بهذا الأمر.

стр. 493

ـ[رابعا]ـ: وفي الأصحاح (٣٥/ ٢٢) قصة راؤبين بكر يعقوب وقصة سرية أبيه. والحمد لله على أن هذه القصة أيضا لا توجد في القرآن. ـ[خامسا]ـ: وفي الأصحاح (٣٨) من سفر التكوين قصة يهوذا ثالث بني يعقوب وقصة ثامار كنته. ولتبرئة يهوذا من التهمة يقول الكتاب المقدس: " لأنه لم يعلم أنها كنته " (آية ١٦). وبعد هذا العذر أيضا نجد يهوذا ملتبسا بجريمة نحو امرأة وهذه الجريمة أشد وأبشع بالنسبة إلى رجل يعد من أبناء النبي وأحفاده ويعتبر أبا بني إسرائيل - بعد قليل من الأنبياء - والحمد لله على أن القرآن لا يلصق مثل هذه التهم برجل من رجال هذه الأسرة الكريمة بل يمدحها فيقول: ﴿وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل﴾ (سورة الأعراف: ١٣٧). وبغض النظر عن هذه الأمور كلها فإن ما ذكره القرآن مما ليس في الكتاب المقدس يدل على عظمة يعقوب وعلى أنه كان جديرا بأن ينال لقب إسرائيل أي (عبد الله). ١ - أخبر القرآن الكريم بأن الله كان قد بشر إبراهيم مقدما بابن وحفيد صالحين: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ (سورة هود: ٧١). ٢ - وأخبر كذلك بأن الله وهب ليعقوب وأبيه من رحمته وجعل لهما ثناء جميلا وذكرا حسنا في الدنيا: ﴿وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (...) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا﴾ (سورة مريم: ٤٩، ٥٠). هل يمكن لأحد بعد دراسة هذه النصوص القرآنية القول بأنها مستمدة من الكتاب المقدس؟ يوسف ﵇: ورد ذكر أحوال يوسف في سفر التكوين الأصحاح (٣٧)، ثم من الأصحاح (٣٩) إلى الأصحاح (٥٠). وهذه الأصحاحات الاثنتا عشرة وإن كانت مليئة بمحاسن يوسف حافلة بمكارمه إلا أنها ألصقت به (تهمة) في جملة تقول: وأتى يوسف بنميمتهم الرديئة إلى أبيهم. (التكوين ٣٧/ ٢).

стр. 494

هذه الجملة تدل على أن يوسف نعوذ بالله من ذلك كان مشاءا بنميم وأن إخوته كانوا شريرين. ١ - ذكر القرآن أيضا قصة يوسف ولكنه كان أبلغ بيانا وأروع أسلوبا، مما كان عليه بيان الكتاب المقدس في كثير من الأمور. ٢ - وفي القرآن أن يعقوب كان عبر رؤيا يوسف حين سمعها: ﴿يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك﴾ (سورة يوسف: ٦). ٣ - ورد في الكتاب المقدس ذكر الرؤيا ولكن لم يرد فيه ذكر هذا التعبير وإن كانت توجد فيه بعض المضامين التي يثبت منها أن التفسير الذي ذكره يعقوب تحقق كما ذكره تماما. ٤ - وفي القرآن الكريم لما أجمع إخوة يوسف أمرهم وأرادوا إلقاءه في غيابة الجب أخبره الله مطمئنا إياه فقال ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ (سورة يوسف: ١٥). لكن لا نجد ذكر هذا في الكتاب المقدس. ٥ - وفي القرآن أن قميص يوسف كان قد قد من دبر بيد امرأة العزيز وحكم رجل من أهلها بأنه إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ويوسف مجرم وإلا فالمرأة هي المجرمة، ومن هذه الحجة الدامغة وضحت براءة يوسف للعزيز، فطلب من يوسف الإعراض والعفو وقرر خطأ امرأته وقال لها استغفري لذنبك: ﴿يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ (سورة يوسف: ٢٩). والذي يثبت من الكتاب المقدس أن براءة يوسف لم تكن تحققت لعزيز مصر. ٦ - ويظهر من القرآن أن كثيرا من نسوة مصر كن قد حاولن إرضاء يوسف بأمر امرأة العزيز وراودنه عن نفسه ففشلن في محاولتهن. وقد سكت الكتاب المقدس عن ذلك أيضا. ٧ - وأخبر القرآن بأنه لما سأل أصحاب السجن يوسف عن تأويل رؤياهم بدأ يوسف بدعوتهم إلى التوحيد وأداء فريضة الدعوة:

стр. 495

﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (...) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (سورة يوسف: ٣٩، ٤٠). وذلك يدل على ما كان عليه يوسف من العزيمة، فلم يقصر في القيام بمهمة الدعوة إلى الله حتى في السجن، ولم يضيع فرصة تهيأت له لهداية الخلق. وهو نموذج رائع للراغبين في الاشتغال بالدعوة والإرشاد، إلا أن الكتاب المقدس لم يذكر هذا الأمر. ٨ - وفي الكتاب المقدس طلب الملك يوسف ليفسر له رؤياه فانطلق يوسف إليه على الفور وفي القرآن الكريم أنه أبى أن يخرج من السجن وطلب من الملك أن يحقق أولا فيما وجه له من اتهام. ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ (سورة يوسف: ٥٠). وهذه أحسن شهادة تدل على عصمة يوسف وتقواه وصموده واعتزازه بنفسه. ٩ - وفي القرآن الكريم أن نسوة مصر شهدن ببراءة يوسف: ﴿قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ (سورة يوسف: ٥١). وأن امرأة العزيز هي الأخرى شهدت على صدق يوسف وطهارته: ﴿قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (...) ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (...) وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. (سورة يوسف: ٥١ - ٥٣). وقد سكت الكتاب المقدس عن بيان هذه الأوصاف والمحاسن وغيرها مما تضمنته هذه السورة المباركة التي يستنتج منها عشرات القضايا والنكات. وينبغي الرجوع في ذلك إلى كتابي "الجمال والكمال" (تفسير سورة يوسف). وبدراسة البداية من هذا الكتاب سيعلم القارئ أن هذه السورة المباركة (سورة يوسف) بأكملها تضمنت أيضا ما تنبأ به القرآن الكريم عن أحوال النبي ﷺ المباركة. بعد هذه الإفادات هل يصح القول أن النبي ﷺ سمع موضوعات الكتاب المقدس ثم صاغها من عنده؟ موسى ﵇: لا يفيض الكتاب المقدس في ذكر أحد من الأنبياء مثل إفاضته في

стр. 496

ذكر موسى ﵇ فسفر الخروج وسفر الأخبار وسفر العدد وسفر التثنية كل هذه الأسفار تضمنت ذكر أحواله. كما أن القرآن الكريم أيضا لم يذكر قصص أحد بقدر ما ذكر قصص موسى ﵇. ومع ذلك فإن مجموع ما ذكره لا يبلغ حجمه سفرا من أسفار الكتاب المقدس سابقة الذكر. ونقتبس هنا أكثر المواضع مرتبة طبقا لموضوعاتها: ١ - ففي سفر الخروج (٤/ ١٤): " حمى غضب الرب على موسى ". وذلك حين أبى موسى أن يقبل الرسالة من الله. وقد أخبر القرآن في هذه المناسبة بأن الله خاطب موسى برفق ولين ﴿يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون﴾ (سورة النمل:١٠). ٢ - وفي سفر الخروج (٦٠/ ٢٧): " وأخذ عمرام يكابد عمته زوجة له فولدت له هارون وموسى ". ولا ندري ماذا يعني الكتاب المقدس من هذا البيان فإن القرآن يشيد بذكر أم موسى ﵇: ألف - ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ (سورة القصص: ٧). وليعلم أن النساء اللاتي أوحى الله إليهن قليلات جدا في العالم ويظهر من القرآن أن هؤلاء هن أم موسى وعيسى وتحتل أم إسماعيل هذه المنزلة في الكتاب المقدس وقد جاء إليها الملك مرتين في حياة إسماعيل وبلغها رسالة الله وبشرها بما سيحدث في المستقبل. انظروا سفر التكوين (الأصحاح ١٦/ ٧ - ١١)، والأصحاح (٢١/ ١٧). ب - وقال تعالى في موضع آخر مشيدا بأم موسى ﴿لولا أن ربطنا على قلبها﴾ (سورة القصص:١٠). وهذا يدل على وجود الرابطة بين قلب أم موسى الطاهر وبين الرب جل وعلا. ٣ - وفي سفر الخروج (٧/ ١): " فقال الرب لموسى انظر أنا جعلتك إلها لفرعون ". وليتأمل القراء في كلمة " إله " أهكذا يتم تعليم التوحيد؟ إذا كان أحد يستطيع أن يكون مشابها لله فكيف تبقى إذن وحدانيته في الذات والصفات؟ قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (سورة الشورى: ١١).

стр. 497

وقال: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ (سورة النحل: ٧٤). ٤ - (ألف) في سفر الخروج (٧/ ١١ - ١٢): " كذلك طرح كل واحد من عرافي مصر عصاه فصارت العصى ثعابين ". (ب) وفي سفر الخروج (٧/ ٨): " وفعل كذلك العرافون وأصعدوا الضفادع على أرض مصر ". (ج) وفي سفر الخروج أيضا (٨/ ١٦ - ١٧): " ضرب موسى عصاه على تراب الأرض. فكل تراب الأرض صار بعوضا في جميع أرض مصر ". وفي آية (١٨): " وفعل كذلك العرافون بسحرهم ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا". وفي آية (١٩): " فقال العرافون لفرعون هذا أصبع الله ". هذا ما ذكره الكتاب المقدس عن السحرة ولم يذكر مصيرهم. أما القرآن فيقول عنهم: ﴿فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (...) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (...) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (...) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾ (سورة طه: ٧٠ - ٧٣). كما أن هذا النص القرآني يدل على أن معجزات موسى لم تكن من نوع السحر، وكذلك يعلم منها كيف شرحت الهداية الإلهية صدور السحرة للإسلام، ويعلم منها أيضا أنه لا ينبغي للرجل التردد في إظهار الإسلام خوفا من مصيبة أو خضوعا لضغوط وأنه إذا أكره على ترك الإسلام وعذب وأهين فعليه أن يخاطر بنفسه، ولا يترك الإسلام، لا يؤثر الدنيا الفانية على الآخرة دار البقاء. هذه كلها دروس رائعة لا يتناولها الكتاب المقدس بالذكر في أي موضع. ٥ - واقرأوا الأصحاح (٢٤) من سفر الخروج من الآية (٩ إلى الآية ١١): " ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ورأوا إله

стр. 498

إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعته من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا". وعلى القارئ هنا أن ينتبه إنهم رأوا قدم الإله وكذلك رأوا لونه الذي يشبه العقيق الأزرق وبذلك ظنوا أن جسمه كله يشبه في اللون العقيق الأزرق، ولعل الهنادكة درسوا هذا البيان وقالوا: إن إلههم كرشنا جي لونه أزرق. ونتساءل هل هناك شك في أن الإله الذي شوهد صفاء جسمه ولونه هو إله مجسم؟ هذه هي المرحلة التي تؤدي بالعباد إلى الشرك الجلي. إن القرآن الكريم يقدس الله ويجعله أجل من أن يكون مجسما فيقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ (سورة الأنعام: ١٠٣). وليتدبر القارئ هل يمكن بعد كل هذا أن تكون تعاليم القرآن مستمدة من تعاليم الكتاب المقدس؟ ٦ - اقرأوا الأصحاح (٣٤) من سفر الخروج من الدرس (٤) إلى الدرس (٦): " وصنع (هارون من أقراط الذهب) عجلا مسبوكا. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه ". هل من تهمة أشد وأنكى من أن نقول في نبي اختاره الله لنفسه وجعله إماما للبرية وموسى أخوه، بأنه صنع عجلا بيده وقرب له القرابين وجعله إلها لبني إسرائيل؟ إن المرتكب لمثل هذه الأعمال لا يستحق في نظر المسلمين أن يسمى مسلما عاديا فضلا عن أن يكون نبيا وإماما لبني إسرائيل. والحمد لله على أن الله قد أوضح في كتابه الطاهر أن هذا الخطأ فعل السامري: ﴿فكذلك ألقى السامري (...) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى﴾ (سورة طه: ٨٧ - ٨٨). وكذلك أخبر القرآن بأن موسى سأل هارون عن تقاعسه في منع الضالين عن ضلالهم وزيغهم: ﴿قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا﴾ (سورة طه: ٩٢). ثم ذكر أيضا ما أجاب به هارون موسى فقال:

стр. 499

﴿إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾ (سورة طه: ٩٤). والحمد لله على أن القرآن الكريم طهر شأن هذا الرجل الكريم وإلا فأهل الكتاب كانوا يصفون إمامهم بأنه صانع للأصنام ودع إلى الوثنية!!!. وهل يقول عاقل بعد هذا كله أن القرآن يكرر موضوعات الكتاب المقدس في قصصه؟ داود ﵇: اقرأوا سفر صموئيل الثاني واقرأوا فيه الأصحاح الحادي عشر الذي ورد فيه ذكر شبع امرأة أوريا الحتى وذكر داود ﵇ وفي آخره: " وضمها (داود) إلى بيته وصارت له امرأة. فقبح (هذا الفعل) في عيني الرب ". والحمد لله على أنه لا توجد في القرآن مثل هذه القصة عن داود بل على العكس يثني القرآن عليه: ﴿يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ (سورة ص: ٢٦) ويقول بعض الناس إن قول الله: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾. (سورة ص: ٢١). يتضمن قصة أورياه هذه. ولا يصدر مثل هذا القول إلا ممن استولت على مشاعره القصة الواردة في الكتاب المقدس. ذلك لأن القرآن الكريم لا توجد فيه حتى إشارة إلى هذه القصة. ومن الطريف أن القصة التي ذكرها القرآن عن قدوم هؤلاء الخصم وتسورهم المحراب لا يوجد لها ذكر في الكتاب المقدس وذلك يدل على أنهما قصتان تختلف إحداهما عن الأخرى تماما. فالقصة التي ذكرها القرآن يثبت منها أن يكون ولاة الأمر ورجال الحكم أكثر اهتماما بإقامة العدل وتعميم القسط منه بأداء النوافل، وأن يختاروا لمسكنهم موضعا يتسنى للمستغيث الوصول إليه ولا يواجه الفقراء من الرعايا العراقيل والعقبات في الاستغاثة بهم (١).

стр. 500

واقرأوا سفر صموئيل الثاني (الأصحاح ١٣/ ١٤ - ٢٩) الذي تضمن قصة أمنون بن داود وأخته ثامار وكذلك قصة أبشالوم بن داود الذي كان شقيقا لثامات لأم ومفادها أنه دعا أمنون إلى المأدبة وأمر خدمه فقتلوه. ٣ - وكذلك في سفر صموئيل (١٦/ ٢٠ - ٢٢) قصة أبشالوم بن داود مع رابته. والحمد لله على أنه لا توجد في القرآن مثل هذه القصص التي كرهنا أن نذكرها هنا مفصلة. سليمان ﵇: ورد في الأصحاح (٣/ ٥) من كتاب الملوك الأول: " تراءى الرب لسليمان في حلم ليلا وقال الله اسأل ماذا أعطيك ". وفي الدرس (٩): " قال سليمان فأعط عبدك قلبا فهيما لأحكم على شعبك وأميز بين الخير والشر". وفي الدرس (١٢): " قال الرب هوذا أعطيتك قلبا حكيما ومميزا حتى إنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك ". وكذلك ورد في الأصحاح (٦/ ١١) من كتاب الملوك الأول ذكر نزول كلام الله على سليمان. ورغم كل هذه المحامد والمحاسن ورد أيضا في الأصحاح (١١/ ٤) من كتاب الملوك الأول: " وكان في زمان شيوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لألهتهن ". ليتدبر القراء وليحكموا هل يمكن أن يكون الرجل الذي شرفه الله بالمثول بين يديه وكلمه وأعطاه قلبا حكيما ما أعطى مثله قبله ولا بعده أحدا، والذي بنى بيت المقدس لعبادة الله هل يمكن أن يكون قد مال إلى عبادة الأصنام لأن أزواجه قالوا بذلك؟ كلا! وألف كلا! ونفسي فداء لتعاليم القرآن التي تقول: ﴿وما كفر سليمان﴾ وتقول أيضا ﴿وورث سليمان داوود﴾. ويجب أن نعلم أن الله ذكر سليمان وحده وارثا لداود ﵇ مع أن داود كان

стр. 501

له سبعة عشر ابنا ذكورا (١). ومن هذا يتضح أن المراد بالوراثة هنا وراثة الكلام الإلهي لا وراثة الأموال والمتاع. وقد دعاني إلى ذكر هذه الآية هنا ما قد رأيته في كتاب الملوك الأول (١١/ ٤) في شأن سليمان: " أن قلبه لم يكن كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه ". فكلما قرأ القارئ بعد هذه الفقرة قول الله ﴿وورث سليمان داوود﴾ ظهر له أن سليمان كان في طاعته لله ورضوانه والنبوة على ما كان عليه داود أبوه تماما وأنه هو الوارث لميراث النبوة عن داود. أيوب ﵇: استقل الكتاب المقدس بكتاب عن أيوب يشتمل على اثنتين وأربعين صفحة ببنط صغير أما في القرآن فقد ورد اسمه مرتين (في سورة النساء وسورة الأنعام) ضمن الأنبياء أوردت قصته في موضعين، وفي كلا الموضعين، انتهت هاتان القصتان في سطرين: ففي سورة الأنبياء: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (...) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾ (سورة الأنبياء: ٨٣ - ٨٤). وقد وصل الكتاب المقدس أيضا إلى نفس النتيجة بعد بحث شغل ٤٢ صفحة كما يظهر من كتاب أيوب (٤١/ ١٠ - ١٥) ومن غريب ما ذكره الكتاب المقدس ولا يوجد إليه أي إشارة في القرآن هو البيان الوارد في كتاب أيوب (١/ ٦): " وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب وجاء الشيطان أيضا في وسطهم فقال الرب للشيطان من أين جئت؟ ". وقد وردت نفس الألفاظ في الأصحاح (٢/ ١ - ٢). فتدبروا ما أصعب وجود الشيطان مع الأنبياء في حضور الرب جل وعلا إن لم يكن

стр. 502

ذلك مستحيلا، أليس فيه تذليل للأنبياء وإهانة للحضرة الإلهية؟ ولا أدري إلى أي منقبة من مناقب أيوب يشير هذا البيان. والحمد لله على أن القرآن لا توجد فيه هذه الفقرة. زكريا ﵇: ١ - أورد لوقا في إنجيله ذكر زكريا ﵇ في الأصحاح (١/ ٥ - ٢٥) وورد ذكره في القرآن في الحزب الأول من سورة مريم. ولم يذكر لوقا نص دعاء زكريا الموجود في القرآن مع أن هذا الدعاء هو الذي يوضح سبب رغبته في "الولد" ... . ألتلك الأغراض التي لأجلها يبغي الناس الأولاد عامة أم لغرض ديني غير هذه الأغراض؟ ففي القرآن أن زكريا قال: ﴿فهب لي من لدنك وليا (٥) يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ (سورة مريم: ٥ - ٦). هذه الألفاظ تدل على أنه كان يتمنى ولدا نبيا يقوم معه وبعده، بنشر الدين الإلهي ويعمل على إسعاد الأمة والنهوض بها. وهذا هو السبب الذي جعل دعوة زكريا ﵇ تستحق الإجابة من عند الله. ولا يغتر أحد بكلمة الإرث بأن زكريا يسأل وارثا يرث عنه الأملاك الثابتة وغير الثابتة، لأنه إذا كان هو المراد، فكيف يمكن لابن زكريا الوحيد أن يرث آل يعقوب الذين لا حصر لهم؟ إن كلمة آل يعقوب تتطلب مزيدا من التفكير حيث إن الله لم يقل بني إسرائيل وإنما قال آل يعقوب. فهذان الدليلان يدلان على أن زكريا لم يبغ من الله إلا ولدا نبيا ولذلك بشر به فور دعائه. وقد ذكر لوقا في الأصحاح (١/ ٢٥) هذا الأمر بالكلمات التالية: " هكذا قد فعل بي الرب في الأيام التي فيها نظر إلي ينزع عاري بين الناس ". هذه الألفاظ إنما تدل على أن زكريا ما تمنى الولد إلا للأغراض والآمال التي يعقدها أهل الدنيا وبصفة عامة على أولادهم. ٢ - جاء في إنجيل لوقا (١/ ٢٠) أن جبريل كان قال لزكريا: " وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته". ويظهر من هذا أمران:

стр. 503

(١) جعل الله زكريا أبكم جزاء لعدم تصديقه كلام جبريل. (٢) كانت مدة بكمه إلى ولادة الولد الموعود به. وفي القرآن الكريم أن زكريا كان سأل ربه عن آية حين بشر بهذا الأمر فجعل الله آيته ألا يكلم الناس ثلاث ليال إلا رمزا. وهنا يستطيع القارئ أن يفهم هل يستمد القرآن هذه المضامن من كتاب قبله أم أنه يصلح خلل ما قبله وينفي عن زكريا ما ينسب إليه من عيب. يحيى ﵇: وصف يحيى في الإنجيل يوحنا أى " المعمد" ورد ذكره في إنجيل لوقا في الأصحاح (١/ ٥٧ - ٨١)، ثم في الأصحاح (٣/ ١ - ٢٠)، ثم في الأصحاح (٧/ ١٩ - ٢٩). وورد ذكره في القرآن في سورتي مريم وآل عمران بإيجاز. ففي سورة مريم: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (...) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (...) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا﴾ (سورة مريم: ١٢ - ١٤). وجاء وصفه في سورة آل عمران بهذه الألفاظ: ﴿مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين﴾ (سورة ال عمران: ٣٩). هذه الصفات الاثنتا عشرة لا نجدها في إنجيل لوقا كله. ويفهم من هذا أن ما ذكره القرآن عن زكريا كثير رغم إيجازه ومن الخطأ أنه مستمد من الكتاب المقدس. عيسى المسيح ﵇: أخبر القرآن الكريم أن عيسى ﵇ كان بشرا ويعتقد النصارى أنه إله. وكذلك أخبر القرآن أنه كان رسولا وهم يقولون: إنه ابن الله. وعلى ذلك لا يملك النصارى أن يقولوا إن ما ورد في القرآن الكريم عن أحوال المسيح مستمد من الأناجيل وهكذا لسنا بحاجة إلى أن نفصل القول في المسيح ﵇. إلا أن إحسان القرآن على النصارى سوف يبقى على الدوام، لأنه كذب اليهود ورفع من شأن عيسى بوصفه مريم بالصديقة، وهكذا صدقت على الرسول ﷺ الفقرة الواردة في الأصحاح (١٦) من إنجيل يوحنا وهى: " ذاك الذي يمجدني ".

стр. 504

الباب العاشر أفضلية سيد المرسلين ﷺ - ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾ •---------------------------------• الحمد لله الذي بعث في كل أمة شهيدا وجاء بمحمد ﷺ على هؤلاء شهيدا وصلى الله تعالى عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين صلاة كثيرا كثيرا. أما بعد: فمسألة أفضلية شأن سيد المرسلين ﷺ إيمان كل مسلم بل هي روح الإيمان وهي مسألة لا تسهل معالجتها لمن يريد ذلك. فنرى في بعض الأحيان أن المسألة تعالج بأسلوب إما أنه يقدح في ذات الله وإما أنه يغض من شأن الأنبياء الآخرين ﵈، فيؤدي ذلك إلى ما نهى عنه في الحديث من "التخيير بين الأنبياء" وهذا مما نهى عنه المسلمون. ويجب أن نتذكر أن علماء السلف لا يعتبرون حديث "لا تخيروا بين الأنبياء" (١) مانعا من بيان أفضلية النبي ﷺ فقد أوضح الإمام أبو نعيم الأصفهاني (٢) والقاضي عياض (٣) المالكي وهما من المتقدمين في بيان هذه المسئلة بجلاء تام. يقول القرآن الكريم: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ (سورة البقرة: ٢٥٣). قد ثبت من هذه الآية وجود التفاضل بين الرسل، فإذا ثبت فضل النبي ﷺ على جميع الرسل من القرآن فإن مسألة "التخيير بين الأنبياء" حينئذ لا تكون صادرة من قبل

стр. 505

عبد من عباد الله وإنما هي بيان وتفسير لإرادة الله ، وهذا ما اتفق على جوازه العلماء بل جعلوه واجبا. ولهذا السبب عقدت العزم على التمسك فقط بالآيات القرآنية وأسأل الله تعالى أن ينجيني مما قد نهى عنه من التخيير كما ألتمس من العلماء الكرام أن يكملوا ما بدأه هذا العبد الفقير ليصلوا به إلى مدارج الكمال. وهذا البحث في صورته الحالية في رأي كاتب هذه السطور لا يزال ناقصا ويحتاج إلى شرح بعض الموضوعات الدقيقة التي أردت إلحاقها بالنهاية من هذا الكتاب. ولم نذكر هنا من الأنبياء إلا من وردت أسماؤهم في القرآن الكريم، ويمكن لبعض القراء أن يتساءلوا بعد قراءة جزء من البحث، كيف يثبت من هذا فضل النبي ﷺ ولكنهم إذا رأوا أن كثيرا من الفضائل التي اختص بها بعض الأنبياء والرسل تتجلى في النبي الأكرم ﷺ أيضا، علموا قول الشاعر: "أنت وحدك تمتلك جميع الفضائل التي يمتلكها جميع أهل الفضل". آدم ﵇: فضائل آدم كثيرة وهي مما اتصفت به شخصية الرسول ﷺ . ١ - قال تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾. ذكر الله آدم في هذه الآية كتلميذ رباني، ولاشك أن تتصف النفس القدسية، التي تولى تعليمها الله بكمال العلم وقمة الفضل. وقال تعالى في شأن النبي ﷺ : ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (سورة البقرة: ١٥١) ذكر الله محمدا ﷺ في هذه الآية كأستاذ للعالم أجمع. وكلمة الكتاب في هذه الآية تشتمل على جميع الشرائع الإلهية كما أن كلمة الحكمة تتضمن سائر العلوم الفاضلة والمعارف النافعة. وقوله ﴿ما لم تكونوا تعلمون﴾ يدخل فيه جميع ما في عالم الملكوت من أسرار مكنونة وغوامض مكتومة مما لم يكن يعرفها العالم المادي إلى زمن البعثة النبوية ﷺ . ٢ - قال تعالى في آدم: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ (سورة طه: ١١٥)

стр. 506

وتظهر هذه الآية ما في آدم ﵇ من صفة البشرية وأن النسيان من لوازم البشر فلا ينبغي لأحد أن يقدح فيه ويعيبه على ما صدر عنه من فعل أو ما ترك ناسيا. وقال تعالى في شأن الرسول ﷺ ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (١). إن كلمة ﴿سنقرئك﴾ في هذه الآية توضح ما في كلمة ﴿وعلم آدم﴾ من معنى كما تبين لنا أن الله تعالى هو مقرئ النبي ﷺ . وقد نفى النسيان عن النبي ﷺ في هذه الآية وأخبر أن الرسالة المحمدية أعظم شأنا وأجل من الغوائل البشرية. ٣ - وقال تعالى في آدم: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ (سورة البقرة: ٣٧). يظهر من هذه الآية أن الله أكرم آدم ﵇ بالوحي وطهره من الفعل السيء العاقبة. وذكر الله ما جاء به النبي ﷺ من يمن وبركة فقال: ﴿ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (...) وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ (سورة الشورى: ٢٤، ٢٥). وهكذا ورد في هذه الآية ذكر ما أعطاه الله النبي ﷺ من كلمات وذكر ما فيها من تأثير وفيوض، تنتفع بها الأمة الإسلامية. ٤ - وقال تعالى عن آدم: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (...) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ (سورة البقرة: ٣٥، ٣٦). هذه الآية ذكرت فيها الشجرة كشيء ابتلى به آدم وزوجه وكذلك ذكر فيها ظلمهما

стр. 507

لنفسيهما حين خالفا أمر الله، وخروجهما من الجنة وهبوطهما فكان بعضهم لبعض عدوا. وقد ذكر القرآن الكريم في أحوال النبي ﷺ شجرة أيضا فقال: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (...) ومغانم كثيرة يأخذونها﴾ (سورة الفتح: ١٨، ١٩). وهذه الشجرة هي أيضا موضع بلاء نتيجة هذا البلاء رضي الله عن المؤمنين: إخلاص القلب ونزول السكينة على المسلمين وفتوحاتهم في حاضرهم ومستقبلهم. ٥ - أخبر الله عن آدم فقال: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾ (سورة البقرة: ٣٤). ويظهر من هذه الآية علو شأن آدم وسمو مكانته. وأخبر الله عن النبي ﷺ فقال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ (سورة الأحزاب: ٥٦). كلمة ﴿يصلون﴾ تدل على الاستمرار والدوام ويفهم منها أن الملائكة لا يزالون يصلون على النبي، وبما أن الله نسب الصلاة إلى ذاته المقدسة فإن ذلك سما بشأن النبي ورفع مكانته. إدريس ﵇: عاش إدريس ﵇ في فترة ما بين زمان آدم ونوح. قال تعالى في شأنه: ﴿إنه كان صديقا نبيا﴾ وقال في شأن محمد ﷺ : ﴿والذي جاء بالصدق﴾ وكذلك ورفى في إدريس: ﴿ورفعناه مكانا عليا﴾ وورد في شأن النبي ﷺ . (ورفعنا لك ذكرك﴾ وقد جاء تفسير ذلك في الحديث القدسي فكلما ذكر اسم الله ذكر معه اسم محمد ﷺ فليس هناك موضع من الأذان والتكبير والتشهد والخطبة والصلاة لم يذكر فيه اسمه ﷺ . أما الدعاء فقد ورد فيه اسمه في الصلاة على النبي ﷺ وهذه كلها من مناسك

стр. 508

الإسلام. وقد ذكر الأنبياء السابقون كثيرا عن مولد النبي ﷺ ومهجره وصفته ومكارم أخلاقه ومحاسنه مثل إبراهيم ويعقوب وموسى وداود وسليمان ويسعياه ويرمياه ودانيال وحزقى ايل وجلقوق وملاكي ويحيى وعيسى فهؤلاء كلهم نعتوا أوصاف النبي ﷺ في أساليب رائعة. وهذا مما يدل دلالة واضحة على سمو ذكره ﷺ . وسنذكر التنبؤات المذكورة أعلاه في النهاية من هذا الكتاب مفصلا إن شاء الله. إلياس ﵇: ثبت برواية الإمام البخاري أن النبي إدريس هو إلياس ولذلك يرد ذكره مع إدريس. وقد ثبت من كتاب الله أن إلياس ﵇ وعظ قومه وكره إليهم عبادة البعل ودعاهم إلى التوحيد. ﴿إذ قال لقومه ألا تتقون (...) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين﴾ (سورة الصافات: ١٢٤، ١٢٥). إن تكذيب الصنم الإله بذكر اسمه يحتاج إلى جرأة وجسارة زائدة لأن ذلك يسبب مواجهته عداء شديد ومجابهة خصومة، وقد شنع النبي ﷺ على آلهة العرب المشهورة بأسمائها وأقام بذلك الحجة على المشركين ودعاهم إلى التوحيد قال تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى (...) ومناة الثالثة الأخرى (...) ألكم الذكر وله الأنثى (...) تلك إذا قسمة ضيزى (...) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (سورة النجم: ١٩ - ٢٣). وقد تجشم النبي أنواعا من البلاء والمحن لأنه رفع صوته ضد كثير من الأصنام الآلهة. نوح ﵇: هو أول رسول مرسل من عند الله، ركز جهوده على الدعوة إلى التوحيد وتحمل في سبيل ذلك الشدائد راضيا منشرح الصدو. ورد ذكره في عدة مواضع في القرآن فمنها موضعان ذكر فيهما النبي نوح ونبينا محمد ﷺ في آية واحدة، وفي كل من الموضعين قدم ذكر النبي ﷺ على نوح ﵇. ألف - ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ (سورة النساء: ١٦٣). ب - ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾. (سورة الأحزاب: ٧).

стр. 509

فالآية الأولى تخبر بأن الوحي إلى جميع الأنبياء واحد في حقيقته، والآية الثانية تخبر بأسماء أولي العزم من الرسل. وتأملوا أيضا فقد روعي في الأسماء التي ذكرت من نوح إلى عيسى الترتيب الزمني، أما اسم النبي ﷺ فتقدم ذكره على سائر الأسماء، والترتيب يقتضي أن يذكر بعد عيسى بن مريم. ٢ - قال تعالى في شأن نوح ﵇: ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ (سورة نوح: ١). هذا وسورة التوبة والشعراء وص وهود كلها تبين أن نوحا لم يرسل إلا إلى قومه أما نبينا محمد ﷺ فقال الله في حقه: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو﴾ (سورة الأعراف: ١٥٨). ويظهر من هذه الآية أن الله جعل رسالة محمد ﷺ شاملة للعالم كله. ٣ - حكى الله عن نوح ﵇ قوله: ﴿وما أنا بطارد المؤمنين﴾ (سورة الشعراء: ١١٤). ويفهم من هذه الآية ما كان عليه نوح من حسن خلق وتعطفه على المؤمنين وبذلك أمر الله النبي ﷺ أيضا فقال: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ (سورة الأنعام: ٥٢). ٤ - قال الله لنوح ﵇: ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ (سورة هود: ٤٨). تبين هذه الآية أن الله أنزل بركات على من كانوا مع نوح ﵇ من الأمم لمصاحبتهم إياه. وقال الله مخاطبا أمة النبي ﷺ : الف - ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾ (سورة الأحزاب: ٤٣). ب - ﴿يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ (سورة المائدة: ٦). ج - ﴿ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام﴾ (سورة الأنفال: ١١).

стр. 510

وفي كل من الآيات الثلاث وعد الله أصحاب محمد ﷺ بالصلاة عليهم وتطهيرهم وإتمام النعمة عليهم وإذهاب رجز الشيطان عنهم والربط على قلوبهم وتثبيت أقدامهم ودخل معهم في جميع ما وعدهم الله به ﴿الذين اتبعوهم بإحسان﴾. وهذه البركات كلها نالتها أمة محمد ﷺ لاتباعها وحبها لمحمد ﷺ . هود ﵇: (١) اعترض قوم هود ﵇ على نبوته لأنه بشر وورد اعتراضهم في القرآن الكريم هكذا ﴿ما نراك إلا بشرا مثلنا﴾ (سورة هود: ٢٧). وكان هذا هو اعتراض الكفار على النبي ﷺ إذ قالوا ﴿أبعث الله بشرا رسولا﴾ (سورة الإسراء: ٩٤). وكان الأغنياء من قوم هود يقولون لهود: ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي﴾ (سورة هود: ٢٧). ومثل ذلك كان يقول المتكبرون في مكة لأصحاب النبي ﷺ : ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ (سورة البقرة: ١٣). والذين وصفهم هؤلاء الكفار المغرورون بالسفهاء رأي العالم أنهم هم الذين ملأوا الدنيا أمنا وسلاما ولقنوا درس المساواة وأمدوا جزيرة العرب ومصر وإيران والشام والعراق وفلسطين بالعلوم والحضارة. إذا كان هذا شأن اتباع محمد ﷺ فكيف بالنبي ومنصبه الرفيع العلي؟ قال هود للكفار من قومه: ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك﴾ (سورة هود: ٣١). وقد وردت نفس الألفاظ في الآية رقم (٥٠) من سورة الأنعام وجاء في أولها كلمة " قل " التي تدل على أن الله أمر نبيه بإبلاغ هذه الألفاظ للناس وذلك ليعلموا أن نبي الله لا يحب لنفسه السمعة الكاذبة بل يكفيه ما قدره الله له من ثناء صادق. صالح ﵇ (٢): أخبر الله تعالى بأن دعوة صالح ﵇ إنما كانت تدور

стр. 511

حول إثبات التوحيد وإبطال الشرك: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾ (سورة هود: ٦١) وكانت دعوة محمد ﷺ كما أمره ربه: ﴿قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (...) قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (...) وأمرت لأن أكون أول المسلمين (...) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (...) قل الله أعبد مخلصا له ديني (...) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ (سورة الزمر: ١٠ - ١٥). فتدبروا في هذه الآيات التي شملت جوانب دعوة النبي ﷺ كيف كان يعلم التوحيد على أحسن وجه وأروع أسلوب. خليل الرحمن إبراهيم ﵇: كان النبي ﷺ أقرب ما يكون إلى سيدنا إبراهيم ﵇، وإبراهيم ﵇ هو الذي دعا الله ليبعث في مكة رسولا. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ (سورة النحل: ١٢٣). ولهذا علينا التفكير في الأمور التالية: ١ - ألقي إبراهيم في النار فذكر هذا بقوله: ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ (سورة الأنبياء: ٦٩). وقال في شأن نبيه ﷺ : ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾ (سورة المائدة: ٦٤). ٢ - بنى إبراهيم الكعبة المشرفة: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ (سورة البقرة: ١٢٧). واختارها النبي ﷺ قبلة له فأنزل الله حكمه بذلك حين رأى قلبه يميل إلى ذلك. ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (سورة البقرة: ١٤٤). ٣ - حطم إبراهيم الأصنام:

стр. 512

﴿فجعلهم جذاذا﴾ (سورة الأنبياء: ٥٨). وكذلك طهر النبي ﷺ الكعبة من أرجاس ثلاثمائة وستين صنما وأبطل عبادتها إبطالا أبديا: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ (سورة الإسراء: ٨١). ٤ - تزوج إبراهيم في أول عمره زوجة واحدة واكتفى بها ثم عدد في آخر عمره وعمل النبي ﷺ أيضا بهذه السنة الإبراهيمية. ٥ - أذن إبراهيم في الناس بالحج: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ (سورة الحج: ٢٧). وجاء النبي ﷺ بفريضة الحج مع شروط الاستطاعة: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (سورة آل عمران: ٩٧). ٦ - جعل الله إبراهيم أسوة حسنة يتحلى بالصفة الجليلة ألا وهي البغض لله. ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ (سورة الممتحنة: ٤). وكذلك جعل الله النبي أسوة حسنة يتحلى بالصفة الجليلة ألا وهي الحب في الله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (سورة الأحزاب: ٢١). وبهاتين الصفتين يكمل الإيمان بالله تعالى وفيهما جعل الأب الأعظم، وسيد ولد آدم أسوة حسنة للعالم فعلى الناس أن يعرفوا سيرتهما وأقوالهما وأفعالهما حتى لا يصدر منهم إلا ما هو مقبول عند الله من قول أو فعل أو عمل. ٧ - أشاد الله بخلق إبراهيم ﵇ وأثنى عليه فقال: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ (سورة التوبة: ١١٤). وكذلك وصف القرآن الكريم خلق النبي ﷺ ونوه به فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (سورة القلم: ٤). ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (سورة آل عمران: ١٥٩).

стр. 513

٨ - ذكر القرآن الكريم ما جرى بين إبراهيم وبين منكري وجود الله من مناظرة فقال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ (سورة البقرة: ٢٥٨). وكذلك ذكر القرآن الكريم ما أقامه النبي من حجج وبراهين على منكري البعث فقال: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (...) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون﴾ (سورة يس: ٧٩ - ٨٠). وهناك وجه آخر للشبه التام بين واقعتين وهو أن البراهين التي أقامها إبراهيم كانت من الله آتاها الله إبراهيم كما قال تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم﴾ (سورة الأنعام: ٨٣) كما أن البراهين التي احتج بها النبي هي أيضا من الله أوحى إليه بها. وكلمة " قل " في الآية المذكورة تكشف عن هذا السر. لوط ﵇ (١): هو ابن أخي إبراهيم ﵇ وأول من آمن بإبراهيم بعد سارة هاجر إلى الله حبا لخليل الرحمن، وتغرب في البلاد. ١ - هدده قومه بالنفي: ﴿لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين﴾ (سورة الشعراء: ١٦٧). وقد هم الناس بإخراج النبي ﷺ كذلك، أخبر بذلك القرآن الكريم: ﴿نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول﴾ (سورة التوبة: ١٣). ٢ - أخبر الله سبحانه عن حال قوم لوط ﵇ بهذه الألفاظ الجامعة. ﴿كانت تعمل الخبائث﴾ (سورة الأنبياء: ٧٤) وقال تعالى يمدح النبي ويثنى عليه: ﴿ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (سورة الأعراف: ١٥٧).

стр. 514

٣ - ذكر القرآن الكريم نزول الملائكة لنصرة لوط ﵇ وتدمير أعدائه: ﴿يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ (سورة هود: ٨١). وقال الله لنبيه ﷺ يخبره عن إمداده إياه بالملائكة: ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ (سورة آل عمران: ١٢٥). إسماعيل ﵇: يخبر القرآن عن صفة إسماعيل ﵇ فيقول: ﴿كان صادق الوعد﴾ (سورة مريم: ٥٤). وذكر الله سبحانه على لسان المؤمنين إنجاز ما وعد به النبي فقال: ﴿قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾ (سورة الأحزاب: ٢٢). ٢ - وكذلك أخبر عن صفة إسماعيل فقال: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة﴾ (سورة مريم: ٥٥). هذه الآية تخبرنا بأنه يجب أن تبدأ الدعوة أولا بالأسرة والأهل. وقال تعالى للنبي ﷺ : أ - ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ (سورة طه: ١٣٢) ب - ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (سورة الشعراء: ٢١٤) ويفهم من هاتين الآيتين أن النبي ﷺ بلغ عشيرته الأقربين رسالته كما بلغها أهله. ٣ - قال تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ (سورة البقرة: ١٢٥). والواضح أن إسحاق وذريته لا يدخلون في هذا العهد وابن إسماعيل وهو النبي ﷺ قد أعلن للناس أمر الله تعالى وهو ما ذكره القرآن الكريم: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ (سورة البقرة: ١٤٤). ويتضح من هذا الحكم أن النبي ﷺ بين أن الكعبة هي قبلة مساجد الدنيا كلها. إسحاق ﵇: فلما أفرد القرآن ذكر إسحاق ﵇ مفردا وإنما يذكر اسمه

стр. 515

مع إبراهيم (١) أو إسماعيل أو يعقوب ﵈. ١ - قال تعالى: ﴿وبشرناه بإسحاق﴾. هذا يدل على أن إسحاق بشر بولادته قبل أن يولد وكفى به فضيلة وعلوا. ٢ - وأخبر سبحانه عن النبي ﷺ أن عيسى قال للناس فيه: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (سورة الصف: ٦). يعقوب ﵇: (٢) ذكر القرآن الكريم وعظ يعقوب إلى بنيه: ﴿إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾ (سورة البقرة: ١٣٣). وهذه هي الرسالة التي دعا النبي ﷺ العالم كله إليها: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (سورة البقرة: ٢١، ٢٢). ٢ - وكان من تعاليم يعقوب ﵇: ﴿ولا تيئسوا من روح الله إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (سورة يوسف: ٨٧). وذلك أيضا هو تعليم النبي ﷺ لأمته: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ (سورة آل عمران: ١٣٩)

стр. 516

٣ - حضر بنو يعقوب الآثمون يطلبون منه أن يستفر لهم: ﴿يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾ (سورة يوسف: ٩٧). فأجابهم يعقوب: ﴿سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ (سورة يوسف: ٩٨). خاطب الله تعالى جميع أهل الأرض وأخبرهم بمكانة النبي ﷺ وأنه رحمة للعالمين. ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ (سورة النساء: ٦٤). ولكي نعرف مكانة الرسول العظمى علينا أن نقف وقفة تأمل أمام قول الله ﴿واستغفر لهم الرسول﴾ وهذا هو السر في ورود التأكيد على أن نصلي على النبي ﷺ في أول الدعاء وآخره. فقد كان بإمكان الرعيل الأول الحضور إلى النبي ليسألوه أن يدعو لهم فلما انقضى ذلك العصر الميمون لم يبق للناس من طريق إلا أن يصلوا على النبي ﷺ ليستحقوا بذلك رحمة الله وبركاته. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد في الأولين والآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين. يوسف ﵇: وصف يوسف في الحديث الشريف بالكريم " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ". ووردت في القرآن قصة رؤياه: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ (سورة يوسف: ٤). تحققت رؤيا يوسف هذه بعد بضع سنوات وخر له إخوته سجدا حين ذهبوا للقائه وقد تحققت رؤياه ولكن بعد مدة طويلة لقى فيها يوسف شدائد ومحنا لعداء إخوته له وواجه إخوته أيضا مصائب كثيرة بعد فراق يوسف لأنهم ما كانوا يعلمون أن وجوده فيهم يمن وبركة لهم. وقد ذكر القرآن الكريم رؤيا النبي أيضا فقال: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ (سورة الفتح: ٢٧).

стр. 517

تحققت هذه الرؤيا بعد سنة واحدة وقد عاش النبي ﷺ ثماني سنوات بعيدا عن مكة، ونكب أهلها خلال هذه الفترة بالجدب والحرب، وإذا كانت رؤيا يوسف فيها شيء من الاستعارة فإن رؤيا النبي ﷺ أوضح وأظهر من أي استعارة فقد ظهرت عيانا وإلى ذلك تشير كلمة "بالحق" في الآية المذكورة. ٢ - وجهت إلى يوسف التهمة باسم امرأة العزيز، ووجهت التهمة إلى النبي باسم امرأة زيد كذلك، وإذا كان هناك فرق داخلي بين الواقعتين فهو رمي يوسف بالفاحشة واتهام النبي ﷺ بأنه تزوج من زوجة ابنه. ٣ - كانت مؤامرة إخوة يوسف ضد يوسف ﵇ هى: ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا﴾ (سورة يوسف: ٩). وكانت مؤامرة قريش ضد النبي ﷺ هى: ﴿وإاذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ (سورة الأنفال: ٣٠). نجحت مؤامرة إخوة يوسف فألقوه في غيابة الجب ولكن الله حفظ النبي ﷺ من شر أعدائه. ٤ - دخل إخوة يوسف عليه يقولون له: ﴿يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا﴾ (سورة يوسف: ٨٨). وكذلك ابتلى أهل مكة بالجدب ومسهم الضر بعد هجرة النبي إلى المدينة وهو ما ورد في الآية التالية: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ... يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ (سورة الدخان: ١٠، ١١) وبذلك فسر ابن مسعود ﵁ هذه الآية كما في صحيح البخاري. ٥ - أوفى يوسف لإخوته الكيل من مصر. وأمر النبي ﷺ ثمامة بن أثال أن يرسل الغلة من نجد إلى أهل مكة. شعيب ﵇: أرسل شعيب ﵇ نبيا إلى قوم مشركين أغنياء مطففين الكيل ولذلك كانت مواعظه في معظمها خاصة في الأموال بعد دعوته لهم بالتوحيد.

стр. 518

١ - ذكر القرآن الكريم مواعظ شعيب لقومه فقال: ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ (سورة هود: ٨٥) وقد أرشد النبي ﷺ أيضا أمته إلى ذلك كما تدل عليه الآيات التالية: ﴿ويل للمطففين ... الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ... وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾. (سورة المطففين (١ - ٣). ٢ - وأخبر سبحانه عن شعيب ﵇: ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومة لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا﴾ (سورة الأعراف: ٨٨). وكذلك ذكر القرآن الكريم ما لقيه أصحاب النبي ﷺ من نفي وما قاموا به من نصرة الله ورسوله فقال: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله﴾ (سورة الحشر: ٨). ٣ - قال الكفار لشعيب حين أعجزتهم أدلته: ﴿يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول﴾ (سورة هود: ٩١). وحدث هذا للنبي ﷺ مع الكفار إذ تقول الآية الكريمة ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾ (سورة فصلت: ٥). وأجابه اليهود بمثلى ما أجابه المشركون: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾. (سورة البقرة: ٨٨). ٤ - قال قوم شعيب ﵇ له: ﴿يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ (سورة هود: ٨٧). ومن المعروف أن هؤلاء القوم المرابين كانوا يتمنون أن يرضوا نبيهم بصلاتهم، ويستمروا أيضا في أكل الربا بالبقاء على شركهم الموروث، فإذا لم يتمكنوا من الجمع بين الصلاة وبين أكل الربا، تركوا مثل هذه الصلاة، وإذا لم يتمكنوا من الجمع بين هذه

стр. 519

الصلاة والوثنية رفضوا مباشرة أي أمر لنبيهم، ومن الممكن أن يكون قد تمنى هذا رجل من الأغنياء في زمن النبي ﷺ أيضا قبل أن يدخل الإسلام قلبه، فأنزل الله الآية التالية للقضاء على أمنية مثل هؤلاء حتى يكمل إيمان المسلمين. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (سورة البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩). ويرى كاتب هذه السطور أنه (إذا رفع أحد أمره إلى القاضي المسلم يطلب مبلغ القرض مع الربا فعلى القاضي أن يرفض دعواه كلية لأن الحصول على رأس المال إنما يتوقف على التوبة "إن تبتم". كليم الله موسى ﵇: يمتاز موسى ﵇ بين أنبياء بني إسرائيل بميزة خاصة. وفي التوراة لم يرسل نبي إلى بني إسرائيل كموسى. (التثنية [ص:٣٣]). ١ - يخيل إلى حين أدرس أخبار موسى ﵇ أنه ولد يتيما. ويؤيد ظني هذا وحي الله إلى أم موسى أن تلقي موسى في اليم وقولها لابنتها قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون، وعدم ذكر أبي موسى في الموضعين، والله أعلم وكان النبي ﷺ يتيما كذلك قبل قدومه إلى هذه الدنيا. ٢ - ربت آسية موسى فاستوجبت الفضيلة وكذلك عاملت حليمة السعدية النبي ﷺ معاملة الأم لابنها فاحتلت مكانة " ﵂ ". ٣ - نجا موسى من أعدائه وكذلك نجا النبي ﷺ ممن حاصروه من المشركين وذر الرماد على عيونهم وأخذ طريقه إلى غار ثور. ٤ - عرفت ابنتا شعيب موسى ﵇ لما كان يتصف به من صفة القوة والأمانة وعرفت خديجة النبي ﷺ لما كان يتصف به من صفة الصدق والأمانة ففدته بنفسها. ٥ - ذكر الله تكليمه لموسى في قوله: ﴿فلما قضى موسى الأجل وسار بأهل﴾: إلى قوله ﴿رب العالمين﴾ سورة القصص: ٢٩، ٣٠) جاء ذكر هذه الرؤية بكلمة النار والوادي والشجرة والنداء.

стр. 520

وجاء ذكر رؤية النبي أيضا في القرآن. وفيما يلي الآيات التي تتعلق برؤيته ﷺ : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ (سورة الإسراء: ١). وقال تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ إلى قوله ﴿من آيات ربه الكبرى﴾ (سورة النجم: ١٣ - ١٨). وقال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (سورة النجم: ١١). وقال: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (سورة النجم: ١٠). ولا يعلم أحد على وجه الدقة ما في هذه الرؤية من الروحانية والمشاهد العينية واليقين القلبي إلا الله ورسوله، ولكن جزالة اللفظ وفخامة المعنى وعلو المفهوم يجعل هذه الكيفية متصورة متشكلة في العقل البشري، ويتلذذ بها القلب والعقل مع ما في هذا الأمر من استعجاب وحيرة. ٦ - اتبع فرعون موسى وبني إسرائيل وكاد يدركهم إذ نادى بنو إسرائيل: (إنا لمدركون﴾ (سورة الشعراء: ٦١). فأجابهم موسى: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ (سورة الشعراء: ٦٢). تدبروا قليلا، فموسى ﵇ لم يدخل معه قومه في المعية الربانية فقد كانوا لا يزالون على المكانة المنحطة التي لا تؤهلهم لهذه المعية. ومثل ذلك وقع للنبي ﷺ كان هو وأبو بكر في غار ثور والكفار قد وصلوا إليه، كان لسان أبي بكر لا ينطق، ولكن قلبه يموج حزنا وغما وهنالك قال النبي ﷺ : (لا تحزن إن الله معنا) (سورة التوبة: ٤٠). إذا تأملنا في قول موسى " معي " وقول النبي " معنا " علمنا ما يملكه النبي ﷺ من قوة العاطفة حيث أشرك صاحبه معه في المعية الإلهية التي كانت له وحده. ٧ - كفر بنو إسرائيل بموسى حين أمرهم بالجهاد وأجابوه: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ (سورة المائدة: ٢٤). فعاقبهم ربهم على ذلك وقال:

стр. 521

(فإنها محرهة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلاتأس على القوم الفاسقين﴾ (سورة المائدة: ٢٦). ثم غفر لهم خطيئتهم هذه بعد أربعين سنة، فجاهدوا مع يوشع بن نون بعد ما توفي موسى فانتصروا. ومثل هذا وقع للأعراب في زمن النبي ﷺ قال تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا﴾ (سورة الفتح: ١٦). نزلت سورة الفتح سنة سبع من الهجرة ولم يدع هؤلاء المخلفون إلى الجهاد في حياة النبي ﷺ لأن القرآن قد كان أخبرهم حين استأذنوا النبي للجهاد: ﴿فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا﴾ (سورة التوبة: ٨٣). وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة دعا أبو بكر جميع القبائل والأفراد إلى الجهاد فاجتمعوا له زرافات ووحدانا. وتبين منه فضل النبي ﷺ حيث كانت خطيئة بني إسرائيل وخطيئة المسلمين من الأعراب واحدة إلا أن بني إسرائيل غفر لهم ذنبهم بعد أربعين سنة قضوها حائرين متغربين، وغفرت للمسلمين خطيئتهم خلال أربع سنوات، كما ثبت منه أن دعوة أبي بكر إلى الجهاد كانت من أمر الله، وخلافته كانت كخلافة يوشع بن نون. ويكتمل وجه الشبه هنا حين نرى أن الأرض الموعودة بشر بها موسى قومه، وتمت هذه البشرى على يد يوشع بن نون وكذلك بشر النبي أصحابه بالأرض الموعودة وتم ذلك في خلافة أبي بكر وعمر. ٨ - وذكر القرآن الكريم ما صار إليه أمر عداوة فرعون لبني إسرائيل وظلمه لهم فقال: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون ... وكنوز ومقام كريم ... كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ (سورة الشعر اء: ٥٧ - ٥٩). وكذلك هجم الكفار بخيلهم ورجلهم على النبي ﷺ والمسلمين فذكر الله مصيرهم فقال: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا﴾ - إلى - ﴿وكان الله على كل شيء قديرا﴾ (سورة الأحزاب: ٢٥ - ٢٧)

стр. 522

٩ - لما بشر موسى بالنبوة قال: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ (سورة طه: ٢٥). وقال الله في شأن النبي ﷺ : ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (سورة الشرح: ١) ١٠ - لما اشتغل موسى بمهام النبوة سأل الله: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي ... هارون أخي﴾ (سورة طه: ٢٩، ٣٠). وقال الله في شأن نبيه ﷺ : ﴿ووضعنا عنك وزرك ... الذي أنقض ظهرك﴾ (سورة الشرح: ٢، ٣). ١١ - قال موسى لربه حين أتاه: ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ (سورة طه: ٨٤). وقال الله في شأن نبيه ﷺ : ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (سورة الضحى: ٥). إن الآية الأولى طلب فيها رضا الرب والآية الثانية تنطق برضا محمد ﷺ . هارون ﵇ (١): كان هارون شقيق موسى الأكبر، أكرم بالنبوة لدعاء موسى ربه وسؤاله له في ذلك. ١ - في التوراة أن هارون كان يتعهد المعبد ويؤم الناس جميعا. وثبت من القرآن الكريم أن النبي ﷺ كان يصلي بالناس بنفسه والناس يصلون معه. قال تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك﴾ (سورة المزمل: ٢٠). وقال: ﴿الذي يراك حين تقوم ... وتقلبك في الساجدين﴾ (سورة الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩).

стр. 523

٢ - قال الله على لسان موسى: ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا﴾ (سورة القصص: ٣٤). وذلك يدل على كمال فصاحة هارون وبلاغته. إن الفصاحة والبلاغة أمر وجداني يصعب تصويرها بالكلمات، ومن الجدير بالذكر أن الفصاحة والبلاغة تتعلق بالألفاظ كما تتعلق بالمعاني، وتتعلق بالأسلوب كما تتعلق بمناسبة الكلام، وكذلك فإن الفصاحة والبلاغة لها شأنها في كل من الألفاظ والمعاني، وأسلوب الكلام، ومناسبة هذا الكلام، وشأن القائل ومنزلة المستمع، فإذا تضمن الكلام هذه الأوصاف كلها فلا شك أنه يبلغ قمة الفصاحة والبلاغة. وهذه الأوصاف كلها توفرت في كلام النبي ﷺ توفرا يجعل الناقد البصير يعترف بقصور باعه وقلة شأنه فيها. وأسوق هنا للنبي ﷺ نماذج من أقواله تبين ما فيها من وضوح البيان وإيجاز الكلام وجزالة اللفظ وجمال المنطق: «- ما هلك امرؤ عرف قدره. - حبك للشيء يعمي ويصم. - اليد العليا خير من اليد السفلى. - الخير كثير وقليله فاعله. - رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم. - ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فخشية الله في السر والعلانية، والاقتصاد في الغنى والفقر، والحكم بالعدل في الرضا والغضب؛ وأما المهلكات فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه. - لا تزال أمتي بخير ما لم ترى الأمانة مغنما والصدقة مغرما». وأتطرق الآن إلى ما نحن بصدده: فأقول إن القرآن الكريم يشير إلى ما يملكه النبي من فصاحة وبلاغة فيقول على لسان أعدائه ﷺ : ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر﴾ (سورة المدثر: ٢٤).

стр. 524

ومهما قال عنه الأعداء إنه سحر أو غير ذلك فإن الواقع يشهد بأن كلامه لم يخرج من فمه إلا وأخذ بمجامع القلوب وتغلغل في النفوس. وباختصار اعترف العرب بكمال فصاحة النبي وبلاغته، وإذا كان هناك من أنكر نبوته إلا أن أحدا في جزيرة العرب لم ينكر له فصاحته، وقد قلت جزيرة العرب لأن العرب كانت توجد فيهم لهجات مختلفة ولغات متعددة، انظروا حوار النبي ﷺ مع أهل الحجاز ثم حواره مع أهل المدينة وهلم جرا. وكذلك تأملوا الكلمات التي وجهها إلى وائل الكندي وقطن العليمي وطهفة النهدي وأبي ثور بن نمط الهمداني وغيرهم من ملوك اليمن وحضرموت لتعرفوا أنه ﷺ كان في كل لهجة ولغة بحرا يزخر بالفصاحة ويموج بالبلاغة. اليسع ﵇ (١): اليسع أو يسع هو الذي ورد في التوراة باسم يوشع بن نون. ١ - ووصف اليسع في سورة الكهف بفتى موسى وورد في القرآن ذكر فتى النبي أيضا وهو زيد. ٢ - واليسع هو الذي ذكر في هذه الآية: ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ (سورة المائدة: ٢٣). وقد جاء ذكر زيد كذلك في القرآن بهذه الكلمات: ﴿أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ (سورة الأحزاب: ٣٧). ٣ - ورد اسم اليسع في سورة ص، وأخبر الله أنه من الأخيار. وذكر القرآن الكريم نزول الخير على النبي وبالتالي على أمته فقال: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ (سورة البقرة: ١٠٥). داود ﵇: داود ﵇ هو الذي أعاد لبني إسرائيل عزتهم الضائعة وجعل من اثنتي عشرة أسباطا جماعة واحدة وجاهد الكافرين وحفظ لقومه وبلده العزة

стр. 525

والكرامة وجمع بين الحكومة والنبوة والدين والدنيا، إنه أشبه ما يكون بالنبي ﷺ وهو الذي بشر بني إسرائيل بقدوم النبي ﷺ وأخبرهم بآثاره وعلاماته. ١ - قال تعالى يمدح داود ويثني عليه: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما﴾ (سورة النمل: ١٥) ولاشك أن العلم نعمة ما فوقها نعمة، ولا سيما علم الأنبياء الذي يتلقونه مباشرة من رب العالمين ولذلك فقد صرح الله بذلك في قوله: (وكلا آتينا حكما وعلما﴾ (سورة الأنبياء: ٧٩). وقال تعالى في شأن النبي ﷺ : ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ (سورة النساء: ١١٣). وقال: ﴿وقل رب زدني علما﴾ (سورة طه: ١١٤). الآية الأولى تنص على أن النبي ﷺ ألهم جميع المعارف والعلوم مرة واحدة ودلت الآية الثانية على أن علمه كان في تزايد مستمر كل حين بإذن ربه. قال تعالى في شأن داود ﵇: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا﴾ (سورة سبأ: ١٠) وقال في شأن النبي ﷺ : ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (سورة النساء: ١١٣). ٣ - قال تعالى لداود: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ (سورة ص: ٢٦). اسم الأرض يطلق على أرض الميعاد وهذه هي الأرض التي جعل الله فيها داود خليفة وكتب الله الأرض الموعودة لذرية إبراهيم إلى يوم القيامة. وقبل أن يبشر داود بالخلافة في الأرض كان يرعى الغنم فرفع الله درجته وجعله خليفة في الأرض. في القرآن أخبر النبي أن الله سيستخلف الذين آمنوا في الأرض: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني

стр. 526

لا يشركون بي شيئا﴾ (سورة النور: ٥٥). إذا تأملنا هذه الآية وضحت لنا الأمور التالة: (الف) المخاطبون في هذه الآية هم من كانوا يتصفون قبل نزولها بصفة الإيمان والعمل الصالح. ب - وعد الله في هذه الآية باستخلاف المؤمنين في الأرض. ج - هذه الخلافة هبة من عند الله. د - هذا الاستخلاف إنما يكون في تلك الأرض التي استخلف الله فيها عباده الصالحين من قبل. هـ - من علامات هذه الخلافة تمكن دين الله الذي ارتضى لهم فيها. و- ومن علاماتها أيضا قيام الأمن والسلام وتلاشي الخوف والذعر. ز - الذين يتولون أمور الخلافة هم من عباد الله المخلصين العابدين. ح - دخل في هذا الوعد أكثر من مسلمين اثنين فإن الضمير في قوله " ليستخلفنهم " للجمع وصيغة الجمع في العربية تكون لأكثر من اثنين. ويجب هنا تعيين زمن نزول هذه الآية، فهذه الآية من سورة النور، وسورة النور مشتملة على قصة الإفك التي وقعت في غزوة المريسيع في سنة خمس من الهجرة. وأما السر في ذكر الخلافة بعد ذكر قصة الإفك فهو أنه لما أحزن المفترون الكذابون قلب أبي بكر، ونالوا منه، كان وعد الله بالخلافة، وفرج بذلك عن كربه وخفض من حزنه ولله الحجة الباقية، فكانت النتيجة أن الآية نزلت في السنة الخامسة من الهجرة وترتب عليها أن اختير للخلافة من الصحابة من سبقوا إلى الإسلام، واتصفوا بصفة الإيمان والعمل الصالح قبل السنة الخامسة للهجرة. فهؤلاء الخلفاء الأربعة أسلم كل منهم قبل السنة الخامسة بكثير فيدخل فيهم الحسن ﵁ الذي كانت مدة خلافته تسعة أشهر لأنه تكرم بالإسلام في السنة الثالثة من الهجرة ومن الناحية التاريخية كان أبو بكر وعمر هما أول من استخلفا في الأرض في الإسلام، وبما أن الفضل في خلافة الخلفاء الأربعة يرجع إلى إيمانهم بمحمد ﷺ فإن آية الاستخلاف لا تدل إلا على فضل النبي ﷺ .

стр. 527

٤ - قال تعالى في شأن داود ﵇: ﴿وألنا له الحديد﴾ (سورة سبأ: ١٠) وقال في شأن من آمن بما جاء به النبي ﷺ من كلام: ﴿تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء﴾ (سورة الزمر: ٢٣). سليمان ﵇: هو أشهر أبناء داود وهو الذي خلف أباه فأحسن خلافته من بين سبعة عشر أخا وثماني عشرة أختا له ومن ثم خصه القرآن بقوله: ﴿وورث سليمان داود﴾ (سورة النمل: ١٦) ١ - إن ما جرى بين سليمان ﵇ وبين رسل الملكة سبأ من حوار يدل على أن سليمان لم يكن يقيم لحطام الدنيا وزنا ولا يحسب له حسابا: ﴿أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم﴾ (سورة النمل: ٣٦). وقال في شأن النبي ﷺ : (ووجدك عائلا فأغنى﴾ (سورة الضحى: ٨). ٢ - قال الله في شأن سليمان: ﴿ولسليمان الريح﴾ (سورة سبأ: ١٢). وقال في شأن نبيه ﷺ وأحواله: ﴿إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها﴾ (سورة الأحزاب: ٩). ذكرت هذه الآية من عمل الريح ما كان في تدمير أعداء الإسلام وتبديدهم وفي رواية لصحيح البخاري قال النبي ﷺ "نصرت بالصبا". وقد وردت كلمة الريح في القرآن لأمة محمد ﷺ أيضا وإن اختلف معناها في ذلك الموضع عن هذا المعنى. قال تعالى: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ (سورة الأنفال: ٤٦). والحاصل أن سليمان كان يحكم الريح وكذلك بقيت هذه الريح في حوزة المسلمين الأولين ولما تنازعوا ذهبت هذه الريح وساءت أحوالهم. ٣ - ذكر الله قوة سليمان وعظمته فقال: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير﴾ (سورة النمل: ١٧).

стр. 528

وجاء ذكر هؤلاء الثلاثة في أحوال النبي ﷺ أيضا. فقال الله في سورة الجن: ﴿استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ... يهدي إلى الرشد فآمنا به﴾ (سورة الجن:٢، ١). وقال في جنود من الإنس: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ... ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا﴾ (سورة النصر: ٢، ١). وقال في ما كان للطير من خدمة وعمل: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف ماكول﴾. اتفق المفسرون على أن هذا الحدث كان إرهاصا للنبوة فهو أيضا من فضائل النبي ﷺ . وقد استعمل القرآن صيغة الخطاب مرتين، مرة في قوله ﴿ألم تر﴾ ومرة في قوله ﴿ربك﴾ وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن بيان المفسرين ﵏ توضيح كامل لإرادة الله. يونس ﵇: (١) أرسل يونس رسولا إلى أرض نينوا، التي ضمت أكثر من مائة ألف نسمة، فكفر أهلها به، فغضب عليهم النبي يونس، وتولى عنهم، فتأسف الناس على ذلك ثم عاد إليهم يونس بأمر ربه فآمن به الناس جميعا. ١ - قال تعالى في شأن يونس ﵇: ﴿فالتقمه الحوت﴾ (سورة الصافات: ١٤٢). قضى يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام سويا. وقضى النبي ﷺ أيضا في بطن الغار ثلاثة أيام، ففي القرآن: ﴿إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (سورة التوبة: ٤٠). دخل يونس في بطن الحوت بعد ما هجر الطغاة من قومه ودخل النبي ﷺ في بطن الغار بعد ما هاجر من مكة.

стр. 529

٢ - قال تعالى في شأن يونس ﵇: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين ... للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ (سورة الصافات: ١٤٣، ١٤٤). وفي هذا دلالة على أن يونس لم يكن غافلا عن ذكر الله حتى في بطن الحوت. وكذلك ما كان محمد ﷺ غافلا عن ذكر الله في الغار أيضا بل كان يتمتع بالمعية الربانية كما قال تعالى: ﴿لاتحزن إن الله معنا﴾ (سورة التوبة: ٤٠). ٣ - جاء ذكر ما سبح به يونس في القرآن وهو: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (سورة الأنبياء: ٨٧). تأملوا هذه الآية لقد جمعت بين تقديس الله وتقصير العبد. وقد اجتمع هذان الأمران في جواب الرسول للكفار وهو: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ (سورة الإسراء: ٩٣). وقد سبح النبي ﷺ في هذه الآية بحمد ربه وبرأ نفسه من أن يزكيها. وهناك آيات كثيرة جمعت بين هذين الأمرين منها: ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون﴾ (سورة يس: ٨٣). ومنها: ﴿سبحانك فقنا عذاب النار﴾ (سورة آل عمران: ١٩١). ٤ - وعد الله الذين آمنوا بالله ورسوله بالنجاة إذا دعوا الله ودعاء يونس: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾ (سورة الأنبياء: ٨٨). أيوب ﵇: (١): من كبار الأنبياء، ورد اسمه في آخر حزب من سورة النساء ويتضح منه أنه نزل عليه الوحي من عند الله. ١ - قال تعالى في صفة أيوب:

стр. 530

﴿إنا وجدناه صابرا﴾ (سورة ص: ٤٤). والصبر فضيلة عليا من الفضائل المحمودة. ولن يحتل أحد منصبا عاليا دينيا كان أو دنيويا ما لم تتحقق فيه صفة الصبر. وقوة الإرادة والصمود والاستقلال والتوكل على الله ما هي إلا فروع للصبر. قال الله في صفة نبيه ﷺ : ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ (سورة النحل: ١٢٧). وتبين هذه الآية للنبي ﷺ صفتين صفة الصبر وصفة الإخلاص. وقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (سورة الطور: ٤٨). وهذه الجملة في دنيا المحبة تدخل السرور على القلب والبهجة على النفس. ٢ - قال تعالى في صفة أيوب ﵇: ﴿نعم العبد﴾ (سورة ص: ٤٤). وقد ثبت كمال عبودية النبي ﷺ في مواضع كثيرة، فالإسراء الذي هو مرتبة قصوى من مراتبه ﷺ قد ذكر الله فيه نبيه بكلمة العبد حيث قال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ (سورة الإسراء: ١). وكذلك ذكر الله نبيه بكلمة العبد في صفة صلاته فقال: ﴿أرأيت الذي ينهى ... عبدا إذا صلى﴾ (سورة العلق: ٩، ١٠). وقال: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾ (سورة الجن: ١٩). ولعل هذا هو السر في كون الصلاة معراجا للمؤمنين. ٣ - قال تعالى في صفة أيوب: ﴿إنه أواب﴾ (سورة ص: ٤٤). أما كيف كان أوابا إلى الله راجعا إليه فيوضحه القرآن فقال: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ (سورة ص:٤١). تبين من هذا أنه كان يدعو الله في المرض والصحة والشدة والرخاء وأنه كان يراعي الأدب في الدعاء، فلم يكن ينسب المرض والألم إلى الله عزوجل.
следующие страницы →