← Сира

Сира · id 14328

رحمة للعالمين (مترجم) - المنصورفوري

محمد سليمان المنصورفوري

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

١٨ - حديث أبي العمراء: * الطبراني وابن قانع وابن مردويه، عن أبي العمراء. ١٩ - حديث أبي سعيد الخدري: * ابن جرير وابن منذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر، من طريق أبي هارون العبدي. * ابن مردويه، من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد. * ابن مردويه من وجه آخر، عن أبي نضرة. * ابن مردويه من وجه آخر، عن أبي نضرة. * ابن مردويه من وجه آخر، من طريق نقمة عن أبي سعيد. ٢٠ - حديث أبي ليلى: * الطبراني في الأوسط وابن مردويه، من طريق محمد بن عبد الرحمن. ٢١ - حديث عائشة: * ابن مردويه والحاكم (وصححه) والبيهقي، من طريق الزهري عن عروة. ٢٢ - حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق: * ابن مردويه من طريق يحيى بن عباد. ٢٣ - حديث أم هانئ بنت أبي طالب: * ابن إسحاق وابن جرير، عن الكلبي عن أبي صالح عن أم هانئ. ٢٤ - حديث عمر الفاروق: * أحمد عن عبيد بن آدم، عن أمير المؤمنين عمر. * ابن مردويه، من طريق المغيرة بن عبد الرحمن. ٢٥ - حديث أبي سفيان الأموي: * أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي سفيان بطريق اليميا (موقوفا). ٢٦ - حديث أمير المؤمنين علي: * الطبراني، من طريق الحسين عن أبيه.

стр. 702

* أبو نعيم، من طريق محمد بن الحنفية. * ابن مردويه، من طريق زيد بن علي عن آبائه عن علي. ٢٧ - حديث عبد الرحمن بن قرط الثمالى: * سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم (في المعرفة) عن عبد الرحمن بن قرط. ٢٨ - حديث بريدة: * الترمذي والحاكم (وصححه) وأبو نعيم وابن مردويه والبزار، عن بريدة والصحابة الذين رووا الحديث منهم مكي مهاجر ومدني أنصاري. وواقعة المعراج وقعت بمكة المكرمة. ولكن لا يصح الرأي القائل بأن ما ذكره الأنصار بهذا الصدد كان مسموعا من المهاجرين. وذلك أن الصحابة الرواة قد صرحوا بأنفسهم برفع الحديث إلى النبي (ص). وهذا دليل كاف، وطبيعي أن الأنصار لما سمعوا من إخوانهم المهاجرين عن المعراج اشتاقوا إلى أن يسمعوه من رسول الله (ص) أيضا، كما أن الرغبة في علو الإسناد وجدت في المحدثين دائما. وليس ذلك قياسا فقط، بل صرحت بذلك بعض الروايات أيضا، ففي حديث شداد بن أوس، قلنا: يا رسول الله كيف أسري بك؟ إن قوله ((قلنا)) صريح في أن هذا السؤال كان من جمع من الصحابة، وفي رواية مالك بن صعصعة في الصحيحين: أن النبي (ص) حدثهم، فأحاديث المعراج المرفوعة، سواء رواها المهاجرون أو الأنصار، كلها مسموعة من النبي (ص) ومن الصحابة من روى عن النبي (ص) مباشرة وبواسطة صحابي أيضا، مثل ابن عباس وأنس وغيرهما. فالروايات على نوعين، وهذه التفرقة بين المرويات أيضا تدل على أنهم لم يجرؤوا على وصف المرسل بالمرفوع. ومما يزيد الطمأنينة والثقة أن أحاديث الصحيحين عن المعراج أكمل وأكثر تفصيلا.

стр. 703

سرد وقائع المعراج ١ - ورد في حديث صحيح مسلم من طريق ثابت عن أنس: ((فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين -إلى أن قال-: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا)) (١). ٢ - وفي رواية لابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك عن أنس ورد التصريح عن الصلاة في بيت المقدس هكذا: ((فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة، قال: فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل ﵇ فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبرئيل: يا محمد أتدري من صلى خلفك؟ قال: قلت لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله ) (٢). ٣ - وورد التصريح التالي عن بيت المقدس في رواية الإمام أحمد عن عبيد بن آدم: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: ان أخذت عني صليت خلف الصخرة، فقال عمر: لكن أصلي حيث صلى رسول الله (ص) (٣). ٤ - وورد حديث مالك بن صعصعة عن طريق أنس في الصحيحين أيضا (٤). ومالك بن صعصعة قليل الرواية جدا، حتى يرى أكثر المحدثين أنه لم يرو عنه سوى هذا الحديث. وطبيعي في مثل ذلك أنه حفظ الحديث بإتقان ورواه بدقة، فإنه ثمرة حياته وحصيلة عمره. والغالب أن أنسا رأى في رواية الحديث عن ابن صعصعة، بعد روايته مرفوعا، مبعث سرور وفخر. وهنا نثبت نص حديث مالك بن صعصعة، قال: إن نبي الله حدثه عن ليلة أسرى به قال: ((بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعا إذا أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه، أي من ثغرة نحره إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب

стр. 704

مملوءة إيمانا، فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن هو معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه، قال نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجئ جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال: هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح ففتح، فلما خلصت فإذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح ففتح، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فلما خلصت فإذا موسى قال: هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت لي سدرة المنتهي، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني

стр. 705

والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي)). ٥ - وزاد في حديث الشيخين عن أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله (ص) قال: ((إن آدم إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى - أخبر جبريل النبي (ص) بأن - هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى)) (١). ٦ - قال ابن شهاب الزهري: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي (ص): ((ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام)). وبعد تحديد الصلوات الخمس أتيت سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك (٢).

стр. 706

سر لقاء الأنبياء الثمانية في السماوات السبع تضمن لقاء النبي (ص) مع مختلف الأنبياء ﵈ في السماوات المختلقة الكثير من النصائح الدينية. ١ - فكما أن ملوك العالم يعينون أمراء لاستقبال ضيوفهم ابتداء من حدود الدولة وحتى بلاطهم الخاص تكريما للضيوف، فكذلك تم تعيين الأنبياء الكرام لاستقبال النبي (ص) من السماء الأولى إلى السماء السابعة. ٢ - آدم أبو البشر وأول الأنبياء، ولذا كان لصلته بالسماء الأولى معنى خاص، لقد قاسى ألم ترك الجنة ولكنه لما هبط إلى الأرض، وأكرم بخلافة الأرض، وعمرت الأرض بولده، تحول ألمه إلى سرور، والنبي (ص) كان قد ترك ((أحب البلاد عند الله))، إلا أن إقامته بالمدينة الطيبة كانت سبب انتشار الدعوة الإسلامية ونشر العلوم، فمن هنا ارتفعت أعلام الفتح والانتصار، وصارت هذه البلدة مقرا لخلفائه أيضا. ٣ - بين يحيى وعيسى ﵉ قرابة، وكان اصطباغ المسيح قد تم على يد يحيى، فهما متماثلان في الزهد والجهد، ومن هنا كان اجتماعهما في مكان واحد، بهدف اطلاعهما على زهد النبي (ص) وتوكله، وإعراضه عن الخلق، وأحواله في المستقبل؛ وكان يحيى قد فوض أمره إلى عيسى، وبشر عيسى بأن إتمام الصدق والحق يتم على يد النبي (ص) ولهذا وجب أن يرى هذان الصالحان إتمام أمانيهما. ٤ - تماثل أحوال يوسف ﵇ تماما أحوال النبي (ص)، فكلاهما صاحب جمال وكمال، وكلاهما واجه الابتلاء، وامتاز بفرط العفو والكرم، وبشرا الأعداء الظالمين: ﴿لا تتريب عليكم اليوم﴾ وآل إليهما الملك والأمر، وارتجلا عن الدنيا بفوز ونجاح وعزة وكرامة. ٥ - قابل النبي (ص) إدريس ﵇ في السماء الرابعة ولإدريس منزلة خاصة في كثرة الدرس والتبحر في التعليم والإرشاد والاعتناء بالتدريس، وهكذا كانت حال النبي (ص)، كما بين القرآن الكريم: ﴿يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (آل عمران: ١٦٤).

стр. 707

٦ - وفي السماء الخامسة لقي (ص) هارون، وكان مكرما محبوبا لدى قومه، وإماما في المسجد، وكان يكره الفرقة والتشتت؛ وهذه هي الصفات العالية التي تتجلى في سيرة الرسول (ص). ٧ - ولقي (ص) في السماء السادسة موسى، وكان صاحب شريعة وكتاب ومجاهدا وغازيا ومهاجرا ومناظرا. وهو أشبه بالنبي (ص) في هذه الصفات، وله ميزة خاصة بين أنبياء السماوات الخمسة للمحاسن المذكورة. ٨ - وقابل (ص) في السماء السابعة إبراهيم ﵇، وهو باني الكعبة، والقائم على هذا البيت المعمور، وهو إمام الخلق، وخليل الرحمن، وقد طهر الله تعالى الكعبة من الأرجاس والأوثان للنبي (ص)، وجعلها قبلة للأمة المحمدية حسب رغبة نبيه (ص)، والنبي (ص) أحيا الملة الحنيفية، وأحكم مناسك الحج وفق سنة إبراهيم، وأضاف اسمه مع اسمه في الصلاة. وكانت صورته (ص) أشبه بصورة إبراهيم. وهكذا كانت رفعة مكانة النبي (ص) فوق مقام إبراهيم ﴿البيت المعمور﴾، وبهذا تبين أن النبي (ص) هو صاحب المقام المحمود، وهو الذي يستحق أن يقول: ((آدم ومن دونه تحت لوائي)) (١).

стр. 708

القرآن الكريم والمعراج ذكر القرآن الكريم واقعة المعراج في سورتين: ١ - الأولى: سورة بني إسرائيل وجاء في بدايتها قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ (الإسراء: ١). إن كلمة ((سبحان)) تستعمل للتنزيه، وأتى بها في بداية الكلام للدلالة على أن الوقائع التي ذكرت بعدها لا تعجز قدرة الله تعالى عن إحداثها وإيجادها، وتنوين ((ليلا)) يدل على الجزء القليل من الليل. وقوله ((باركنا حوله)) يبين أن قرب ذلك المكان تكثر الأشجار المثمرة والأنهار الجارية وشجرة الزيتون المباركة. وكان ما حوله مهبط وحي كثير من الأنبياء ومصدر معجزاتهم الباهرة. ويراد بقوله ((من آياتنا)) الآثار المرضية التي تردد قصة كرامة وعز بني إسرائيل ومهانتهم وذلهم. وتدخل فيها الآيات التي رآها النبي (ص) بعد عروجه من المسجد الأقصى في ملكوت السماوات والأرض. ٢ - الثانية: سورة النجم، انظروا إلى الآيات التالية: الف - ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ (النجم: ١٨). فسرت ((الآيات الكبرى)) برؤية النبي (ص) جبريل في صورته الأصلية، أو الأنوار القدسية التي غشيت سدرة المنتهى في صورة التجلي، أو الجنة والنار بهيئة وجودهما، أو عجائب الملكوت بتفاصيلها، ولكن كل ذلك جميعا أقل مما دلت عليه الكبرى، ولذا يصعب حصرها وتفصيلها. ب - ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ (النجم: ١٧). تبين هذه الآية تطلع النبي (ص) إلى الرؤية، وكذا مراعاته لحسن الأدب، وثباته

стр. 709

ورزانته وتحمله واستعداده للرؤية. وذكر القرآن الكريم في حال موسى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا﴾ (الأعراف: ١٤٣). والنبي (ص) رأى تلك الأنوار رؤية تامة دون أن يزيغ بصره ويطغى؛ إن القوة الربانية متجلية في أعظم تجليها والبصر المحمدي رهن المشاهدة بكامل قوته. ج - ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (النجم: ١١). في معظم الأوقات نرى أن العين السليمة المبصرة ترى شيئا، والفؤاد يكذب ما رأته، ومثال ذلك أننا نرى كل صباح أن الشمس تطلع مثل صحن مذهب من المشرق، ويبدو حجمه أصغر بملايين المرات من حجم الكرة الأرضية. ولكن الفؤاد يقول: هذا الزعم خداع البصر، فالشمس أكبر من الأرض بملايين المرات، وليس في ذلك شك. ونرى الأشياء الساقطة على الأرض فتبدو بارزة، ولكن الحقيقة أن ذلك من خداع البصر. ونرى ضوء الشمس فنحسبه أبيض نقيا، ولكن الفؤاد يخبر بأنه مجموعة مكونة من سبعة ألوان. وما دام هذا الاختلاف موجودا بين العين والقلب، فمن الخطأ أن نظن أن العين تبصر الحقيقة الأصلية. ولكن لو اجتمع يقين البصر والفؤاد وثقتهما على أصل الحقائق وحقيقة الانكشافات فلاشك أن هذا المشهد يزيد البصر والبصيرة والله تعالى يريد أن يعرف الناس معرفة حقة أن رؤية النبي (ص) بعيدة عن جميع الظنون والشكوك، ومتملكة لجميع الحقائق والصدق. د - ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (النجم: ١٠). إن الآية السابقة ذكرت كيفية البصر والفؤاد، وهذه الآية تذكر حقائق السمع والقلب. إن قوله: ما أوحى ليس للإجمال بل للتفخيم، ويراد به تفخيم الوحي، ومن يوحى إليه أيضا، وتكمن عظمته الأصلية في كلمة ((عبد)) وكذا تبرز وتتجلى. ولاشك أن حادث المعراج واحد من منازل النبي (ص) العليا، وقد استعمل الله

стр. 710

تعالى كلمة ((العبد)) في ذكر هذا الحادث في السورتين، حتى يتأكد الناس تماما أن أعلى منزلة لخير خلق الله نبيه محمد (ص) هي منزلة العبدية، وأمرنا جميعا بأن نتقدم في تلك المنزلة كل حسب كفاءته وصلاحيته ﴿ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (البينة: ٥). ومعنى: ((الصلاة معراج المؤمنين)) أيضا يتضح بهذه النكتة، لأنه ليس هناك شيء أقوى وأكبر من الصلاة لإظهار العبودية وبيان العجز والافتقار وإبراز التعبد والابتهال لله . مبحث اليقظة والمنام: رأى بعض العلماء أن الآية الكريمة ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ (الإسراء: ٦٠) تشير إلى المعراج، والتعبير عنه بالرؤيا يدل على أن وقائع المعراج حدثت في المنام. وقد حل هذا الإشكال إمام اللغة ابن دحية حيث قال: إن الرؤية والرؤيا يستعملان بمعنى واحد، يقول أهل اللغة: رأيت رؤية ورؤيا، مثل قربة وقربى. وبذلك زال الوهم بأن الرؤيا تستعمل للمنام وحده. وقال الزمخشري (١) (وهو من أئمة اللغة والمعاني والبيان) في تفسيره ((الكشاف)) تحت هذه الآية: إن هذه الرؤيا تختص بوقعة بدر حيث دل النبي (ص) على مصرع كل كافر، والكفار كانوا يستهزءون بقوله (ص) هذا. ثم أورد بلفظ ((قيل)) ما يأتي: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها [أي حادثة المعراج] رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك. ومثال ذلك في الآيات التالية: ١ - ﴿فراغ إلى آلهتهم﴾ (الصافات: ٩١). ٢ - ﴿أين شركائي﴾ (النحل: ٢٧). ٣ - ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان: ٤٩). ولنستمع الآن إلى المحدثين، أورد الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه تحت الآية ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ (الإسراء: ٦٠) عن عكرمة عن ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله (ص) ليلة أسرى به (٢).

стр. 711

إن ابن عباس خير هذه الأمة وخير من فسر القرآن بدعاء النبي (ص)، وإنه كذلك من أئمة اللغة والأدب الكبار، ومن قوله: ((أؤمن بأن معراج النبي (ص) كان في اليقظة وبجسمه)). وهذا هو معتقد أكثر أئمة أهل السنة من المحدثين وفقهاء الصحابة والتابعين. ومن استمر بعد الدليل الواضح على الزعم بأن الإسراء كان في المنام فعليه أن يتأمل الحديث التالي: عن الشيخين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله (ص): ((لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)) (١). والظاهر أن النبي (ص) لو حكى واقعة الإسراء في صورة المنام لما تسنى للكفار السؤال عن آيات بيت القدس، ولما كانت هناك حاجة إلى أن يجلي الله بيت المقدس للنبي (ص)، وأن يرد النبي (ص) على أسئلتهم بالنظر إليه. بل كفاه أن يفحمهم بأنه يحكي ما رآه في المنام، وسبحان الذي أرى عبده آياته الكبرى وذهب به إلى ما وراء الآفاق.

стр. 712

الفصل الرابع المعجزات النبوية (ص) المعجزة مشتقة من العجز، وهي مقابل القدرة، وأخذ هذا المعنى من العجز، وهو مؤخر الإنسان، ويلاحظ هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ (القمر: ٢٠). ويفهم منه التأخر في أمر، ثم عدم القدرة والعجز. والعجوز (رجلا كان أو امرأة) من عجز عن كثير من الأمور بسبب تقدم السن. والقرآن حكى قول قابيل حين رأى غرابا يواري غرابا آخر في التراب: ﴿يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾ (المائدة: ٣١). وقال الله تعالى لطغاة الكفار: ﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ (التوبة: ٢). وبعد هذا المعنى اللغوي انتشر استعمال كلمة ((المعجزة)) في أفعال نبوة أنبياء الله التي تظهر شأن نبوتهم. ولا يعرف تاريخيا متى استعملت هذه الكلمة في المعنى المذكور، ومن أول من استعملها بهذا المعنى، ولكن الذي أطمئن إليه هو أن هذه الكلمة لم تستعمل في المعنى المذكور في كلام الله ولا في كلام النبي (ص) ولا في كلام نبي آخر. والآن ننتقل إلى تعريف المعجزة: فالذين أرادوا بالعجزة المعنى المذكور قالوا: المعجزة هي الأمر الخارق للعادة. وبعد ذلك يقعون في بحث: ما إذا كان من الممكن خرق العادة؟ وتفسر ((العادة)) باستمرار قوانين الطبيعة، ويفسر ((الخرق)) ببطلان الاستمرار المذكور، وينقسم الكتاب عند هذه النقطة إلى أقسام:

стр. 713

الأول: من يقول بوجود قانون محدد للطبيعة. وهؤلاء يتعرضون لمطاعن أهل المعقول كثيرا. والثاني: من يقول بقوانين الطبيعة، ولكن لا يجوزون خرقها ونسخها، وهؤلاء ينقسمون إلى صنفين: * من ينكر خرق العادة، وينكر كذلك وجود أو إمكان حادث ثبت وجوده. * من يؤول الحادث المتحقق وجوده تأويلا يصحح وقوع خرق العادة والثالث: من يعترف بوجود استثناء في قوانين الطبيعة، ولذا يعترف بكل حادث موجود على أنه قانون الطبيعة، وذلك لأن الاستثناء أيضا كان في هذه القوانين. ويندرج تحت هذه الأقسام الثلاثة كل من أنكر المعجزة أو أولها أو قال بها، وتتعلق هذه الأقسام بلفظ ((خرق العادة)) ولكن هناك من لا يستعمل لفظ ((خرق العادة)) في تعريف المعجزة، بل يقول: إن المعجزة فعل نبي الله الذي يعجز الآخرين عن الإتيان بمثله في ذلك الحين، وفي هذا التعريف مخاطر فإذا ما قدر شخص غير نبي على ذلك الفعل في وقت لاحق، فإن ذلك يوجد التباسا في الأمر، والمحققون من العلماء يتجنبون هذه التعقيدات اللفظية فيقولون: إن كلمة ((المعجزة)) و ((خرق العادة)) لم ترد في الصحف السماوية، ولذا فلا حاجة بنا للسير في هذا الطريق الشائك. إن القرآن الكريم استعمل كلمة ((الآية)) ووردت في التوراة والإنجيل كلمة العلامة، ولهذا فسوف نستعمل نحن أيضا كلمة ((الآية))، وهناك فوائدة أخرى في استعمال كلمة ((الآية)). إن كلمة ((الآية)) واسعة المعنى جدا، فقد جاء إطلاقها على الماديات أيضا، إذ وصف الله تعالى سفينة نوح بالآية فقال: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين﴾ (العنكبوت: ١٥). وجعل تعالى الليل والنهار آيتين فقال: ﴿وآية لهم الليل﴾ (يس: ٣٧).وقال: ﴿ومن آياته الليل والنهار﴾ (فصلت: ٣٧). وخلق الإنسان من التراب أيضا آية، قال:

стр. 714

﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب﴾ (الروم: ٢٠). ووصف لمعان البرق ورعد السحاب بالآية: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ (الروم: ٢٤). والوضع الحالي للسماء والأرض مع استقامتهما آية: ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ (الروم: ٢٥). ووصف الأمن العام والسعة والرغد والترف والخصب بالآية: ﴿لقد كان لسبإ في مسكنهم آية﴾ (سبأ: ١٥). ووصف جثة فرعون التي هي عبرة للعالم بالآية: ﴿لتكون لمن خلفك آية﴾ (يونس: ٩٢). وأطلق على ناقة صالح أيضا الآية: ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾ (هود: ٦٤، الأعراف: ٧٣)، وهذه الكلمة أطلقت أيضا على عصا موسى ويده حينما تحولتا إلى الثعبان والبيضاء وقت الاختبار. والماديون لا يلتفتون إلى كون هذه الأشياء المادية آيات حينما يسمعون الآية الأولى، ولكن لو ذكرت لهم مقابل هذه الوقائع واقعة أخرى أقل غرابة منها لأسرعوا إلى إنكارها ووصفوها بخرق العادة. وإني أقول: إن كل واقعة توصف بالمعجزة لدى العامة هي في الواقع آية، كما أن هذه الوقائع آيات، ولكن قصور الفهم أو قلة التدبر حالت دون اعتبارها آية. تأملوا، ألم تكن سفينة نوح آية إلهية؟ إن نجاة سفينة صغيرة مع ركابها في طوفان أغرق الجبال أيضا آية دون شك. أليس وجود الليل والنهار آية؟ كيف لا يكون ظلام الليل ورهبته وسكونه راحة الإنسان والطير والحيوان فيه آية؟ وكيف لا يكون النهار وضوؤه وانشغال الناس فيه بالأعمال وخروج كل حي من مأواه وسعيه في طلب الرزق والتوغل فيه آية؟ أليس خلق الإنسان من التراب آية الله؟ إن الإنسان يصنع لنفسه كثيرا من الأشياء بالتراب أو يجدها في التراب، فالمعادن والفلزات والجواهر والطوب والحجر والذهب

стр. 715

والفضة والعشب والرزق والفواكه والبيوت والقصور، كل ذلك من التراب؛ والإنسان إن لم يكن من التراب لم تكن له هذه الحقوق فيه. أليس لمعان البرق آية؟ الجو صاف في النهار، والهواء ساكن، فمن يسكن الهواء ويأتي بريح أخرى من ناحية مقابلة مع السحب فتخفي الشمس ويظلم الجو وتتصادم السحب ويصدر عنها أصوات الرعد، كأن عشرات من الأسود تزأر، فيخاف الصغار، ويرجع الناس إلى بيوتهم تاركين نشاطهم وعملهم، وإذا البرق يلمع فيضيئ مئات الأميال، فيخاف المسافر، ويفرح الفلاح ويرجو الخير فالسماء ستمطر والأرض ستنبت، وبذلك تقضي حاجاته في الدنيا؟ شيء واحد أحدث آثارا مختلفة. فالبرق نفسه يسبب الإرسال السلكي واللاسلكي، وهو يستخدم في الأشعة فيظهر أعصاب الجسم وعظامه المختفية وراء اللحم، ومن يدري ما هي الأوجه الأخرى التي يبدو فيها أثر البرق، وما هي العلوم التي يتجلى فيها البرق آية؟ أليس قيام هذه الأرض آية؟ إن كانت حقيقة الأرض أنها قطعة منفصلة عن الشمس، فكونها في الماضي جزءا من الشمس، وكونها على هذا الأساس حامية مضيئة، آية دون شك، ثم تحولها من الحرارة والضوء وظهورها في صورة مختلفة أخرى آية أخرى دون شك. فهل هذه الآية أقل من آية الثعبان والعصا؟ أليس وجود العالم العلوي وقيامه آية؟ أليس وجود مئات من الثوابت والسيارة وقيامها وسيرها بنظام منضبط، ثم تغير المواسم واختلاف الليل والنهار آية؟ نعم، كل مظهر من مظاهر القدرة الإلهية آية، وحينما تعجز أفهام العامة عن فهمها آية، فإن بيان الأنبياء ﵈ يوضح لهم كيف تكون هذه المظاهر آية. وإني لا أتردد في الاعتراف بهذه المعجزات التي ثبتت بالقطع، وإن عجز فهم عالم من العلماء [الطبيعيين] عن إدراك علتها وأسبابها؟ والخواص التي أودعها الله في المخلوقات (غير المادية) يعجز الإنسان عن الإحاطة بها، ولم يدع أيضا أي إنسان ذلك قط. إن الله تعالى يكشف أسرار الكون لرسله المصطفين، إنهم يعلمون ويخبرون

стр. 716

بالتغير الكيماوي الذي يحول القليل إلى الكثير، والهواء إلى ماء، ولكن لا يكون علمهم ولا تكون خبرتهم مدينة للآلات والمختبرات والعلم التدريجي. وإننا نقول كل ذلك لنقرب إلى الأفهام معجزات الأنبياء ولكن الإيمان يكون في قدرة قائل ﴿كن فيكون﴾ (البقرة: ١١٧)، وفي نصرته لأنبيائه، وحينما يريد الله تعالى إعلام الناس اصطفاءه لأحد فهو يبرز تلك القوة والقدرة بوساطة الأنبياء، وهذا ما يطلق عليه الآيات الإلهية أي المعجزات، ومعجزات النبي (ص) التي ثبتت بروايات صحيحة تفوق الحصر وهي أكثر من معجزات كل نبي، وشأنها أعلى من شأن معجزاتهم، ونذكر فيما يلي بعض المعجزات حتى يزداد بها إيمان المؤمنين، وتبرز بها عظمة النبي (ص) ويرسخ عن طريقها حبه في القلوب. ولما كنت في سبيلي إلى تأليف كتاب مستقل حول المعجزات، اكتفي هنا ببيان بعض الوقائع بإيجاز تحت عناوين مختلفة: نبع الماء: ورد في القرآن الكريم: ﴿وإذ استقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ (البقرة: ٦٠). وهكذا جاء في سورة الأعراف (الآية: ١٦٠) ووردت فيها كلمة ((فانبجست)) بدل كلمة ((فانفجرت)) ولفظ الانبجاس يشعر بأن خروج الماء أولا كان قليلا، ولفظ الانفجار يدل على أنه كثر فيما بعد، والآية تدل على أنه حينما كان يندر الماء وييأس القوم من الحياة والراحة حينئذ كانوا يرجعون إلى نبي الله، فكان يدعو الله فينزل الماء برحمة منه وبركة. ويمكن القول بعد الرجوع إلى كتاب الخروج في التوراة إن هذه الحادثة وقعت في صحراء سور بعد سفر استمر ثلاثة أيام (١). والكتاب المذكور لم يذكر انفجار اثنتي عشرة عينا بعد ضرب موسى بعصاه، بل إنه يبين أنهم وجدوا في موضع ايليم المكان الذي كانت فيه اثنتا عشرة عينا وسبعون نخيلا (٢). وخبراء تأويل المعجزات من المسلمين أولوا معجزة موسى بأن جريان الماء من الجبل أمر عادي، وغور عين أو نبع لأسباب خارجية أيضا أمر عادي، فحينما سأل موسى الله

стр. 717

تعالى الماء دله تعالى على العيون المختفية تحت الأرض الصخرية، فأخرجت العيون بالعصا فجرت، ومهما كان هذا التأويل بعيدا عن ألفاظ القرآن، لكن لا يتحقق به نفي المعجزة، إذ من المسلم به أن الهداية تحققت بعلم الله تعالى، والبركة ظهرت بفعل موسى، أما عهد النبي (ص) ففضله أن الماء هنا نبع من الجلد واللحم، بدل الأرض الصخرية، وهذا من أبدع المعجزات، وليعلم أن فوران الماء وفيضانه وقع بذات النبي (ص) مرة بعد أخرى وبأساليب مختلفة، ويمكن تعيين هذه الوقائع بتتبع الأحاديث. محرم عام ٧ ه ـ ١ - أخرج مسلم عن جابر قال: سرنا مع رسول الله (ص) في غزوة ذات الرقاع حتى نزلنا وادي أفيح، فقال رسول الله (ص): ((يا جابر ناد بوضوء)) قال، قلت: يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، قال: ((انطلق إلى ابن فلان الأنصاري)) قال: فانطلقت إليه فنظرت فلم أجد إلا قطرة في عزلاء شجب منها، فأتيت رسول الله (ص)، فقال: ((اذهب فأتني به)) فأتيته به، ثم قال: ((يا جابر ناد بجفنة)) فأتيته بها تحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله (ص) بيده في الجفنة هكذا، فبسطها وفرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: ((خذ يا جابر فصب علي وقل: بسم الله)) قال جابر: فصببت عليه فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله (ص) ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلات، فقال: ((يا جابر ناد من كان له حاجة بماء)) قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، فرفع رسول الله (ص) يده من الجفنة وهي ملأى)) رواه مسلم. وكما ذكرنا في الوسط من هذا الكتاب كان عدد أصحاب النبي (ص) في هذه الغزوة (وهي غزوة ذات الرقاع) أربعمائة نفر. ذو القعدة عام ٦ ه ـ ٢ - أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله (ص) بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله (ص): ((ما لكم؟)) قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، قال: فوضع النبي (ص) يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا؛ قال سالم (الراوي) لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة

стр. 718

ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة)) رواه البخاري. ٣ - وقد روى جابر قصة أخرى وقعت في الحديبية أيضا وقد ذكرها البخاري. وبما أن النبي (ص) كان قد أقام بالحديبية أسبوعا، قلنا جمعا بين الأحاديث أن القصة الأولى وقعت أول يوم، ثم كانت الحاجة إلى الماء بعد ذلك فأتى النبي (ص) بئر الحديبية فجلس على شفيرها فدعا بماء فمضمض ومج في البئر، فمكثنا غير بعيد ثم استقينا (١). كان هذا النظام ثابتا مستقلا لجيش بلغ عدده ألفا وخمسمائة. وقد روى البخاري هذه القصة عن البراء أيضا، وفيها: ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا (٢). ويبدو من رواية أحمد أن البئر ساحت، يعني جرت نهرا، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرغ بثوب خشية الغرق (٣). عام ٩ ه ـ: ٤ - عن عمران بن حصين أنهم كانوا مع النبي (ص) في مسير (٤) فأدلجوا ليلتهم ثم عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس وصلوا صلاة الصبح حينئذ، وجعلني رسول الله (ص) في ركوب بين يديه وقد عطشنا عطشا شديدا، فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: إنه لا ماء، فقلنا: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يوم وليلة، فأتينا بها إلى النبي (ص) فحدثته أنها مؤتمة، فأمر بمزادتيها فمسح في العزلاوين، فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنه لم نسق بعيرا، وهي تكاد تنض من الملء، ثم قال: هاتوا ما عندكم، فجميع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها، قالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٥). إنها لمعجزة عجيبة رأتها امرأة غير مسلمة، وذكرت النبي (ص) فقالت ((أسحر الناس)) ولكن الذين سمعوها تيقنوا فورا أن السحر ليست فيه قوة تسقى العطشانين وتملأ آنيتهم بالماء.

стр. 719

إن السحر تعطيل العين وتحويلها، والساحر يؤثر بقوة السحر في مخيلة المشاهدين وعيونهم، فهم يرون الأشياء على خلاف حقيقتها، ولكن يحدث هذا التغير في عيون الناظرين ومخيلتهم، أما الأشياء فتبقى على أصلها، وأقرب مثال للسحر على من ظنه حية فخاف منه الشخص في الظلام الحبل فيظنه حية، وبهذا الظن تطرأ عليه آثار الخوف والذعر وكأنه رأى حية حقيقية، والواقع أن الحبل حبل، وليس له تأثير. أما معجزات الأنبياء فهي معجزات حقيقية وأصلية، وبذلك يسمو النبي على الساحر فهو أطهر منه وأزكى. وقصة سحرة موسى موجودة في القرآن، ويبدو أنهم كانوا مهرة في فنهم، ولذا قال الله فيهم: ﴿وجاءوا بسحر عظيم﴾ (الأعراف: ١١٦). ولنعلم الآن ماذا كان ذلك السحر العظيم؟ ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ (طه: ٦٦). ومن نتيجة هذا السحر أنهم ﴿واسترهبوهم﴾ (الأعراف: ١١٦). أي خوفوهم. وهذا هو غاية ما يستطيع الساحر الوصول إليه، إنه يعرض عليهم فنه حتى يخوفهم. وهنا أمر الله تعالى موسى أن يلقي عصاه فإذا هي ثعبان يلقف ما أفكوا، ولو كانت حقيقة معجزة موسى مجرد تحول العصا إلى ثعبان في أعين السحرة فقط، لأثرت في قلوب السحرة مثل ما أثرت في قلب فرعون كما حكى عنه تعالى قوله: ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ (طه: ٧١). ولكن السحرة أدركوا فورا أن عمل موسى فوق السحر وذلك أنهم رأوا أن مئات الحبال والعصي فقدت حقيقتها وتيقنوا أن مشهد لقف ثعبان موسى للحبال والعصي لم يكن تخييلا بل حقيقة وصدقا. وبعد إدراك هذه الحقيقة تاب السحرة فورا، وآمنوا بموسى، ولم يخافوا - بعد معرفتهم للحقيقة - صلب فرعون لهم، ولا قطعه أيديهم وأرجلهم ولم يمتنعوا عن الإسلام. انظروا إلى رحمة الله تعالى، إن السحرة حينما جاءوا لمبارزة موسى كانوا مخذولين مقهورين عند الله تعالى، وبعد قليل صاروا لديه من المحبوبين والمنصورين.

стр. 720

ومثل ذلك حال المرأة التي ورد ذكرها في الحديث السابق الذي أخرجه الشيخان، وقد وردت هنا رواية البخاري وزاد فيه البيهقي (١): أن رواة الحديث أرسلهم النبي (ص) نفسه وقال لهم: إنكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا، امرأة معها بعير عليه مزادتان إلخ. وعلى هذا تكون الرواية متضمنة لمعجزة وتنبؤ معا. ٥ - أخرج البخاري عن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقى قوم، فأتى النبي (ص) بمخضب من حجارة فيه ماء فوضع كفه فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلهم جميعا، قلت: كم كانوا؟ قال: ثمانون رجلا (٢). وفي رواية البيهقي: أن النبي (ص) وضع في المخضب أربعة من أصابعه. وقال أنس: رأيت الماء يفور من بين أصابعه، وقد وقع ذلك في قباء. وأخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال: أتى النبي (ص) بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة (٢). ٦ - وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله (ص) في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء فجاءوا بإناء، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله (ص) (٣). وقال النبي (ص) عن هذا الماء: إنه طهور ومبارك، واتفق علماء الأمة على أن الماء الذي نبع من أصابع النبي (ص) كان أكثر بركة وحرمة من ماء زمزم. وهناك وقائع أخرى مثلها. وبالنظر في خصائص الروايات يتضح أن واقعة انفجار الماء من بين أصابع النبي المباركة تعددت وكثرت. والحقيقة أن هذه المعجزة لو لم تقع في بلد حار جاف مثل الجزيرة العربية، وفي أسفارها الغزوات الطويلة لأدى ذلك إلى هلاك كثير من المجاهدين الذين كانوا يواجهون قلة ملموسة في المال والعتاد.

стр. 721

وأقول أن معجزة شبيهة بهذه توجد في نزول المن والسلوى في عهد موسى ﵇، ولكن منزلة المعجزة المحمدية تفوق معجزة موسى تفوق الماء على الطعام في بقاء الحياة. وأضيف أيضا أنه وجد في كلام الأنبياء السابقين التنبؤ بمعجزة النبي (ص) هذه وخاصيته هذه، فقد ورد في إشعياء: إن الله يفجر العيون في الصحراء الجافة. وليست بنا حاجة إلى تأويل هذه الألفاظ، فالواقع أن معجزة نبع الماء قد فجرت الينابيع في الفلوات التي خلت من ماء الشرب، ولله الحمد. بركة اللبن الشيء الذي يلي الماء في المنزلة هو اللبن، ورد في حديث المعراج أن النبي (ص) أتى بقدح اللبن والخمر في السماء، فاختار النبي (ص) اللبن، فقال له جبريل: اخترت الفطرة. ولذلك شبه الإسلام أيضا باللبن. وكل مولود للإنسان يتغذى باللبن، ولن نجد طفلا تغذى بالخمر، وبذلك يثبت أن اللبن سر الفطرة الإنسانية. وقد ربى داعي الإيمان وهادئ الإسلام (ص) أمته بلبن تعليمه الطاهر، وسقاهم اللبن المعجز أيضا، وكثر ذلك في حياته (ص). أولا: عقد الإمام البخاري بابا: كيف كان عيش النبي (ص) وأصحابه، أورد فيه حديث أبي هريرة الذي هو مظهر المعجزات النبوية، كما يوضح حقيقة كيف كانت حياة سيد الكون حياة زهد وورع. يقول أبو هريرة: إني كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإني كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا يشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا يشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم (ص) فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: ((يا أبا هر الحق)) ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: ((من أين

стр. 722

هذا اللبن؟)) قالوا: أهداه لك فلان، قال: ((أبا هر! الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي)) قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أخد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة، كتت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله به، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: ((يا أبا هر خذ فأعطهم)) فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد على القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي (ص) وقد روى القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم فقال: ((أبا هر بقيت أنا وأنت)) قلت: صدقت يا رسول الله، قال: ((اقعد فاشرب)) فقعدت فشربت، فقال: ((اشرب)) فشربت، فما زال يقول: ((اشرب)) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له ممسكا. قال: ((فأرني)) فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة)) (١). وهذا حديث واحد ولكنه جمع عدة آيات وعلامات للنبوة كأن أنهار اللبن تجري. * لا يوجد في بيت سيد العالمين أثر من الغذاء الجسمي. * والهدية التي أهديت له (ص) ليست إلا قدح لبن لا تكفي إلا ما يشبع رجلا واحدا. * والرسول يدعو على هذا القدر اليسير أصحاب الصفة جميعا الذين ضحوا في سبيل الدين بأهلهم، ومالهم، وأعرضوا عن ثروة الدنيا إلى المدرسة النبوية. إن ذلك مظهر بارز من مظاهر الخلق المحمدي (ص). * ومن آيات النبوة في هذا الواقع أن كل فرد شبع بهذا اللبن وبقى اللبن في القدح كما كان حتى أن أبا هريرة حلف للنبي (ص) بأنه لم يبق في بطنه موضع لمزيد من اللبن. * وهل يظن أحد أن عددا أكبر كان يمكنه أن يأتي على اللبن؟ كلا، لو كانوا مائة ألف أو مليونا لشبعوا جميعا. إن القدرة على تفريغ القدح كان بإمكان من كفى اللبن ببركته ويمنه الجميع.

стр. 723

* أعيدوا النظر إلى الحديث، إن النبي (ص) حمد الله تعالى حينما أخذ القدح في يده، هذا هو الشيء الذي يعد روح تعليم النبوة. * يمكن أن يرى أي شخص آخر غير النبي (ص) هذا الأمر العجيب فيشعر بالعظمة، ويمكن أن يعده البعض من الكمالات الشخصية، أما النبي (ص) فإنه لم يذكر به إلا مالكه والقادر عليه، ونسب النعم والعطايا كلها إلى ذاته ﵎ الذي تجلت ربوبيته بمثل هذه الأمور. ثانيا: مر النبي (ص) في سفره للهجرة بأم معبد عاتكة بنت خالد بن خليد الخزاعية، وكانت امرأة متقدمة في السن تجلس أمام خيمتها وتسقي المارة وتبيع التمر وغيره؛ وكان أبو بكر مع النبي (ص) حينذاك، وكان يركب خلف النبي (ص) على الناقة. وعلى الناقة الأخرى كان عامر بن فهيرة (١) وعبد الله بن أريقط، وكان خبيرا بهذا الطريق استأجره النبي (ص) في هذا السفر. وتوقف ذلك الركب الميمون عند خيمة أم معبد للاستراحة. وسألوا المرأة هل عندها شيء من الأكل؟ قالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون. وقال حبيش بن خالد (٢) (أخو أم معبد) قتيل البطحاء: فنظر رسول الله (ص) فإذا شاة في كسر خيمتها فقال: ((ما هذه الشاة يا أم معبد؟)) فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: ((تأذنين لي أن أحلبها؟)) قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا رسول الله بالشاة فمسحها ومسح ضرعها وذكر اسم الله ودعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى ملأه فسقاها وسقا أصحابه فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا)) (٣). إن آية النبوة سقت الناس اللبن، ومعجزة الخلق المحمدي أن النبي (ص) كان يسقي رفاق السفر قبله ويشرب بعدهم، ثم يترك بقية كافية لأصحاب البيت.

стр. 724

البركة في الطعام يراد ببركة الطعام المعجزة التي يكفي بها الطعام القليل عددا كبيرا. ويظهر من مطالعة الإنجيل أن هذه المعجزة ظهرت من المسيح أيضا، فإنه قد أشبع جماعة كبيرة بأربعة أرغفة وثلاث سمكات. وفي معجزات النبي (ص) ورد ذكر مثل هذه الوقائع غي الأحاديث الصحيحة بكثرة: ١ - فعن أنس قال جئت رسول الله (ص) فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة. وفي رواية: يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرا من الجوع. فأخبر أنس بذلك والده فذهب فأجر نفسه بصاع من شعير، فعمدت أم سليم إلى نصف مد من شعير فطحنته وعملت منه الخبز ظنا منها أن النبي (ص) لو جاء وحده لشبع جيدا، وإن جاء أحد معه كفانا. قال أنس: ثم أرسلتني إلى رسول الله (ص)، وفي رواية: قال أبو طلحة لأنس: اذهب فقم قريبا من رسول الله (ص) فإذا قام فدعه حتى يتفرق أصحابه ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له: إن أبي يدعوك. قال: فذهبت به فوجدت رسول الله (ص) في المسجد ومعه الناس، فقال لي رسول الله (ص): ((أرسلك أبو طلحة؟)) فقلت: نعم، قال: ((بطعام؟)). قلت: نعم، فقال رسول الله (ص) لمن معه: ((قوموا)) فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: أم سليم قد جاء رسول الله (ص) بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله (ص) وقال: يا رسول الله ما عندنا إلا قرص. فلما وصل رسول الله (ص) قال: ((هلمي يا أم سليم ما عندك)) فأتت بذلك الخبز فأمر به ففت وعصرت عليه أم سليم عكة لها فأدمته، ثم قال فيه رسول الله (ص) ما شاء الله أن يقول. وفي رواية قال: ((اللهم أعظم فيها البركة)) ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. وهكذا شبعوا كلهم، والقوم ثمانون رجلا (١). ٢ - عن جابر أن أباه توفى وعليه دين فأتيت النبي (ص) فقلت: إن أبي ترك عليه دينا

стр. 725

وليس عندي إلا ما يخرج نخله ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا ثم جلس عليه، فقال: ((انزعوه)) فأوفاهم الذي لهم وبقى مثل ما أعطاهم. وفي رواية: وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي تمرة، فسلم والله البيادر كلها حتى أني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله (ص) كأنه لم ينقص تمرة واحدة (١). ٣ - عن جابر أن أباه توفى وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فكلم النبي (ص) اليهودي ليأخذ تمر نخله بالتي له فأبى، فدخل رسول الله (ص) النخل فمشى فيها، ثم قال لجابر: ((جد له فأوف له الذي له)) فجد له بعد ما رجع رسول الله (ص) فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر وسقا، فأخبر جابر عمر فقال له عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله (ص) ليباركن فيها (٢). ٤ - عن جابر أن أم مالك كانت تهدي للنبي (ص) في عكة لها سمنا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدى فيه للنبي (ص) فتجد فيه سمنا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي (ص) فقال: ((عصرتيها؟)) قالت: نعم، قال: ((لو تركتيها ما زال قائما)) (٣). ٥ - عن بنت خباب قالت: خرج خباب في سرية فكان رسول الله (ص) يتعاهدنا حتى يحلب عنزا لنا في جفنة لنا، قالت: وكان يحلبها حتي تطفح وتفيض، فلما رجع خباب حلبها فرجع حلابها (٤). ٦ - عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع النبي (ص) ثلاثين ومائة، فقال النبي (ص): ((هل مع أحد منكم طعام؟)) فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فاشترى منه شاة، فصنعت وأمر النبي (ص) بسواد البطن أن يشوى، وايم الله ما في الثلاثين والمائة إلا وقد حز النبي (ص) له حزة من

стр. 726

سواد بطنها، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون وشبعنا، ففضلت القصعتان فحملناه على البعير (١). التأثير في النباتات حنين الجذع: الحنين في اللغة صوت المشتاق الذي يخرج من فمه من أجل فراق المحبوب. والجذع أصل النخل المقطوع. والحديث الذي نورده هنا أخرجه من المحدثين الإمام البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والشافعي في ((مسنده)) وأحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي والطبراني وأبو يعلى. والذين شاهدوا هذه المعجزة ورووا من الصحابة المصلين هم: سيد القراء أبي بن كعب (ت ١٩ هـ)، جابر بن عبد الله الشهيد (ت ٧٢ هـ)، خادم الرسول أنس بن مالك (ت ٩٢ هـ)، عاشق السنة عبد الله بن عمر (ت ٧٣ هـ)، ابن عم النبي عبد الله بن عباس (ت ٨٨ هـ)، سهل بن سعد الساعدي (ت ٩١ هـ)، أبو سعيد سعد ابن مالك الخدري (ت ٧٨ هـ)، بريدة بن الخطيب الأسلمي (ت ٦٣ هـ)، أم المؤمنين أم سلمة (ت ٥٩ هـ)، مطلب بن أبي وداعة القرشي ﵃. وقصة ذلك أن المسجد لما بني بالمدينة لم يكن فيه منبر، فكان النبي (ص) يقوم يوم الجمعة إلى نخلة، فاتخذ تميم الداري (٢) للنبي (ص) منبرا بعد إذنه، صنعه له غلام امرأة من الأنصار، وكانت له ثلاث درجات، إحداها للجلوس واثنتان للصعود. فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي. وفي رواية جابر بن عبد الله: سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى نزل النبي (ص) فوضع يده عليها فسكت. وفي رواية: ثم أمر به فدفن (٣). وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب ((آداب الشافعي ومناقبه)) عن عمرو بن سواد

стр. 727

السرحي: قال لي الشافعي (١): ما أعطى الله ما أعطى محمدا (ص) فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى (٢). فقال: أعطى محمد حنين الجذع الذي كان يقف يخطب إلى

стр. 728

جنبه، فلما هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، كما ورد في رواية النسائي (١) والصحيحين وغيرها (٢). وكاتب السطور يقول: إن المراد بإحياء الموتى إعادة الحياة إلى أجسام الموتى، التي كانت موجودة فيها قبل. أما بكاء النخل فإنه أعجب، لأنه عبارة عن حدوث صفة إنسانية في جسم نباتي، وليست هذه الصفة عبارة عن مجرد البكاء والارتعاد والارتعاش بل فيها إحساس وشعور بفراق الحبيب وفقدان الشرف، حتى كأن لونا من العشق والحب دخل في هذا الجذع. وكان الحسن البصري (ت ١١٠ هـ) يذكر هذا الواقع فيقول: أيها الناس، هذه حالة جذع في فراق الرسول، فانظروا إلى أحوالكم. ولنتذكر أن النبي (ص) أمر بدفن هذه النخلة لأنها صارت مظهرا للصفات الإنسانية. وهذه النكتة تقوي دليل الإمام الشافعي أكثر. التأثير على الحيوان ١ - ورد في صحيح مسلم عن جابر قال: غزوت مع رسول الله (ص)، فتلاحق بي النبي (ص) وتحتي ناضح لي قد أعيا، فقال لي: ((ما لبعيرك؟)) قلت: عليل، فتخلف رسول الله (ص) فزجره ودعا له، فما زال

стр. 729

بين يدي الإبل قدامها يسير، فقال لي: ((كيف ترى بعيرك؟)) قلت: بخير قد أصابته بركتك (١). ٢ - وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) بعث رجلا فأتاه فقال: يا رسول الله قد أعيتني ناقتي أن تنبعث فأتاها فضربها برجله، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق القائد (٢). ٣ - وروى أحمد عن بنت لخباب قالت خرج خباب في سرية وكان رسول الله (ص) يتعاهدنا حتى كان يحلب عنزا لنا، فكان يحلبها في جفنة لنا فكانت تمتلئ حتى تطفح، قالت: فلما قدم خباب وحلبها عاد حلابها إلى ما كان (٣). ٤ - وروى البيهقي عن جعيل الأشجعي قال: غزوت مع النبي (ص) في بعض غزواته وأنا على فرس له جعفاء ضعيفة، فكنت في أخريات الناس فلحقني رسول الله (ص) فقال: ((سر يا صاحب الفرس)) فقلت: يا رسول الله جعفاء ضعيفة فرفع رسول الله (ص) مخفقة معه فضربها بها وقال: ((اللهم بارك له فيها)) قال: فلقد رأيتني ما أمسك رأسه إن تقدم الناس، قال: فلقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا (٤). ٥ - وروى ابن سعد وأبو يعلى والبيهقي وأبو نعيم والحاكم وصححه عن سفينة مولى رسول الله (ص) قال: ركبت سفينة في البحر فانكسرت فركبت لوحا منها، فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، إذ أقبل الأسد، فلما رأيته قلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله (ص)، فأقبل نحوي حتى ضربني بمنكبه ثم مشى معي حتى أقامني على الطريق، قال: ثم همهم ساعة وضربني بذنبه فرأيت أنه يودعني (٥).

стр. 730

التأثير على الأفلاك ومعجزة شق القمر معجزة شق القمر من أشهر معجزات النبي (ص). كان الكفار قد سألوا علماء اليهود: ماذا ينبغي أن نسأل محمدا (ص) كدليل على صدقه؟ قالوا: إن أثر السحر ينحصر في الأرض، فقولوا له يريكم القمر شقين، فلعله لا ييتطيع ذلك. وبعد ذلك سأله الكفار شق القمر (١). وروى أحاديث شق القمر عبد الله بن مسعود، وأمير المؤمنين علي المرتضى، وجبير بن مطعم النوفلي، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃. فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله (ص) فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله (ص): ((اشهدوا)) (٢). وورد في الرواية لفظ (اشهدوا) بسبب أن شق القمر كان قد وقع بعد طلب الكفار على طريق المعجزة، وإلا ما معنى تأكيد الشهادة؟ وجاء في الصحيحين برواية أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله (ص) أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما (٣). وفي رواية الصحيحين عن ابن مسعود ورد التصريح التالي: انفلق القمر ونحن مع رسول الله (ص) (٤). وهكذا ورد التصريح بذلك في رواية جبير بن مطعم عند البيهقي وأبي نعيم، فقال: انشق القمر ونحن بمكة (٥). ويتضح بهذه التصريحات أن ثلاثة من أجلة الصحابة، وهم: علي وعبد الله بن

стр. 731

مسعود وجبير بن مطعم النوفلي شهود عيان لهذه المعجزة. وحديث عبد الله بن عباس وأنس بن مالك من مراسيل الصحابة. وفي رواية عبد الله بن عمر عند مسلم احتمالان، والظن الغالب أنه أيضا من شهود العيان، فقد ورد في نهاية روايته: فقال رسول الله (ص): ((اللهم اشهد)) (١). والقرآن الكريم يصدق هذه المعجزة فيقول: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ (القمر: ٢، ١). والعلماء يعلمون أن استعمال ((اقترب)) مكان ((قرب)) لتأكيد الواقعة والمراد بالساعة إما القيامة - وهذه الوقائع من شق القمر وغيره تنبئ عن قرب وقوعها، كما أن الشمس والقمر والنجوم والكواكب والجبال والأرض كلها تتلف - وإما الوقت المحدد الذي كان في علم الله لواقعة شق القمر. وإطلاق هذا المعنى ثبت في القرآن بالآيات التالية: ﴿لم يلبثوا إلا ساعة﴾ ﴿ما لبثوا غير ساعة﴾. ولكن الساعة وردت في هذه المواضع دون لام التعريف. والمشككون ينتهزون كل فرصة للتشكيك، فقد قالوا هنا: إن القمر لم ينشق في الحقيقة، فقد ورد في رواية أنس قوله: ((أراهم)) وهو يعني أن عيون الكفار رأت القمر فرقتين، ولم يقع ذلك في الحقيقة، وليتهم رأوا في نفس الرواية قبل قوله ((أراهم)) كلمات ((سألوا أن يريهم آية)) هل كان الكفار يريدون بسؤالهم أن يريهم القمر منشقا سواء انشق أم لا؟ كلا، لم يريدوا ذلك، فلفظ ((أراهم)) إخبار عن وقوع ما طلب بقوله ((يريهم)). والآخرون قالوا: في الآية إخبار عن المستقبل بأن القمر سينشق ولكن ((اقتربت وانشق)) من صيغ الماضي. ثم إن الكفار لما رأوه قالوا: ((سحر مستمر)) فلو كان متعلقا بالمستقبل كيف عبروا بقولهم ((سحر مستمر))؟ ومع التشكيك والإيراد صحت واقعة شق القمر صحة تامة.

стр. 732

والمشككون القدامى المستنيرون بالهيئة القديمة كانوا يبحثون موضع إمكان خرق الأجرام السماوية والتئامها وعدمه. ولكن الآن لم تبق أرضهم تلك ولا سماؤهم، وبذهابهما ذهبت شبهاتهم واعتراضاتهم، وليتهم اتعظوا بالزلزلة الأرضية، كيف تنشق الأرض بهزات الزلازل وتحدث فيها مغارات، ثم تتحول إلى استوائها الأول بهزة أخرى!. ومن المطاعن التي نسمعها في عصرنا: لو انشق القمر لورد ذكره في كتب الهنادك والنصارى، واعتراض الهنادكة يصح لو كان عندهم كتاب في التاريخ، ولكن البلد الذي لم يوجد فيه تاريخ البتة ولا مذكرة لوقائع البلد والأمة، كيف يطالب أمة أخرى بذكر وقائعها في تاريخه وكتبه؟ انظروا إلى المصريين، دعاويهم في الحضارة مثل دعاوى الهنادكة بل أكثر، ولكن وقائع موسى لم توجد في كتبهم. فالبلد الذي يخلو تاريخه من مثل هذه الأمور الأرضية لا يتوقع منه أن يدون جميع الوقائع السماوية أيضا. أما اليهود والنصارى فيؤمنون بصحة كتاب يشوع: قال يشوع: ((يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر على وادي أيلون، فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه ... فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل)) (١). فما أعجب توقف الشمس والقمر عن سيرهما مدة اثنتى عشرة ساعة. إن انشقاق القمر حدث بالليل حينما كان الناس ينامون في كثير من البلاد، وألوف منهم كانوا داخل البيوت. ولكن توقف الشمس اثتتى عشرة ساعة أمر كبير من شأنه أن يحرك العالم كله، ومع ذلك لم يرد ذكره في الكتب المعاصرة ليشوع، وأنتم تؤمنون بصحة هذه الواقعة!. والآن نريد أن نبين أن انشقاق القمر لو وقع في مكة المكرمة في التاسعة ليلا، فماذا كان الوقت في بلدان العالم الكبرى؟

стр. 733

البلد...الساعة...الدقيقة الهند...١٢...٥٠ بعد منتصف الليل موريشس...١١...٢٠ قبل الظهر رومانيا وبلغاريا...٨...٢٠ قبل الظهر وتركيا واليونان وألمانيا...=...= ولكسمبورع والدنمارك...=...= والسويد...=...= آيس لاند، مديريا...٥...٢٠ نهارا البرازيل الشرقية...٢...٢٠ بعد منتصف الليل البرازيل الوسطى وشيلي...٢...٢٠ بعد منتصف الليل كولمبيا البريطانيه...١٠...٢٠ قبل الظهر كولون...٩...٢٤ قبل...الظهر بورما...١...٥٠ بعد منتصف الليل أرض الصومال...١٠...٢٠ ليلا ومدغشقر...١٠...٢٠ ليلا اتحاد ماليزيا...٢...٢٠ بعد منتصف الليل جزر سندوك...٧...٥٠...صباحا انجلترا وأيرلندا وفرنسا...٦...٦ صباحا وبلجيكا وأسبانيا...٦...٦ صباحا والبرتغال وجبل طارق...٦...٦ صباحا والجزائر...٦...٦ صباحا بيرو، بنما، جاميكا...١...٢٠ بعد منتصف الليل جزر البهامن، أمريكا...١...٢٠ بعد منتصف الليل سموا...٦...٢٠...صباحا نيوزيلندا...٦...٥٠...صباحا تسمانيا، فكتوريا...٥...٢٢...صباحا الجنوب الجديد...٥...٢٢ صباحا استراليا الجنوبية...٤...٥٠ صباحا اليابان وكوريا...٤...٢٠ بعد الظهر استراليا الغربية...٣...٢٠ بعد الظهر بورنيو الشمالية، ...جزر الفلبين...٣...٢٠ بعد الظهر هونج كونج، الصين...٣...٢٠ بعد الظهر وهذا الجدول وفق التوقيت العام المعتمد عليه.

стр. 734

القسم الثاني من المعجزات وهو الاطلاع على الأخبار والأحداث المستقبلية لا علم لأحد من البشر عن الزمن المستقبل، قال تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾. (لقمان: ٣٤). والغيب لا يملكه إلا رب العالمين: ﴿له غيب السماوات والأرض﴾ (الكهف: ٢٦). وإنه تعالى يطلع رسله وأنبياءه على الغيب إذا أراد: ﴿فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾ (الجن: ٢٧، ٢٦). إن الجاحدين للمعجزات المادية والمرتمين في أحضان الشكوك والأوهام كثيرون، ولكن مثل هؤلاء الناس لا يستطيعون أيضا تأويل مسألة الإخبار الصحيح بالأحداث المستقبلية، ولذا يدخل هذا أيضا في المعجزات، وهذه قضية أخرى أن تحتل مسألة إظهار أخبار الغيب لدى البعض منزلة أكبر. وقد أخرج الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: أول ما بدئ به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١). والناحية التي تفضل بها رؤيا الأنبياء على رؤيا الصالحين أن رؤيا غير الأنبياء تكون في لون التمثيل أيضا، بينما رؤيا الأنبياء تتجلى فيها الحقيقة وقد ورد في القرآن الكريم ذكر رؤيا إمام الخلائق إبراهيم عن ذبح ابنه إسماعيل، قال إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل: ﴿يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ (الصافات: ١٠٢). وأجاب ابن خليل الرحمن الراغب في لقب ذبيح الله:

стр. 735

﴿يا أبت افعل ما تؤمر﴾ (الصافات: ١٠٢). فلنتأمل لقد اعتبر الصورة المرئية في المنام أمرا إلهيا، ومن هنا وجب تنفيذ هذا الأمر. وقد ذكر الله تعالى رؤيا للنبي (ص) أيضا في سورة الفتح، يقول: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين﴾ (الفتح: ٢٧). وكان المسجد الحرام والحلق والقصر في هذه الرؤيا أيضا في معانيها الأصلية الحقيقية وبعد الرؤيا تأتي مشاهدات النبي (ص) واطلاعاته التي تلقاها من الله ثم أخبر بها العالم. ونذكر هنا بعض الأمثلة بإيجاز. الإخبار عن بعض أحداث المسقبل ١ - عن حذيفة قال (لقد خطبنا النبي (ص) خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت، فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل، إذا غاب عنه فرآه فعرفه) (١). وزاد في صحيح مسلم برواية أبي زيد قال: صلى بنا رسول الله (ص) الفجر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم خطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا. إخبار عن الجهاد البحري ٢ - عن أنس أن النبي (ص) دخل على أم حرام فنام في بيتها ثم استيقظ، وهو يضحك فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ((ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة)) قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا رسول الله (ص) ثم

стр. 736

وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: ما يضحكك يا رسول الله (ص)؟ قال: ((ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله)) كما قال في الأول، قالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((أنت من الأولين)) فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان، مع زوجها عبادة بن صامت، فصرعت عن دابتها حين خرجت في العودة، من البحر فهلكت)) (١). تنبؤ عن أحداث في المستقبل ٣ - أخرج البخاري عن عدي بن حاتم الطائي قال: بينما أنا عند النبي (ص) إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: ((يا عدي، إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله)) قلت فما بيني وبين نفسي: فأين دعار طى الذين قد سعروا البلاد؟ ((ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى)) قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: ((كسرى بن هرمز)). ((ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه)). قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم (ص) يخرج ملء كفه (٢). قال البيهقي: وقد صدق الله تعالى قول رسوله (ص) في هذه الثالثة في زمن عمر بن عبد العزيز، حيث إن الرجل يخرج بمال زكاته فلا يجد له من الفقراء من يقبله فيرجع به إلى بيته (٣).

стр. 737

التنبؤ بفتوح البلدان ٤ - أخرج البيهقي وأبو نعيم عن البراء بن عازب الأنصاري قال: لما كان حين أمرنا رسول الله (ص) بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى النبي (ص)، فلما رآها أخذ المعول وقال: ((بسم الله)) وضرب ضربة فكسر ثلثها فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله)) ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض)) ثم ضرب الثالثة فقال: ((بسم الله)) فقطع بقية الحجر فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة)) (١). وجاء هذا التنبؤ حينما هاجمت جيوش الكفار المدينة، وكان العمل يجري في حفر الخندق اتقاء منهم، والإخبار عن فتح تلك البلاد العظيمة في حالة الضعف هذه لا يكون إلا من نبي الله، وقد صدق الله تعالى هذا التنبؤ تماما. التنبؤ بفتح مصر ٥ - قال النبي (ص): ((إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما، إذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فأخرج منها)). كان أبو ذر رأى فتح مصر وسكن بها وقال عن خروجه منها: فرأيت عبد الرحمن ابن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة فخرجت منها (٢). وقد ورد شرح قوله ((ذمة ورحما)) في حديث كعب بن مالك أخرجه البيهقي وأبو نعيم: بأن أم إسماعيل كانت منهم أي من مصر وقال الزهري: من الناس من يقول: هاجر كانت قبطية هي أم إسماعيل. ومن الناس من يقول: مارية أم إبراهيم قبطية،

стр. 738

وهكذا ورد في حديث البيهقي وأبي نعيم اسم مصر صراحة (١). التنبؤ بقطع البلاد المفتوحة علاقها مع الجزيرة العربية روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله (ص): ((منعت العراق درهما وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها (٢)، وعدتم من حيث بدأتم)) (٣). قال يحيى: خرج لفظه على لفظ الماضي لأنه ماض في علم الله ، وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه ما دل على إثبات نبوته (٤). والحديث المذكور إخبار عن الزمن الذي انقضى فيه عهد الخلافة الراشدة في المدينة المنورة، وقامت الدولة الأموية في دمشق، فلم يكن المال يأتي إلى الحجاز من تلك البلاد في صورة النقود ولا الحبوب. وهذا التنبؤ لا يزال صادقا منذ اثنى عشر قرنا. التنبؤ بسوار كسرى يلبسه سراقة الأعرابي روى البيهقي من طريق ابن عتبة قال قال النبي (ص) لسراقة: ((كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟)) (٥). وفي رواية أخرى للبيهقي أن عمر الفاروق أتى بسواري كسرى (من غنائم إيران) فألبسهما سراقة بن مالك فبلغا منكبيه فقال الحمد لله، سواري كسرى بن هرمز في يدي

стр. 739

سراقة بن مالك، أعرابي من بني مدلج. قال الشافعي: وإنما ألبسهما سراقة تصديقا لقول النبي (ص) لسراقة: ((كأني بك قد لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه)) (١). تأملوا الحديث المذكور رغم إيجازه قد اشتمل على ثلاث تنبؤات: ١ - صدق خلافة الفاروق ﵁، فقد تحقق فيها إخبار النبي (ص). ٢ - فتح إيران. ٣ - بقاء سراقة على قيد الحياة إلى فتح إيران. ويتضح مما ورد في كتاب الاستيعاب (٢) أن سراقة توفي عام أربعة وعشرين (٢٤ هـ) من الهجرة، أي عاش بعد فتح إيران عدة سنوات فقط. القسم الثالث من المعجزات والآن نذكر التنبؤات التي سبق تدوينها في كتب الحديث، وقد انتشرت بين الناس في العالم الإسلامي، ثم تحققت هذه التنبؤات فيما بعد. ويدل ذلك على أن الوهم لا يمكن أن يتطرق إلى مثل هذه التنبؤات، وكذلك يدل على أن شروط الساعة التي ورد ذكرها في الأحاديث والتي لم تتحقق إلى الآن (١٣٤٨ هـ) (*) سوف تتحقق في أوقاتها التي قدرها الله لها، وهكذا يزداد بها إيمان المؤمنين. التنبؤ بما حدث سنة ٣٩٣ ه ـ. ورد التنبؤ عن غزوة الهند في سنن النسائي والبيهقي بألفاظ تالية: عن أبي هريرة قال وعدنا رسول الله (ص) غزوة الهند (٣).

стр. 740

وليعلم أن هذا الحديث أورده الإمام النسائي في صحيحه وقد ولد النسائي عام ٢١٥ هـ وتوفي عام ٣٠٣ هـ. وأول هجوم على الهند قام به السلطان محمود الغزنوي كان عام ٣٩٣ هـ، أي بعد نحو قرن من نشر كتاب سنن النسائي. وكذلك ينبغي أن نتذكر أن الهند في كتب المسلمين اسم نهر اتك، وعلى هذا سموا الأمم الساكنة ما وراء اتك ((هندو)) ومن هنا سمى الإنجليز الهند ((انديا)) بلغتهم. وعلى هذا يصدق الحديث على نفس الغزوة التي يتم فيها عبور نهر اتك. التنبؤ بما حدث سنة ٦٥٤ ه ـ ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى)) (١). ورد هذا الحديث في صحيح البخارى وصحيح مسلم، وتوفى البخاري في عام ٢٥٦ هـ، وتوفى مسلم في عام ٢٦١ هـ، وكانت كتبهما قد انتشرت في جميع البلدان الإسلامية في زمان حياتهما، وكانت لها نسخ يتداولها الناس فيما بينهم درسا وتدريسا في الأقطار الإسلامية وتحقق قول النبي (ص) في جمادى الأخرى عام ٦٥٤ هـ، أي بعد وفاة الشيخين بنحو أربعة قرون، وشهود العيان لهذه النار التي ابتدأت ببركان الجبل، ألفوا كتبا مستقلة، وقد شهد الشيخ صفي الدين المدرس بدرسة بصرى أن اليوم الذي ظهرت فيه هذه النار في الحجاز رأى بدو بصرى إبلهم في ضوئها في تلك الليلة وعرفوها، وقد اندلعت هذه النار غرة جمادى الآخرة من الجبل، وفي اليوم الثاني أحس الناس سرعة في حركة الزلزال وقد اشتدت في اليوم الثالث، وفي اليوم الرابع سمع رعد مع الزلزال، كأن الأفلاك ترعد، وفي اليوم الخامس غطى الدخان السماء والأرض والأفق، وبدأ اللهيب يرتفع، والحجر يذوب، فكان المرأى كأن نهرا أحمر ينصب من الجبل، وكان اتجاه النار إلى المدينة يوما بعد يوم، وقد قضى أهل المدينة ليلة الجميعة في المسجد النبوي يذكرون الله ويتضرعون إليه، فلما أصبحوا رأوا أن اتجاه النار قد تغير، والعجيب أن الهواء الذي كان يأتي إلى المدينة عند اشتداد النار في هذا الوقت كان نسيما باردا.
следующие страницы →