← Сира

Сира · id 14328

رحمة للعالمين (مترجم) - المنصورفوري

محمد سليمان المنصورفوري

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الكريم في زمرة المعارضين ليست سهلة اليوم أيضا، وما نراه اليوم من تسهيل في التلاوة هو من بركات تلاوة النبي (ص) وتأثيرها، تلك التلاوة التي تحمل في سبيلها أنواعا من المصائب والنوائب. وينبغي أن نعرف أن للتلاوة صورتين: ألف: تلاوة الرجل لنفسه، ولها آدابها، مثل تحسين الصوت وحضور القلب والتفكر في المعاني والتعمق في الحقائق والمعارف. ب: التلاوة على الآخرين، الآخرين من أعداء الدين، المعارضين للدين، الذين تنبو أسماعهم من الأصغاء له، وتأبى قلوبهم فيهم معانيه، فالمطلوب أن يتلى عليهم القرآن بحيث يتمثل أمامهم الثواب الأبدي، والعذاب الأخروي، والنعم الإلهية والرضوان الرباني، فترتعد أجسامهم وتخفق قلوبهم، وتنفتح عيونهم، وتتوقف طبائعهم عن أطوارها السابقة. إن هذا العمل كان من شأن النبي (ص) دون شك، والقرآن يشهد أنه (ص) قام به خير قيام، ولذا صار هذا الطريق من خصائصه (ص). الخاصية الخامسة عشرة ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (١) الخطاب في الآية موجه إلى العالمين جميعا، والآية تبين شأن النبي (ص) فهو يعلم الدنيا كلها العلوم التي تجهلها. أما المسيح صادق اللهجة فقد سبر استعداد المخاطبين وأهلية المستمعين فأعلن: ((إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق)) (٢). وقول المسيح يدل على أن القدر الذي علمه قومه كان أقل من التعليم الذي بقى، وتدل هذه الفقرة على أن هذه القلة لم تكن بسبب نقص في المسيح، بل سببه أن المستمعين

стр. 632

كانوا في حالة بدائية لا تناسب التعليم الأعلى. ومثال ذلك أستاذ حاصل على الماجستير يقوم بتدريس طلاب الابتدائية، فلا يلقى إليهم كثيرا من المسائل العلمية لنقص فهمهم، فالواقع أن قدرا صالحا من تعليم المسيح، الأستاذ الصالح، لم يحصل للعالمين في ذلك الوقت. والآن نتساءل: هل أتم أحد هذا النقص في الدين النصراني في أي عصر من العصرر؟. وقد اتفق أن اتصلنا بعلماء النصارى بهذا الصدد، فقالوا: إنه قد أكمل هذا النقص يوم الخمسين الذي ورد ذكره في الأصحاح الثاني من سفر الأعمال (١). ويفهم من عبارته أن هذا الحادث وقع بعد رفع المسيح بخمسين يوما، أي في نفس العام الأول. وذكر معنى يوم الخمسين في كتاب الأحبار ((الكتاب الثالث لموسى)) في الباب الثالث والعشرين، بأنه تقديم قربان النذر أيام عيد الفصح. نعم، يظهر بكتاب الأعمال (٢)، أن حواري المسح الاثنى عشر كانوا اجتمعوا ذلك اليوم، فسمعوا صوتا قويا، ورأى التلاميذ ألسنة النار على حدتهم فجلسوا عليها جميعا، وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى، فلما صار هذا الصوت اجتمع الجمهور وتحيروا وارتابوا قائلين بعضهم لبعض ما عسى أن يكون هذا، وكان آخرون يستهزؤون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة، فوقف بطرس ورفع صوته وقال لهم: إن هؤلاء ليسوا سكارى، بل هذا ما قيل يوئيل النبي: يقول الله: ويكون في الأيام الأخيرة أني أسكب من روحي على كل بشر وبعد خطاب بطرس انضم إليه نحو ثلاثة آلاف نفس. وما وقع يوم الخمسين لا داعي للشك فيه، بل ينبغي أن نتأمله ونفكر فيه، والسؤال هنا متى تحقق تنبؤ المسيح عن إتمام ما بقى من تعليم الصدق؟ إن بطرس كان قد قال يوم الخمسين حينما كان ممتلئا بروح القدس: إن هذه الحالة هي التي ذكرت على لسان يوئيل النبي. وهنا يأتي دور العدالة، يصرح بطرس مع روح القدس بأن تنبؤ النبي يوئيل تحقق،

стр. 633

والقساوسة يقولون أن تنبؤ المسيح تحقق، فهل نصدق القساوسة في قولهم هذا، ونكذب بطرس؟ أقول: لا ثم لا، والحاصل أن تنبؤ المسيح لم يتحقق يوم الخمسين. ولا يسع علماء النصارى أن يذكروا يوما آخر سوى ذلك اليوم لتحقق تنبؤ المسيح. وخلاصة الدليل كله أن النصارى لم يتلقوا الكثير مما بقى من تعليم الصدق، وآية العنوان توضح أن محمدا (ص) هو الذي قام بتعليم العالمين ما لم يكونوا يعلمون. وصحة هذا الدليل تتجلى بشهادة ضمنية أيضا هي قول المسيح: إن روح القدس يعلم ذلك الصدق الكامل الذي لم يستطعه المسح. ولكن لم يتم يوم الخميس تعليم أمر جديد واحد، بل قال بطرس إن ذلك الحادث تنبؤ النبي يوئيل، أو ذكر حادث صلب المسيح، ولكن لم يتم أيضا تعليم شيء ما. وفي مثل هذه الحالات ثبت ما برهنا عليه من أن النصارى كانوا في حاجة لتعلم الكثير، أما اليهود الذين جلسوا في مجلس موسى معتدين بأنهم أهل الكتاب، ومفتخرين بفهمه، فقد خاطبهم القرآن الكريم: ﴿وما أويتم من العلم إلا قليلا﴾ (١). ولما ثبتت قلة علم الطائفتين من أهل الكتاب بشهادة المسيح وبإعلان القرآن الكريم وجب أن تلقن الدنيا مرة تعليما كاملا، وحان ذلك الوقت في عهد النبي (ص) الميمون لإتمام النقص الذي دل عليه قوله تعالى ﴿مالم تكونوا تعلمون﴾. ولما تبين النقص في أهل الكتاب فإن الأقوام الأخرى بالضرورة كانت أقل علما منهم، فالخطاب في الآية للعالمين جميعا، ومنزلة النبي (ص) هي أن يعلم الجميع ما جعله العالم إلى الآن. ومما يحتاج إلى الشرح في تنبؤ المسيح أنه ورد فيه اسم روح الحق، ولم يرد هذا الاسم في غير هذا الموضع من الأناجيل الأربعة، بل ورد في المواضع الأخرى اسم روح القدس، واستعمل بطرس كلمة ((روح القدس)) حين ذكر يوم الخمسين أيضا، وهذا الفرق يدل دلالة واضحة على أن ((روح القدس)) شيء، و ((روح الحق)) شيء آخر. وادعاء

стр. 634

الأساقفة بأن روح القدس جزء ثالث في التثليث لا اعتداد به، لأن روح القدس لم يلقن أي نصراني تعليما جديدا، ولم يدع عالم نصراني أنه تلقى تعليم الصدق المتبقى الذي تركه المسيح ناقصا. ووضحت آية العنوان أن شرف تعليم العالمين كان من نصيب سيد الكون محمد (ص)، وهو من خصائصه المميزة. وللقراء أن يتساءلوا: ما هي الأمور الكثيرة التي لم تتوفر في تعليم المسيح، بل تخلوا منها أسفار اليهود أيضا؟ والإجابة على هذا السؤال يجدها القراء في مبحث ((خصائص القرآن)) فليراجعوه بروية. ويجب هنا التنبية على أنه قد ثبت من القرآن أيضا أن هناك بعض الصلحاء الآخرين قد أعطاهم الله تعالى من لدنه علما، فأمكن أن يتم أحد منهم هذا النقص. والجواب أن عصر أولئك الصلحاء كان قبل المسيح بفترة طويلة، فلا يمكن أن يكونوا مكملين لتعاليم المسيح. فالنبي (ص) هو زينة منبر العلوم الذي جلس على الأرض وأفاد الملائكة والجن والإنس بالعلوم التي جعلتهم نجوم سماء المعرفة تضيء العالم وأهله. وهناك فرق بين بين صحابة النبي (ص) وبين تلامذة المسيح ﵇، فعدد حواري المسيح اثنا عشر حواريا، ولكن الذين قاموا بتبليغ دعوته اثنان أو ثلاثة فقط، وعملهم لم يتجاوز نشر أحوال حياة المسيح. ولكن الجماعة التي أعدها النبي (ص) شملت أناسا كاملين من جميع نواحي الكمال، فنرى أن أبا بكر وعمر اختصا بتعليم السياسة والحكم، واختص أبو عبيدة وخالد بفتح البلدان وقيادة الجيش، ومعاذ وأبو الدرداء ببيان الدين والحكمة، وسلمان وأبو ذر بالزهد والقناعة، وعلي المرتضى وابن مسعود بالحقائق العلمية، وعثمان وابن عوف بتربية اليتامى وإعانة الأيامى، وزيد بن ثابت وأبي بن كعب بالفرائض الإلهية فرضي الله عنهم أجمعين. وقد ذكرنا هذه الأسماء على سبيل المثال لا حصر ولتقريب الفكرة لأذهان القراء.

стр. 635

وإلا فكل صحابي في ذلك الجناب المقدس كان سحابة رحمة لمزرعة العلوم. فحينما نرى أن مرويات عائشة بلغت (٢٢١٠) رواية، ومثلها مرويات ابن عمر، وأنس بن مالك وأن مرويات أبي هريرة بلغت (٥٣٧٤) رواية، وغيرهم من الصحابة المكثرين مثل: ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ﵃، تيقنا أن كل طالب في هذه المدرسة المحمدية الميمونة يستأهل أن يكون معلما للعالمين. ولا يغيىبن عن البال أن هؤلاء الصلحاء من العرب وصفوا بأنهم ﴿أميون لا يعلمون الكتاب﴾ (١) لكن تربية النبي (ص) جعلتهم يحتلون مكانة عليا في مجال العلوم والمعرفة، حتى أن أتباعهم الذين ورد فيه ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ (٢) زينوا مجلس التدريس؛ فالحق أن جود النبي (ص) وعطاءه قد عمم العلم وبلغ به ذروة الكمال. وكان أتباعه هم الذين أنشأوا مئات من المدارس والكتاتيب في أسبانيا وغرناطة وبغداد وصقلية وتونس والجزائر والتركستان والصين وبلاد التتار، تلك التي كان يتلقى فيها الدراسة المسلم وغير المسلم دون تفرقة، ولذا تعترف أوربا دون أدنى إنكار بأن هذه البلاد الإسلامية لها دور الأستاذ والمعلم. ولو قارنا بين موقف الأساقفة من العلوم الجديدة ومعارضتهم لها، وبين موقف المسلمين من العلوم القديمة ونشرها بصدور مفتوحة، ثم استمرارهم في تأسيس العلوم الجديدة ودعمها وتأييدها لتبين لنا بوضوح أن المسلمين فقط هم الذين قاموا بنشر العلوم في العالم منذ البداية، وكان دأبهم هذا تمسكا بتوجيهات النبي (ص) الكريم (ص)، وهكذا صارت أعمال أتباع محمد (ص) أيضا بيانا لسنن هديه وبرهانا لأسوته الحسنة، وهذه خاصية توجد بكمالها في النبي (ص) وحده. وإتماما لهذا الحديث أذكر بإيجاز ضيق نظر النصارى في نشر العلوم الحديثة وسعة نظر المسلمين في نفس المجال. أبدى (دي رومانس) نظريته في ((قوس قزح)) قائلا بأنه انعكاس أشعة الشمس في المطر، ومن الخطأ أن نظنه قوس حرب للرب أو علامة انتقام منه، بسبب هذه النظرية ألقى

стр. 636

القبض عليه، وأرسل إلى روما ولما مات في السجن أحرقت جثته وكتبه. والأمر الذي صدر في إحراق جثته كان يتضمن التصريح بأن إحراقه جاء نتيجة جهوده أيضا للمصالحة بين الكنيسة الرومانية والكنيسة البريطانية، فكأن الساعي إلى الصلح يستحق هذا المصير في نظرهم! وحبس ((برونو)) طويلا في عام ١٦٠٠ م ثم أحرق حيا لمجرد قوله في الدنيا: إنها عالم الأسباب أو كأن قوله يشير إلى فكرة وحدة الوجود. إن كروية الأرض اكتشفت في عصر الخلافة العباسية، ولكن لم يحرك هذا الاكتشاف ساكنا في أوساط المسلمين، وحين وصلت نفس هذه المسألة إلى أوربا قامت قيامتها، وقتل عشرات من الفلاسفة الذين قالوا بكروية الأرض. والتطعيم ضد الجدري كان معروفا في القسطنطينية منذ مدة، وفي عام ١٧٢١ م ذهبت به السيدة (ماري مونتا) إلى أوربا، فعارضه الأساقفة أشد المعارضة، حتى رفع طلب إلى الملك بأن يحظر استخدامه بحكم سلطته الملكية. ولما عرف أهل أمريكا طريقة تخدير المرأة وقت الولادة عارضها جميع الأساقفة، وقالوا: توفير الراحة للمرأة وقت الولادة معارضة للعنة الله [التي توجد في الباب الثالث من كتاب التكوين] لذات المرأة!. وقد أحرق الكاردينال اكسيمنس ثمانية آلاف كتاب في غرناطة لأن محتواها كان يتعارض مع رأي الكنيسة. وتعتبر حركة البروتستانت حركة إصلاحية متطورة، ويقال عنها إنها منحت الناس حرية العقل والقلب، وإليكم الآن موقف هذه الحركة المتحررة: أصدر كلفان أمر إحراق السيرفيت لأنه اعتقد في ضوء تحقيقه دخول البدعة في دين المسيح قبل انعقاد ((مجلس نيقية))، وبهذا الذنب ألقى في النار الملتهبة التي شوته كالكباب. وبنفس الذنب أحرق فايتي في مدينة تلوز عام ١٧٢٩ م. وكان الأسقف لوتير يصف أرسطو بالكذب ويقول إنه خنزير دنس. أما المسلمون فلم يقصروا في أخذ العلوم لأنها علوم أمم أو بلاد أخرى، ولم

стр. 637

يتضايقوا من نشرها لأن طلابها ليسوا على دينهم ومن أمتهم. ولإثبات هاتين النقطتين هناك ألوف من الوقائع التي يرويها مؤرخو الإسلام، وقد أورد عشرات منها ديون بورت، وليودبول، وايدواردكين. وقد وصل هذا النور إلى المسلمين من المنبع الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾. ويعلم القراء باستقراء تاريخ العالم أن اكليل هذه الخاصية يزين رأس صاحب المعراج (ص) وحده. الخاصية السادسة عشرة ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (١) سبق أن ذكرنا أن الكتاب هو القرآن الكريم، وأن الأحاديث تندرج تحت تعليم الكتاب، ولذا يتحتم ذكر تعليم الحكمة تحت هذه الخاصية، يقول تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة ففد أوتي خيرا كثيرا﴾ (٢). وتوضح هذه الآية أن الحكمة اسم للفضائل المحمودة والمحاسن الكثيرة، وقد ورد إطلاق لفظ الحكمة منفصلا عن منصب النبوة، يقول تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾ (٣). والجدير بالتأمل هنا ما عبر عنه بالحكمة بعد ذكر الكتاب وتعليم الكتاب، فمن الواضح أن أحوال الناس مختلفو الأمزجة، تختلف عند العمل بالهداية الواضحة والبيان الراشد، وقد أتم النبي (ص) تعليم الصحابة جل الأمور المعقدة بطريقة عملية: ١ - فقد آخى النبي (ص) بين المهاجرين والأنصار أول قدومه المدينة، ثم عقد معاهدة بين المؤمنين ويهود يثرب، وهكذا ضمهم في اتحاد مدني، وتبدأ هذه المعاهدة هكذا: (٤)

стр. 638

أ - هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين المسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة. ب - وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. ج - وأن بينهم نصرا على من حارب أهل هذه الصحيفة)). والمتأمل إذا تعمق كلمات هذه المعاهدة لأدرك أن هذا الفعل عين الحكمة. ٢ - وقد شعر النبي (ص) بعد وصوله المدينة بضرورة عقد حلف مع القبائل التي كانت تسكن في الطريق بين مكة والمدينة، ومحالفته لبني ضمرة وبني مدلج مظهر لهذه الحكمة. ٣ - كتب في صلح الحديبية ((محمد رسول الله)) فاعترض عليه سفير قريش، وأصر على معارضته، وأصر كاتب النبي (ص) على بقاء هذه الكلمة كما هي مثبتة على لوح قلبه، وكاد إصرار الفريقين على موقفهما أن يقضي على العهد. فقال النبي (ص): ((أنا محمد رسول الله، ومحمد بن عبد الله فاكتب محمد بن عبد الله)) وبهذه الحكمة انتهى النقاش كله. ٤ - كتب كفار مكة إلى كفار يثرب بأن يبدأوا الحرب مع المهاجرين والأنصار، وإلا هاجم أهل مكة مخاطبيهم وقضوا عليهم، وقد خضع أهل يثرب للتهديد، فبدأوا يستعدون للهجوم على المهاجرين والأنصار، ولما بلغ ذلك النبي (ص) ذهب إلى أهل يثرب وقال (ص): ((إنكم لا تفهمون مكيدة أهل مكة، إنهم يريدون قتل أقاربكم ﴿الذين أسلموا﴾ بأيديكم ولو اضطررتم لقتال أهل مكة فإنه قتال مع غيركم)). وأثرت هذه الكلمة الموجزة تأثيرا بديعا، فتلاشى بها خطر الحرب الداخلية التي كادت أن تبدأ بين أهل المدينة، وقد أمنت هذه الحكمة مهجر المسلمين وقضت على جذور الفساد (١). ٥ - هجم أهل الطائف وحنين على المسلمين، فانهزموا عند أوطاس وتحصن جيشهم

стр. 639

في حصن الطائف، فحاصرهم المسلمون، ولما اشتد الحصار على الكفار بدأوا يهربون بتسلق جدار الحصن، وهنا أمر النبي (ص) برفع الحصار، وقد أثر هذا الموقف الكريم في المحاصرين تأثيرا قويا، فلم تمض شهور إلا أسلم أهل الطائف جميعا (١). ٦ - أراد هرقل الهجوم على العرب، ولم يرض النبي (ص) بأن تصبح الجزيرة العربية مسرحا لجيوش روما، فتقدم (ص) إلى نهاية حدود الجزيرة وأقام هناك. وكان في ذلك من الحكمة إذ كان وصول جميع المعونات إلى الجيش الإسلامي أمرا ميسورا. وقد أثرت هذه الخطوة الجريئة في هرقل تأثيرا كبيرا، فتخلى عن فكرة الهجوم على العرب (٢). ٧ - لما تم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة أخرج منها (٣٦٠) صنما، ولكنه لم يحدث أي تغيير في بناء الكعبة الذي مر عليه خمس سنوات فقط، وكانت قريش قد نقصت من طول هذا. البناء لقلة المال والعتاد. وقد أبدى النبي (ص) رغبته في أن يكون البناء على قواعد إبراهيم، ولكنه تركه على ما كان عليه لكون الناس حديثي عهد بالإسلام، وذلك أن المساهمين في البناء بالمال والجهد ما زالوا على قيد الحياة، ولا شك أن هدم البناء يشق عليهم، ولذا آثر النبي (ص) البناء الداخلي ولم يهتم ببناية الحجارة واللبنات. وهذه الأمثلة وأشباهها توضح كيف استمر النبي (ص) في تعليم الحكمة في شئون التمدن والأخلاق والمصالح العامة. وينبغي أن يعلم أن من تعليم الحكمة أن النبي (ص) جعل أحكام الشريعة مبنية على الحكم والعلل. ثم بين علة هذه الأحكام وحكمتها، وكان ذلك ميزة عجيبة له (ص)، فإن الشرائع السابقة لم تهتم بذلك إلا قليلا، بل جعل العمل بالأحكام أمارة للطاعة، وعصيانها أمارة للعصيان فقط، حتى فهم الناس أن مثل الشريعة مثل سيد أمر عبده بنقل حجر من هنا إلى هناك، فلو نقل العبد الحجر صار مطيعا، ولو لم ينقله صار عاصيا، ومع أن السيد لم يقصد بأمره هذا شيئا، ولم يستفد العبد فائدة بطاعته أو عصيانه. وكذا ينبغي أن ندرك أن النبي (ص) نظم الشريعة لتكون بمثابة الطب الروحي، فذكر

стр. 640

الأمراض الروحية التي تلحق أي عضو من أعضاء الإنسان، ثم أرشد إلى علاجها وإلى استخدام الأدوية المفردة والمركبة في هذا العلاج، وحدد الأدوية التي تنفع في صحة القلب والحياة الروحية ونشاط الأعضاء الرئيسة، دواء بعد دواء. وبعد تكميل النفس يبدأ الدور الثاني لتعليم الحكمة من عند رسول الله (ص) ويتلقى الناس الأحكام المفصلة لتدبير المنزل وتربية العائلة. وفي الدور الثالث تبدأ دروس سياسة المدن، فبين (ص) واجبات الأمم والبلدان وحقوقها بتفصيل واف. وقام النبي (ص) بكل هذه المساعي بصفته معلما للحكمة، ولا يسع أهل البصيرة إلا أن يعترفوا بأن أحدا لم يؤد هذه الفريضة أفضل من النبي (ص). وليعلم أن من أسماء الله الحسنى ((الحكيم)) ونفس هذا الاسم أطلق على كتاب الله تعالى ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ (١) وهذا الكتاب جعل النبي (ص) معلما للحكمة، ولهذا يعرف علو منزلة الحكمة والعلم والمعرفة، ومن هنا تتضح المكانة العالية للنبي (ص). وعن تعليم النبي (ص) الحكمة أسوق حديثا في ختام هذا المبحث، وهو يساعد في إدراك المعنى العميق للحديث وسعة تعليم النبي (ص) الحكمة، إذ يقول (ص). ((الحكمة ضالة المؤمن، إذا وجدها أخذها)) (٢). الخاصية السابعة عشرة ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (٣) توضح الآية أن الناس كانوا تحت أحمال ثقيلة، وكانت أيديهم وأرجلهم مربوطة بالسلاسل، وتحريرهم من هذه الأغلال والسلاسل والقيود والروابط تم على يد النبي (ص)، وكان ذلك من لوازم نبوته العامة، ونبوته (ص) عامة للعرب والعجم، وقد ورد في دعوته (ص) ((كافة للناس)) ولهذا يجب لفهم معنى الآية المذكورة الاطلاع على القيود

стр. 641

والأغلال التي كبلت أمم العالم قبل بعثة النبي (ص)، ونحن نذكر هنا بإيجاز أحوال اليهود والنصارى والعرب، فهذه هي الأمم التي يمكن أن تحتل مكانة من حيث التمدن والحضارة: ١ - العرب: ما كانوا يستحيون من الزنا والفجور، بل يفتخرون بأفعالهم القبيحة ويذيعونها في أشعارهم وكلامهم، وكانوا يتعاطون الخمر والمسكرات الأخرى، ولم يكونوا يندمون على ما يصدر منهم من الأعمال القبيحة في حالة السكر. كانوا يربون القينات أي الجواري للرقص والغناء، وكسبهن بالزنا كان كسبا طيبا عند أصحابهن، وسبايا الحرب يتحولن عندهم إلى قينات، ولم يكن للمرأة أن تحلب ماشية، ولو فعلت امرأة ذلك لهانت الأسرة كلها، والميراث كان خاصا بالرجال البالغين، وكانت النساء والأولاد يحرمون تركة أقاربهم، وقريب الزوج المتوفى يلقى رداءه على الأرملة فتصير زوجة له طوعا أو كرها، وهكذا كان الابن يملك أمه غير الحقيقة، وكانت النساء يخرجن سافرات إلى المجامع العامة، ولم يتحرزن من كشف ما خفي من الجسم لعامة الناس، وكان الرجال والنساء يحفرون الوشم في أجسادهم، والنساء يصلن شعورهن ويتفلجن أسنانهن، ويأخذن طرق الزينة حتى يحسبهن الناس شابات. وكان الأشراف منهم يئدون بناتهم أو يلقونهم في البئر العميقة، يفتخرون بهذا الصنيع ويرونه أمارة الشرف، ولم تكن هناك قاعدة للزواج ولا طريقة للتفريق بين المحارم وغيرهن من النساء. وكان الميسر شغلهم الشاغل، وكانت بيوت مشاهيرهم بمثابة دور للقمار، وشاع بينهم الاعتقاد بالأرواح الخبيثة، فكان الناس يؤمنون بأن هذه الأرواح تتصرف في الإنسان، وكانت هناك آلهة خيالية وهمية اخترعوا لها أشكالا وأوثانا منحوتة يعبدونها في معابدهم، وكان لكل قبيلة صنم خاص يرونه مالكا لمصيرهم ولو قام عداء بين قبيلة وأخرى تعدى ذلك إلى الأصنام، وكانت عادة الرهان شائعة بينهم يراهنون بين ثلاثة أو سبعة فرس، وكان الخلاف ينشأ أحيانا في ترتيب الفرس فيؤدي إلى حرب تستمر سنوات. وكان تحرير العبيد مفخرة، ولكن حق التملك يستمر ثابتا للسيد، فله أن يبيع أو يهب هذا الحق.

стр. 642

وكانت الأصنام والأرواح تعبد ويسجد لها وتنذر النذور والقرابين، وكانوا يذبحون لها أول نتاج الإبل والبقر والغنم، ويخصصون أحسن قطعة من الأرض الزراعية للأصنام، فلو أتلفت آفة من الأرض أو السماء انتاج هذه القطعة عوضوه بانتاج قطعة أخرى من الأرض وكانوا يشربون دماء المواشي عند الجوع والقحط، ويأكلون لحوم الحيوان بعد قطعها منه وهو حي، ويتطيرون بحركات الحيوان وأصواتهم، ويرقون ويعلقون التمائم وهكذا سيطرت الأوهام على أفكارهم وعقولهم. وكانوا يحبون الثأر والحقد فيثأرون لما وقع قبل جيل أو جيلين ويرون ذلك شجاعة. وكانوا يقلدون فواحش وقباح الأمم المجاورة لهم بسرعة. وكانوا يغالون في الفخر بالأنساب، وكانت كل قبيلة تحتقر الأخرى، ويؤدي هذا الاحتقار أحيانا إلى العداء والحرب. وكانت تقاليد الأسرة مسيطرة عليهم أكثر من الدين والقانون وكانت حرية الرأي تختفي في ظل التقاليد، وكانت القبائل تحالف الأمم المجاورة للقضاء على أعدائها، وتحتال لغزو فارس والروم والأحباش لبلادهم. ومن أشهر أصنامهم: هبل: وكان طويلا موضوعا على شرفة الجدار الموازي للكعبة، وكانت جميع قبائل العرب تعظمه، وكان أبو سفيان هتف به في غزوة أحد فقال: أعل هبل (١). وقد رأيت عام ١٣٣٩ هـ خارج باب السلام عمودا طويلا من الحجر يدوسه الناس قادمين رائحين، واشتهر بينهم أنه جزء من صنم هبل، ولم يكن في جوانبه الثلاثة تمثال. وكان من أحفاد شيث ﵇ ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فاتخذ الناس لهم تماثيل، فكان بنو كلب يعبدون ودا، وبنو مدلج سواعا، وبنو مراد يغوث، وبنو همدان يعوق، وبطن من بني همدان نسرا. واللاة: تأنيث الله، ويقال لها ربة أيضا. ومناة: تأنيث المنان، وكان صنمه على جبل المشلل، وجميع العرب كانت تعترف بألوهية هذين الصنمين، وكانت هذيل ونزال والأوس والخزرج من عباد مناة خاصة.

стр. 643

والعزى: مؤنث العزيز، وكانت بنو شيبان تعبدها خاصة وتعتقد أن الله يسكن في موضعها في الصيف، وكانت بنو كنانة على نفس الاعتقاد. ودوار: كان تمثالا لمرأة شابة، وكان الناس يطوفون حوله، وكان أساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم من سكان اليمن، وكانت بينهما علاقة قذرة فارتكبا الفاحشة بعد الوصول إلى مكة المكرمة فعوقبا ووضعت جثتهما دون تدفين نكالا وعبرة، جثة أساف على الصفا وجثة نائلة على المروة، فلما بليت الجثث وصارت رفاتا جعل لهما تمثال عبده الناس بعد مدة (١). وعبعب: كان حجرا كبيرا في موضع تقديم القرابين. وعم أنس: إله الزراعة، وكما أن الناس في ولاية أوتار براديش بالهند اختلقوا اسم (خال ((الله بخش)) فكذلك اخترع اسم هذا الصنم. ومرة قدم في أيام المجاعة لهذا الصنم مائة ثور. وقد ذكر وفد خولان أحواله للنبي (ص) بعد إسلامهم. وذو الكفين: كان صنما من خشب يعبده دوس. ولما أسلم طفيل بن عمرو بن صعصعة أحرقه وجعله رمادا وفلس: كان صنما لطي وأحرق. وسعد: صنم بني ملكان بن كنانة. وذو الشرى: صنم بني حارث بن شكر. وبهم: صنم بني مزنية. وشعير: صنم بني عزة. وذو الخلصة: كان معبود خثم وبجيلة في صورة امرأة متكللة (٢). والمصائب التي جعلت العرب فريسة لعبادة هذه الأصنام قد عبر الله عنها في الآية بالإصر والأغلال. وبالتعلم الطاهر للنبي (ص) نجا العرب كلهم من هذه الأغلال والقيود. والآن نستعرض حالة اليهود: ٢ - اليهود: كان ينبغي أن تقتصر كلمة ((اليهود)) على القبيلة التي كانت من ولد يهودا ابن يعقوب ﵇، ولكن صار هذا الاسم يطلق الآن على أسباط بني إسرائيل البالغ عددها اثني عشر سبطا، وفيما يلي أسماء ولد إسرائيل (يعقوب ﵇ مرتبة حسب ميلادهم:

стр. 644

...الرقم...معناه...اسم الأم ١...روبين...انظر ابنا...السيدة لياه ٢...شمعون...السمع...السيدة لياه ٣...لاوي...الزوج (لا الفرد) ...السيدة لياه ٤...يهوذا...التحسين...السيدة لياه ٥...دان...العادل...السيدة بلها جارية السيدة راحيل ٦...نفتالي...المصارع...السيدة بلها جارية السيدة راحيل ٧...جاد...العسكر...السيدة زلفة جارية السيدة لياه ٨...أشير...الحظ...السيدة زلفة جارية السيدة لياه ٩...إيساخر...الأجرة أو الجائزة...السيدة لياه ١٠...زيلون (زبرن) ...الرفيق...السيدة لياه ١١...يوسف...المزيد...السيدة راحيل ١٢...بن يمين ابن اليد اليمنى...السيدة راحيل وازداد اليهود كرامة وعزا منذ عهد داود ﵇، وفي عهد ابنه سليمان كان اليهود في أحسن أحوالهم. ولم تمض سنوات على ارتحال سليمان من الدنيا حتى اعتزل ابنه رجعام عشرة أسباط، فلم يبق حكم رجعام إلا على فرقتين، فأطلق على بني رجعام ملوك يهودا، وعلى الفرع الثاني ملوك بني إسرائيل. وبيت المقدس الذي قبله الله بيتا له صار مهجورا بعد أربعين سنة. اقرأوا تاريخ اليهود تعرفوا أنه قصة المصائب والمحن. وكانت الوثنية والخيانة بدأت فيهم منذ أواخر عهد سليمان، وقضى بختنصر على الفرعين معا، ومنذ ذلك الوقت امتلاء تاريخهم بالأسر والاضطهاد والنفي والرق. وكانت فلسطين في عهد نيرون (ملك روما) خالية من اليهود تماما، وصدق عليهم قوله تعالى ﴿ملعونين أينما ثقفوا﴾ (الأحزاب: ٦١).

стр. 645

ولما انتصر قسطنطين صار اليهود حبة بين طبقتي الرحى، لم يكن أحد يعترف ولم يعترف لهم بأي حقوق مدنية في أي بلد. وكانت حالتهم الدينية سيئة جدا، فقد كذبوا كل نبي من عند الله منذ عهد موسى كليم الله حتى عهد عيسى كلمة الله، ولم يكن بينهم كتاب التوراة، فاعتمدوا في معرفة الحلال والحرام والرضا والسخط على أخبار الأحبار وبيانهم، وقد اجترأ هؤلاء على أكل السحت والميتة وأخذ الربا فبيعت الفتاوى الشرعية، وكانت تفصل في قضايا الثرى والفقير حسب الرشوة. وقد أكثر الله تعالى من إرسال الرسل والأنبياء إلى هذه الأمة، ولكن اليهود لم يكرموهم ولم يعززوهم، بل لم يتحرجوا من قتلهم أحيانا، وقضت الأوهام على روح الديانة اليهودية، وجعل الزهد المصطنع الشريعة لعنة عليهم، قد وصفهم المسيح ﵇ بالحية وأولادها. وصمم سيدنا محمد (ص) وضع الإصر والأغلال عن هذه الأمة المخذولة، وأراد أن يمنحهم منزلة كريمة وسط الأمم الأخرى في العالم، وبهذه النية الميمونة عقد النبي (ص) معاهدة عالمية بعد وصوله المدينة، وأكرم بها اليهود بمساواتهم في الحقوق المدنية بالمسلمين. وكذلك اعتنى بإصلاح حالتهم الدينية، فنجاهم من الفتاوى المصطنعة للأحبار، وعرفهم بالشريعة، وحكم في قضاياهم وفق الأحكام المبينة في التوراة. وكانت هذه الخطوات كلها لإنقاذ هذه الأمة من الإصر والأغلال. وكانت شريعة موسى أيضا تتضمن أحكاما صارمة، مثل الانتحار من أجل التوبة وتحريم الدية وتحريم الغنيمة وترك العمل يوم السبت وعدم جواز الصلاة خارج البيع وغير ذلك. والتسهيل في هذه الأحكام وتوسيعها كان أيضا من وضع الإصر والأغلال. ٣ - النصارى: اختار المسيح لنفسه اثنى عشر حواريا، حتى يشهدوا لتعليم المسيح أمام أسباط بني إسرائيل الاثنى عشر، ومع وجود المعلم الكامل مثل المسيح سيطر عليهم النقص، حتى اضطر المسيح مرات لأن يقول لهم: لو كان فيهم حبة خردل من الإيمان لفعلوا كذا وكذا. وكان المسيح يلومهم لأنهم لم يستطيعوا أن يسهروا معه ساعة للاستغفار والدعاء.

стр. 646

وبعد ذهاب المسيح وقع تلاميذه الاثنا عشر في خلاف شديد حول العقائد والأعمال، وذلك مثل: ١ - هل يجب الالتزام بأحكام الشريعة (التوراة)؟ ٢ - هل يجوز التبشير بالنصرانية في الأمم الأخرى أم لا؟ ٣ - هل الاختتان خاص ببني إسرائيل، أم لكل من يدخل في النصرانية؟ وجرت مناقشات حادة حول كل مسألة من هذه المسائل. وبولس اليهودي، الذي لم يكن من الحواريين الاثنى عشر، بل كان يؤذي المسيح ومن آمن به حينذاك، دخل النصرانية فيما بعد، ولما كان أعلم من الحواريين، لذا غلبهم في الكتابة والخطابة، ثم أحدث لهم تعليما جديدا، بدل التعليم الذي أشهدهم عليه المسيح. وبولس هو الذي جعل رؤياه فوق الشريعة، وأحل ما حرم الله للجيل الجديد. وهكذا سن بولس في حياته سنة صارت حجة لمن أتى بعده، فكانت المجامع تنعقد واحدا بعد الآخر، ويتم فيها الاتفاق على العقائد الجديدة، ومن يعارضها كان يلقى حتفه دون تأخير. والأمر الذي تحتم لدى المجامع إصدار القضاء فيه هو ألوهية المسيح وبنوته أي أنه ابن الله، فجعل بعضهم المسيح صاحب ذاتين وروحا واحدة، وجعله بعضهم صاحب ذات واحدة وروحين، وجعله البعض الآخر بشرا في الحياة الدنيا، وابنا بعد الصلب، وقليل منهم بقوا على العقيدة القديمة فلم يجعلوا المسيح أكثر من كونه بشرا نبيا. والمجامع نفسها اخترعت عقيدة التثليث، اتباعا لتثليث أفلاطون، أي الله والعقل والنفس الكلي. فكانت مسائل أفلاطون عامة في اليونان، ولذا لم يعترض أحد على هذا التثليث، وانتشرت العقيدة القائلة به. وظهر الخلاف في أقانين التثليث أيضا، فجعل بعضهم أركانه: الله ومريم والمسيح، وبعضهم: الله ويوحنا والمسيح، وبعضهم جعل الله والمسيح أقانيم ثلاثة. ثم ظهر الخلاف حول روح القدس، فقال بعضهم: ولد المسيح بالله وروح القدس، وقال بعضهم: ولد روح القدس بالله والمسيح.

стр. 647

وكانت هذه الخلافات تشبه الجراثيم التي تقضي على شجرة النصرانية من جذورها. وكانت كنائس روما والقسطنطينية ومصر والقدس تدعي لنفسها الكرامة والشرف، وتتبادل فيما بينها فتاوى الفسق والكفر، وفي هذه الأيام ظهر فيهم اتجاه التمثل بمريم والمسيح، فترهب ألوف من الرجال والنساء، وكان وجودهم عبئا على العالم المتحضر ووصمة عار على جبين الكنيسة، وقضت عقيدة الكفارة (١) على الرغبة في الأعمال الصالحة، وأطلقت فكرة إنقاذ المسيح للملعونين وأهل النار عنان الطبائع الوحشية. كما أتاحت مسألة الكذب المقدس لكل فرقة فرصة تزويد الوثائق الهامة حسب أهوائها وقياساتها، وهذه المفاسد جعلت النصرانية مكروهة منفرة، كما أن الاضطهاد الذي لقيه النصارى على أيدي براسبير وآردين والأسقف ديكن قد أنسى الناس ظلم هيروديس ونيرو. وفي مثل هذه الظروف كانت بعثة النبي محمد (ص). وقد توفرت لنصارى الشام ومصر والعراق في ظل الإسلام حياة الأمن والسلام مع الإبقاء على معتقداتهم، وسلام الإسلام قد وضع عنهم الإصر والأغلال التي أثقلت رؤوسهم وأفكارهم. ٤ - الأمم الهندوكية: أطلق المسلمون على سكان شرقي نهر إندو أو السند اسم إندو أو هندو، وتاريخ هذا البلد وهذه الأمة كان تاريخا مظلما، ولكن توجد آثار تدل على نهضة علمية في هذه البلاد أيضا. وانحطاط الأمة الهندوكية وبلادها ودياناتها وعلمها قد بدأ بحرب (مها بهارت) (٢) وقد وقعت هذه الحرب قبل المسيح بنحو ألف وخمسمائة سنة (٣)، ويحكى أنه لم يبق في الهند كلها شخص لا ينضم إلى أحد الفريقين (كورو-باندو) وقياسنا أن عدد السكان حين ذاك لم يكن أقل من خمسين مليونا، ولكن الحرب قد أتت عليهم، فلم يبق من الطرفين إلا اثنا عشر رجلا، ولما رأى الفاتحون هذا الوضع المقلق أسرعوا بالقضاء على حياتهم.

стр. 648

وقبل المسيح بستة قرون ظهرت ديانة بوذا (١) (بده) وقد اختار بوذا لغة (بالي) ومنع تعليم السنسكريتية وتعلمها، وبحلول الديانة البوذية مكان الديانة الفيدية انعدمت كتب الديانة القديمة حتى لم يبق أحد يعلمها. وقد ناظرهم (شنكرا جارج) وأثبت فضله العلمي، ولكنه مات في سن ٣٣ سنة أو ٣٤ سنة، إلا أن السنسكريتية احتلت بجهوده مكانتها في البلاط الملكي، ولكنها منيت بالغلو الشعري والاستغراق، وأسدلت ستائر الاستعارة على الحقائق والوقائع (٢). ومن الكتب القديمة كتاب (مها بهارت) وهو الآخر لم يسلم من تصرف الناس، فقد قيل إن نحو عشرين ألف عبارة (اشلوك) مزورة أضيفت إلى هذا الكتاب (٣). وقد استمرت قوة الديانة البوذية إلى عهد الملك ((أشوكا)) ثم دب فيها الانحطاط، ولم تكن مبادؤها تصلح أن تجارى العالم المتحضر، وجماعة الفقراء (بهكشو) التي أعدتها الديانة البوذية هي التي دفعتها إلى الانحطاط وخروجها من البلاد، وكذلك كان لديانة بوران يد في إخراجها أيضا. وبعد الديانة البوذية ساءت أحوال البلاد كثيرا، فعم الفجور وانتشرت الفواحش، وظهرت عشرات من الفرق مثل: جكرانت، وام مارغى، سهسر بهك، درشنان مكش، شاكت، ننوارك، آوك، رام أياسك، دندى، فقضت على الأخلاق والحضارة (٤). سيطرت هذه الفرق على الهند كلها، ووضعت الخمر والميسر والفاحشة ضمن تعاليم الدين، وفي مثل هذه الحالة وصل دعاة الإسلام من السند والشمال الغربي

стр. 649

وجنوب الهند، فعرفوا البلاد بالحقائق والمعارف، فأدرك أهل البصيرة وضعهم السيء، فدخل أغلبهم في الإسلام، وبقى من بقى على الهندوكية. والحاصل أن هذه هي الإصر والأغلال التي أزالها خدام الإسلام وتعاليم الشريعة الحقة. ٥ - المجوس: كانت دولتهم قائمة في إيران منذ عصر قديم، وقد حكموا نحو ثلث الكرة الأرضية العامرة بالسكان آنذاك، واستتب لهم الأمن بالحكم، وبالأمن مالوا إلى حياة الرغد والدعة، وقد أضعف الترف قلوبهم وأفكارهم وتزلزل أساس دولتهم. وقد قضت عقيدة ماني على الدستور القديم، وأورثت في طبائع الناس القلق والفوضى، بينما أعلن مزدك مبدأ شيوع المرأة والذهب والأرض، فكثر الظلم والفواحش والعصيان والتمرد، حتى أن الأبناء عشقوا أمهاتهم وسقطت الأميرات صاحبات العرش والسلطة ضحايا العواطف الجنسية البهيمية لضباط الجيش، وأعجب الناس بأدلة تزويج المحرمات الأبدية مكان المحصنات، واعتبر التعفف والطهر شيئا قذرا للجنسين، وخادم كفور مثل فرهاد صار منافسا لمليكه، وابن غاو مثل شيرويه عقر بطن أبيه ببالغ البهيمية ثم تملك شيرين، وجندى فاسد مثل بهرام جوبين اصطلى بنار غرام الملكة بوران دخت (١). والعداء القديم المستمر بين حكومتي روما وإيران، وغزو بعضها لبعض أظلم البلاد وأوحشها. فلم يبق أي كيان حقيقي للدين، وانعدمت الكتب المقدسة بهجوم الإسكندر، وفي مثل هذه الظروف أولى الإسلام هذه البلاد عنايته، وحرر تعليم النبي (ص) الطاهر سكان هذه البلاد الواسعة من يد الجور والأنانية والفحش والظلم (٢). وليدرس القراء ما أوجزنا من أحوال العرب واليهود والنصارى والهنادك والمجوس مرة أخرى حتى يعرفوا ويقدروا كيف أن هذه الأمم القوية انقرضت وبادت بتطاول الدهر وتغيره، وكيف أنها منيت بالعجز والبؤس، وقد أنقذ النبي (ص) هذه الأمم الضائعة من

стр. 650

مهاوى الخزي والهوان برحمته وجوده ونصحه وإخلاصه، وأكرمهم بالمدنية وحسن المعاشرة والأمن العام والعافية البالغة، وهكذا صدق عليه قوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (سورة الأعراف: ١٥٧). الخاصية الثامنة عشرة ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (سورة التوبة: ١٢٨) ١ - الخطاب في قوله ((من أنفسكم)) للعرب ولقريش، وكان العرب يفتخرون كثيرا بالأنساب، ولا يقيمون وزنا لغير العرب، ويأنفون من طاعة أحد غير العرب، فامتن الله على العرب بأن الرسول العظيم - الذي كانت أولى مسئولياته هداية العرب - من بينهم لا من غيرهم. وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: ((بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه)). وأخرج مسلم عن وائلة بن الأسقع قال قال رسول الله (ص): ((إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)). وأخرج الترمذي في صحيحه عن العباس بن عبد المطلب قال قلت: يا رسول الله ان قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض، فقال النبي (ص): ((إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا)). ٢ - والخطاب في الآية كذلك للعالمين جميعا، ومعنى الآية: إن هذا الرسول الذي عظم شأنه بالرسالة من جنس البشر، فإنه لو كان من الملائكة لم يتحقق الاتحاد والتجانس لفقدان اتحاد الجنس، وأدى ذلك إلى صعوبة التعليم والتعلم، وأعظم نقص يشعر به حين

стр. 651

ذاك هو الصعوبة التي يتعرض لها أتباع أسوة الرسول (ص) في اتباع الصفات الملائكية، ويسهل العذر لمن كفروا به فيتفوهون بما يريدون. ولما ثبت كون النبي (ص) من نسل بني آدم ومن الجنس البشري عظم بذلك شأن جميع بني آدم أيضا، وتشجع الحريصون على اتباعه (ص)، وحبب لهم اقتداء الرسول (ص). ٣ - وقد ذكر البغوي والخازن أن ابن عباس والزهري وابن محيصن قرأرا ((من أنفسكم)) بفتح الفاء من النفاسة، ومعناه أنه من أشرفكم وأفضلكم (١). وبذلك يثبت كون النبي (ص) أفضل الخلق في طهارة الأصل ولطافة الطبع ونقاء الذات، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة. الخاصية التاسعة عشرة ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ (التوبة: ١٢٨). فعل ((عز يعز)) بفتح العين يعني الصعب والشاق.، ((عنتم)) من العنت بمعنى المشقة والفساد والهلاك والخطأ وغير ذلك. فمعنى الآية: يشق على النبي (ص) كل ما يشق ويصعب عليكم، ويؤلمه ما يؤلمكم. وكان النبي (ص) متساويا مع الكفار والمؤمنين في هذه الصفة. ١ - كان النبي (ص) يتألم كثيرا حينما يرى الكفار ملطخين بأعمال الكفر والشرك، ماضين إلى العاقبة السيئه، مصير كل كافر ومشرك، إنهم بإصرارهم على الشرك أشبهوا الشخص الذي يحفر حفرة ليقع فيها فيهلك. وربما ازداد به الألم حتى أنزل الله تعالى كلامه لتهدئته وتسليته (ص). يقول تعالى: ﴿فلا يحزنك قولهم﴾ (يس: ٧٦). ويقول: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ (آل عمران: ١٧٦). وورد في حادث بدر أنه لما أسر المشركون في بدر، وأتي بهم، بات النبي (ص) تلك

стр. 652

الليلة ساهرا يتقلب في فراشه، فقال له أصحابه: ما لك لاتنام يا رسول الله؟ فقال: ((سمعت أنين عمي العباس في وثاقه، وهو يقلقني)) فقام رجل من الأنصار فأطلق وثاق العباس فارتاح ونام، فلما جاء الأنصاري إلى الرسول (ص) سأله ((ما بال العباس لا أسمع أنينه؟)) قال الأنصاري: قد أطلقت وثاقه، فقال (ص) ((اذهب وأطلق وثاق جميع الأسرى)) فأطلق وثاقهم جميعا وأخبر بذلك النبي (ص) فبات مستريح البال (١). وينبغي أن نقف هنا وقفة المتأمل، فإن هؤلاء الأسرى هم الذين آذوا المسلمين نحو ثلاث عشرة سنة متتالية، فألقوا بعضهم على النار، وأدموا بعضهم، ووضعوا الحجر الثقيل على صدر البعض الآخر، وقتلوا البعض بعد إيذائهم أذى بالغا، ومع ذلك كله وجدوا من النبي (ص) هذا اللطف واللين. إن العباس عم النبي (ص) كان قد اشترك في الحرب مكرها، كما تقول الروايات الموثوق بها (٢)، ولكن العدالة النبوية لم ترض بأن تفرق بينه وبين الأسرى الآخرين، وقد بلغت الرحمة والرأفة بالنبي (ص) مبلغا حنى أنه (ص) لم يرتح ولم ينم إلا بعد ما بلغه أن جميع الأسرى قد ارتاحوا، وهكذا صدق عليه (ص) قول الله تعالى ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ وخاصة في حق الأعداء المتعطشين لدمائه ودماء المسلمين. ٢ - ولما وصل النبي (ص) مهاجرا إلى المدينة، حقق الله تعالى قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (الأنفال: ٣٣). في المشركين بمكة، فقد أصابتهم مجاعة شديدة أضعفت أبصارهم. فحضر أبو سفيان، عدو المسلمين المتحمس، إلى النبي (ص) وقال له: إنك تأمر بالإحسان وصلة الرحم، ونحن أقرباؤك نلتمس منك الرحم، فأحسن إلينا وادع لنا حتى ننجو من هذه المجاعة (٣). فأمر النبي (ص) ثمامة بن أثال من أمراء نجد بإرسال الطعام إلى مكة فورا، وكان الطعام كثيرا في تلك المنطقة (نجد) وكان ثمامة قد قطع الميرة عن أهل مكة لعدائهم للنبي (ص)، فلما بلغه أمر النبي (ص) أطاعه وعادت الحياة إلى أهل مكة (٤).

стр. 653

وكان ذلك أيضا مظهرا من مظاهر رحمة النبي (ص) وتصديقا لقوله تعالى: ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾. ٣ - كانت غزوة الطائف مع من وقع معهم قتال شديد في حنين والأوطاس، وكانوا قد تحصنوا في الطائف بعد انهزامهم في الموقعتين، وكانت قوتهم العسكرية شديدة، فحاصرهم النبي (ص) أياما، فلما بلغه أن الحصار اشتد عليهم وكادوا أن يموتوا جوعا أمر (ص) بفك الحصار فقال له الصحابة معلنين عن وجهة نظرهم العسكرية: إن الفتح قريب، ولكن النبي (ص) أصر على أمره، رحمة منه، ففك الحصار، وهذا هو النموذج الثالث لتحقيق قول الله : ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ (١). وتدل هذه النظائر - وأمثالها كثيرة - على أن قلب النبي (ص) الرحيم كان يرق لحالة أعدائه السيئة فلم يكن يتحملها. ورحمته (ص) للمسلمين بلغت غايتها، فإننا نجد في العبادات والمعاملات أمثلة كثيرة لعنايته بالأمة وحرصه على أن لا تقع في المشقة. وهكذا كان يرى راحته في راحة الأمة، وتعبه في تعبها، فقد ورد في البخاري عن ابن حرام وأنس بن مالك عن النبي (ص) أنه قال: ((... فرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت بموسى، قال: فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضع شطرها، ثم رجع (ص) إلى موسى فقال له مثلما قال سابقا، وفعل ذلك مرارا إلى أن صارت خمسا)) (٢). وهذه الواقعة تتمخض عن نتيجتين: الأولى: أن النبي (ص) كان في غاية الانقياد والإطاعة لأمر الله تعالى، فلما أمر بالصلوات الخمسين لم يتكلم بكلمة في ذلك. الثانية: أن النبي (ص) كان في غاية الرأفة بأمته، فلما أخبره نبي مجرب مثل موسى بأن أمته لا تطيق ذلك برزت فطرته الطاهرة الكامنة في قوله تعالى ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ فراجع الله تعالى مرة بعد أخرى، وقد أثمر حسن الأدب هذا والطلب المكرر بتخفيض عدد الخمسين إلى الخمس وبقى ثوابها على ما كان.

стр. 654

وأرى أن موسى ﵇ لو حاول إقناع النبي (ص) بدليل آخر غير قوله ((إن أمتك لا تطيق)) لم يرض (ص) بمراجعة الله تعالى وطلب التخفيف في عدد الصلوات. ولم تكن الصلوات الخمسون كثيرة في نظر النبي (ص) بالتظر إلى كمال عبوديته وفرط شوقه ورغبته في العبادة، ولما كان قلبه الشاكر ولسانه الذاكر لا تفتر عن ذكر الله لحظة، فكيف يستكثر الركعات المعدودة في أوقات محدودة، ويستصعب أداءها؟ ٤ - كان النبي (ص) في طريقه من المدينة إلى مكة في رمضان، وهو صائم، حتى إذا كان بعسفان طلب الماء ورفعه بيده ليراه الناس فشربه ولم يصم حتى وصل إلى مكة (١) وقد جاء ذلك في رواية ابن عباس عند البخاري، ولكن الروايات الأخرى صرحت بأن النبي (ص) أفطر لأنه عرف أن الصوم في السفر شق على أصحابه، وما شق على أصحابه شق على نفسه (ص) (٢). ٥ - ورد في الصحيحين والسنن عن عائشة في صلاة التراويح أن النبي (ص) صلى بالناس ليلتين ولم يخرج بالثالثة، ولما أصبح (ص) قال: ((قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم)) (٣). ٦ - وفي صحيح مسلم عن أنس قال: كان رسول الله (ص) يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل آخر فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما حس النبي (ص) أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة (٤). ٧ - وروت أم المؤمنين عائشة فقالت عن عادته (ص): إن كان رسول الله (ص) ليدع العمل وهو يجب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم (٥). ومجموع هذه الروايات تدل على رسوخ صفة (عزيز عليه ما عنتم) سورة التوبة: ١٢٨ في النبي (ص)، وأن تعب أمته كان يشق عليه كثيرا.

стр. 655

وصفات الرحمة والرأفة التي توفرت في ذات النبي (ص) نحو أفراد أمته مع كثرتهم قد لا تتوفر في أب نحو أبنائه مع قلة عددهم. ومن هنا نقول: إن رحمة النبي (ص) أعلى وأقوى من رحمة جميع الراحمين سوى رحمة رب العالمين. الخاصية العشرون ﴿حريص عليكم﴾ (التوبة: ١٢٨) ١ - مادة ((حرص)) إذا تعدت بحرف ((على)) فإنها تدل على شدة الطلب، فالآية تصف النبي (ص) بأنه يرغب في نفع أمته غاية الرغبة، وهذا يدل على أمنيته البالغة نحو صلاح الأمة ونفعها ورخائها. يقول تعالى في سورة يوسف: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (يوسف: ١٠٣). وهذه الآية أيضا تفيد أن منتهى نظر النبي (ص) وكمال أمنيته أن تخضع رقاب الناس كافة له وحده لا شريك له، فالدين الواحد للرب الواحد يوحد البشرية ويوفق بين أهلها. ٢ - جاء عظيم قريش عتبة إلى النبي (ص) مرة فقال: ((إن أردت مالا فإني أستطيع أن أجمع لك الذهب والمال أكثر من غيرك، وإن أردت سؤددا فإننا نسودك، وإن أردت حكما فإني أخضع لك العرب كافة)). فقال النبي (ص): ((إني لا أريد المال ولا أرغب في سود وحكم، إنما أنا رسول رب العالمين، أبلغ رسالته إلى كل من سمع)) (١). ٣ - ومرة ضرب أبو جهل النبي (ص)، فبلغ ذلك عمه حمزة، فمشى إلى أبي جهل فضربه ثم عاد إلى النبي (ص) وأخبره بأنه انتقم من أبي جهل، فقال النبي (ص): ليس لي علاقة بالانتقام وغيره، نعم، يسرني أن تسلم، فاقتنع حمزة بكلامه (ص) وأسلم (٢).

стр. 656

وهذه الوقائع تدل على أن النبي (ص) كان نقي الذيل طاهر الجانب من كل غرض، ولم يكن تعليمه (ص) مبنيا على مصلحة ذاتية، بل كان بمعزل عن مثل هذه الصفات، كانت ذاته رحمة ومنفعة وخلقه لطفا ورأفة. انظروا إلى أدعيته التي كان يدعو بها حينا بعد آخر، وفي خطبة ألقاها قبل موته بشهر قال: ((مرحبا بكم حياكم الله بالسلام، رحمكم الله، حفظكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، أدامكم الله، وقاكم الله، أوصيكم بتقوى الله)) (١). ﴿حريص عليكم). وهذه هي خاصية رسولنا (ص): فيا رب صل وسلم دائما أبدا على نبيك خير الخلق كلهم. الخاصية الحادية والعشرون ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ (التوبة: ١٢٨) وصف النبي (ص) في هذه الآية بالرأفة والرحمة. و ((رءوف)) صيغة مبالغة من الرأفة و ((رحيم)) صغة مشبهة من الرحم. وينبغي أن نتذكر أن صيغ المبالغة (٢) تدل على الكثرة والتوفر في المعنى، وصيغ الصفة المشبهة (٣) تكون مظهرا للصفة اللازمة وللمعنى الثابت. وعلى هذا يكون معنى ((الرءوف)) كامل الرأفة والعطف، ومعنى ((الرحيم)) دائم الرحمة، وقد ورد في سورتي البقرة والحج قوله تعالى:

стр. 657

﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ (البقرة: ١٤٣، الحج: ٦٥). ومما يشرف النبي (ص) ويكرمه أن الصفتين اللتين وصف بهما رسول الله قد استعملها رب العزة لنفسه. نعم، عمت الرحمة والرأفة الإلهية جميع العالمين، وتخصصت رأفة النبي (ص) ورحمته بالمؤمنين. وبعد إدراك هذا العموم والخصوص في المعنى يجب على المؤمنين الشكر لأنهم خصوا برحمة ورأفة مضاعفتين. وبالمناسبة نتساءل هل تحقق هذا الشرف للنبي (ص) في الأسماء الأخرى؟ يروى في شعر حسان بن ثابت البيت التالي: وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد ولو تم استنان سنة حسان بن ثابت المؤيد بروح القدس لوجدنا نحو ثمانين اسما من أسماء النبي (ص) توافق أسماء الله الحسنى. ومن عادة أئمة السيرة النبوية الأعلام أنهم: ١ - يصوغون اسما من المصدر أو الفعل الذي وصف به النبي (ص) في القرآن الكريم. ٢ - ويعدون الصفة التي تم وصفه بها في الحديث النبوي اسما. ٣ - ويجعلون الأعلام الواردة في الأشعار التي أنشدت بحضرة النبي (ص) ضمن أسمائه. وفعل أئمة السيرة هذا مستحسن، وهو يدل على حسن الأدب وعلى كماله .. والقائمة التي أوردها الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) (١) لأسماء النبي (ص) المباركة مرتبة حسب الحروف الأبجدية مبنية على الأصول الثلاثة المذكورة. وبعد التصريح بالأصول المذكورة ينبغي القول بأن أسماء النبي (ص) التي ورد التصريح بها في كلام الله تعالى تبلغ (٩٢) اسما. والكلام عن معانيها سيأتي فيما بعد، ولكن نود إيجاز القول في الرأفة والرحمة وهما من أوصاف النبي (ص).

стр. 658

وقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: كان رسول الله (ص) يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا (١). وكان مبدأ النبي (ص) هذا مبنيا على العطف والرأفة، فقد أراد (ص) أن يستمع له المستمعون بنشاط الطبع وحضور القلب حتى تبقى فيهم الرغبة والشوق. وكان من عادته (ص) أنه كان يتجوز في صلاته إذا سمع بكاء صبي كي تتفرغ له أمه (٢). ومن عادته (ص) أنه لم يكن يسمح لأحد أن يمشي معه وهو راكب، والصحابة الذين كانوا يلحون عليه كان يركبهم معه أو يعيدهم (٣). وكان (ص) يؤدي دين المسلم الديون إذا مات قبل دفنه من بيت المال، ولكنه (ص) لم يكن يقبل مال البيت أبدا (٤). وكان يقول: ((لا تغتابوا أحدا أمامي فإني أود أن لا يتغير صفاء قلبي نحوه)) (٥). وربما كان (ص) يدعو لأمته طول الليل، ويحب الأطفال ويسلم عليهم ويمسح رءوسهم، ويركبهم على دابته، ويأكل مع الغلمان على الأرض، وكانت هذه الأمور تصدر منه على سبيل الرأفة والعطف، وهذه الرأفة والرحمة كانتا من خصائصه. الخاصية الثانية والعشرون ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ (سبأ: ٢٨). ورد في الأصحاح الثالث من كتاب الخروج (٦). ١ - فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق.

стр. 659

٢ - فقال موسى: أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم، لماذا لا تحترق العليقة. ٣ - فلما رأى الرب أنه مال لينتظر ناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى موسى، فقال: ها أنا ذا. ٤ - فقال: لا تقترب إلى ههنا، اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة. ٥ - ثم قال: أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله. ٦ - فقال الرب: إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر، وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم، إني علمت أوجاعهم. ٧ - فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنا وعسلا، إلى مكان الكنعانيين والحتيين والأموريين والفرضيين والحويين واليبوسيين. ٨ - والآن هو ذا صراخ بني إسرائيل قد أتى إلي ورأيت أيضا الضيقة التي يضايقهم بها المصريون. ٩ - فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرابل من مصر. وتظهر الفقرات (٦، ٧، ٨، ٩) هدف نبوة موسى ﵇ ومقصدها بوضوح، وعمل موسى أيضا يؤيد ذلك، فإنه ﵇ لم يتعرض إلا لتخليص بني إسرائيل والذهاب بهم إلى أرض الميعاد، ولم يفعل شيئا نحو أمم العالم الأخرى. وفي كتاب التثنية (كتاب موسى الخامس والأخير) (١): ((بناموس أوصانا موسى ميراثا لجماعة يعقوب)). وهذه الفقرة قد صرحت بأن شريعة التوراة خاصة ببني إسرائيل، ولو لم تكن هذه الفقرة لأمكن الادعاء بأن شريعة التوراة لكافة العالم، ومن المسلم به أن جميع الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى إلى عصر عيسى ﵇ قد جاءوا لبني إسرائيل خاصة.

стр. 660

نعم، بقى علينا أن نصرح بالذين أرسل إليهم عيسى ﵇. فلندرس لذلك الأصحاح الخامس عشر من إنجيل متى، إنه يحكي قصة امرأة كنعانية لم تكن إسرائيلية وجاءت إلى المسيح ليشفى بقوته المعجزة ابنتها المجنونة، ولكن المسيح قال لها: ((لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. فأتت وسجدت له قائلة يا سيد أعني، فأجاب وقال: ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب)) (١). وهذه الواقعة بكاملها جديرة بالتأمل بقلب هادئ وفهم كامل، فالمسيح ﵇ قال بوضوح: إنه لم يرسل إلى أمة سوى بني إسرائيل، ثم إنه شبه بني إسماعيل بالأولاد والأمم الأخرى بالكلاب. وحرمان الأمم الأخرى بركاته قد أوضحه بدليل أن خبز الأولاد لا يمنح الكلاب. وورد في إنجيل متى أن المسيح حينما أرسل تلاميذه الاثنى عشر للدعوة أوصاهم قائلا: ((إلى طريق أمم لا تمضوا إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا)) (٢). ويظهر من هذا أن الدعوة في الأمم الأخرى كانت محظورة البتة، ومنع الإسرائيليون أيضا من الذهاب إلى السامريين. وهذه الشواهد تكفي لاثبات أن نطاق نبوة المسيح ﵇ ومسئولية حواريه الاثنى عشر في الدعوة كان محصورا في بني إسرائيل أنفسهم. وبعد أنبياء بني إسرائيل انظروا: أي دين في الدنيا توجد فيه ميزة الدعوة والإرشاد؟. لعل عامة الناس يظنون أن الدعوة العامة توجد في البوذية ولكن تاريخها الممتد عبر القرون يوضح أن البوذيين لم يبلغوا الدعوة إلى أمة أخرى حتى في عصر ازدهار البوذية، ولم يدخل أحد في دينهم من الإسرائيليين والبابليين والمصريين والحجازيين والمغربيين وغيرهم. وهذه شهادة قوية بأن البوذية كانت مختصة بأمة ومحصورة في منطقة، ولو

стр. 661

سلمنا بقول الآريين يتضح أن البوذية لم تكن ديانة مستقلة، بل كان بوذا مجددا لديانة الفيدا (١). ولننظر إلى ديانة الفيدا، أنها ازدهرت قبل الحرب التي عرفت ب (مهابهارت) ولكن الفيد والكتب الستة (شاستر) ومنوسرتي لا تذكر أبدا أن ديانة الفيدا ديانة دعوية، وكذلك لا تذكر أنه تم تبشير أمة أخرى بها. وكتاب منو ((منو سمرتي)) تثق به الفرقتان، الآرية وسناتن، وهو يقسم جميع السكان إلى أربع طبقات. الأولى من بينها طبقة البراهمة، وهي مختصة بتحصيل العلم والفضل وقراءة الفيدا. وهذا التقسيم وما فيه من الإلزام والتقييد يدل على أن السيد منو وأتباعه الذين اجتمعوا لتعلم كتاب ((منوسمرتي)) لم يجعلوا ديانة الفيدا ديانة دعوية قط. ونترك هنا ذكر الأديان قليلة الانتشار في العالم ونشير إلى أن سلوك الأمم العظيمة المذكورة قبلا يؤكد ما قلنا. تأملوا في شريعة موسى ﵇ التي لم تعترف قط لأحد من غير بني إسرائيل بالإمامة. وكنيسة روما التي لم ترض قط بأن يكون غير أوربي خليفة بطرس، وكذلك لم يعين آسيوي قط أسقفا، ولم يعين يهودي أو نصراني أو مغربي مرشدا أو سادن معبد في الديانة الهندوكية. وهذه التجارب العملية تبرهن على أن أغلب كبار هذه الديانات فهموا أن دياناتهم خاصة بمنطقة معينة وأمة محدودة. وكون بعثة النبي (ص) عامة لكافة البشر يثبت بآيات أخرى من القرآن الكريم غير آية العنوان هنا، يقول تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض﴾ (الأعراف: ١٥٨).

стр. 662

الخاصية الثالثة والعشرون ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (الفتح: ١٠) المبايعة من البيع، والبيع مطلقا في اللغة يعني المبادلة، وفي الشرع هو أخذ الثمن وإعطاء المثمن إذا تراضى الجانبان. والبيع كذلك يستعمل بمعنى الشراء وبالعكس، بالنظر إلى حالة الجانبين. والحاصل أن المبايعة لابد أن يوجد فيها من الجانبين الإعطاء والأخذ. والبيعة في الاصطلاح: هي تعهد الإنسان بطاعة الإمام، يلزمه بها نفسه والتزام وفاء العهد أيضا يدخل في هذه الكلمة. والبيعة التي ذكرتها الآية الكريمة كانت قد وقعت بموضع الحديبية تحت شجرة سمرة، يقول الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (الفتح: ١٨). والحاجة إلى هذه البيعة وحقيقتها أن النبي (ص) كان قد أرسل عثمان بن عفان إلى قريش سفيرا له، وأرسل معه عشرة من الصحابة، وبعد وصولهم بيوم أو يومين بلغ النبي (ص) أن قريشا حبسوا عثمان وقتلوا أصحابه. وكان هذا خبر لو صدق لوجب القتال شرعا وخلقا لتأمين حرمة السفراء، والذين كانوا مع النبي (ص) في هذا السفر ممن جاءوا لأداء العمرة والطواف، ولم يخطر ببالهم أنهم سيواجهون الحرب وسوف يضطر المهاجرون لرفع السيف في وجوه أقاربهم وذويهم، ومن هنا وجبت البيعة المذكورة. ورد في رواية جابر التي أخرجها الشيخان (١) أن عدد المبايعين آنذاك كان أربعمائة وألفا. كان النبي (ص) جالسا في ظل شجرة وقد مد يده للبيعة، وكان عمر يسند يده (ص) بيده حتى لا تتعب، والناس يأتون ثم يرجعون بعد البيعة. قال سلمة بن الأكوع: إنه بايع على الموت. وقال جابر بن عبد الله: إنه بايع على عدم الفرار. ويستنبط بالجمع بين الروايات أن ألفاظ البيعة كانت باختيار المبايع ورضاه. ولاشك

стр. 663

أن الإسلام يقرر مثل هذه الحرية التي لا يكون فيها إجبار وإكراه. وكان جد بن قيس الأسلمي هو الشخص الوحيد، في هذا الحشد الكبير، الذي توارى وراء إبله ولم يبايع، ومما يدل على حرية الإسلام أنه لم يقع عليه إكراه، نعم، قال (ص) لبيان كرامة المبايعين وشرفهم: ((أنتم خير أهل الأرض)) (١). وقد ورد ذكر هذه البيعة في آيات القرآن العديدة، وهذا يدل على أن هذه الواقعة مرتبطة برضوان الله تعالى ارتباطا قويا، قال تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ (التوبة: ١١١). وقال: ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾ (التوبة: ١١١). وقد ذكرت هذه الآية ضمن الخصائص النبوية لأنها تدل على فضل كبير وشرف عظيم للنبي (ص). تأملوا كيف جعل الله تعالى من بايع على يد النبي (ص) مبايعا على يده تعالى: إن هذا شرف لم يحصل لنبي غيره. ورد في آية العنوان ((يد الله فوق أيديهم)) وقال الإمام فخر الدين الرازي (٢): يراد باليد في الموضعين معنى واحد، أو معنيان مختلفان. الف - فإن أريد به في الموضعين معنى واحد كان معنى الآية: إن منة الله تعالى فوق منتكم. قال تعالى في موضع آخر: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ (الحجرات: ١٧). وأيضا إن النصر والتأييد الذي ناله النبي (ص) من الله تعالى أرفع وأعلى من النصر والتأييد الذي ناله من الصحابة. وإطلاق كلمة ((اليد)) على الغلبة والنصرة والقوة معروف في لغة العرب، يقال: اليد لفلان.

стр. 664

ب - وإن أريد معنيان مختلفان فإن كلمة ((يد الله)) (١) تعني حفظ الله، وكلمة ((أيديهم)) تعني الجارحة الإنسانية. ويكون معنى الآية أن حفظ الله ونصره يكون دائما مع هؤلاء المبايعين. ويؤيد ذلك ما ورد في هذه السورة نفسها بعد قليل، يقول تعالى: ﴿فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (*) ومغانم كثيرة يأخذونها﴾ (الفتح ١٨، ١٩). وكان الخلفاء الراشدون ومن تحتهم من الولاة والحكام وقواد الجيش وفاتحي الأمصار من هؤلاء المبايعين. وقد تم على أيديهم فتح بلاد حضرموت وعمان والعراق وفلسطين وسوريا ومصر وأفريقيا والسودان وتونس والجزائر ومالطة وكريت وإيران وخراسان. نعم، هؤلاء الصلحاء هم مظهر معنى الآية وما فيها من البشارة العظمى، فقد تم تمحيص قلوبهم وأنزل الله عليهم السكينة التي ورد ذكر نزولها في أحوال موسى أيضا وفي أيديهم كانت القوة التي أخضعت أيدي العالمين جميعا، ولم يغلب عليهم جيش مدرب لدولة. وكان ذلك أيضا مشهدا لقوله تعالى: ﴿وكف أيدي الناس عنكم﴾ (الفتح: ٢٠). وهذه البيعة النبوية والاتباع المحمدي وصدقهم وإخلاصهم لذاته (ص) ولأسوته قد حقق لهم ما حازوه من الشرف والفضل والجاه والشوكة والثروة والرفعة ورحمة الله وبركاته. فهم كانوا تابعين، وهذه الخصائص كلها ترتبط أصلا بذات النبي (ص). وهذا الشرف من خصائصه (ص). الخاصية الرابعة والعشرون ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ (الأحزاب: ٤٠). الخاتم والختم بمعنى واحد، واللام في النبيين للجنس، ولذا يدخل في هذه الكلمة

стр. 665

جميع الأنبياء والرسل. وآية القرآن الكريم هذه تعلن أن سيدنا محمدا رسول الله (ص) ختم به النبوة. وهذا تنبؤ عجيب، وفيه قوة عجيبة من الله تعالى. انظروا إلى إيران، قد سمع فيها نداء الملك السماوي طوال آلاف السنين المتتالية عشرات من الصلحاء الطاهرين، والهند تدعي بأنها قد وجد فيها منذ ملايين السنوات أشخاص ألقى عليهم الضوء السماوي أنواره، واقرأوا أحوال بني إسرائيل، فقد وجد فيهم مثنى وثلاث ورباع من الأنبياء في وقت واحد، وقد ادعى المصريون والصينيون بأن النبوة والرسالة قد وجدت فيهم منذ مئات السنين، ولكن منذ أن أعلنت آية العنوان ختم النبوة رأينا أن أهل هذه الأديان أيضا أقفلوا أبوابهم. لماذا لا يجلس المجوس الآن أحدا على عرش اسب وزردشت؟! ولماذا لا يسمع أحد من الآريين حرفا من الصوت السماوي؟ ولماذا لا يعترف بنو إسرائيل في أمتهم وبلدهم بنبوة أحد؟ قرائي الأعزاء: هذا كله من تأثير القدرة الإلهية العظيم، فبعد أن جعل الله النبي (ص) خاتم النبيين، أخرج من أفكار أصحاب سائر الأديان وعقولهم فكرة أن يصفوا أحدا منهم بالنبوة والرسالة والإلهام. وموقف العالمين هذا وميلهم الطبيعي واتجاههم الفطري يبين مدى عناية الله تعالى، بتخصيص هذه الخاصية بالذات المحمدية، ولا يسع أي إنسان غير مسلم أن يدعي أن النبي (ص) قال ذلك لمدح ذاته، وذلك لما يأتي: أولا: إن الادعاء سهل، ولكن التحكم في الزمن المستقبل صعب، والقرون الأربعة عشر (١) وكذا الموقف الموحد للأديان العديدة يؤيد ما قلنا، والطبيعة إذا أيدت شيئا فلا حاجة فيه إلى التصنع. ثانيا: لو أراد النبي (ص) مفخرة لنفسه لأمكنه تكريم أتباعه بالنبوة، وإبراز مكانتهم وتعدادهم أكثر من موسى ﵇ وقد اشتهر لدى العامة أن بعض الصوفية المعلمين ادعى الألوهية، ولكننا نشك في صحة هذه الروايات، ولو ثبت أن أحدا قال: ((أنا

стр. 666

الحق)) أو ((سبحاني ما أعظم شأني)) فإنه يعني صريحا أنه رأى الادعاء بالألوهية سهلا، ولكن لم يجترئ على ادعاء النبوة. وقد اشتهر الشطر الآتي في مثل هؤلاء: ((باخذا ديوانه باش وبامحمد هوشيار)) أي كن مع الله ذاهلا، ولكن مع محمد (ص) يقظا. ونثبت فيما يلي الأحاديث التي رويت بإسناد صحيح عن النبي (ص) في تفسير آية العنوان: ١ - عن أبي هريرة قال قال رسول الله (ص): ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه وترك منه موضع لبنة وطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة، فكنت أنا سددت موضع اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل)) متفق عليه. وفي رواية: ((فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)) (١). ٢ - عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي (ص) يقول: ((إن لي أسماء، أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي)) متفق عليه. ٣ - عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: ((فضلت على الأنبياء بستة: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)) رواه مسلم. ٤ - عن أبي أمامة ﵁ قال قال النبي (ص) في خطبة الوداع: ((أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم)) رواه ابن جرير وابن عساكر. ٥ - روى أحمد والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أنس مرفوعا: ((أن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي)) الترمذي وأحمد، الزرقاني مجلد ٥ ص ٢٧٦.

стр. 667

٦ - عن ثوبان قال قال (ص): ((سيكون في أمتي ثلاثون كذابا، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي)) رواه مسلم. ٧ - عن عقبة بن عامر قال النبي (ص): ((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب)) رواه الترمذي. وكلنا نعلم أن عمر الفاروق لم يكن نبيا فثبت أنه لا نبي بعده (ص). ٨ - وفي غزوة تبوك خلف النبي (ص) عليا وراءه، فقال علي: تتركني مع النساء والولدان يا رسول الله؟ قال (ص): ((أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) البخاري ومسلم. كان موسى ﵇ قد مكث في الطور أربعين ليلة لميقات ربه، وخلف بعده أخاه هارون، والنبي (ص) أيضا مكث في غزوة تبوك نحو خمسين يوما خارج المدينة. فالحديث المذكور يشير إلى ذلك، وليست فيه إشارة إلى الخلافة بعد وفاة الرسول (ص)، لأن هارون كان قد توفي قبل موسى بكثير. ٩ - كان علي يقول حينما كان يغسل النبي (ص) غسله الأخير: ((بأبي أنت وأمي، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك، من النبوة والأنباء وأخبار السماء)) (١). وقد صدقت القدرة الإلهية القاهرة هذه الروايات الإسلامية الصحيحة بإفحام أصحاب المذاهب الأخرى، وبذلك يتبين أن ختم النبوة خاصية خاصة بالنبي (ص) نفسه. ويبغي أن نقرأ مع هذه الآية تفسير قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ (المائدة: ٣). حتى نعلم أن منصب ختم النبوة يناسب النبي (ص) الذي بشر بكمال الدين وإتمام النعمة أيضا.

стр. 668

والحاصل أن آية العنوان توضح كون النبي (ص) ختم المرسلين بأقوى الأدلة وأوثق البراهين، فالحمد لله على ذلك. وبعد هذا إن زعم زاعم من المسلمين أنه نبي فينبغي له أن يقرأ حديث صحيح مسلم، ثم ليدخل في عداد الثلاثين إن رضي بذلك، وإلا فليكف عن زعمه الباطل وليدخل في الإيمان. الخاصية الخامسة والعشرون ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: ١٠٧) مضى ألوف من الأعلام في الدنيا، وقد تلألأت أسماؤهم في سماء الشهرة مثل النجوم، وألقابهم تلقى ضوءا على شخصياتهم، فقد لقب بعضهم بالملك الكبير، وبعضهم أقوى الأقوياء وبعضهم ابن النور، وبعضهم اليقظان، وبعضهم مربي البقرة، وبعضهم ابن القمر وهكذا، وهذه الألقاب وأمثالها تدل على خاصية بارزة في أصحابها، ولكنها لا تدل على نسبتهم إلى خلائق العالم. ولكن ((رحمة للعالمين)) لقب يبين خاصية نسبة النبي (ص) إلى الخلق وعلاقته بالخلق. إن معنى الرحمة يشمل العطف واللين والرقة والمواساة والتعهد والمودة. ومن ذا الذي يستطيع أن يقول أنه ليس بحاجة إلى هذه المعاني، وأنه يستغني عن فيوضها؟ كلا لا نجد أحدا يقول هذا. و ((العالم)) مشتق من العلمية، أي كل شيء يصلح للبروز والنمو والظهور والاستمرار في الوجود، فهو جدير بأن يسمى بهذا الاسم. ويستعمل هذا اللفظ كثيرا في التمييز بين الأنواع والأصناف والأجناس، فيقال: عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان، والعالم العلوي، والعالم السفلي؛ ويستعمل على سبيل الاستعارة للمعنويات والعواطف والمشاعر، فيقال: عالم الوجد، وعالم الشوق، وعالم الشباب وغير ذلك.

стр. 669

والحاصل أن استعمال لفظ ((العالم)) يعم المخلوق المادي والذهني، والعالمين جميع العالم، وهي تحيط بجميع العوالم. والآن تأملوا وتفكروا في ذلك الشخص المقدس الذي يحب الجميع ويرثى لهم ويواسيهم، ومحبته عامة، يلبي حاجة الجميع بتعليمه، ويغلب بحقائقه على جميع الوساوس، ويضفى فيوضه على الماديات والمعنويات والتصورات والتصديقات، فيقومها ويصدقها. إن رب العالمين بوصفه محمدا (ص) ((رحمة للعالمين)) قد أظهر أن تعليم النبي (ص) عام للجميع ونافع، وأنه ليس هناك شيء يستغتى عن رحمته (ص)، كما أن ألوهية الرب عامة، ولا يستغنى شيء عن ربوبيته. قد يسهل على الأحمق أن يقول إنه لا يحتاج إلى الشمس وحرارتها، ولكن عالما صاحب فكر يصعب عليه أن يقول أنه لا يحتاج إلى تعليم النبي (ص) البتة. ولينظر إلى العالم وأممه كيف اقتبست هذه الأمم المختلفة بعد النبوة المحمدية من تعليم النبي (ص) مباشرة أو بواسطة، وكيف أنها تمتعت بهذه الثروة بعد تغيير أوضاعها؟ انظروا سيرة الرسول (ص)، وحاولوا فهم معنى كونه رحمة للعالمين من سيرته: ١ - إن ((رحمة للعالمين)) هو الذي رأى حرب الفجار حين كان عمره أربع عشرة أو خمس عشرة سنة، فكره منذ ذلك الوقت هجوم قوم على قوم وسخط إنسان على إنسان. ٢ - وهو الذي أوجب بفطرته السليمة وطبعه الطيب أحكام حلف الفضول (١) وتسهيل الاستغاثة للمظلومين والمضطهدين وحماية الغرباء وإعانة البائسين. ٣ - وهو الذي علم طريقة تحويل العدو إلى الصديق: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ (فصلت: ٣٤). ٤ - وهو الذي منع المؤمنين من الانتقام من الأعداء الذين بالغوا في العداء، وحرموه

стр. 670

الحقوق الشرعية ومنعوه من العبادة، وذلك حينما كان المؤمنون قادرين على الانتقام: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدو﴾ (المائدة: ٢). ٥ - وهو الذي رأى ترهب الكهنة وانعزال النساك وفرقة لا مساس اليهودية وفرقة اليونان الكلبية ورهبان وراهبات النصارى ومصائرهم المخزية فتلا عليهم قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ (الحديد: ٢٧). ثم ميز المدنية والإنسانية بإكليل ((لا رهبانية في الإسلام)) رواه أحمد في مسنده. ٦ - وهو الذي لم يخصص فرقة من اليهود كشعب الله المختار، ولم يسلم مفاتيح السماء فردا واحدا مثل الكاثوليك، ولم يجعل البراهمة وحدهم يملكون إرسال الإنسان إلى النعيم والجحيم. ولم يمنح لقب أبناء السماء بسب الولادة في منطقة خاصة كما فعل أهل الصين. وهو الذي لم يغلق أبواب الرحمة والفضل على غير المتبعين مثل ما فعل زعماء الزرادشتية والبوذية. ٧ - وهو الذي جعل الرومي واليوناني والمصري والسوداني متساوين، ونرى في مجلسه مدعما السوداني وبلالا الحبشي وفيروز الخراساني وسلمان الفارسي وصهيبا الرومي وأثامة النجدي وعديا الطائي يجلسون جميعا جنبا إلى جنب. وكذلك نرى ملك الجندل وحاكم عمان وذا الكلاع الحميري المدعي للألوهية وكاهن اليمن ضمادا يجلسون كلهم فرحين في آخر صف بمجلسه (ص). ٨ - وهو الذي منح اليهود المخذولين المغضوب عليهم منزلة أمة مستقلة وأكرمهم بحقوق مساوية في العهود، بعد أن أهانهم وأذلهم النصارى والوثنيون. ٩ - وهو الذي حافظ على الشعوب النصرانية جميعا، حينما كان يلعن المجمع الديني الثاني الجميع الأول، والمجمع الثالث المجمع الثاني زمان تطبيق أمورهم الدينية. وكذلك حافظ على أموال النصارى وأرواحهم، حينما سفكوا الدماء في القدس وروما ومصر حول مناقشة موضع ((جسم المسيح في روح واحدة أو روحين)). ١٠ - وهو الذي أرشد تعليمه ((لوثر)) حتى أن معارضيه يتهمونه بالدخول في الإسلام سرا، ومع ذلك لا يتردد في الاستفادة من تعليم النبي (ص)، إلى أن يسوق أوربا من الاعتقاد بالألوهية إلى الاعتقاد بالبشرية ويبعد عن الكنائس عبادة المظاهر.
следующие страницы →