الفصل الأول
الخاصية الأولى
﴿محمد رسول الله﴾ (سورة الفتح: ٢٩).
تضمنت الآية السابقة اسم النبي (ص) ومنصبه أيضا، والآية السابقة من الناحيتين مظهر للخصائص النبوية.
أ - لأن اسم النبي (ص) يحمل بداخله خاصية بيان وإظهار شأنه (ص).
ومن الواضح أن أحدا من الأنبياء الكرام ﵈ لا يشهد اسمه له بكمالات النبوة، ونورد هنا بعض الأسماء على سبيل المثال:
آدم: معنى آدم قمحي اللون، ويدل اسم أبي البشر هذا على لون بشرته.
نوح: معنى نوح الراحة، فقد جعله أبوه موجبا للراحة.
إسحاق: معنى إسحاق الضاحك، وكان هش الوجه بشوشا.
يعقوب: معنى يعقوب، من يأتي من العقب، وقد ولد توأما مع أخيه عيسو. موسى: أي المخرج من الماء، وقد سمى بهذا الاسم حين أخرج صندوقه من الماء. يحيى: أي طويل العمر، وهذا تعبير عن آمال أبويه فيه وكانا عجوزين.
عيسى: أي أحمر اللون، وسمى بهذا الاسم لحمرة وجهه.
انظروا إلى الأسماء السابقة، وفكروا بإمعان في معانيها لتجدوا أنها لا تشير من قريب أو بعيد إلى عظمة المسمى الروحية أو نبوته.
ولكن اسم ((محمد)) له شأن خاص. والاسم الذاتي للنبي (ص) هو محمد وأحمد أيضا. ومادة الاسمين الذاتيين واحدة، فهما مشتقان من ((حمد)).
إذا اجتمع الكمال في الصفات، والجلال في النعوت، والإحسان إلى الغير في الفطرة وفضائل العلم الكثير، فإن هذا كله مجتمعا يعني الحمد، والحمد أيضا يشمل الثناء والتكريم ورفعة الشأن والذكر ومداومة الجود والعطاء وجملة صفات الحمد هذه وجدت بأكمل درجة في ذاته ، وحرف اللام في ((الحمد لله)) يدل على
стр. 597
هذا ويكشف الاسم الطاهر (الحميد) عن هذا السر أيضا.
وكأن سيدنا حسان (ابن ثابت) ﵁ المؤيد بروح القدس قد أشار إلى هذا المعنى في البيت المشهور من قصيدته المشهورة.
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد محمد: مبالغة من حمد (مضعف) لأن النبي (ص) محمود عند الله تعالى، ومحمود أيضا عند الملائكة المقربين، ومحمود عند جميع الأنبياء والمرسلين، ومحمود عند أهل الأرض جميعا وأولئك الذين لا يقرون بنبوته يمتدحون أيضا السجايا والشيم التي لزمت وثبتت بأتم درجة في معنى اسم النبي (ص) وذاته الكريمة.
نعم فهو صاحب ((المقام المحمود)) ورايته الخفاقة تسمى ((لواء الحمد)) ولكل هذا أطلق على أهل أمته ((الحمادون)).
والفرق بين معاني محمد وأحمد، هو أن محمدا هو الذي أثنى عليه جميع أهل الأرض والسماء أعظم الثناء، وأحمد هو الذي حمد رب السماوات والأرض وأثنى عليه بأكثر من أهل الأرض والسماوات جميعا، ولهذا فإن اسمه المبارك علم وصفة، وهو بمعانيه دال على كمالات النبوة ومدلول عليها أيضا.
وهذه هي الخصوصية التي لا توجد ولا تتوفر في أسماء سائر الأنبياء ﵈.
ب - ومع الاسم المبارك يوجد علم رسول الله (ص) في سورة الفتح آية ٢٩ (١) وسورة آل عمران آية ١٤٤ (٢) رسول، على وزن فعول بمعنى مرسل من عند الله فقط فلا يبلغ رسالة أحد غيره ولا ينقل كلام أحد غيره فهذا ليس من شأنه، وإذا ما ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم دون إضافة، ورد معرفا باللام، وهو ما يفيد هذا التخصيص.
والآية ﴿محمد رسول الله﴾ (٣)، والآية ﴿وما محمد إلا رسول﴾ (٤) توضحان أن قوله تعالى ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٥) وكذا الآيات التي تحمل نفس المعنى في القرآن
стр. 598
الكريم إنما قصد بها ذات النبي (ص)، الذي جعله رب العالمين مطاع العالم وسيد الأنبياء والأمم.
وقد آمن بهذه المسألة جميع المسلمين عبر القرون الثلاث عشر الماضية، رغم أنه في زماننا استحدثت عقيدة مفادها أن المراد بالرسول في الآيات الإلهية هو القرآن، ولهذا فرضت طاعة القرآن، ولم تفرض طاعة محمد (ص).
وفيما يتعلق بالآية الكريمة التي زينت عنوان هذا الفصل ﴿محمد رسول الله﴾ نقول يجب حل هذه المسألة بالقرآن الكريم نفسه، فإذا ما تدبر أهل الإيمان في القرآن الكريم وضح لهم بجلاء أن لفظ الرسول أطلق فقط على الأنبياء الكرام أو على الملائكة الذين يؤدون واجب الرسالة، إلا أن لفظ الرسول لم يطلق أبدا على أي كتاب، انظروا إلى الآيات التالية:
ورد على لسان نوح ﵇: ﴿يا قوم ليس بي ضلالا ولكني رسول من رب العالمين﴾ (١).
وعلى لسان هود ﵇:
﴿يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين﴾ (٢).
وعلى لسان موسى ﵇:
﴿وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين﴾ (٣).
﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم﴾ (٤)
وعلى لسان المسيح ﵇:
﴿إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله﴾ (٥).
﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول﴾ (٦).
стр. 599
﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم﴾ (١).
وعلى لسان جبريل ﵇:
﴿قال إنما أنا رسول ربك﴾ (٢).
وهكذا يتضح من الآيات السابقة أن كلا من نوح وهود وموسى وعيسى وجبريل عليهم الصلاة والسلام قد وصف في القرآن الكريم بالرسول.
والأمر الذي يظل قيد البحث هو أن سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي ﵌ قد وصف أيضا بأنه رسول، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا ورد لفظ الرسول بمعنى المبلغ، ولماذا لا يفهم هذا معنى بالنسبة لرسول الله (ص)؟.
نذكر فيما يلي الآيات التي يثبت منها أن كلمة ((رسول الله)) لا يمكن أن تعني أي كتاب من الكتب ولو على سبيل التأويل.
١ - ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ (٣).
من الواضح أن الرؤيا مختصة بالإنسان لا بالكتاب، والرؤيا جاءت للنبي (ص) لا للقرآن الكريم.
٢ - ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله﴾ (٤).
وقد كان تردد المنافقين على النبي (ص) وكان هؤلاء الناس يخاطبون النبي (ص) كما كان خطاب الله تعالى موجه إلى النبي (ص) وحرف المخاطب الكاف موجود في ثلاثة مواضع.
٣ - ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم﴾ (٥).
الذهاب والإياب، والنجاة والتأهل، هذه الصفات لا يمكن أن تكون صفات للقرآن الكريم وانظروا فقد وصف الرسول هنا بالتأهل وأنه صاحب أهل وعيال، مثلما وصف بقية المؤمنين أيضا.
стр. 600
ولنقرأ فيما بعد نجد آيات متعددة ورد فيها ذكر النبي (ص) متضمنا ذكر القرآن الكريم. أ - ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (١).
ولاشك أن ما أنزل إليه ((هو القرآن الكريم، ومحمد النبي الأمي (ص) - هو الرسول المخاطب في الآية السابقة، وقد قيل له: بلغ، وفرض التبليغ هنا عائد عليه، وعلينا أن نفكر هنا أيضا، فالمخاطب هنا في ((إليك)) هو الرسول ليس إلا، فمن غيره نزل عليه القرآن!.
ب - ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا﴾ (٢).
آياتنا هي القرآن الكريم، ومن يصدق عليه قوله تعالى: أرسلنا رسولا، ثم قوله تعالى ((منكم))، لا يدع مجالا للشك أنه ينتمي إلى قريش حسبا ونسبا، وكلام الله، أي القرآن الكريم لا يمكن أن ينسب إلى حسب ونسب. ج - ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (٣).
فأي شخصية للقرآن تلك التي تشبه الجنس البشري؟ والخلاصة أن القرآن الكريم بعد أن بين اسم النبي (ص) وعلمه، بين أيضا حيثيته لرسول، كما بين أنه مطاع بإذن الله ومفترض الطاعة، ولم يرد في أي موضع من القرآن الكريم.
أن ((القرآن رسول الله)) والنتيجة هي أن القرآن الكريم قد جزم وقطع بأن سيدنا محمد (ص) هو الرسول الكريم، اتباعه فريضة وإطاعته واجبة على أهل العالم وعلى العالمين جميعا وقد قال تعالى في حقه: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (٤). كما قال في حقه أيضا: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٥). وهذه خصوصية أثبتت علو شأن النبي (ص) وعظمته.
وهكذا ثبت من الآيات السابقة أن محمدا (ص)، هو ابن عبد الله، ولدته آمنة،
стр. 601
وهو محمد المكي والمدني الأمي الهاشمي القرشي الكناني العدناني، فخر إسماعيل ذبيح الله، ودعاء إبراهيم خليل الله، وبشارة عيسى ﵇).
وقد وجبت طاعته على العالمين جميعا إلى الأبد، وهي فرض عين، وهذا الأمر يعد مما اختص به النبي (ص).
الخاصية الثانية
﴿رسولا منكم﴾ (البقرة: ١٥١)
المخاطب في ((منكم)) هم قريش مكة الذين كان العرب كلهم يعترفون لهم بالطاعة والولاء، وهم أيضا جميع البشر.
ولهذا فالجدير بالملاحظة هنا هو روعة وفائدة قوله تعالى ((منكم)).
فمن المعروف أن الأمم الشهيرة قبل النبي (ص) كانت قد أنزلت أئمتهم فوق منزلة البشر.
فعند الهنادكة ما يقرب من اثنين وثلاثين مصطلحا يلقبونهم بالأوتار ومعنى هذا اللقب أن الإله قد أتى في قالب هذا المصلح أي أنه اتخذ لنفسه شكلا ماديا فتلبس بلباس المخلوق سواء كان إنسانا أو أسدا أو خنزيرا أو سلحفاة أو غير ذلك، ومن ثم يبين عن مظاهر قدرته الإلهية.
والنصارى أيضا أنزلوا المسيح منزلة الإله في شكل الإنسان.
وأهل التبت وضعوا ((دلائي لاما)) في منزلة الخالق.
وأهل إنجلترا جعلوا من كرسي الملك آرثر وسيلة لمعرفة المذنب من غير المذنب.
وجعل أهل النرويج من الصنم المعروف باسم دودين إلها لأوربا.
والتتار جعلوا من أبناء السيدة ((النقوا)) مجهولي النسب أبناء النور.
ونساء مصر حين شاهدن جمال يوسف أنكرن بشريته واعتبرنه ملكا ﴿ما هذا
بشرا إن هذا إلا ملك كريم﴾ (١).
стр. 602
ووسط هذه الظروف كان محمد (ص) هو الذي كشف هذه الحقيقة وجعل البشرية أفضل درجات الخلق معلنا أنه هو نفسه بشر فهذه الكلمة الشريفة ((منكم)) أوضحت من ناحية أن الإنسان ((أشرف ما كان)) ومن ناحية أخرى حولت قصار النظر إلى التحليق في الآفاق، وأزالت سحب الأوهام وكشفت ستارة الظنون، ومزقت حجب الجهل، ورسمت أنظمة الحقيقة على لوح القلب، الحقيقة القائلة بأن كل إنسان رغم أنه يمتلك المواهب والكمالات والقدرة الكاملة للسيطرة على الطبيعة فهو بشر.
وسيدنا محمد (ص) هو سيد الكون لأن إتمام كمالات العبدية كان من خلال عنصره البشري الشريف، وقد ورد في القرآن الكريم على لسان النبي (ص) في موضع آخر:
﴿هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ (١).
وهكذا فإن كلمة ((منكم)) رفعت درجة البشرية وأثبتت أن ذات النبي (ص) أرفع وأعلى من التأويلات الخيالية لقصار النظر وبهذا يثبت أن النبي (ص) هو رسول رب العالمين وهو بشير للناس أجمعين.
الخاصية الثالثة
﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ (٢).
ثبت من آيات عديدة من القرآن الكريم أن النبي (ص) لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة ويتضح من كلمة ((علمك)) أن الله ﵎ هو الذي علم النبي (ص).
وفي الدنيا يتم تعليم ((التلميذ)) عن طريق السمع والبصر أي الحسيات وحين يستقر هذا التعليم في الحواس الإنسانية يطلق عليه اسم ((التعلم)).
أما تعليم الأنبياء فيبدأ من القلب: ﴿نزله على قلبك﴾ (٣) ولهذا فهناك فرق كبير بين تعليم الله وتعليم العبد، يقول الله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (٤).
стр. 603
وكون التعليم الرباني فوق النسيان فهذه خاصية لا يمكن أن توجد في أي معلم أو متعلم في الدنيا.
وحين نتدبر القرآن الكريم ونطالع الأحاديث الشريفة بعمق وتمعن ندرك أنهما يتضمنان أحوال الماضي وأخبار المستقبل وأحكام الحاضر، وهنا يتأكد أن النبي الأمي تلقى تعليمه من الله الذي عنده علم الماضي والحاضر والمستقبل وهذه الخاصية التي اختص بها النبي (ص) على درجة كبيرة من الأهمية إذ ولد في قوم كانوا يفخرون بأميتهم، ولد في بلد بعيد عن البلدان المتحضرة ثم بقى لأربعين سنة لا يعرف التعليم والتعلم، ولكن حين تولى رب العالمين تعليمه، قام (ص) فنشر جميع العلوم والمعارف والحقائق والمعاني - وكانت أول آية كريمة: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق (*) خلق الإنسان من علق﴾ (١) فإذا دققنا النظر في هذه الآية عرفنا أن تعليمه بدأ بحقيقة خلق الإنسان، وهذه مسألة دقيقة احتار فيها حتى الفلاسفة المنتهون، ولهذا فإن الآية الكريمة مظهر لخاصية النبي (ص).
الخاصية الرابعة
﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٢)
هناك رواية تتعلق بشرح الصدر وردت في صحيح مسلم عن أنس ﵁ وهذه الواقعة تتعلق بالنبي (ص) في صغره حينما كان في قبيلة حليمة السعدية رضي الله
عنها يقول أنس: إنه كان رأى أثر المخيط في صدر النبي (ص) المبارك (٣).
وهناك رواية أخرى عن شرح الصدر في الصحيحين عن أنس بن مالك بن صعصعة جاء فيها أن واقعة شق الصدر كانت ليلة المعراج عند الحطيم (٤).
وشرح الصدر الذي ذكره القرآن الكريم يؤيد الروايات المشار إليها، وكذلك يدل على معنى أوسع فتدبروا قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن
стр. 604
يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ (١).
﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ (٢).
﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله﴾ (٣).
﴿ويضيق صدري ولا ينطلق لساني﴾ (٤).
﴿قال رب اشرح لي صدري (*) ويسر لي أمري﴾ (٥). وشرح الصدر في الآية الأولى هو الحالة التي تتيسر فيها الهداية الإلهية والتوفيق والسداد، وتجيش في الصدر الرغبة والشوق إلى الدين الحق.
وتفيد الآية الثانية إنه بعد الرغبة الصحيحة والشوق الأصيل ينال الإنسان الدين الحق ثم ينال بعدها أنوار بركات الدين.
وتبين الآية الثالثة أن الذي يميل إلى الكفر يصدق عليه الشرح بالكفر ويستوجب الغضب الإلهي.
والآيتان الرابعة والخامسة تتعلقان بموسى ﵇ حينما أمر بالذهاب إلى فرعون للإنذار والتبليغ فنظر إلى هذه المسؤولية بتخوف وقال: إن صدري يضيق عن هذا، فهذه الحالة قللت من شجاعته، فلما طمأنه الله تعالى قام فدعا بما ورد في الآية الخامسة.
وخلاصة هذه الآيات الخمس أن معنى شرح الصدر بالنسبة للمسلم أن يغلب الصدق والحق، ويطمئن القلب كلية بدرجة تجعله يفوز بالهدى والنور.
ومعنى شرح الصدر بالنسبة للنبي (ص) أن ينال الهمة العالية والعزيمة الراسخة والاستقامة المحكمة من أجل الإبلاغ فلا تشوب قلبه شائبة من خوف نتيجة جبروت ملك أو تسلط كافر، ولا يساوره شعور بالوحدة والمسكنة والعوز.
والآن اقرأوا الآية التي زينت هذا العنوان بعد ربطها بسيرة النبي (ص) الطاهرة حتى تعرفوا أن النبي (ص) حينما أمر بقوله تعالى: ﴿قم فأنذر﴾ (٦) لم يلجأ (ص) إلى عذر ولم
стр. 605
يظهر نوعا من الخوف ولم يساوره أي شعور بالخوف من التكذيب أو الخوف من القتل.
كان موسى ﵇ مأمورا بالذهاب إلى فرعون واحد لكن أعداء النبي (ص) كانوا مئات الفراعنة، إن فرعون كان حاكما لدولة منظمة، ولهذا عرض قضية قتل موسى على مجلس دولته.
﴿قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه﴾ (١).
ولكن سفاحي العرب لم يكونوا ملتزمين برأي مجلس ولا مشورة أحد، ومع ذلك قام النبي (ص) بالإنذار والتبليغ بعد أن أمر بذلك ومن فوره.
والصدر الذي خلا آنذاك حتى من العلوم الدراسية صار مخزنا للنور والمعرفة ومجمعا للهداية والعرفان، وخرجت منه ألوف من أسرار العلوم والحكمة، فأخرجت أهل الدنيا من الظلمات إلى النور.
فحينما ينظر من يتدبر في الآيات القرآنية، ويرى أن شرح الصدر هو المقام الرفيع الذي طلبه موسى، وأعطيه النبي (ص) قبل أن يطلبه، ثم أجاب على ذلك رب العالمين في صورة الاستفهام التقريري، اتضح أن الآية المذكورة تظهر خاصية عليا للنبي (ص).
الخاصية الخامسة
﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ (٢)
الوزر هو الحمل الثقيل، وحمل الوزر هو أن يخف الوزر عن أحد فيحمله بنفسه، وفي هذا المعنى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٣).
والوزير هو صاحب المنصب الذي يرجع إليه في مهمات الدولة.
стр. 606
ولما كلف موسى ﵇ بعبء النبوة دعا:
﴿واجعل لي وزيرا من أهلي (*) هارون أخي﴾ (١).
ومنه يظهر أن أداء فرائض النبوة لم يكن سهلا، ولذا دعا موسى الله في اليوم الأول من نبوته بأن يجعل له وزيرا، ولكن النبي (ص) دخل في هذا الميدان وحيدا، وغمر الكون مثل الشمس بنوره الساطع، إنه (ص) لم ينظر إلى كثرة النجوم ولا إلى الظلمة السائدة، بل رفع وحده راية التوحيد والتبليغ، وبعد هذا الإيثار والتضحية والطاعة تولى الله تعالى نصره وخفف وزره.
والموازرة في لغة العرب تعني المعاونة، وازرت فلانا موازرة أي أعنته على أمره.
فما كان ذلك الوزر؟ تعددت أقوال المفسرين في ذلك، ولابد أن يرجح بعضها على بعض، انظروا بدقة إلى ترتيب الكلام، إن هذه الآية وقعت بين آيتي ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ و ﴿رفعنا لك ذكرك﴾ ولذا فمن المعقول أن يكون زمن هذه الآية بين الحالتين.
والآيات التالية توضح معنى هذا الوزر:
١ - ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ (٢).
٢ - ﴿فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ (٣).
إن التزام أهل الضلال بالكفر، وجمودهم على الشرك، ورفضهم للنظر في الدلائل السمعية والبراهين المرئية، وإصرارهم على تقليد الآباء، وفرارهم من تحقيق الحق، وكثرة الفواحش، وانتشار الأباطيل، وفقدان الإنسانية، وطغيان الوحشية، كل ذلك كان ثقيلا على سمع النبي (ص) وبصره، وكان قلبه يتألم كثيرا من جراء تلطخ قومه بمثل هذه النجاسات.
وبعون من الله تعالى بدأت تعاليم النبي (ص) تنتشر، وتنقشع سحب الكفر والضلال، فقد بعث الله تعالى من أقطار البلاد أناسا صالحين جاءوا إلى رسوله (ص)، فصاروا السابقين الأولين في الإسلام، ولم يحصلوا على الغذاء الروحي لأنفسهم فقط،
стр. 607
بل أخذوا من النبي (ص) العاطفة القلبية التي مسحت دموع المساكين وداوت المجروحين، فمثلا نشر أبو بكر ﵁ الإسلام في قبائل بني أمية وفهر وتيم ومخذوم وأسد وعدي، وأدخل الشعب الحبشي والبربري والسوداني في جماعة ﴿مسفرة ضاحكة مستبشرة﴾ (١) ورفع خاتم الخلفاء على المرتضى صوت النصرة والمعية في آل هاشم وآل بني طالب، وبلغ طفيل بن عمرو الدوسي هذه الرسالة إلى البادية، وعروة بن مسعود الثقفي إلى قمم الجبال بالطائف، وأنشأ مصعب بن عمير في المدينة المنورة مدرسة للتبليغ، ورفع جعفر بن أبي طالب (الطيار) نداء الرسالة في بلاط النجاشي ملك الحبشة.
وخفف هذا المشهد الميمون عن النبي (ص) العبء وأقر عينه، وصار له قوة في العضد وسندا للظهر وسكينة للقلب؛ والحقيقة أن ذلك كمال اختص به سيدنا محمد النبي
الأمي ..
الخاصية السادسة
﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (٢)
١ - من ذا الذي لم يسمع صوت الأذان مع نسيم الصباح المنعش ممن يسكنون على امتداد الشاطئ الغربي للمحيط الأطلنطي وحتى الشاطئ الشرقي لنهر ((هوانكهو))؟ ومن ذا الذي لم يشعر في صمت الليل أن كلمة ((أشهد أن محمدا رسول الله)) تزيده حيوية ومتعة؟ (٣).
стр. 608
هذه هي الكلمات التي تمتع أسماع المستيقظين والنائمين بإخبارهم عن أجمل بداية ونهاية لكيانهم. فهل هناك مثال لرفعة الذكر أسمى من هذا؟
ولماذا لم يتيسر اليوم لملك في ملكه، أو لزعيم في أتباعه، أن يعلن اسمه الميمون ليلا ونهارا ليصل إلى الأسماع، سواء أحب سماعه أحد أو لا؟ إلا أن الإعلان السابق يصل بالضرورة إلى أعماق القلب مرورا بالأسماع.
نعم إن هذه الخاصية السامية قد حصلت لذلك الاسم المختار وحده الذي رفع ذكره رب العالمين، والذي أخبر عنه في كتاب اشعياء بأن بورك له في اسمه.
٢ - انظروا إلى توماس كارلايل، إنه نصراني من رأسه إلى أخمص قدميه، يعد بفضل معرفته للتاريخ واللغة من العلماء الأعلام في انجلترا كلها. ألف كتابه عن أبطال العالم، فلم يختر من بين الأنبياء ﵈ إلا اسم النبي محمد (ص).
فهل ترون أنه نسى معجزات موسى ﵇، وأنه جهل أعماله التي حفظت في أمواج البحر الأحمر وذرات تراب فلسطين؟
ألا يعرف داود الذي جمع شمل أسباط بني إسرائيل بعد التشتت، وأنشأ دولة قوية لم يرها، بل لم يحلم بها أولاد يعقوب إلى الآن؟
ألم يعلم كارلايل أن داود ﵇ جمع بين العبادة والموسيقى، فملأ الهواء بالنغمات والجو بالمناجاة؟ إن تشجيع داود للموسيقى كان من الواجب أن يهز قلب كارلايل الراقص هزا.
هل تظنون أن كارلايل نسى تنبؤات أشعياء التي كانت مادة التأليف لأناجيل متى ويوحنا؟!
هل تعتقدون أنه جهل بركات النبي دانيال التي حملت ملك بابل الكافر والجائر على المحافظة على اليهود وتكريمهم، والذي أنقذ مئات الألوف من المؤمنين من القتل والصلب، وكشف النقاب عن طلسم أحداث المستقبل لمئات السنين بمفتاح تعبير الرؤيا؟ وهل تعتقدون أن كارلايل جهل خدمات شالتي ايل الذي بنى بعد الخلاص من الأسر قصر أورشليم الذي لا يقل عن هيكل سليمان؟
وهل تظنون أن كارلايل لم يعلم كهانة زكريا أي إخباره بالغيب وزهد يوحنا المعمدان وعبادته ووعظه وتذكيره؟
стр. 609
إن الإجابة عن هذه الأسئلة كلها بالنفي.
أيها الأعزة! إن الأستاذ توماس كارلايل مع علمه بهذه الأمور كلها، بل مع الإيمان بها، كان مضطرا لاختيار اسم النبي (ص) من بين الأنبياء جميعا ﵈.
ولا يظن هنا أن كارلايل كان ملتزما باختيار اسم واحد فقط من بين الأنبياء، ولذا اكتفى باسم النبي (ص) فقط لأن هذا المؤلف نفسه لم يتقيد بالعدد الواحد في أصناف الحكماء والشعراء والفلاسفة. وهكذا فلو أراد لأتى بأكثر من اسم في مبحث النبوة.
وهذا يقوي دليلنا أكثر، ويوضح أن كارلايل حينما نظر في ضوء بحثه التاريخي إلى شمس النبوة المحمدية، لم يجد في سماء النبوة التي امتدرت لآلاف السنين كوكبا نبويا آخر يماثل محمدا (ص)، حتى يضعه في جنب هذه الشمس المنيرة في كتابه.
هذا نموذج رفعة الذكر، نصراني صادق في نصرانيته وأستاذ في جامعة مثل كيمبردج تفتخر به انجلترا كلها، يؤمن بألوف الأنبياء ويعلم أسماء مئات منهم، وحينما أراد تقديم نمونج للنبوة قدم اسم سيدنا ومولانا محمد (ص) النبي الأمي، وبهذا تمت كلمة الرب تعالى في القرآن: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١).
٣ - ثم ينبغي أن نتذكر بيان المؤمنين لرفعة الذكر، فقد أثبتنا بالكتاب المقدس الحالي أن كل نبي من سيدنا إبراهيم ﵇ إلى يعقوب وموسى وداود وسليمان وأشعياء ويرمياه ودانيال وحرقيال وحبقوق وملاخي ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، قد بين المحامد المحمدية والصفات المصطفوية بأساليب بديعة وعلامات متنوعة. وهذا هو الأمر العظيم الذي لم يحصل لأي نبي آخر.
إن مؤلف الإنجيل الأول القديس متى قد أشار إلى بعض التلميحات التي وردت في الصحف السابقة عن سيدنا عيسى المسيح ﵇. وعلى المنصف أن ينظر إلى تلك الإشارات المجملة ويفكر في طريقة استدلال متى التي استخرجها، ثم لينظر إلى الآيات البينات التي توجد في الكتاب المقدس نفسه وتصدق على ذات النبي (ص) المباركة.
كان القديس متى محبا صادقا للمسيح، وكان مطلعا تمام الاطلاع على محتوى الكتاب المقدس وذلك يؤكد لنا أنه لم يكن ليترك تسجيل تنبؤ في إنجيله يتعلق بالمسيح.
стр. 610
ونحن أيضا نؤمن بأن مصداق تلك الأخبار التي يذكرها متى هي ذات المسيح ﵇، ثم نتناول تلك التنبؤات التي بقيت إلى عصر متى كتنبؤات (أي أخبار مستقبلية) والتي لا تصدق إلا على النبي (ص).
ويسمع اليهود والنصارى والمسلمون أن الكتاب المقدس الحالي مذكور فيه بوضوح اسم النبي (ص) المبارك ومولده ومهجره، والقبائل التي آمنت به، والأمم التي قاتلته بوضوح تام وهذا في الواقع تفسير قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) وبهذا كله يتضح كيف رفع الله تعالى ذكر النبي (ص) قبل قرون بإعلان واضح قوي. ولاشك أن أحدا مهما كان صالحا وعظيما، لم يشارك النبي (ص) في هذه الفضيلة العليا: ﴿فلله الحجة البالغة﴾ (١).
الخصائص السابعة والثامنة والتاسعة
﴿ما ودعك ربك وما قلى (*) وللآخرة خير لك من الأولى (*) ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٢).
هذه الآيات الثلاث من سورة الضحى، وقد اتفق المفسرون على أن كلام الله تعالى نزل على النبي (ص) في ابتداء البعثة، وتأخر الوحي، ثم توقف فازداد طلب النبي (ص) وتطلعه والظاهر أن الطلب والشوق لا يمكن أن ينفصلا عن القلق والتردد، فكيف لا يتطلع النبي (ص) إلى الوحي الرباني الذي فتح على القلب والروح باب العلوم والحقائق؟ وكلما طال زمن الهجر نشأت في الشوق إلى الصادق تفسيرات وتأويلات.
١ - فالبداية كانت من عند الله.
٢ - أكرمني برسالته.
٣ - فكيف يكون هذا الصمت الآن؟
٤ - لا يصح أن ينسب الصمت إلى الحضرة الإلهية.
٥ - ومن الأدب أن أنسب السبب إلى نفسي.
٦ - هل أترك في هذه الحالة من القلق والاحتراق والعطش؟
٧ - متى تنتهي هذه الحالة؟
هذه هى الظنون التي قد تعتري قلب المحب الصادق، وفي النهاية انتهى زمن
стр. 611
الانتظار وانتهت الظنون التي نشأت بسبب اجتماع الشوق والإرادة، أو اللوعة والاحتراق التي أحمت القلب.
حبيبي ما هو الوداع؟
وأين القلى؟
الرب الذي رباك.
والذي رعاك من آدم إلى الآن في أطوار ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ (١).
والذي أحصن وطهر ظهور وبطون آبائك الكرام وأمهاتك العظام. والذي حافظ عليك في اليتم كالدر اليتيم. والذي نجاك من متاعب العيال مع كثرتهم. والذي جعل لك جبل حراء طورا.
والذي ملأ، بدون لمعان النار الظاهري، عينيك نورا وقلبك سرورا، وروحك راحة وإيمانك يقينا.
لا يمكن أن ينسب إليه الوداع والقلى (٢).
والآن نزف إليك بشرى سارة، وهي أن الزمن القادم يكون أطيب وأحسن مما سبق (٣).
إن قوله تعالى ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ (٤) كان بداية لتلك المدرسة، حيث
стр. 612
تتفتح أبواب المعارف والحقائق، وتتنزل الأنوار والبركات والمشاهدات والتدليات، وتعلو علامة النصر والفتح.
وتلمس وفرة العلوم وكثرة المؤمنين، وقد كان ذلك، فقد استمر كل هذا مع الترتيب والتنزيل. وقد كان هذا التنبؤ في الكتاب المقدس قبلا: حكم على حكم، قليل هنا وقليل هناك، ازدادت كمية العطاء والنوال برضا من النبي (ص) وموافقته، وتقدير العطاء لم يكن بقدر إزالة القلق والاضطراب، بل كان قدره قدر سعة الطلب والشوق ورضا القلب والروح.
هذه هي غاية الفضل والكرم، الوصول إلى الكمال، وهذه هي خاصية النبي (ص)، فالعطاء يزداد حسب رضا النبي (ص) وإتماما لهذه الخاصية أكرم الله تعالى أصحاب النبي (ص) بخلعة الرضوان، فقال تعالى:
ألف - ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (١).
ب - ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (٢).
ج - ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (*) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم﴾ (٣). د - ﴿ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ (٤). ش - ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (٥).
ونحن على يقين وإيمان بأن هذا الأمر من شأن النبي (ص) وحده إذ أكرم الله الذين آمنوا به برضاه ولطفه.
وهكذا تحقق الوعد الذي تضمنته الآية الذي صدرنا بها هذا العنوان:
﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٦).
стр. 613
وسوف يرى أهل الإيمان المشهد الكامل لذلك يوم الدين، حيث ينالون أكثر مما يطلبون ويسألون، وأكثر مما يتوقعون بمئات الدرجات.
الخاصية العاشرة
(النبي الأمي) (١)
من المؤكد أن أحدا من الأنبياء لم يلقب بالرسول النبي الأمي سوى سيدنا محمد (ص) هذا، والاطلاع على الأقوال الطيبة التي ذكرها العلماء عن كلمة ((الأمي)) يزيد القراء فرحا وبهجة.
ألف: الأمي نسبة إلى أم القرى، وقد سمى الله تعالى مكة أم القرى.
﴿ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾ (٢).
وطبقا لقول المؤرخ الألماني المعروف ((سبرينجر)) و ((سكريدر))، فإن رأي المؤرخين الذي يجعلون البلاد العربية الموطن الأصلي لأبناء سام، سديد جدا، والروايات الإسلامية الصحيحة أيضا تدل على أن أول بلدة نشأت في الجزيرة العربية كانت مكة المكرمة، حيث أقامت القبائل الرحل وتحولت إلى حياة العمران والتمدن بعد حياة البربرية والوحشية، والحاصل أنه يثبت من التاريخ والرواية أن مكة هي أم القرى. ولنعرج الآن على دعاء سيدنا إبراهيم ﵇ الذي دعا به عند تأسيس مكة: ﴿رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات﴾ (٣). ومن دعائه أيضا: ﴿وابعث فيهم رسولا منهم﴾ (٤).
ويتضمن دعاء الخليل أمرين عجيبين؛ الأول: طلب الفواكه والثمرات بكثرة لأهل البلدة التي عرفت بأنها غير ذي زرع. ومن تأثير هذا الدعاء أننا نرى أسواق مكة تتراكم فيها الفواكه والخضروات من مختلف الأنواع. وهذه العلامة الظاهرة تدل على أن الله تعالى شرف دعاء الخليل بالقبول.
стр. 614
والثاني: أن نفس هذا الدعاء يوضح أن أثره لم يقتصر على غذاء الجسم ولذة الفم، بل كانت كلمات الدعاء بالروحانية أقوى، فبعث رسول الوعد ورسول دعاء الخليل، بعث برفعة وشرف، فكان من أهل تلك البلدة تربطه بهم رابطة النسب، ولذا صح أن يقال له الأمي، نسبة إلى أم القرى.
ب - اسم الأمي منسوب إلى الأمة ومعناه: النبي (ص) الذي يكون مخدوما ومطاعا لأمة كبيرة، وتاء الأمة سقطت بسبب النسبة، كما يقال ((مكي)) في النسبة إلى مكة، وعلى هذا فإن كلمة الأمي تفسيرها موجود في حديث رواه مسلم عن أنس، وفيه: ((أذا أكثر الأنبياء تبعا)) (١).
ج - اسم النبي (ص) الأمي منسوب إلى الأم، بمعنى أن النبي (ص) مبرأ ومطهر من جميع العيوب والنقائص، بفطرته الطاهرة الزكية وبعصمة من الله تعالى، مثل الولد الذي
يولد من بطن أمه.
وانطلاقا من هذه المعاني أنشدت عائشة الأبيات التالية في النبي (ص)، وسر النبي (ص) بسماعها كثيرا (٢):
ومبرء من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مخيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت بروق العارض المتهلل
د - الأمي نسبة إلى الأم، بمعنى أن النبي (ص) لم يرغب بعد الولادة في اكتساب العلوم والفنون، ولم ينقش في قلبه حرف كتابة أو قراءة، وهكذا كانت حالة العرب، فإنهم جهلوا الكتابة والقراءة، وكانوا يقضون حياتهم كلها على حالة الطفل الذي لم يذهب إلى مدرسة ولم يتلق دروسا ولم يمسك بيده قلما ولم يجر على لسانه درس. ولهذا سمى اليهود العرب بالأميين، ﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾ (٣).
وقد صار هذا الاسم علما على أهل الجزيرة العربية، يقول تعالى:
﴿وهو الذي بعث في الأميين رسولا﴾ (٤).
стр. 615
وأطلق الله تعالى هذا اللفظ على الأميين من أهل الكتاب:
﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب﴾ (١).
والحاصل أن لفظ ((الأمي)) يدل على أن النبي (ص) كان أرفع من طريقة أهل الدنيا في التعلم.
وقد أبان الله تعالى عن هذا المعنى في موضع آخر فقال:
﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ (٢).
وبملاحظة المعنى السابق ندرك أن اسم النبي (ص) الأمي معجزة كبيرة.
وليعلم أن النبي من النبأ، وهو يطلق على الواقعة العظيمة والإعلام بأمر هام. أي النبي هو من يخبر أهل العالم بالعلوم العالية والوقائع العظيمة. وحينما يضاف هذا اللفظ إلى الله فهو يعني أن النبي يتلقى من الله مباشرة العلوم العالية والشرائع السامية والنواميس الربانية.
وقيل إن النبي مشتق من النباوة أي المكان المرتفع، فالنبي (ص) احتل مكانة عالية لا يصل إليها إنسان بالكسب والاجتهاد والرياضة، بل سبب وصوله إليها هو الاصطفاء الرباني المحض.
ووصفه بالنبي (ص) الأمي دل على أنه بعيد عن معرفة الحرف والكتابة، ومع ذلك صدرت مته باستمرار العلوم العظيمة والآيات الكاملة.
ويعلم أهل السيرة أن النبي (ص) كان يلقب ويدعى بالنبي (ص) الأمي، وكان يفرح بذلك، ولننظر إلى حال أهل زماننا، إن أحدا منهم إذا علم وفهم قليلا أحب أن يلقب بالفاضل والأكمل واللوذعي والألمعي والعلامة وغير ذلك من الألقاب. وقد صار ذلك خاصة كل كاتب وخطيب، فإنه يريد أن يقدر علمه وفضله بأكثر مما هو عليه. ولكن سيدنا محمد (ص) كان يعترف دائما بأميته، ومع ذلك كان يأتي إليه ألوف من العلماء ومئات الحكماء ليتتلمذوا عليه (ص)، وكانوا يصرحون بأنه (ص) بحر في علمه وفهمه، وليس علمهم بجانب علمه إلا قطرة من هذا البحر.
стр. 616
انظروا! إن الذي لم يتتلمذ على أحد صار أستاذا للدنيا كلها، يعلمهم محاسن الأخلاق ومحامد الأعمال وتدبير المنزل وسياسة المدن والاقتصاد والسياسة والعمران والعلوم التي تنور العقل والقلب وتجلي الروح، وأبواب مدرسته القدسية لا تقفل أبدا، وليس للالتحاق بها مصروفات أو رسوم، ويجلس فيها البدوي والحضري والحكيم والعامي جنبا إلى جنب كل يستفيد حسب كفاءته وقدرته. وعلى هذا يحمل لقب الأمي معنى قوله (ص): ((علمني ربي فأحسن تأديبي)) (١) وتتحقق دعوى ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ (٢).
٥ - وهناك سبب آخر لهذا اللقب، وهو أن جميع الأنبياء من آدم أبي البشر إلى عيسى بن مريم بينوا النعوت العالية والصفات الجلية للنبي (ص)، فألف الأمي ترمز إلى آدم، وميم الأمي ترمز إلى المسيح وياء النسبة تكشف هذا السر:
أمي وكويا بزبان فصيح ... از ألف آدم وميم مسيح
أي (أمي يتكلم بلسان فصيح ... من ألف آدم وميم المسيح)
الخاصية الحادية عشرة
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ (٣)
كوثر على وزن فوعل، وهو وزن المبالغة، والكثرة بنفسها تدل على الزيادة، وإذا استعملت على وزن المبالغة دلت على الزيادة فوق الزيادة، والكثرة فوق الكثرة، وجاء
في البخاري عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
ويصدق وجود الكوثر حديث أنس في الصحيحين، ولذا يصح التفسير المذكور بعد التيقن بوجود حوض الكوثر، فإن الآية التي بدأنا بها هذا العنوان تخبر عن نعم الله
стр. 617
تعالى غير المتناهية وعطاياه التي لاحدود لها، ويذكر أشياء كثيرة تحت هذا الخير الكثير، كما ذكر الإمام فخر الدين الرازي (١) منها:
١ - النبوة المحمدية، فإنه لم يعط أحد قبل ذلك هذه النبوة الجامعة والرئاسة العامة والدعوة الكاملة والهداية البالغة.
ومن ثمار هذه النبوة قول الله تعالى في نبيه:
﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٢).
وقوله تعالى:
﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (٣).
فصاحب الكوثر هو الذي أمر الله بإطاعته. وصاحب الكوثر هو الذي جعلت طاعته طاعة الله تعالى. وصاحب الكوثر هو الذي سبقت نبوته تاريخ البشر، واتصلت نهايتها بنهاية العالم.
انظروا في كلام رب العالين فهو أيضا يقول: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ (٤).
ويقول: ﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ (٥). فشهادة رب المشرقين والمغربين تصدق وتؤكد الشهادتين، ولذا لا يبقى شك في كون النبوة المحمدية والرسالة المصطفوية خيرا كثيرا.
٢ - ومنها أن المراد بالكوثر الإسلام، الإسلام الذي لن يقبل عند الله دين سواه، الإسلام الذي أعلم به الأنبياء ﵈، الإسلام الذي يجمع سعادة الدارين، ويضمن فلاح الثقلين.
стр. 618
٣ - ومنها أن المراد بالكوثر كثرة الأمة، وهذه الكثرة تفوق الحد والعد وتنمو يوما بعد يوم. تقول الإحصائيات أن عدد المسلمين بالهند في عام ١٨٨١ م كان نحو أربعين مليونا، وفي عام ١٩٢١ م بلغ عددهم نحو سبعين مليونا، أي ضعف ما كانوا عليه قبل أربعين سنة، وهذا في الهند وحدها، ومن المؤكد أن عددهم قد ازداد في الأقطار الأخرى بمثل هذه النسبة.
وفي مقابل ذلك نرى انتقاص العدد في أكثر الأمم، وأنها تمضي إلى بحر الفناء، فالإسلام هو الذي تمتد جذور شجرته الزكية إلى منابع الأرض وهو الذي تغشى غصونه الثمرة جو السماء.
٤ - ومنها أن المراد بالكوثر القرآن الكريم، الكتاب المجيد، وهذا هو الخير الكثير الذي عجزت عن مدحه وثنائه أقلام غصون الأشجار ومداد قطرات البحار، ولو اجتمع عمر نوح وفهم جبرئيل لما أمكن حصر الأسرار القرآنية، إن هذا الكتاب قلزم الحقائق، وكوثر العلوم، ومطلع الأنوار، ومخزن الأسرار.
كانت معجزات الأنبياء ﵈ تظهر في وقت خاص كما أن هذه المعجزة ظهرت في عهدهم المبارك فقط، فتحولت عصا موسى إلى ثعبان ثم عادت إلى سيرتها الأولى، مشهد شوهد في بلاط فرعون بعد جبل الطور، وتلك العصا صارت آلة انفجار الماء لبني إسرائيل، ولما انتهت الحاجة عادت العصا إلى حالتها الأولى، مجرد ((خشبة)) في يد الآخرين.
ولكن القرآن معجزة سيدنا محمد (ص)، معجزة حية، معجزة خالدة أبدية، فإعجازه موجود ومشهود في كل وقت وآن، وبإمكان كل عالم أن يقدم البرهان على إعجازه في جميع الأحيان، فلا شك أنه الخير الكثير الذي كان لابد أن يتم إعلانه من الرب الرحمن.
٥ - المراد بالكوثر هو الفضائل الكثيرة والمحامد الجميلة والصفات الكثيرة التي اندرجت تحت الوجود النبوي.
ووجود النبي (ص) الكريم قد تجمع في ذاته ألوانا من الصفات الحميدة التي توفرت في ذوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل: إنابة آدم، واستقامة نوح، وحلم إسماعيل، وعلم الخليل، ودرس إدريس، وتنفيث شيث، وحقيقة إسحاق، وتبصر
стр. 619
يعقوب، ونور يوسف، وصلاح صالح، وهدى هود، وجمعية شعيب، ولطف هود، وعبرة عزير، وعظمة سليمان، وهم يحيى، وعدل داود، ودعاء يونس، وإياب أيوب، وذهاب زكريا، وإمامة هارون، وإيناس إلياس، وزهد عيسى، وعلو موسى، وإحسان لقمان، وقيادة الخضر، وسعي عيسى، وكفالة ذي الكفل هذه الألوان المتنوعة التي اجتمعت في شخصيته التي أشرقت كالشمس، فظهر لون شخصيته، ذلك اللون الذي احتوى بداخله جميع الألوان ليشكل منها اللون الخاص، لون رحمة للعالمين.
٦ - المراد بالكوثر السيد الكثير الخير، وقد ذكر هذا المعنى صاحب الصحاح. ولاشك أن النبي (ص) سيد ولد آدم، وقد خاطبه الله تعالى بقوله (يس) ولاشك أنه (ص) سيد كثير الخير، وهو قنديل الهداية الذي بدد ظلام الكفر والشرك، وهو السراج المنير الذي أضاء العيون بالحقيقة؛ وهو الذي نور القلب والروح، وهو العبد الكامل الذي أجلس الإنسانية على عرش السيادة.
والحاصل أن عطية الكوثر من خصائص النبي (ص)، وأدعو الله أن يتمتع عطي الأمة بلطف النبي (ص) يوم القيامة وأن يشربوا من حوض الكوثر فيفرحوا بما آتاهم الله، اللهم اجعلنا منهم.
الخاصية الثانية عشرة
﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا (*) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وينتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (*) وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ (١)
تخبر الآية عن وقع الفتح المبين، ثم ما ترتب عليه من النتائج من غفران الذنب المتقدم والمتأخر وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز.
وقد فصل العلماء الكلام في الذنب المتقدم والمتأخر، وبينوا معنى غفرانه.
стр. 620
الف - فأراد البعض بما تقدم وما تأخر زمن ما قبل النبوة، وقالوا: أخبر في الآية عن غفران أمور الجاهلية واعترض على ذلك الإمام السبكي قائلا بأن النبي (ص) لم يتلبس حتى قبل النبوة، بأمر من أمور الجاهلية ولهذا فلا معنى لغفران ذنب لم يرتكبه.
ب - وقد أراد الزمخشري والبيضاوي (١) بالذنب الزلات الصغيرة، وقالوا: إن الله تعالى جعلها موضع لطفه وعنايته.
واعترض الإمام السبكي بأن مثل هذه الزلات أيضا لم تثبت في حق النبي (ص)، وقد اتفق علماء الأمة على عصمة الأنبياء ﵈ بحيث لا تصدر منهم صغائر ولا كبائر، ولهذا لا يستقيم التعليل المذكور.
ج - ثم بين السبكي رأيه في الموضوع، واستحسنه الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي، فقال: إن الآية لا تخبر عن وقوع معصية أو ذنب في الحقيقة، بل تفيد التكريم والتشريف إذ إذا تصور أحد إمكان وقوع زلة فإنها أيضا مغفورة. بل المراد نفي الذنب مطلقا.
ويقول: ليس مقصود الكلام إثبات ذنب ثم غفرانه بعد ذلك.
د - وقد حمل القاضي عياض (٢) ﵀ لفظ المغفرة على التبرئة من العيوب.
هـ - وقد أورد الخازن (٣) في ((تفسيره)) قول عطاء الخراساني بأن المراد بما تقدم من الذنب ذنب أبويك آدم وحواء ﵉، وبما تأخر منه ذنب الأمة.
وللقراء أن يختاروا من هذه الأقوال ما شاءوا، ولكن الحقيقة أن هناك بقية من القول بعد ما ذكرناه في بيان العلماء وشرحهم. فالوجه الأول للإشكال أن قوله تعالى ﴿ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ واضح في إثبات الذنب، وهذا مخالف لعقيدة جمهور الأمة بالإجماع.
والوجه الثاني أن اللام في قوله ((ليغفر)) لام كي، ويكون الإشكال هنا هو ما هي العلاقة في جعل فتح مكة سببا للمغفرة؟
стр. 621
وقد تبين لي بعد النظر في عديد من أقوال العلماء أن هناك مجالا لمزيد من التوضيح والتعليل.
فالأمر الأول أن المراد بقوله ﴿فتحا مبينا﴾ هو فتح مكة خطأ ففد أخرج الشيخان والترمذي عن أنس أن قوله تعالى ﴿إنا فتحنا لك﴾ نزل عقب صلح الحديبية، فإن صحابة الرسول (ص) قد أحزنهم أن قريشا منعوا النبي (ص) وأصحابه من التقدم بعد الحديبية، فلم يتيسر لهم طواف الكعبة، ولم يبلغ الهدى محله، بل إنهم نحروا الهدي في ذلك المكان وأحلوا.
وهنا انتاب المسلمين شعور الفشل، ولم يقدر كثير منهم الأهمية القانونية والأخلاقية للعهد الذي أبرم بين الفريقين في هذا المكان، فأظهر الله تعالى في القرآن الكريم هذه الأهمية، وأوضح الفوائد والبركات المترتبة على عقد هذا الصلح.
فقد أخرج البخاري في باب عمرة الحديبية عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.
وقد اتضح بهذه الرواية أن الفتح المبين هو صلح الحديبية وبيعة الرضوان، وهنا نسوق فقرات معاهدة الحديبية بعد الجمع بين الروايات العديدة: ((هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو:
١ - على أن يخلى بيننا وبين البيت فنطوف به من العام المقبل.
٢ - ولا يدخل مكة بالسلاح إلا السيف في القراب، يخلون له مكة ثلاثة أيام.
٣ - ولا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها.
٤ - وعلى أن من جاء قريشا من المسلمين لم يردوه إلى المسلمين.
٥ - ومن جاء المسلمين من قريش يردوه إلى قريش.
٦ - وعلى أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن دخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
٧ - وعلى أن الحرب توضع بينهم عشر سنين.
٨ - وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة في صدور سليمة.
стр. 622
وهذه المعاهدة لو رآها سياسي في العالم لعرف أن المسلمين كانوا قد صالحوا بتنازل كبير أو على شروط مجحفة، ولكن هادي الإسلام جعل هذا الصلح فتحا مباركا، ووصفه القرآن الكريم بأنه فتح مبين، وذلك:
الف - لأن قريشا، وهم أعداء المسلمين الحاقدون، وعدوا بالسكوت وعدم المحاربة لعشر سنوات.
ب - وأن الفتح قد أتاح فرصة التنقل الحر للفريقين.
ج - وتمكن المسلمون من نشر الدعوة في قبائل الكفار، ومتى فهم الناس حقيقة الإسلام زالت الشكوك الكاذبة، وبطلت الظنون الخاطئة.
ولفظ ((الفتح)) يطلق على الانتصار في الحرب، وعلى حل المشكلات، وقد كان هذا بالنسبة للإسلام فتحا مبينا فقد أزيلت العقبات من طريق الدعوة الإسلامية. والآن ننظر إلى كلمة ((الذنب)) الواردة في آية العنوان:
ألف - أنها تطلق على المعصية، والمعصية تطلق على مخالفة الأحكام الشرعية.
ب - وتأتي بمعنى الإتمام، أي إتمام بالخروج على أحكام وطنية أو حكومية أو قومية، وإذا نظرنا إلى كلمة ((الذنب)) (بالفتحتين) بمعنى الذيل لعرفنا معنى ((الذنب)) (بفتح وسكون) أي التهمة التي ألصقت وراء أحد. والذنوب (بفتح الأول)، وهو الدلو الذي ربط في طرف الحبل، وهذا أيضا يرشد إلى المعنى اللغوي، ولذا لا يجب أن يفسر الذنب في الآية بالمعصية، ثم يظن أن هناك معصية ارتكبها النبي (ص). اسمعوا للقرآن يقول على لسان موسى: ﴿ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ (١).
فمن الواضح أن موسى ﵇ لم يرتكب معصية شرعية لدى فرعون وقومه، ولذا يصح أن نترجمها بالتهمة، وهناك فرق كبير بين التهمة والجريمة، فإن لفظ ((التهمة)) يطلق على الجريمة التي يعتقد المدعى أنها صدرت من شخص بمخالفة حكم القانون أو الدولة. والجريمة تطلق على فعل الشخص بعد ثبوت مخالفته للدولة أو القانون.
стр. 623
فأتباع فرعون كانوا ألصقوا بموسى تهمة القتل العمد، وكان عقاب ذلك بعد ثبوته القتل قصاصا. وكان موسى يفهم نظرة أتباع فرعون، ويعلم أنهم لا يراعون بفكرهم العادي شرط النية، ولا يفهمون أن اللطمة الواحدة لا تؤدي عادة إلى الهلاك، أو يغلب على ظن اللاطم كونها مؤدية إلى الهلاك علما أو احتمالا، ولو ضمت هذه النقاط القانونية الضرورية إلى إتمام موسى لكانت تهمة القتل الموجهة إلى موسى أقل مما هو مذكور في البند رقم (٣٢٣) في القانون الجنائي للهند، أي مثل الفعل التأديبي فيما يتعلق بحسن النية وهكذا لا تكون هناك جريمة من وجهة نظر القانون.
ج - ورد في الحديث: (إذا تصافحا لم يبق بينهما ذنب) (١).
قال صاحب مجمع البحار (٢) مبينا معنى الذنب هنا: أي غل وشحناء، فالذنب هنا بمعنى الحقد وضيق الصدر.
د - ورد في آية أخرى من القرآن:
﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين﴾ (٣) فذكر ههنا ذنب واحد للنبي (ص) وللمؤمنين.
وبالنظر إلى الأمور المذكورة أرى أن معنى الذنب في الآية إلصاق التهمة من القوم، والمراد بما تقدم زمن ما قبل الهجرة، وبما تأخر زمن ما بعد الهجرة.
ويعلم علماء السيرة أن التهم التي وجهت إلى النبي (ص) من الكفار قبل الهجرة كانت مختلفة عن تلك التي وجهت إليه بعد الهجرة.
ما اتهم به قبل الهجرة: أنه كاهن، وشاعر، ومجنون، وساحر، وأنه يختلق الأساطير بعد سماعها من الناس، وأنه يأتيه أحد من غير قومه فيدرسه، وغيرها كثير.
ما اتهم به بعد الهجرة: إنه يفرق بين القوم، ويخرب مكة، ويفرق بين أخ وأخ، وبين الأم وولدها، ويهدد تجارتنا ويشتت شمل أمتنا وغيرها كثير.
تهم موجهة إلى المؤمنين: وكانوا يتهمون المؤمنين بأنهم سفهاء، بادي الرأي، أراذل، عبيد لا يلتفت إليهم، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: ﴿تزدري أعينكم﴾ (٤)
стр. 624
وأنهم لو لم يجدوا الأمل لتخلوا عن محمد (ص) كما أشارت الآية الكريمة: ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى يفضوا﴾ (١) وكان عروة بن مسعود وجه نفس التهمة إلى المسلمين حينما جاء إلى النبي سفيرا لقريش، فقال: إنهم مخلوك. فكان رد أبو بكر عليه ردا مفحما مخزيا.
وعلى ما قلنا يكون معنى الآية أن أول ثمرة طيبة للفتح المبين بالحديبية أن التهم السابقة واللاحقة كلها تذهب وتنتهي بالتقاء المسلمين والكفار فيما بينهم، كأنها دفنت في التراب، وهذا هو المعنى اللغوي لكلمة ((غفر)) ويتجلى صدق الرسول (ص) وينفتح البصر وتضيئ البصيرة، والكفار أنفسهم يعترفون نادمين بتفاهتهم وسفاهتهم. والتاريخ يشهد على أن هذه النتائج قد تحققت في فترة وجيزة بالصلح.
والبشارة الثانية في قوله تعالى: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ (٢) أي الثمرة الثانية لصلح الحديبية إتمام النعمة. وهذه الآية التي نزلت سنة ست من الهجرة، تضمنت الوعد بإتمام النعمة. والآية الكريمة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (٣) نزلت في التاسع من ذي الحجة عام ١٠ هجرية، أخبرت بإيفاء ذلك الوعد. ويدخل في إتمام النعمة إتمام نشر الدين وكمال تبليغه وظهور ثمار هذا التبليغ. والتاريخ يشهد أن دعوة الدين التي توقفت في قريش وحلفائهم، قد عادت إلى مجراها، وبدأ الناس يفهمون الإسلام بزوال الموانع، ثم يدخلون فيه أفواجا.
والبشارة الثالثة في قوله تعالى: ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾ (٤) وهي الثمرة الثالثة للصلح. فقد كان أعداء الإسلام يصدون الناس عن هذا الصراط، ويحرمونهم الهداية الربانية، وبالصلح زال هذا الصد وتبين الصراط، فسنحت للنبي (ص) فرصة دعوة الناس إلى طريق الحق، والوصول بهم إلى الغاية السامية.
والبشارة الرابعة قوله تعالى: ﴿وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ (٥) وهي النتيجة الرابعة الميمونة للصلح. أي تتحقق النصرة الإلهية بالقوة الكاملة والغلبة الواضحة، وتنشأ
стр. 625
الجاذبية في القلوب، والذوق في الأرواح، وتقبل ألوف مؤلفة من الناس على الحق والصدق، حتى يرى الناس قول الله تعالى: ﴿يدخلون في دين الله أفواجا﴾ (١) واقعا متجسدا.
وقد ذكرت الآية التالية النصرة الإلهية:
﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (٢).
نعم من معجزات النصر الإلهي أن يكون النبي (ص) والصديق في الغار، والكفار واقفون على مدخله بحيث لو نظروا إلى موضع أرجلهم لرأوا ما في الغار، ولكن النصر الرباني كان يعمل عمله، فعمى الناس وهم مبصرون. ولم يكن الوصول إلى المدينة بعد الخروج من الغار سهلا، لأن قريشا كانوا أعلنوا عن جائزة لمن يأسر النبي (ص)، وكان عبدة الأصنام يتحرقون شوقا للانتقام، وهكذا كان الطريق إلى مكة محفوفا بالمخاطر والمهالك. إن طريقا طوله حوالي خمسمائة كيلومترا كان فيه مئات من أعداء الدين يصدون ويمنعون، ومع ذلك سار النبي (ص) وأبو بكر سالمين بنصر الله تعالى. وقد خاب وفشل رئيس بتي مدلج من بني كنانة في تعقبهما، وتعقبهما بريدة الأسلمي فأصبح من خدام رسول الله، وقد بشر أهل المدينة بقدوم النبي (ص) أحد اليهود، فيفوز أهل المدينة بالكمال بسبب هذه النعمة الإلهية، ويزداد أتباع الصراط المستقيم يوما بعد يوم، فتعشوا أبصار اليهود من المشهد الذي أخبر عنه حبقوق النبي. (٣)
وبعد ست سنوات أرادت القدرة الربانية والنصرة الإلهية إبراز نتائج صلح الحديبية في جنوب المدينة أي في أم القرى وما حولها.
ويبدو من التفكر في هذه الآيات أن الفتح المبين وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصرة والعزة، كل ذلك يعني في سيرة الرسول الطاهرة دائما إزالة عراقيل الدعوة والقضاء على موانع التبليغ مما ينتج عنه إعلاء كلمة الحق وظهور الصدق وبروز الحقيقة. ولا شك أن هذه الوعود والبشارات تحققت في حياة الرسول (ص) الطيبة من الله تعالى. وعلى هذا فإن الآية الكريمة المزينة للعنوان، مظهر كامل لرفعة شأن النبي (ص)
стр. 626
ومنصبه العظيم، وهي برهان على ما له من خصائص ينفرد بها عن غيره من الأنبياء والرسل.
ولا يعني كلامنا هذا أن هناك ناحية سلبية لكون النبي (ص) مغفور الذنب، كلا ثم كلا، إن هذا الكلام توضيح مزيد لمدح الرسول (ص). فما معنى عصمة الأنبياء إذا لم يكن الرسول (ص) مغفور الذنب، الرسول الذي جعله الله قدوة للعالمين بقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ إني أؤمن بأن الرسول (ص) هو صاحب المقام المحمود، وهو صاحب الوسيلة وشفيع المذنبين، وله وحده الشفاعة الكبرى، وقوله:
((آدم ومن دونه تحت لوائي، ولواء الحمد بيدي)) (١). مرآة لكماله (ص).
فآية العنوان تفيد العصمة الكاملة وتدل على منصب الشفاعة الكبرى للنبي (ص)، وكذلك تفيد إزالة التهم التي ألصقت بالنبي (ص) في حياته المباركة، وأن الشروط التي فرضها العدو الماكر وقت المعاهدة لتحقيق سيادته ولمنع انتشار الإسلام صارت مثل بيت العنكبوت، بل بالعكس دعمت موقف الإسلام واللمين والمسلمين في نشر الدين.
كانت قرش تعتقد أن المسلمين الجدد حينما يصبحون بحكم المعاهدة متهمين أجانب فإن أحدا لن يدخل في الإسلام خوفا من بطش قريش واضطهادهم، كما أن الفرصة ستسنح للمرتدين عن الإسلام للالتجاء إلى قريش والتمتع بالحقوق المدنية دون أن يلحق المسلمون بهم أذى، وهكذا يرتد عشرات من المسلمين عن الإسلام، ولكن خابت هذه الظنون فكان انتشار الإسلام مخيبا لجميع حيلهم، وجعل الله العليم الحكيم نفس هذه المعاهدة فتحا مبينا ونصرا عزيزا.
إن قصار النظر ما كانوا يتصورون أن من خرجا في ظلام الليل من بيتهما واختفيا في الغار هما الشمس والقمر في سماء روحانية العالم كله. ولاشك أن ظلمة الشرك والجهل تبددت بروحانية النبي (ص)، ووصل نور التوحيد إلى كل بيت، وبطل ادعاء النبوة الكاذبة للأسود العنسي ومسيلمة وسجاح بروحانية خليفة الرسول أبي بكر، واستأصلت جذور الضلالة والزيغ.
وهكذا تماما لم يدرك قصار العقل من قريش وقت المعاهدة أن المسلمين الذين كانوا
стр. 627
يحبسونهم لأنهم أجرموا بقبولهم الإسلام سوف يتحولون وهم في محبسهم إلى دعاة للإسلام وسوف يتمكنون من إدخال العشرات في الإسلام أيضا.
فعلى الذين يوجهون إلى الإسلام التهمة الكاذبة القائلة بأنه انتشر بالسيف أن يفكروا في هذه المعاهدة، فرغم أن قريشا تعهدت بحماية المرتدين عن الإسلام وتوفير متطلبات الحياة لهم، إلا أن أحدا لم يقبل هذه الحماية ويرتد عن الإسلام. وبإيجاز فإن آية العنوان تبرز خصائص النبوة (ص) واضحة جلية.
ولعل هذا القدر يكفي في هذا المقام، وصلى الله تعالى على نبيه وحبيبه وآله وأزواجه وذرياته وبارك وسلم.
الخاصية الثالثة عشرة
﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (١)
هذه الآية من سورة الأنفال، وقد روى سعيد بن جبير عن حبر الأمة ابن عباس: أن سورة الأنفال نزلت ببدر (٢)، وهكذا ثبت أن الحادث الذي تشير إليه هذه الآية من أحداث غزوة بدر.
وقد اتقق أهل السير والمغازي على أن النبي (ص) لما رأى جيش قريش قال (٣): ((اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسلك، اللهم فنصرك الذي وعدتني)) فأتاه جبريل وقال: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم ثم انظر ماذا يفعل الله تعالى، فأخذ النبي (ص) قبضة من تراب فرمى بها وجوههم، وكان في هذا الجيش نحو من ألف بلغ بهم الكبر والفخر حدا ليس له نهاية، وقد وصل هذا التراب إلى عيون الجميع، وكشف لهؤلاء الذين عميت قلوبهم أن الذين يتعامون عن منزلة الرسول (ص) وشأنه يجدر بهم أن تعشو أبصارهم وتكتحل عيونهم بتراب قدم الرسول الكريم (ص).
стр. 628
وكان غريبا أن تعمي حفنة من التراب عيون ألف من عميان القلب، ولذا كشف القرآن الكريم هذا السر فقال إن القدرة الإلهية لعبت دورها في ذلك، وقد حيرت أفعال هذه القدرة العقل الإنساني دائما وستبقى هكذا.
وقد رأى البعض أن النفي في قوله ((ما رميت)) والإثبات في قوله ((إذ رميت)) والنتيجة في قوله ((ولكن الله رمى)) كل ذلك يوحي باتحاد الذات والحلول، ولذا رأوا أن هذه الآية تكشف النقاب عن وجه الحقيقة المحمدية، ولكن مثل هذا الفهم مجرد زعم واغترار.
ويقال في حقائق هذه الآية أن واقعة الرمي كانت غريبة نادرة في عيون الأعداء أيضا، وبالنظر إلى خلق النبي (ص) الكريم وعفوه وحلمه ورأفته بأمته، فإنه (ص) لم يكن يجزي السيئة بالسيئة أبدا، ولم تكن يده الكريمة تمتد إلى أحد بالسوء والضر، وقد سمعه الناس بمكة ورأوه نحو ثلاث عشرة سنة لم تصدر عنه كلمة أف، ولم يكن يحرك لسانه فضلا عن يديه، فكيف بمحمد قد تغيرت عادته؟ هل تغيرت فطرته؟ وهل تبقى أخلاق محمد أسوة للناس بعد ذلك؟
إن رب العالمين لم يرض أن يقال مثل هذا الكلام، ولو رمزا في حبيبه محمد (ص)، ولذا أسرع بالرد والنفي فقال ((وما رميت))، وبذلك أوضح أن خلق محمد (ص) هو هو كما عرفته الدنيا، إذ ليس له علاقة بهذا الفعل، لا بذاته ولا بإرادته ونيته، بل النبي (ص) قد فعل امتثالا لأمر الله تماما كما يحدث للقوس في يد الرامي، فلا تتكلموا بكلمة في ذات رسول الله (ص)، بل تصوروا هذا الفعل واحدا من مظاهر جلال الله ﵎.
وإثبات الفعل في قوله ((إذ رميت)) من نفس الجهة التي أثبت فيها الرمي للقوس والنفي في قوله ((وما رميت)) حقيقته مثل الرامي بالنسبة إلى القوس. فالمحل الأصلي للآية هو الذب عن الرسول (ص)، ودرس للمسلمين بأنه يجب عليهم أيضا الرد على مطاعن الأعداء التي توجه إلى ذات النبي (ص) نتيجة قصور نظرهم وسطحيتهم فمن يقول بصحة الاتحاد والحلول بالنسبة للقوس والرامي وللبندقية ومطلقها؟!!!
نعم إن الآية تبين حقيقة أخرى أيضا، اقرأوا في نفس سورة الأنفال ما طلبه كفار مكة من الله تعالى، ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ (١).
стр. 629
انظروا كيف ذهب عقلهم هنا، إنهم دعوا بأمطار الحجارة، ولم يدعوا بأن يفتح الله قلوبهم ويحملهم على قبول الحق إن كان محمد صادقا ودعوته حقة.
وبعد الدعاء وجب إمطار الحجارة عليهم، لأنهم قد جعلوه شرطا لصدق الإسلام، فأمر الرسول (ص) برمي حفنة من التراب عليهم، وحينما تصل إلى عيونهم فإنها تتفتح فيعرفون حينئذ أن أمطار الحجارة من السماء أيضا ليس ببعيد. فالرمي معجزة وكذلك دليل على ما طالب به الجاحدون أنفسهم، وينبغي التذكر ضمن التصريح المذكور أن قصد الرامي من رمي الحجارة إعلان البراءة منهم أيضا، أي من الأشرار الذين ابتعدوا عن الحق والصدق بخبثهم الدفين، بحيث لا يرجى منهم رشادا ولا هداية.
ورمي سيدنا إبراهيم في منى الشيطان المضل، ثم الاستعداد لتنفيذ الحكم الإلهي بكمال الرضى والرغبة كان على ذلك الأصل. وقد اتبع النبي (ص) نفس النمونج في بدر. إن سيدنا إبراهيم كان قد نجح في تخييب نفس شريرة. وفخر الأنبياء محمد (ص) قد رمى حفتة من التراب نحو ألف من الطغاة البغاة فخيب آمالهم وعزائمهم.
وهكذا فآية العنوان مظهر خاصية معيتة من خصائص النبي (ص).
стр. 630
الفصل الثاني
الخاصية الرابعة عشرة
﴿يتلو عليهم آياته﴾ (١)
لما أسلم عبد الله بن مسعود أراد أن يعمل في خدمة الإسلام وكان يريد أن يعمل عملا صعبا فأخبره الصحابة أن إسماع قريش هذا القرآن أمر صعب. فقال عبد الله: أنا، ثم أتى قريشا وقرأ عليهم القرآن، وعاد بعد فترة وجسمه ملطخ بالدماء وغيرت الجراح معالم وجهه.
وتدل هذه الواقعة على مدى صعوبة تلاوة القرآن على الناس، ولكن النبي (ص) كان مستمرا في هذا العمل ليل نهار، كان يحضر إلى أهل مكة حيث يجتمعون فيتلو عليهم آيات القرآن، ويلقى كل شخص بمفرده فيبلغه الرسالة الإلهية، وكان يقف في كل طريق خارج مكة، ويلقى المارة في ضوء النهار وظلمة الليل، فيتلو عليهم القرآن الكريم ويسمعهم الحكم الإلهي، ولم يترك سوقا شهيرة أو عيدا معروفا من أعياد العرب إلا وذهب إليه فبلغ الدعوة وتلا آيات القرآن ونشر الدين، وتشهد لتلاوته (ص) كل ذرة من ذرات عكاظ، وكل ورقة من أوراق أشجار الطائف.
تفكروا في جرأة تلك الشخصية الفذة وفتوتها ونجدتها وجلادتها فإنه أطلق لسانه في معترك العالم ضد جميع أفراد العالم بل أمم العالم، وأدان الجميع بحق، وكسر زجاج زعمهم بحجر البراهين، ورمى بأوثان الباطل على سندان الحق، لا يخاف الضرب ولا الضرر، بل يفتح قلبه وصدره للرمح والسهم، ولا يمسك لسانه عن إعلان التوحيد، إن نشاطه لا يجمد بجمود الناس، ولا يمكن لطمع المال والحكم أن يصده عن عمله، وهذا التفصيل يوضح مدى صعوبة وخطورة عملية تلاوة الآيات القرآنية، ومن خصائصه (ص) أنه قام بهذا العمل الشاق بأسلوب حسن، فبلغ نداؤه كل غافل وأيقظه من نومه، ثم أيقظ في النهاية الجميع.
ومن يرى اليوم تلاوة القرآن عملا سهلا، عليه أن يدرك أن مسألة تلاوة القرآن
стр. 631
الكريم في زمرة المعارضين ليست سهلة اليوم أيضا، وما نراه اليوم من تسهيل في التلاوة هو من بركات تلاوة النبي (ص) وتأثيرها، تلك التلاوة التي تحمل في سبيلها أنواعا من المصائب والنوائب.
وينبغي أن نعرف أن للتلاوة صورتين:
ألف: تلاوة الرجل لنفسه، ولها آدابها، مثل تحسين الصوت وحضور القلب والتفكر في المعاني والتعمق في الحقائق والمعارف.
ب: التلاوة على الآخرين، الآخرين من أعداء الدين، المعارضين للدين، الذين تنبو أسماعهم من الأصغاء له، وتأبى قلوبهم فيهم معانيه، فالمطلوب أن يتلى عليهم القرآن بحيث يتمثل أمامهم الثواب الأبدي، والعذاب الأخروي، والنعم الإلهية والرضوان الرباني، فترتعد أجسامهم وتخفق قلوبهم، وتنفتح عيونهم، وتتوقف طبائعهم عن أطوارها السابقة. إن هذا العمل كان من شأن النبي (ص) دون شك، والقرآن يشهد أنه (ص) قام به خير قيام، ولذا صار هذا الطريق من خصائصه (ص).
الخاصية الخامسة عشرة
﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (١)
الخطاب في الآية موجه إلى العالمين جميعا، والآية تبين شأن النبي (ص) فهو يعلم الدنيا كلها العلوم التي تجهلها.
أما المسيح صادق اللهجة فقد سبر استعداد المخاطبين وأهلية المستمعين فأعلن:
((إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق)) (٢).
وقول المسيح يدل على أن القدر الذي علمه قومه كان أقل من التعليم الذي بقى، وتدل هذه الفقرة على أن هذه القلة لم تكن بسبب نقص في المسيح، بل سببه أن المستمعين
стр. 632
كانوا في حالة بدائية لا تناسب التعليم الأعلى. ومثال ذلك أستاذ حاصل على الماجستير يقوم بتدريس طلاب الابتدائية، فلا يلقى إليهم كثيرا من المسائل العلمية لنقص فهمهم، فالواقع أن قدرا صالحا من تعليم المسيح، الأستاذ الصالح، لم يحصل للعالمين في ذلك الوقت.
والآن نتساءل: هل أتم أحد هذا النقص في الدين النصراني في أي عصر من العصرر؟.
وقد اتفق أن اتصلنا بعلماء النصارى بهذا الصدد، فقالوا: إنه قد أكمل هذا النقص يوم الخمسين الذي ورد ذكره في الأصحاح الثاني من سفر الأعمال (١). ويفهم من عبارته أن هذا الحادث وقع بعد رفع المسيح بخمسين يوما، أي في نفس العام الأول. وذكر معنى يوم الخمسين في كتاب الأحبار ((الكتاب الثالث لموسى)) في الباب الثالث والعشرين، بأنه تقديم قربان النذر أيام عيد الفصح.
نعم، يظهر بكتاب الأعمال (٢)، أن حواري المسح الاثنى عشر كانوا اجتمعوا ذلك اليوم، فسمعوا صوتا قويا، ورأى التلاميذ ألسنة النار على حدتهم فجلسوا عليها جميعا، وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى، فلما صار هذا الصوت اجتمع الجمهور وتحيروا وارتابوا قائلين بعضهم لبعض ما عسى أن يكون هذا، وكان آخرون يستهزؤون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة، فوقف بطرس ورفع صوته وقال لهم: إن هؤلاء ليسوا سكارى، بل هذا ما قيل يوئيل النبي: يقول الله: ويكون في الأيام الأخيرة أني أسكب من روحي على كل بشر وبعد خطاب بطرس انضم إليه نحو ثلاثة آلاف نفس.
وما وقع يوم الخمسين لا داعي للشك فيه، بل ينبغي أن نتأمله ونفكر فيه، والسؤال هنا متى تحقق تنبؤ المسيح عن إتمام ما بقى من تعليم الصدق؟ إن بطرس كان قد قال يوم الخمسين حينما كان ممتلئا بروح القدس: إن هذه الحالة هي التي ذكرت على لسان يوئيل النبي.
وهنا يأتي دور العدالة، يصرح بطرس مع روح القدس بأن تنبؤ النبي يوئيل تحقق،
стр. 633
والقساوسة يقولون أن تنبؤ المسيح تحقق، فهل نصدق القساوسة في قولهم هذا، ونكذب بطرس؟
أقول: لا ثم لا، والحاصل أن تنبؤ المسيح لم يتحقق يوم الخمسين. ولا يسع علماء النصارى أن يذكروا يوما آخر سوى ذلك اليوم لتحقق تنبؤ المسيح.
وخلاصة الدليل كله أن النصارى لم يتلقوا الكثير مما بقى من تعليم الصدق، وآية العنوان توضح أن محمدا (ص) هو الذي قام بتعليم العالمين ما لم يكونوا يعلمون.
وصحة هذا الدليل تتجلى بشهادة ضمنية أيضا هي قول المسيح: إن روح القدس يعلم ذلك الصدق الكامل الذي لم يستطعه المسح. ولكن لم يتم يوم الخميس تعليم أمر جديد واحد، بل قال بطرس إن ذلك الحادث تنبؤ النبي يوئيل، أو ذكر حادث صلب المسيح، ولكن لم يتم أيضا تعليم شيء ما.
وفي مثل هذه الحالات ثبت ما برهنا عليه من أن النصارى كانوا في حاجة لتعلم الكثير، أما اليهود الذين جلسوا في مجلس موسى معتدين بأنهم أهل الكتاب، ومفتخرين بفهمه، فقد خاطبهم القرآن الكريم: ﴿وما أويتم من العلم إلا قليلا﴾ (١). ولما ثبتت قلة علم الطائفتين من أهل الكتاب بشهادة المسيح وبإعلان القرآن الكريم وجب أن تلقن الدنيا مرة تعليما كاملا، وحان ذلك الوقت في عهد النبي (ص) الميمون لإتمام النقص الذي دل عليه قوله تعالى ﴿مالم تكونوا تعلمون﴾.
ولما تبين النقص في أهل الكتاب فإن الأقوام الأخرى بالضرورة كانت أقل علما منهم، فالخطاب في الآية للعالمين جميعا، ومنزلة النبي (ص) هي أن يعلم الجميع ما جعله العالم إلى الآن.
ومما يحتاج إلى الشرح في تنبؤ المسيح أنه ورد فيه اسم روح الحق، ولم يرد هذا الاسم في غير هذا الموضع من الأناجيل الأربعة، بل ورد في المواضع الأخرى اسم روح
القدس، واستعمل بطرس كلمة ((روح القدس)) حين ذكر يوم الخمسين أيضا، وهذا الفرق يدل دلالة واضحة على أن ((روح القدس)) شيء، و ((روح الحق)) شيء آخر. وادعاء
стр. 634
الأساقفة بأن روح القدس جزء ثالث في التثليث لا اعتداد به، لأن روح القدس لم يلقن أي نصراني تعليما جديدا، ولم يدع عالم نصراني أنه تلقى تعليم الصدق المتبقى الذي تركه المسيح ناقصا.
ووضحت آية العنوان أن شرف تعليم العالمين كان من نصيب سيد الكون محمد (ص)، وهو من خصائصه المميزة.
وللقراء أن يتساءلوا: ما هي الأمور الكثيرة التي لم تتوفر في تعليم المسيح، بل تخلوا منها أسفار اليهود أيضا؟
والإجابة على هذا السؤال يجدها القراء في مبحث ((خصائص القرآن)) فليراجعوه بروية.
ويجب هنا التنبية على أنه قد ثبت من القرآن أيضا أن هناك بعض الصلحاء الآخرين قد أعطاهم الله تعالى من لدنه علما، فأمكن أن يتم أحد منهم هذا النقص.
والجواب أن عصر أولئك الصلحاء كان قبل المسيح بفترة طويلة، فلا يمكن أن يكونوا مكملين لتعاليم المسيح.
فالنبي (ص) هو زينة منبر العلوم الذي جلس على الأرض وأفاد الملائكة والجن والإنس بالعلوم التي جعلتهم نجوم سماء المعرفة تضيء العالم وأهله.
وهناك فرق بين بين صحابة النبي (ص) وبين تلامذة المسيح ﵇، فعدد حواري المسيح اثنا عشر حواريا، ولكن الذين قاموا بتبليغ دعوته اثنان أو ثلاثة فقط، وعملهم لم يتجاوز نشر أحوال حياة المسيح.
ولكن الجماعة التي أعدها النبي (ص) شملت أناسا كاملين من جميع نواحي الكمال، فنرى أن أبا بكر وعمر اختصا بتعليم السياسة والحكم، واختص أبو عبيدة وخالد بفتح البلدان وقيادة الجيش، ومعاذ وأبو الدرداء ببيان الدين والحكمة، وسلمان وأبو ذر بالزهد والقناعة، وعلي المرتضى وابن مسعود بالحقائق العلمية، وعثمان وابن عوف بتربية اليتامى وإعانة الأيامى، وزيد بن ثابت وأبي بن كعب بالفرائض الإلهية فرضي الله عنهم أجمعين.
وقد ذكرنا هذه الأسماء على سبيل المثال لا حصر ولتقريب الفكرة لأذهان القراء.
стр. 635
وإلا فكل صحابي في ذلك الجناب المقدس كان سحابة رحمة لمزرعة العلوم.
فحينما نرى أن مرويات عائشة بلغت (٢٢١٠) رواية، ومثلها مرويات ابن عمر، وأنس بن مالك وأن مرويات أبي هريرة بلغت (٥٣٧٤) رواية، وغيرهم من الصحابة المكثرين مثل: ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ﵃، تيقنا أن كل طالب في هذه المدرسة المحمدية الميمونة يستأهل أن يكون معلما للعالمين.
ولا يغيىبن عن البال أن هؤلاء الصلحاء من العرب وصفوا بأنهم ﴿أميون لا يعلمون الكتاب﴾ (١) لكن تربية النبي (ص) جعلتهم يحتلون مكانة عليا في مجال العلوم والمعرفة، حتى أن أتباعهم الذين ورد فيه ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ (٢) زينوا مجلس التدريس؛ فالحق أن جود النبي (ص) وعطاءه قد عمم العلم وبلغ به ذروة الكمال.
وكان أتباعه هم الذين أنشأوا مئات من المدارس والكتاتيب في أسبانيا وغرناطة وبغداد وصقلية وتونس والجزائر والتركستان والصين وبلاد التتار، تلك التي كان يتلقى فيها الدراسة المسلم وغير المسلم دون تفرقة، ولذا تعترف أوربا دون أدنى إنكار بأن هذه البلاد الإسلامية لها دور الأستاذ والمعلم.
ولو قارنا بين موقف الأساقفة من العلوم الجديدة ومعارضتهم لها، وبين موقف المسلمين من العلوم القديمة ونشرها بصدور مفتوحة، ثم استمرارهم في تأسيس العلوم الجديدة ودعمها وتأييدها لتبين لنا بوضوح أن المسلمين فقط هم الذين قاموا بنشر العلوم في العالم منذ البداية، وكان دأبهم هذا تمسكا بتوجيهات النبي (ص) الكريم (ص)، وهكذا صارت أعمال أتباع محمد (ص) أيضا بيانا لسنن هديه وبرهانا لأسوته الحسنة، وهذه خاصية توجد بكمالها في النبي (ص) وحده.
وإتماما لهذا الحديث أذكر بإيجاز ضيق نظر النصارى في نشر العلوم الحديثة وسعة نظر المسلمين في نفس المجال.
أبدى (دي رومانس) نظريته في ((قوس قزح)) قائلا بأنه انعكاس أشعة الشمس في المطر، ومن الخطأ أن نظنه قوس حرب للرب أو علامة انتقام منه، بسبب هذه النظرية ألقى