← Сира

Сира · id 14328

رحمة للعالمين (مترجم) - المنصورفوري

محمد سليمان المنصورفوري

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: ما يضحكك يا رسول الله (ص)؟ قال: ((ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله)) كما قال في الأول، قالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: ((أنت من الأولين)) فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان، مع زوجها عبادة بن صامت، فصرعت عن دابتها حين خرجت في العودة، من البحر فهلكت)) (١). تنبؤ عن أحداث في المستقبل ٣ - أخرج البخاري عن عدي بن حاتم الطائي قال: بينما أنا عند النبي (ص) إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: ((يا عدي، إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله)) قلت فما بيني وبين نفسي: فأين دعار طى الذين قد سعروا البلاد؟ ((ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى)) قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: ((كسرى بن هرمز)). ((ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه)). قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم (ص) يخرج ملء كفه (٢). قال البيهقي: وقد صدق الله تعالى قول رسوله (ص) في هذه الثالثة في زمن عمر بن عبد العزيز، حيث إن الرجل يخرج بمال زكاته فلا يجد له من الفقراء من يقبله فيرجع به إلى بيته (٣).

стр. 737

التنبؤ بفتوح البلدان ٤ - أخرج البيهقي وأبو نعيم عن البراء بن عازب الأنصاري قال: لما كان حين أمرنا رسول الله (ص) بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى النبي (ص)، فلما رآها أخذ المعول وقال: ((بسم الله)) وضرب ضربة فكسر ثلثها فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله)) ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض)) ثم ضرب الثالثة فقال: ((بسم الله)) فقطع بقية الحجر فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة)) (١). وجاء هذا التنبؤ حينما هاجمت جيوش الكفار المدينة، وكان العمل يجري في حفر الخندق اتقاء منهم، والإخبار عن فتح تلك البلاد العظيمة في حالة الضعف هذه لا يكون إلا من نبي الله، وقد صدق الله تعالى هذا التنبؤ تماما. التنبؤ بفتح مصر ٥ - قال النبي (ص): ((إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما، إذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فأخرج منها)). كان أبو ذر رأى فتح مصر وسكن بها وقال عن خروجه منها: فرأيت عبد الرحمن ابن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة فخرجت منها (٢). وقد ورد شرح قوله ((ذمة ورحما)) في حديث كعب بن مالك أخرجه البيهقي وأبو نعيم: بأن أم إسماعيل كانت منهم أي من مصر وقال الزهري: من الناس من يقول: هاجر كانت قبطية هي أم إسماعيل. ومن الناس من يقول: مارية أم إبراهيم قبطية،

стр. 738

وهكذا ورد في حديث البيهقي وأبي نعيم اسم مصر صراحة (١). التنبؤ بقطع البلاد المفتوحة علاقها مع الجزيرة العربية روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله (ص): ((منعت العراق درهما وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها (٢)، وعدتم من حيث بدأتم)) (٣). قال يحيى: خرج لفظه على لفظ الماضي لأنه ماض في علم الله ، وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه ما دل على إثبات نبوته (٤). والحديث المذكور إخبار عن الزمن الذي انقضى فيه عهد الخلافة الراشدة في المدينة المنورة، وقامت الدولة الأموية في دمشق، فلم يكن المال يأتي إلى الحجاز من تلك البلاد في صورة النقود ولا الحبوب. وهذا التنبؤ لا يزال صادقا منذ اثنى عشر قرنا. التنبؤ بسوار كسرى يلبسه سراقة الأعرابي روى البيهقي من طريق ابن عتبة قال قال النبي (ص) لسراقة: ((كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟)) (٥). وفي رواية أخرى للبيهقي أن عمر الفاروق أتى بسواري كسرى (من غنائم إيران) فألبسهما سراقة بن مالك فبلغا منكبيه فقال الحمد لله، سواري كسرى بن هرمز في يدي

стр. 739

سراقة بن مالك، أعرابي من بني مدلج. قال الشافعي: وإنما ألبسهما سراقة تصديقا لقول النبي (ص) لسراقة: ((كأني بك قد لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه)) (١). تأملوا الحديث المذكور رغم إيجازه قد اشتمل على ثلاث تنبؤات: ١ - صدق خلافة الفاروق ﵁، فقد تحقق فيها إخبار النبي (ص). ٢ - فتح إيران. ٣ - بقاء سراقة على قيد الحياة إلى فتح إيران. ويتضح مما ورد في كتاب الاستيعاب (٢) أن سراقة توفي عام أربعة وعشرين (٢٤ هـ) من الهجرة، أي عاش بعد فتح إيران عدة سنوات فقط. القسم الثالث من المعجزات والآن نذكر التنبؤات التي سبق تدوينها في كتب الحديث، وقد انتشرت بين الناس في العالم الإسلامي، ثم تحققت هذه التنبؤات فيما بعد. ويدل ذلك على أن الوهم لا يمكن أن يتطرق إلى مثل هذه التنبؤات، وكذلك يدل على أن شروط الساعة التي ورد ذكرها في الأحاديث والتي لم تتحقق إلى الآن (١٣٤٨ هـ) (*) سوف تتحقق في أوقاتها التي قدرها الله لها، وهكذا يزداد بها إيمان المؤمنين. التنبؤ بما حدث سنة ٣٩٣ ه ـ. ورد التنبؤ عن غزوة الهند في سنن النسائي والبيهقي بألفاظ تالية: عن أبي هريرة قال وعدنا رسول الله (ص) غزوة الهند (٣).

стр. 740

وليعلم أن هذا الحديث أورده الإمام النسائي في صحيحه وقد ولد النسائي عام ٢١٥ هـ وتوفي عام ٣٠٣ هـ. وأول هجوم على الهند قام به السلطان محمود الغزنوي كان عام ٣٩٣ هـ، أي بعد نحو قرن من نشر كتاب سنن النسائي. وكذلك ينبغي أن نتذكر أن الهند في كتب المسلمين اسم نهر اتك، وعلى هذا سموا الأمم الساكنة ما وراء اتك ((هندو)) ومن هنا سمى الإنجليز الهند ((انديا)) بلغتهم. وعلى هذا يصدق الحديث على نفس الغزوة التي يتم فيها عبور نهر اتك. التنبؤ بما حدث سنة ٦٥٤ ه ـ ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى)) (١). ورد هذا الحديث في صحيح البخارى وصحيح مسلم، وتوفى البخاري في عام ٢٥٦ هـ، وتوفى مسلم في عام ٢٦١ هـ، وكانت كتبهما قد انتشرت في جميع البلدان الإسلامية في زمان حياتهما، وكانت لها نسخ يتداولها الناس فيما بينهم درسا وتدريسا في الأقطار الإسلامية وتحقق قول النبي (ص) في جمادى الأخرى عام ٦٥٤ هـ، أي بعد وفاة الشيخين بنحو أربعة قرون، وشهود العيان لهذه النار التي ابتدأت ببركان الجبل، ألفوا كتبا مستقلة، وقد شهد الشيخ صفي الدين المدرس بدرسة بصرى أن اليوم الذي ظهرت فيه هذه النار في الحجاز رأى بدو بصرى إبلهم في ضوئها في تلك الليلة وعرفوها، وقد اندلعت هذه النار غرة جمادى الآخرة من الجبل، وفي اليوم الثاني أحس الناس سرعة في حركة الزلزال وقد اشتدت في اليوم الثالث، وفي اليوم الرابع سمع رعد مع الزلزال، كأن الأفلاك ترعد، وفي اليوم الخامس غطى الدخان السماء والأرض والأفق، وبدأ اللهيب يرتفع، والحجر يذوب، فكان المرأى كأن نهرا أحمر ينصب من الجبل، وكان اتجاه النار إلى المدينة يوما بعد يوم، وقد قضى أهل المدينة ليلة الجميعة في المسجد النبوي يذكرون الله ويتضرعون إليه، فلما أصبحوا رأوا أن اتجاه النار قد تغير، والعجيب أن الهواء الذي كان يأتي إلى المدينة عند اشتداد النار في هذا الوقت كان نسيما باردا.

стр. 741

التنبؤ بما حدث سنة ٦٥٦ ه ـ أخرج الشيخان أن النبي (ص) قال: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة)) (١). وهذا إخبار عن فتنة التتار، كانت جيوش هولاكو خان قد دمرت خراسان والعراق ونهبت بغداد، ثم انهزموا في آسيا الصغرى هزيمة نكراء. وهذا حدث في سنة ٦٥٦ هـ، ولكنه سجل في الصحيحين قبل خمسة قرون. التنبؤ بما حدث سنة ٧٠٠ ه ـ وقد أخرج الطبراني وأبو نعيم عن ابن مسعود قال قال النبي (ص): ((اتركوا الترك ما تركوكم إن أول من يسلب أمتي ملكهم)) (٢). التنبؤ بما حدث سنة ٨٥٥ ه ـ وورد ذكر فتح القسطنطينية في مسند الإمام أحمد (٣) وصحيح مسلم (٤) عن أبي هريرة، وفي سنن أبي داود عن معاذ بن جبل. وتوفى الإمام أحمد بن حنبل في عام ٢٤١ هـ، وكان كتابه ((المسند)) أمام علماء الأمة وأئمة المحدثين منذ تاريخ التدوين. والسلطان محمد الفاتح فتح القسطنطينية عام ٨٥٥ هـ = ١٤٥٣ م، أي بعد كتابا (المسند) بستة قرون ورأى العالم مشهد ((نعم الأمير ونعم الجيش)) كما كان النبي (ص) قال وذلك بعد الهجرة بثمانية قرون ونصف.

стр. 742

التنبؤ بما حدث سنة ١٣٤٨ ه ـ كان النبي (ص) قال لشيبة بن عثمان وعثمان بن طلحة في فتح مكة يوم الخميس ٢٠ رمضان ٨ هـ، إذ أعطاهما مفتاح بيت الله: ((خذها خالدة تالدة لا ينزعها يا أبا طلحة منكم إلا ظالم)) (١) وهذه الكلمات الموجزة تتضمن ثلاثة تنبؤات: ١ - بقاء نسل أبي طلحة في الدنيا باستمرار. ٢ - ارتباط الحفاظ على مفتاح بيت الله وخدمته بهم. ٣ - تسمية من ينزع منهم المفتاح ظالما. وعن الأول والثاني يعلم العالم كله أن المفتاح باق في بني شيبة إلى الآن، ونسلهم لا زال باقيا. وعن الثالث قال المؤرخون أن يزيد سلب المفتاح منهم وبعد ذلك مضت ١٣٣٣ سنة ولم يجترئ أحد على سلبه منهم حتى لا يلقب بالظالم وهو اللقب الذي ذكره رسول الله (ص) لمن يسلبه مفتاح الكعبة من نسل أبي طلحة. تنبؤ بأحداث واقعة في الزمن الحاضر أخرج مسلم في صحيحه: قال المستورد القرشي أمام عمرو بن العاص: سمعت رسول الله (ص) يقول: ((تقوم الساعة والروم أكثر الناس)) فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله، قال: لئن قلت ذلك (٢). فليتأمل القراء أن صحابي الرسول (ص) حدث هذا الحديث حينما كانت عساكر الإسلام ظافرة منتصرة في أقطار العالم كلها، ولم ينهزموا في موقعة في العراق والشام ومصر وخراسان وإيران والسودان، وكانت الهزيمة والانسحاب من نصيب النصارى في

стр. 743

جميع البلاد، ولم يكن هناك علة مفهومة لكثرة الأمم الأوربية وغلبتها لدى العقل أو الوهم أو القياس. وكان العالم الإسلامي على هذه الحالة في حياة الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) ولكن الصحابي يروى الحديث المذكور، والإمام يثبته في كتابه بكامل اليقين والإيمان بصحته. وعلى العالم أن ينظر أحوال أمريكا (وهي في أصلها أوربية) وبريطانيا وإيطاليا والبرتغال والسويد والنروج وسويسرا وأسبانيا وألمانيا وغيرها. تنبؤ بما يحدث في الزمن المعاصر أخرج البيهقي والحاكم عن أبي هريرة ومعاوية والطبراني عن عوف بن مالك الأشجعي أن النبي (ص) قال في حديث طويل: ((تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) (١). كان لكل فرد من أفراد الأمة المحمدية منفردا ومجتمعا عند نزول القرآن اسم واحد وهو المسلم، كما ورد في القرآن الكريم ﴿هو سماكم المسلمين﴾ (الحج: ٧٨). وكان هذا الاسم علما للمسلمين إلى بداية عهد أمير المؤمنين علي، ولما خرجت الخوارج ظهرت فرق جديدة وأسماء جديدة، وكل فرقة تفتخر باسمها، وهذا التنبؤ تحقق وصدق ولا يزال يصدق، وملايين المسلمين ودعاويهم المتنوعة يؤيد ما قلنا. وكان قصد المؤلف بيان معجزات النبي (ص) الخاصة بالأخبار عن الغيب، وما سبق بيانه على سبيل المثال يحقق ولله الحمد، هذا القصد، والحصر صعب وعسير. القسم الرابع من المعجزات النبوية من صفات رب العالمين السامية قبول دعاء العباد، وهو الرؤوف الرحيم يقبل دعاء كل عبد إذا دعاه باعتقاد واضطرار، يقول تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ (النمل: ٦٢).

стр. 744

وهو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة يقبل خاصة دعاء المطيعين من العباد: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ (البقرة: ١٨٦). وهو العزيز الحكيم يقبل دعاء عباده سريعا حتى يرسخ في قلوب العالمين صدق وعده وكرامة رسوله (ص) وحرمته، وحتى تصير هذه العلامة نفسها معجزة لا يستطيع العالم أن يأتي بنظيرها، وهداية لطلاب طريق الحق، وآية تقرب إلى الله تعالى. وهناك مئات من النظائر لأن النبي (ص) تكلم بكلام حققه الله تعالى بكامل معانيه ومحتواه. إن إحصاء مثل هذه النظائر عسير، ولكن واجب مؤلف السيرة أن يعطر نفوس القراء بشذا رياض السيرة العطرة. ١ - أخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي (ص)، فبينما النبي (ص) يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته (ص)، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع يديه فقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا)) فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية الأحدث بالجود (١). دعاء يحفظ من القتل ٢ - روى الطبراني في الأوسط أن ضمرة بن ثعلبة أتى النبي (ص) فقال: ادع الله لي بالشهادة، فقال النبي (ص):

стр. 745

((اللهم حرم دم ابن ثعلبة على المشركين)) (١). فكان هذا الصحابي يحمل على المشركين دون خوف ويخوض صفوفهم ثم يرجع سالما. دعاء العفة ٣ - أخرج أحمد في ((مسنده)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أبي أمامة قال: إن فتى شابا أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مه مه، فقال: ((ادنه)) فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: ((أتحبه لأمك؟)) قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)) قال: ((أفتحبه لابنتك؟)) قال: لا والله، يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم)) قال: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم)) قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم)) قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه)) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (٢). كان النبي (ص) في حواره هذا يهدف إلى إقناع الرجل بأن الشرع لو سمح بالزنا فالزانية لابد وأن تكون بنتا أو أختا أو أما أو خالة أو عمة لغير الزاني، وهذه القرابات القريبة لا يتحمل أحد من الناس أن يوجد فيها الزنا، فطلب السماح بالزنا كما أنه ينافي فطرة الإنسان الغيور هو ينافي كذلك فطرة جميع أفراد البشر، ولذا لا يحب أحد الزنا. وبعد توضيح هذه النكتة دعا النبي (ص) للسائل. ٤ - أخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله (ص) بعث بكتابه رجلا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فدعا عليهم رسول الله (ص) أن يمزقوا كل ممزق (٣).

стр. 746

فانظروا إلى الأمة المجوسية وتشريدها من الوطن وكيف أنها تعيش عيشة الفوضى والتشتت. أخرج البيهقي عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله (ص) قال: ((مزق كسرى ملكه)). فابحثوا الآن على وجه الأرض، هل تجدون فيها كسرى منذ أن أهلك الله بجيش أمير المؤمنين عثمان بن عفان آخرهم؟ وهل تجدون حكما أو سلطانا في الأمة المجوسية؟ كانت نهاية خسرو مفجعة، فقد عشق ابنه زوجة أبيه شيرين وقتل أباه حسدا وغيرة. ٥ - أخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي بكر أن بجير بن بجرة وكان من طي أنشد النبي (ص) قوله عن وقعة دومة الجندل: تبارك سائق البقرات إنى ... رأيت الله يهدي كل هاد فمن يك حائدا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد فقال له النبي (ص): ((لا يفضض الله فاك)) فأتى عليه تسعون سنة فما تحرك له ضرس ولا سن (١). دعاء للسائب بن يزيد أخرج البخاري عن الجعيد بن عبد الرحمن: رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدا معتدلا، فقال: قد علمت ما متعت به سمعي وبصري، إلا بدعاء رسول الله (ص) (٢). دعاء لعبد الرحمن بن عوف أخرج الشيخان عن أنس أن النبي (ص) رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: ((بارك الله لك)) (٣).

стр. 747

وزاد البيهقي عن أنس أيضا قول عبد الرحمن بن عوف: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة (١). دعاء لأنس بن مالك أخرج الشيخان عن أنس بن مالك قال: دعا لي النبي (ص) فقال: ((اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته)). قال أنس فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم (٢). وقد روى الترمذي والبيهقي أن أنسا كان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك (٣). دعاء لمالك بن ربيعة السلولي أخرج ابن مندة أن النبي (ص) دعا له (مالك بن ربيعة) أن يبارك له في ولده، فولد له ثمانون رجلا (٤). عاقبة الكبر أخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله (ص) بشماله، فقال: ((كل بيمينك)) قال: لا أستطيع، قال: ((لا استطعت))، ((ما منعه إلا الكبر)) قال: فما رفعها إلى فيه (٥).

стр. 748

دعاء لجبر العظم المنكسر أخرج البخاري عن البراء بن عازب أن عبد الله بن عتيك سقط من السلم حينما كان نازلا بعد قتل أبي رافع فانكسرت ساقه، قال عبد الله: فانتهيت إلى النبي (ص) فحدثته فقال لي: ((ابسط رجلك)) فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط (١).

стр. 749

الفصل الخامس أسماء الرسول (ص) اسم سيدنا وإمامنا ونبينا ((محمد))، وهذا الاسم آية عظيمة من آيات القدرة الإلهية على أن مسماه إمام الأنبياء وسيد الكون وما فيه، وقد سبق شرحه تحت آية ﴿محمد رسول الله﴾. وينبغي أن نشير إلى أسماء بعض أهله، هي بمثابة إرهاص لنبوته (ص)، اسم والده (عبد الله) واسم والدته (آمنة) واسم مرضعته (حليمة)، أي أن قدسيته (ص) تأتي من أن جسده الأطهر تكون بدم العبودية، وأتم مراتب الوجود في بطن الأمن، وارتضع لبن الحلم والأناة، فهل تم اجتماع هذه الأسماء بمحض الصدفة؟ كلا، بل تبرز القدرة على علو شأن هذا المولود السعيد، وتدل على أن المولود الذي تجتمع في كيانه هذه الفضائل لابد أن يكون محمدا حقا. والآن تأملوا كيف أن المعنى اللغوي لاسم النبي (ص) يتضمن تنبؤا، فإن عالم الغيب والشهادة أظهر للعالمين أن مسمى هذا الاسم يمدح ويثنى عليه في الدنيا بالتوالي وباستمرار وأكثر من أي إشارة في العالم، فمن ذا الذي تتحرك باسمه ألسنة ملايين الناس وتخفق أفئدتهم؟ ومن ذا الذي يصدح باسمه على منارات المساجد العالية فيهز الأسماع؟ ومن ذا الذي تهدى سيرته المقدسة العباد في كل لحظة من لحظات الحياة وعلى كل مستوى وفي كل مكان؟ ومن ذا المحمود في أفعاله ومحمود في تعاليمه؟ ومن ذا الذي وصلت رفعته من الأرض إلى عنان السماء؟ ومن ذا الذي وسع تعليمه البر والبحر؟ ١ - لاشك أنه محمد، اسمه محمد، ومسماه أيضا محمد، وللحمد نسبة خاصة بذاته الطيبة. فاسم مقام شفاعته مقام محمود، ولقبت أمته بالحمادون، وافتح كتابه بالحمد لله رب العالمين.

стр. 750

نعم اسمه أحمد، وهو أيضا نابع من منبع ((الحمد)) فبين الاسمين اتحاد تام واشتراك كلي من ناحية المنبع والمصدر، وكذلك يختصان بأنوار وبركات خاصة. إنه محمد، ولذا تمدحه وتثني عليه كل ذرة من ذرات الكون. إنه أحمد، ولذا حمد وأثتى على مالكه وخالقه ورازقه وهاديه ومعطيه، أكثر من قطرات المطر وذرات الرمال. نعم إنه محمد، وجميع العالم من مادحيه .. إنه أحمد، حمد ربه أكثر من العالم كله. نعم إنه محب، أحب العدو والصديق جميعا .. إنه حبيب زين إكليل المحبة بالكمال. ١ - إنه محبوب، ولكنه غني عن المحبين. ٢ - إنه مطلوب ولكنه غني عن الطالبين. ٣ - إنه متبوع، واتباعه يجعل المتبعين مطاعين. ٤ - هو نبي وقد أزالت نبوته ألوف الحجب عن عيون البصيرة. ٥ - هو رسول ورسالته ميزت نوع البشر بإتمام النعمة وإكمال الدين ورضوان الرحمن. ٦ - هو عبد وعبوديته أحلت العبودية في عرش الخلافة. ٧ - هو معلم وتعليمه حقق قول المسيح ﵇ وأمله في أنه يعلم الصدق كله. لقد فتع مدرسته المقدسة، ولم يأخذ على تعليمه أجرا؛ ولم يعلم بالرموز والتمثيلات، ولم يجعل بينه وبين خواص تلاميذه إشارات معينة، بل حملت مدرسته لوحة ﴿يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (البقرة: ١٥١)، إن دروسه تبدأ بغاية العلوم والمعارف التي يعرفها الإنسان. ٨ - إنه أمين، واسمه هذا ذكر ليوحنا في رؤياه (١) وبه انطلقت ألسنة قريش (٢)، وبه تظهر حشمته ووقاره، وبه يتضح كونه (ص) أمينا لوحي السماء، وإلى هذا المعنى

стр. 751

يشير حديث أبي سعيد في صحيح مسلم (١). ومن شعر كعب بن أشرف أمين محب للعباد مسوم ... بخاتم رب قاهر للخواتم ٩ - إنه أمي، وكرامة وعزة أم القرى تحققت بالانتساب إليه. إنه أمي ومعصوم في جميع الأفعال والأقوال مثل وليد رفيع سعيد ... إنه أمي وتعليمه لا يحتاج إلى الحروف الكتابية والنقوش المرئية. ١٠ - إنه برهان فقد ورد في القرآن ﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ (النساء: ١٧٤). وفسر سفيان بن عيينة البرهان في الآية بالنبي (ص) (٢). نعم إنه برهان وحجة لله ..... إنه برهان وذاته السعيدة (ص) بنفسها دليل واضح. ١١ - إنه بشر توجه الله بقوله ﴿إنما أنا بشر﴾ (الكهف: ١١٠) ويحق لآدم أن يعتز ببشريته لأن محمدا بشر، نعم إنه بشر وجماله الظاهر وحسنه الأطهر يجسد لأهل اللغة هذا المعنى اللغوي. ١٢ - إنه بشير خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا﴾ (البقرة: ١١٩). إنه مبشر، صدقت نبوة المسيح ببشارته، قال تعالى: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦). وإنه مبلغ آلاف البشارات بعد الآلاف إلى أهل الإيمان والإيقان. ١٣ - إنه بينة، أي مجموعة الآيات الباهرة والعلامات الواضحة والدلائل الحقة، ووجوده صدق كله، وكيانه حق كله، وهذه البينة بددت ظلمات أهل الكتاب والمشركين ونورت العالم المظلم، وعليه يصدق المثل القائل: ظهرت الشمس دليلا على الشمس. ١٤ - إنه حبيب الله وصاحب التقرب الذي ورد ذكره في الحديث، للعبد العابد الساجد بهذه الألفاظ: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ولسانه الذي ينطق به (٣). ١٥ - إنه حليم، والحليم من الحلم بالضم يدل على وفرة العلم، وكمال العقل،

стр. 752

ومن الحلم بالكسر يدل على أنه متحمل المصائب، يقذفه الأعداء بالحجارة فينثر لهم الدر، ويشتمونه فيرد عليهم بالدعاء. واسم النبي (ص) هذا كان معروفا لدى الناس قبل النبوة، يقول أبو طالب: حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل ١٦ - إنه خازن، فقد ورد في رواية أحمد: أنا الخازن أضع حيث أمرت (١). نعم، إنه صاحب خزينة الرب وكنز الرحمن؛ فالعطايا الإلهية تقسم من بيته، ويده المباركة تنثر الدرر. ١٧ - إنه خليل الرحمن، ونشير هنا إلى أن مراتب الحب عند العرب عشر: (١) العلاقة وهي تعلق القلب الخفيف. (٢) الإرادة، أي الميل الذي ينشأ بعد العلاقة. (٣) الصبابة، وصب يصب يعني جريان الماء، وهنا يراد به فرط الشوق. (٤) الغرام، أي الدين أو الغرامة، وهو هنا الحب اللازم الذي يلصق مثل الدين فلا ينفك. (٥) الوداد، وهو الإخلاص في الحب ولب الحب، وقد وصف الله تعالى ذاته بالودود. (٦) الشغف، والشغاف غلاف القلب، والشغف هو الحب الذي يصل إلى قعر القلب. (٧) العشق، وهو مشتق من العشقة وهي نبات أصغر يلتصق بالشجرة فيجففه، وتأثير العشق يكون هكذا للعاشق، وكان ابن عباس يستفيد بهذه الحالة. (٨) اليتم وهو الانكسار، والعجز التام، وسمى اليتيم يتيما، لتواضعه وعجزه. (٩) التعبد، وذلك حينما يتخلى المحب من دعوى تمليك النفس والمال والعرض ويصير عبدا للغير بقلبه وروحه. (١٠) الخلة، وذلك حينما يخلو القلب من الوسوسة، والعقل من تعقل الغير، والنية والعزيمة من تعبد الغير، والتشوق إليه؛ وقد أكمل هذه المرتبة سيدنا إبراهيم وسيدنا محمد (ص).

стр. 753

والمعروف عند العامة أن منزلة الخلة لإبراهيم، وهو خليل الرحمن، ومنزلة الحب لسيدنا محمد (ص)، وهو حبيب الله، ولكن ورد في الأحاديث الصحيحة اتصاف النبي (ص) أيضا بالخلة: إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. ((ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن)) (١). ١٨ - إنه خطيب الأنبياء فقد ورد في حديث الشفاعة: ((كنت إمام النبيين وخطيبهم)) (٢). الف - الخطيب من خطب بمعنى فصاحة اللسان، فالخطيب هو الفصيح والبليغ. وقد ورد في القرآن أن موسى ذكر صفة فصاحة أخيه هارون فقال ﴿هو أفصح مني﴾ (القصص: ٣٤). وفي الحديث المذكور أن هذا الشرف مختص بالنبي (ص) بين الأنبياء. وفي حديث صحيح مسلم: ((أوتيت جوامع الكلم)) (٣). ومن كمال الفصاحة إبداع المعاني العالية العميقة، الدقيقة الألفاظ، البسيطة والتراكيب الجيدة والعبارات الوجيزة. من هنا كان النبي (ص) خطيب الأنبياء. ب - والخطيب من الخطابة، والمراد بها من يبين الأوامر والنواهي والمواعظ والأمثال. ج - والخطيب هو أيضا الشيء الذي يتضمن ألوانا متنوعة، فالخطيب هو الماهر في أنواع الكلام وأساليب الخطاب. ١٩ - إنه خافض، وهذا المعنى يستنبط من آية القرآن التالية: ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ (الحجر: ٨٨). انظروا إلى الطيور كيف تحافظ على بيضها وتربي أفراخها ببالغ العطف والشفقة والذكاء والحذر بعد وضعها تحت جناحيهما. وعطف النبي (ص) على أهل الإيمان ورحمته بهم أقوى وأكبر من هذا المثال.

стр. 754

٢٠ - إنه خيرة الله، والخيرة بكسر الخاء وفتحها بمعنى الخير، فالنبي (ص) خير الناس، وخير البرية، أي أفضلهم وأكثرهم في أفعال الخير. ٢١ - إنه داع إلى الله، وحق الدعوة لا يحصل إلا بعد الإذن من المدعو إليه. ومثال ذلك الخادم يدعو شخصا من تلقاء نفسه لتناول الطعام فإذا وصل إلى منزل المضيف تبين له وللمضيف أن ما حدث تصرف شخصي من الخادم تصوروا كيف تحل الندامة في هذا الموقف بالضيف والمضيف، وكيف يتألمان من هذا الصنيع؟ ولكن الله تعالى إذ سمى نبيه داعيا إلى الله زاد في هذا الاسم قوله ((بإذنه)) وأوضح للعالمين أن محمدا (ص) أعطي سلطة كاملة للقيام بالدعوة وله الحق في أن يستضيف عباد الله في بيته ويدعوهم إلى التقرب والرضوان؛ فهذا الاسم من الأسماء الخاصة للنبي (ص). ٢٢ - إنه رحمة، وقد أطلق عليه (ص) في القرآن ((رحمة للعالمين)) (الأنبياء: ١٠٧). ووصف الله تعالى نفسه ب ﴿رب العالمين﴾ الفاتحة. وقيل للقرآن ﴿ذكر للعالمين﴾ (يوسف: ١٠٤). والكعبة ﴿مباركا وهدى للعالمين﴾ (آل عمران: ٩٦) وجعل سفينة نوح ومريم وعيسى آية للعالمين. ولكن لم يطلق ((رحمة للعالمين)) إلا على النبي (ص). وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ (الأعراف: ١٥٦) .. ثم تفكروا في السعة التي تضمنها قوله ((رحمة للعالمين)) وفي البركة والفيض. رحمته (ص) انتفع بها أهل الإيمان فصاروا في الدنيا حاكمين واستحقوا في الآخرة المغفرة والرضوان، وانتفع بها أيضا المنكرون والخاسرون فأمنوا بدعائه (ص) عذاب الدنيا والغرق والحرق والهلاك والدمار. وكذلك نفعت هذه الرحمة الأطفال والأيتام والأرامل والمسافرين والأسرى والعبيد والإماء والرعية وطبقة الحكام والأمراء، فقد سن لهم (ص) قوانين محكمة وتشريعات نافعة ودستورا واضحا كما وضع أصول المدنية والسياسة، ثم عمل بها في حياته الطيبة وألزم الأمة بها. وقد عمت رحمته (ص) الطيور والوحوش والمراكب والمواشي التي سن لها قواعد الذبح والصيد والتربية. ووصلت رحمته (ص) إلى الشوارع والطرق والمشارب والموارد، فقد أصدر (ص) توجيهات لتأمينها وتطهيرها من الأنجاس والأرجاس والقاذورات. وهكذا لم يحرم

стр. 755

رحمته () عدو استحق القتل والذبح. ومن هنا يثبت كون النبي (ص) رحمة للعالمين دون شك. ٢٣ - إنه روح الحق، وقد استعمل هذا اللقب أولا المسيح في آخر خطابه الذي ألقاه إلى خلفائه قبل تركه الدذيا (١). ولنتذكر أن اسم روح القدس استعمل عامة في الأناجيل الأربعة، والمراد به الشخصية الملكية التي يسميها المسلمون جبريل، وهو الذي يطلق عليه النصارى أقنوما من الأقانيم الثلاثة وركنا من أركان التثليث، مع أنهم لا يعرفون شيئا عن وجوده. نعم هذا هو الموضع الوحيد الذي استعمل فيه لقب روح الحق، وبذلك أعلم عن وظيفته ومنزلته وأماراته. إنه روح الحق من خصائصه تعليم الصدق كله. إنه روح الحق، يرفع الطلاب من الحضيض إلى أعلى مكان في الحياة. إنه روح الحق على لسانه الكلام الذي يمنح الحياة، إنه روح الحق، ومن واجباته إحياء القلوب الميتة حياة روحية، وتعليمه يطهر الظاهر والباطن، ويجلي الفكر وينور القلب. ٢٤ - إنه سيد، خلق للسيادة، وهو غني عن الوصف بهذا اللقب. إنه سيد ويرضى بأن يوصف بعبد سيده (الله تعالى). إنه سيد، وأسباطه وصفوا بالسيادة: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) (٢). إنه سيد، ووزراؤه أيضا مشرفون بهذا اللقب: عن أنس قال قال رسول الله (ص) لأبي بكر وعمر: ((هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين)) (٣). إنه سيد، وتلاميذه وأصحابه أيضا عرفوا بهذا الاسم، فقد قال (ص) حينما رأى راحلة سعد بن معاذ: ((قوموا إلى سيدكم)) (٤). إنه سيد ولد آدم (٥)، والواضح أن كل مبشر من الأولين والآخرين من ولد آدم، وآدم

стр. 756

أيضا يدخل تحت هذا العموم، فقد ورد في حديث صحيح: ((آدم ودونه تحت لوائي)) (١). والحديثان يزيداننا بصيرة في هذا الباب. ٢٥ - إنه شارع، وبيان الشريعة ليس سهلا، كان موسى صاحب شريعة، ولم يكن بعده في بني إسرائيل أحد صاحب شريعة إلى ألفي سنة. فقال المسيح: لا تظنوا أني جئت لنسخ التوراة، بل جئت لإحكامها (٢). ولدى الهنادكة كان متو الكبير صاحب كتاب سمرتي في القانون. وإني أرجو جميع المجالس التشريعية والحكومات الواضعة للأصول والمبادئ في العالم أن ينظروا في هذه الشرائع الثلاث ثم يقدموا تقاريرهم ويبينوا أيا منها أكمل وأشمل للفروع والأصول وحاجيات الإنسان وأصلح وأقوى للمساهمة في الحضارة؟ وحينما يتم فحص شرائع العالم الموجودة في ضوء هذه المبادئ يتضح نفوق شريعة محمد فداه أبي وأمي (ص) على جميع الشرائع دون شك. ٢٦ - إنه شافع، ولكن بعض الناس أساء فهم معنى الشفاعة، فقال: الشفيع هو الذي يغفر الذنوب بقدرته واختياره وأصحاب هذه العقيدة النصارى الذين يرون أن الشفيع بمعنى الغفور. ولكن لفظ الشفيع لا يتحمل هذا المعنى. وقال البعض: هذا تحميل معنى الشفاعة لأكثر مما يستحق، ولذا أنكروها. أما الإسلام فقد بنى الشفاعة على أصلين: ١ - من أذن له الرحمن. ٢ - وقال صوابا. (النبأ: ٣٨). وهذان الأصلان يميزان الشفاعة الإسلامية ويصونانهما من إفراط وتفريط الفريقين ويعدلانهما تعديلا. نعم إنه (ص) صاحب المقام المحمود والتميز بخصائص الشفاعة الكبرى. ٢٧ - إنه شاهد، والشاهد الخير الصادق هو الذي تخرج شهادته الوقائع الصحيحة

стр. 757

من الكتمان إلى الظهور، وتجعل الجاهل عالما والغائب شاهدا. إنه شاهد، لأنه أعلن شهادة أن لا إله إلا الله أمام العالم كله، وأثبت بشهادته استحقاق الرب تعالى للألوهية والعبودية. إن كثيرا من الأديان والمذاهب ضلت واضطربت في أمر العبادة والاستعانة بغير الله، ولكن النبي (ص) أوضح الحقائق الخفية في هذا الباب. إنه (ص) أعلن شهادة أن محمدا رسول الله. واتضحت بذلك خصائص النبوة والرسالة وحقيقة الوحي وتم بشهادة النبي (ص) بيان علاقة الأعمال بالروح وترتب الجزاء عليها لزوم الشريعة واستقرار الشرائع والنواميس الإلهية، فالله أكبر، ما أكبر الشهادة التي قام بها الشاهد وما أصدقها. إنه جاء إلى محكمة العالم بشهادته وحيدا، وأقام على شهادته هذه ألوفا من الناس قبل ارتحاله، بل جعلهم شهداء على من يأتي بعدهم، وأكرمهم بسند ﴿وتكونوا شهداء على الناس﴾ (الحج: ٧٨). ٢٨ - إنه صاحب، وقد ذكر المسيح علامة النبي (ص) بأنه يصحبكم. وبهذا يثبت خلود نبوة النبي (ص)، فإنها تستمر مع البشرية إلى بقائها. وكان كفار مكة أيضا يصفون النبي (ص) بأنه صاحب قريش، ومهما كانت نيتهم في استخدامهم لهذا اللفظ إلا أن الله تعالى استعمله في معنى طيب فقال: ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ (التكوير: ٢٢). وقد وجد في الأنبياء ﵈ من كره أفعال قومه القبيحة واعتزلهم وتنحى عنهم. ولكن الله تعالى مدح النبي (ص) على صبره واستقامته وبين أنه (ص) لا ييأس من إصلاح العصاة ولا يطردهم ولا يحب اعتزالهم، بل إنه صابر، وصبره يتوقف على نصر الله ومعيته. وكذلك أخبر الله تعالى أنكم تقولون له اليوم صاحبكم، وغدا تكون صحبته شرفا وكرامة. ٢٩ - إنه صادع، والصدع هو البيان الواضح الجلي للأمر الإلهي دون مبالاة أحد، ودون إقامة وزن لضغط وتهديد، ودون خوف من مكائد الأعداء وحيلهم. إنه صادع، لأنه قال بصراحة للعرب الوثنيين والبدائيين السفاكين: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (الأنبياء: ٩٨). إنه صادع، لأنه أوضح لأمة مثل اليهود المسيطرين على تجارة العرب والمالكين

стр. 758

لرقابهم بديونهم الربوية، وللنصارى الذين امتدت حكومتهم إلى الشام ومصر واليمن وآسيا الصغرى وأوربا: ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾ (المائدة: ٦٨). نعم إنه صادع لأنه قال بوضوح لأتباعه أيضا: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾ (الجن: ٢١). وقال: ﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا﴾ (الجن: ٢٢). نعم إنه صادع، فإنه بلغ أقاربه وأعزته قول الله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (الشعراء: ٢١٤). ٣٠ - إنه صادق، وللصدق منزلة أعلى في المنازل الروحية، فالصدق روح الأعمال ومعيار الأحوال، وهو الباب الذي يوصل إلى جناب ذي الجلال، وهو أساس الدين وعليه يقوم اليقين، وهو الذي سأله خليل رب العالمين: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (الشعراء: ٨٤). وهو الذي انعقد مجلسه قرب مقام الملك الحقيقي: ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ (القمر: ٥٥). والصادق هو النبي (ص)، واسم النبي (ص) هذا ذكر ليوحنا في رؤياه، إنه صادق وقد عرف بهذا الاسم في وطنه وحواليه قبل النبوة، وفيه ورد قوله: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ (الزمر: ٣٣). وهو الذي احتل متبعوه منزلة الصديقية والمحدثية. ٣١ - إنه مصدوق، يشهد بصدقه السماء والأرض والبر والبحر، وقد لهج بصدقه رهبان النصارى وأحبار اليهود والأئمة والربيون، واعترف بصدقه عباد اللات ومناة والعزى وشهدوا بكذبهم، وامتلأت بصدقه صحف ذي الكفل ودانيال واشعياء ويرمياه وحبقوق وحرقيل وحجي وملاخي وزكريا ويحيى ﵈. قال العباس بن مرداس (وكان أسقف النصارى قبل إسلامه) في قصيدته التي مدح بها النبي (ص):

стр. 759

فآمنت بالله الذي أنا عبده ... وخالفت من أمسى يريد المهالكا ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا ... وبايعت بين الأخشبين المباركا نبي أتانا بعد عيسى بناطق ... من الحق فيه الفضل منه كذالكا ٣٢ - إنه طه، وهو بعيد عن زهرة الحياة الدنيا، ربى بالنعم الباقية، وأتى مع وثيقة ﴿ورضي له قولا﴾ (طه: ١٠٩) ورب العالمين يرعى راحته ورضاه. ٣٣ - إنه طيب، فقد تطهر وتزكى أصله ونسبه وأزواجه وذريته وجسده وعنصره من الأرجاس والأنجاس والعيوب والنقائص والقبائح والرذائل. وهو زكي طاهر يثني عليه الطيبون ويصلي عليه القدوسيون، قال حسان بن ثابت: صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد ٣٤ - إنه طاهر، وعالي الحسب والنسب، والآباء الأولون الذين حملوا نوره كانوا طاهرين من السفاح، ومن الرق وعبودية الغير. إنه طاهر ومطهر أيضا، علم الطهارة وطهر أتباعه في ظاهرهم وباطنهم، فتعليمه كون جماعة ورد فيهم قوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ (التوبة: ١٠٨). وجعل غاية أحكامه وأفعاله. ﴿تطهرهم وتزكيهم﴾ (التوبة: ١٠٣). ٣٥ - إنه عبد الله، والعبودية هي كمال الإنسانية، وتكتمل العبودية في منازل النبوة، والله تعالى حينما يذكر نبيا من أنبيائه بأسلوب الحب والقبول يأتي بلفظ ((العبد)): ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد﴾ (ص: ١٧). ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ (ص: ٤١). ﴿ذكر رحمت ربك عبده زكريا﴾ (مريم: ٢). وعبودية النبي (ص) شجرة طيبة أثمرت ثمارا حلوة: ألف - ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ (الفرقان: ١). ب - ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ (الزمر: ٣٦). ج - ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ (الإسراء: ١).

стр. 760

د - ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ (النجم: ١٠). وقد ثبت أن المسيح أيضا قال في حجر الصديقة مريم: ﴿إني عبد الله﴾ (مريم: ٣٠). ووصف النبي (ص) أيضا بالعبودية في قوله تعالى: ﴿وإنه لما قام عبد الله﴾ (الجن: ١٩). والفرق بين الموضعين واضح، فالمسيح وصف نفسه بقوله ((إني عبد الله))، وهذا القول لم يصحبه الفعل بعد. ولكن النبي (ص) أطلق عليه الرب تعالى بذاته ((عبد الله)) وذكر في نفس الوقت قيامه (ص) للعبادة والدعوة. نعم إنه عبد الله، وشهد بعبوديته المعبود والمسجود. إنه عبد الله، ونجاحه في الدعوة إلى العبودية أكبر. إنه عبد الله، اقترن اسمه المبارك المحمود في كلمة التوحيد مع كلمة رسول ((عبده ورسوله)) صارت العبارة مع كلمة رسول جزءا غير منفك؛ فلا يمكن أن يقرأ أحد كلمة التوحيد ولا يقرأ مع اسم الجلالة ((وحده لا شريك له)) ومع اسم محمد (ص) ((عبده ورسوله)). فاللهم إني أيضا أكرر كلمة الشهادة في هذا الموضع، وأفوضها إلى خزائن رحمتك أمانة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد (ص) نبيا، وبالقرآن إماما. ٣٦ - إنه عفو، والعفو من أسماء الله الحسنى أيضا، وصفات النبي (ص) ظلال الصفات الإلهية، ومحاسنه (ص) مظاهر العطايا الربانية. ١ - فهو الذي عفا عن أعداء جبل التنعيم الثمانين الذين هاجموا جماعة المسلمين أثناء أداء الصلاة. ٢ - وهو الذي عفا عن زينب بنت الحارث التي قدمت له (ص) لحما مسموما واعترفت بجريمتها هذه. ٣ - وهو الذي عفا عن رؤساء قريش بعد انهزامهم مع أنهم هم الذين قاوموا الدعوة

стр. 761

إلى الإسلام ثلاث عشرة سنة، وأذاقوا من دخلوا في الإسلام صنوفا من الظلم والعذاب. ٤ - وهو الذي عفا عن رئيس المنافقين أبي بن سلول وجماعته في يثرب مرات عديدة وصفح عن مواقفهم المخزية. ٥ - وهو الذي أطلق سراح ستة آلاف شخص من أسرى حنين بمجرد طلب شفوي، يقول حسان: عفو عن الزلات يقبل عذرهم ... فإن أحسنوا فالله بالخير أجور وتاريخ العالم عاجز عن تقديم مثل هذه النظائر للعفو والصفح. ٣٧ - إنه فاتح، وإن كان معنى الفتح فتح البلاد والسيطرة على الممالك فلاشك أن سيرة النبي (ص) لا تحتوي على نماذج كثيرة لذلك، وغزوات النبي (ص) الشهيرة التي وقع فيها القتال أيضا هي: بدر وأحد والأحزاب وخيبر وحنين. وفي غزوة خيبر فقط من بين هذه الغزوات تم الاستيلاء على الأراضي التي بقيت تحت سيطرة الأعداء المنهزمين بينما انتقلت ملكيتها إلى المسلمين. أما بقية الغزوات الأربع فقد كانت غزوة أحد والأحزاب في أرض المسلمين، وفي بدر وحنين لم تتم السيطرة على أي منطقة. ومن هنا وجب البحث في اسم الفاتح؛ في القرآن الكريم وفي سورة الفتح أخبر النبي (ص) بالفتح المبين والنصر العزيز وهذا الفتح كان عبارة عن تأمين أمر واحد هو عدم تدخل قريش في الدعوة إلى الإسلام فيما بعد. نعم، إنه فاتح لأنه شرح بتعاليمه صدور الجاهلين وأوضح الأسرار الروحية وأزال الموانع التي اعترضت سبيل متبعي الصراط المستقيم، وأعطاهم حريتهم ومتعهم بحريتهم الدينية. كان ملوك عمان وأكيدر والحبشة واليمن والشام يحكمون ويسوسون الناس في بلادهم، ولكن النبي (ص) ملك قلوبهم، وسيطر على أفكارهم فكانوا يفتخرون بافتدائه دون أن يلقبوا بالملوك والحكام. إنه فاتح القلوب والمسيطر عليها وهو روح سارية وقوة قاهرة. ٣٨ - إنه قاسم، فقد ورد في حديث البخاري: ((أنا قاسم والله المعطي)) (١).

стр. 762

ويصعب حصر الفيوض والبركات التي عممها (ص)، والتجلي الذي عم البصائر، والنعم التي متع بها العالمين، والعطايا التي ميز بها أهل دينه. إن الجزيرة العربية التي تعطشت للعلوم والحقائق قد ارتوت بما قسمه النبي (ص)، وقد أخرج (ص) نعم أهل زرادشت وآلاء بني إسرائيل ومقدسات الهنادك من حوزتهم وقسمها على العرب الذين لم يكونوا قد ملكوا شيئا سوى رمال الصحراء وأحجار الجبال، ثم إنهم وزعوا عطاياهم فيما بعد على جميع الناس وبسطوا موائدهم لكل صادر ووارد، وهيأوا مرافق الأكل والشرب للمساكين وأبناء السبيل من الشرق إلى الغرب، تعاملوا معهم على أساس الأخوة والمساواة، وكسبوا الأعداء إلى صفوفهم، وهكذا صار العالم كله اليوم من المنتفعين بعطايا النبي (ص) والمدينين لتعليمه (ص)، ومن لم يفعل حرم هذه الحقائق والمعارف. ٣٩ - إنه المصطفى، وهو من أسمائه الخاصة المباركة فكأنه علم له، وآيات القرآن توضح أن آدم ونوحا وإبراهيم وموسى ﵈ من الأنبياء الصالحين الذين أطلق عليهم كلمة ((الاصطفاء)) بصفة خاصة، وكان سبب الاصطفاء أو وسيلته نزول الوحي الرباني والكلام الإلهي، والصفات التي امتازوا بها وجدت في النبي (ص) على أكمل وجه. ورد في كتاب التثنية ميزة خاصة للنبي (ص) وهي: ((وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به)) (١). والتفاصيل التي وردت في القرآن الكريم عن نزول الوحي وتواصل التنزيل وكيفية التكميل لم توجد في كتاب آخر، ولهذا فالنبي (ص) هو الشخصية المصطفاة المسماة بالمصطفى واصطفاؤه (ص) أعلى وأفضل من اصطفاء الجميع. ورد في القرآن الكريم: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ (آل عمران: ٣٣). ويدخل في آل إبراهيم سيدنا إبراهيم نفسه وآل نبينا (ص) كلاهما، والإتيان بهذا الأسلوب إنما هو للدلالة على أن اصطفاء آل إبراهيم مبني على انضمام النبي (ص). ٤٠ - إنه مطاع، إن ذات الله هي المقعودة بالذات من الطاعة. والله

стр. 763

جعل أمارة أهل طاعته إطاعة أنبيائه، ومن عصاهم عصى الله تعالى، وقد سجل الله هذا المبدأ في محكم كتابه فقال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ (النساء: ٦٤). وبعد هذا المبدأ العام خصص النبي (ص) فقال: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (النساء: ٨٠). ثم قال: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (النور: ٥٤). وقال في صفة جبريل ﴿مطاع ثم أمين﴾ (التكوير: ٢١). وقال في سورة التحريم: ﴿وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا﴾ (التحريم: ٤). ومعنى ذلك أن ذلك المطاع السماوي وأمين الوحي الرباني يدخل في أنصار النبي (ص) مثل الملائكة الآخرين وجملة المؤمنين، وبالآيتين اتضح أن النبي (ص) هو أفضل مطاع. ومن هنا يتضح أن أحدا من الأنبياء والرسل أو الملائكة أو الأئمة أو المرشدين أو الشهداء لا يستطيع الآن أن يدعي أنه مطاع أمام النبي (ص)، أو أن طاعته بدون طاعة النبي (ص) تكون هادية ومقربة إلى الله تعالى، ويكشف عن هذا السر قول النبي (ص): ((لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي)) (١). نعم، يؤمن كل مسلم بأن الوسيلة الوحيدة للتقرب إلى الله تعالى والحصول على مرضاته ومغفرته والنجاة من العذاب هي إطاعة محمد (ص). ونحن نقر بأن أحدا لو ادعى إطاعة موسى واستغنى بذلك عن إطاعة النبي (ص) فإنه يظل بعيدا عن المغفرة والنجاة ومنازل القرب والرضوان. فالنبي (ص) هو المطاع، وطاعته (ص) هي طاعة الله تعالى. ومنزلة أئمة الدين والأصحاب الكرام أعلى وأرفع من سائر الخلائق، لأنهم أقوى وأكمل في إطاعته (ص). ٤١ - إنه ماحي، فقد أخرج الشيخان عن جبير بن مطعم أن النبي (ص) قال:

стр. 764

((إن لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي يوم القيامة، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي)). فإنه (ص) محا الكفر والضلال والشرك وعبادة غير الله، وقضى على العادات والتقاليد وأهواء النفس والكفران والخذلان والعصيان والطغيان. وإنه (ص) نكس ثلاثمائة وستين صنما للعرب، وتلا عليهم قوله تعالى: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ (الإسراء: ٨١). وبتوجيهاته (ص) امتنع النصارى عن إطلاق ((والدة الله)) على السيدة مريم. وهو الذي أنقذ فارس من أرجاس ماني ومزدك، وقضى على فواحش الفرق الهندوكية مثل وام ماركي وجترانكدي، وهو الذي أنقذ البنات المعصومة من الوأد، والعرائس البريئة من الإحراق حية. وهو الذي جعل الخمر والقمار رجسا ونجسا، وبين حقيقة أن كل مسكر ضار بصحة البشر، وهكذا كان القضاء على المفاسد والرذائل والمكاره والمآثم من خصائص تعليمه الطيب (ص)، ومن هنا حق له (ص) أن يسمى ماحيا. ٤٢ - إنه حاشر، أول من يرفع رأسه من القبر يوم القيامة، ويشاهد كيفية إحياءالموتى، وأول من يلبي منادي الرب تعالى، ويشفع للمذنبين من أمته. ٤٣ - إنه عاقب، جاء بعد الجميع، واجتمع الأنبياء حين إمامته، وهو عديم النظير وعديم المثال، ونهاية بداية النبوة وإتمام غاية الرسالة. ٤٤ - إنه نور، ومن اتبع دينه امتاز ببشارة القرآن ﴿فهو على نور من ربه﴾ (الزمر: ٢٢)، والكتاب الذي جاء به عرف بأنه نور ﴿واتبعوا النور الذي أزل معه﴾ (الأعراف: ١٥٧). واسمه المبارك في سورة المائدة النور ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ (المائدة: ١٥). فقد ورد في تفسير الخازن والمعالم تفسير النور بذات النبي (ص). فهو (ص) نور في وضوح الأمر وتبين النبوة، وتعليمه (ص) نور ينور القلوب. تأملوا دعاء النبي (ص)، وانظروا ماذا كان يسأل ربه كل يوم؟ وهل يرد الله تعالى سؤال أحد؟ كان (ص) يقول: ((اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، ويساري نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، واجعل

стр. 765

لي نورا، وفي لساني نورا، وفي دمي نورا، وفي عصبي نورا، وفي شعري نورا، وفي بشري نورا، اللهم اعطني نورا، اللهم أعظم لي نورا، اللهم اجعلني نورا)) (١). وقال كعب بن زهير في قصيدته: ((بانت سعاد)): ((إن الرسول لنور يستضاء به)). ٤٥ - إنه المدثر، والتدثير هو إصلاح الطائر لعشه. وبيت النبي (ص) يشبه العش بالنسبة إلى منزلته العالية. وإتمام النبي (ص) وإحكامه لهذا العش إنما هو إكمال حاجات العالمين المادية والخلقية والروحية، وقد تم هذا الإكمال بالإنذار والتهليل وبتطهير الخلائق من العلائق المادية والقلبية، ومن أعمال المدثر تطهير العالمين في ظاهرهم وباطنهم من الرجز والرجس. ٤٦ - إنه المزمل، لأن عينه لا تتحمل النظر إلى الوجه الكالح للعالم المظلم، وأذنه لا تستطيع الصبر على كذب وبهتان دنيا الزور، فيلجأ إلى غار حراء يخلو فيه، وهناك تتجلى له الأنوار القدسية حسب فطرته الطاهرة، وتنكشف له مظاهر الملكوت الأعلى، ويمتع الكلام الأزلي سمعه ثم ينكشف سر الترهب والتبتل. ومعظم الذين سئموا هذا العالم المظلم، اختاروا طريق الفرار منه. فقد فضل أعلام التاريخ من أمثال بوذا وديوجانس وصاحب الفيد بياس وغيرهم هذا الطريق، واعتبر الآلاف من الرهبان والراهبات بنية صادقة الرهبانية وسيلة ناجحة للتخلص من الدنيا الغادرة، وضحى ألوف الدروايش من الصينيين بحياتهم في سبيل هذه الرياضة. ولكن القدرة الربانية أرشدت ذلك المزمل إلى سر وصفة التبتل فقام طوال يومه يعمل في هداية البشر وحل مشاكلهم، وقضى طوال ليله في التضرع إلى الله ودعائه. قرب إلى أذهان البعض عاقبة آل فرعون، وسهل تبشيره للبعض عبور بحر الهلاك بسلام وعافية. نعم إنه مزمل، لأنه جاء لآل فرعون بعظة مثل موسى، وللمؤمنين بيقين مثل عيسى، ولسيئ العاقبة بهدى محمد (ص). ٤٧ - إنه مشهود، قال القرطبي: إن الأنبياء ﵈ شهداء، ومحمد (ص) مشهود، وقوله هذا صواب، فإن كلا من يعقوب وموسى وداود وسليمان وإشعياء

стр. 766

ودانيال ويرمياه وحبقوق ويوحنا وعيسى ﵈ شهدوا للنبي وبشروا بمقدمه، وذكروا صورته ومكان ولادته وهجرته ونزول كلام الله عليه وتعليمه للحق والصدق. فهو امشهود على ألسنة هؤلاء الأنبياء جميعا. فالكتاب المتحررون الجريئون من أمثال كارلايل والسير ميور واشنطون وجون ديون وايوردجين أثتوا عليه (ص) في يقظة ضميره وحبه لخير البشرية وعيشته الطاهرة وحياته الرزينه ووسائله النزيهة لتحقيق أهدافه السامية. وكذا تشهد بمشهوديته السماء والأرض اللتان تسمعان كل يوم خمس مرات النداء الملكي لعبوديته ورسالته (ص). ٤٨ - إنه رءوف ورحيم، وهذان الاسمان من أسماء الله الحسنى، وقد ورد في وصف النبي (ص) في كلامه تعالى بالاسمين فقال تعالى: ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ (التوبة: ١٢٨). وربما للإيجاز يكفي هذا السند. ٤٩ - إنه مذكر، يتقدم في ظلمة الليل حيث لا يجترئ الركب على التقدم، ويذكر المضطجعين على بسط الرمال والحجارة فيرددون بقلوبهم وألسنتهم الاسم المبارك الذي ذكروا به. إنه يذهب إلى مجالس المعارضين وإلى الأسواق السنوية والأعياد البهيجة فيذكر الناس بقوله: ((يأيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)) (١). ويذهب إلى الجبال ويرمى بالحجارة ويستمر في تبليغ الغافلين ذكر اسم الله . وكذلك يظل يذكر الناس رغم حصارهم له وإصابتهم له في عضده ورأسه وأسنانه بجروح دامية. إنه ملازم فراشه لا تفارقه الحمى لحظة، وفي رأسه صدع وفي جسمه ضعف، ومع ذلك كله يواصل التذكير، ويفكر في مستقبل الأمة فيذكر بوصاياه ونصائحه، وذكر باسم الله، فهو مذكر، وبه ينتهي التذكير.

стр. 767

٥٠ - إنه مبارك، ولفظ البركة مشتق من ((برك البعير)) أي جلس يتمكن، هذا هو المعنى اللغوي لهذا اللفظ. ويتضمن لفظ ((البركة)) معنى الاستقرار والدوام، إنه مبارك فالدين الذي بلغ باق إلى الأبد، وشريعته بعيدة عن النسخ، وهو هادي الجميع إلى يوم القيامة. والإسلام استقر حيث وصل، وجميع البلاد بلاده، وكل موطن في العالم موطنه. وقد أورد حسان بن ثابت هذا الاسم في شعره فقال: صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد وقال سيدنا عباس بن مرداس- وكان نصرانيا - في قصيدته التي مدح بها النبي (ص). ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا ... وبايعت بين الأخشبين المباركا ٥١ - إنه مهاجر، والقرآن الكريم مملوء بمدائح الأنصار والمهاجرين وفضائلهم وللمهاجرين فضل خاص على الأنصار فالمهاجرون هم الذين أتموا إقامة النبي (ص) فقد تركوا بيوتهم وأهلهم ووطنهم وديارهم، لكنهم لم يتركوا معية النبي (ص)، وهجرة المهاجرين قبلت عند الله تعالى بهجرة النبي (ص). وهو (ص) مهاجر مثل إبراهيم ولوط وإسماعيل وموسى وهارون ﵈ فقد كانوا جميعا مهاجرين. ٥٢ - إنه هاد، وللهداية معنيان: الأول: إلقاء الهداية في القلب، كما ورد في قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (القصص: ٥٦). والثاني: الدعوة إلى الإيمان واليقين وتدعيم هذه الدعوة بالدلائل والبراهين الروحية أو العقلية وبالأفعال الحميدة والأقوال الحكيمة، وأداء الفريضة دون غرض وطمع وبكل أمانة ونصح. ويتم هذا المعنى بذات النبي (ص) كما ورد في القرآن: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ (الشورى: ٥٢). وكان النبي (ص) قد جمع جميع طرق الهداية والدعوة إلى الحق، فكانت طلاقة وجهه (ص) ودماثة خلقه تنسي الأعداء عداوتهم، كما جعل وضوح بيانه وعذوبة لسانه، كلامه يصل إلى أعماق القلوب. ولم يسلك النبي (ص) في إيراد الأدلة والبراهين مسلك أهل المنطق والفلسفة، ولم

стр. 768

يركن إلى أساليبهم المعقدة وألفاظهم المغلقة ومذاهبهم الجدلية، بل اختار (ص) أدلة الآفاق والأنفس، وعرض أمام الإنسان فطرته حتى يحتكم إليها، وجعل بيئته دليلا يهتدى به. وكان الله تعالى قد كشف لنبيه (ص) قوانين الفطرة التي فطر الناس عليها، ولذا كانت أدلته (ص) تخاطب الطبيعة البشرية وتوقظها وتوجهها. ثم كان أسوة كاملة للجنس البشري، فكانت أفعاله تصدق أقواله، وهذا التوافق بين الظاهر والباطن والأفعال والأقوال قد جعل النبي (ص) هاديا صادقا للبشرية. وقد ورد في قصيدة ضرار بن الخطاب الفهري التي أنشدها أمام النبي (ص) يوم فتح مكة: يا نبي الهدى إليك لحاجي ... قريش ولدت حين بحاء وقال النابغة الجعدي: أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتابا كالمجرة نيرا ٥٣ - إنه ياسن وسيد، سيد الناس وسيد البشر، وقد ثبت صدقه وأمانته للجميع، سواء أقروا بذلك أم لا. وقد أرسل في القرون الماضية ثلاثة أنبياء إلى بعض الأمم، واحد بعد الآخر، ونجحوا في إدخال نسمة طيبة واحدة فقط في الجنة. ولكن هذا السيد وحده نجح في إخراج المئات والألوف من الظلمات إلى النور. إنه لم يخرج من الجزيرة العربية قط، ولكن دعوته سيطرت على جميع قارات العالم. فهو نور للعمى، وضياء للمبصرين، ومزيل لحجب القلوب، وموصل نداء الحق إلى الآذان الصماء، وقاض على التنافر بين بني إسرائيل وبني إسماعيل، ومؤلف بين العرب والعجم، وسيد الأحرار ومولى العبيد. إن دولة بني أمية وبني العباس والفاطميين والأخشيديين والمغول والأتراك والأفارقة والمغاربة والجزائريين والحجازيين لم تكن الواحدة منها ترى لنفسها مثيلا، وتنكر كل منها أبهة الأخرى وعظمتها، ولكنها جميعا كانت تعتز باتباع النبي (ص)، وترى أن موضع شبر عند عتبته (ص) خير من عرش الملك، فالحق أنه (ص) سيد وسيد الكون. ٥٤ - إنه خاتم النبيين، فقد ورد في القرآن: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ (الأحزاب: ٤٠). إن هذه الآية تحتوي على قوة كهربائية عظيمة، ولها سيطرة بديعة على الطبائع

стр. 769

البشرية. فقبل نزولها آمنت بنو إسرائيل بألوف الأنبياء والرسل، وآمنت الهند بألوف الآلهة، وأعلنت الصين وإيران نزول الملائكة وأنوارهم على الألوف ولكنهم جميعا سكتوا بعد نزول هذه الآية، وتلاشى تصور النبوة والادعاء بها من أذهان الأمم وقلوبها في جميع البلدان، وقد أقفل الجميع أبواب النبوة في دارهم، وصرحت كل ديانة بصحة معنى الآية واعترفعت لذلك بعملها. فهذا هو النصر الرباني والكلام الإلهي، نزل فاعترف الجميع به وصدقوه بعملهم. قال العباس بن مرداس (١): يا خاتم النبأ إنك مرسل ... بالحق كل هدى السبيل هداكا وهنا أختم هذا البحث الموجز عن أعداد اسم أحمد المبارك (٥٤) وفي فرصة أخرى أزيده إلى أعداد محمد (٩٢) إن شاء الله، وهناك أفصل الكلام في شرح المعاني ولطائفها مع الاعتراف بتعذر الإحاطة بها واستقصائها.

стр. 770

الفصل السادس السنة النبوية والطريقة المحمدية أورد القاضي عياض في كتاب ((الشفا)) (١) الحديث الآتي عن علي ﵁، وفيه تتضح محاسن أخلاق النبي (ص) ومكارم عاداته، ومنزلة القاضي عياض في الحديث تتضح من خلال كتابه ((الإكمال)) في شرح صحيح مسلم وكتابه ((مشارق الأنوار))، وعنايته ببيان فضائل النبي (ص) وشيمه وخصائله تتضح بكتابه ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) وأمانته في الدين وثقته تكفي لتوثيق الحديث، ومع ذلك تصدق الروايات العديدة الأخرى من خلال الكلمات الواردة في هذا الحديث. وقد ظفرت عند شرح الحديث بكتاب العلامة أبي عبد الله محمد بن بكر بن أيوب ابن سعد الزرعي الدمشقي الفقيه الحنبلي المفسر الأصولي المعروف بابن قيم الجوزية، وهو ((مدارج السالكين)) في شرح منازل السائرين للعلامة الحافظ عبد الله بن محمد بن علي الصوفي الهروي. فقد استفدت من الكتابين في هذا الشرح، جزاهما الله عنا خير الجزاء. وفيما يلي متن الحديث: عن علي ﵁ قال: سألت رسول الله (ص) عن سنته فقال: ((المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة)). ١ - المعرفة رأس مالي: رأس المال هو المال الذي لا يمكن بدونه البدء بالتجارة، فبه يبدأ التاجر تجارته. والحديث المذكور وصف المعرفة برأس المال.

стр. 771

والمعرفة في اللغة هي العرفان والعلم، وفي اصطلاح العرفاء تطلق على الهداية والنهاية أيضا. وبداية المعرفة تكون بمعرفة النفس الإنسانية لذاتيتها، فالسعيد من يبدأ بالشعور بمعرفة عيوبه. ورد في القرآن الكريم وفي الإنجيل عن سيدنا آدم أنه عرف بعد الإدراك فورا أنه عار ثم جمع أوراق الشجر فتستر بها. وكان هذا هو الدرس الأول من أبينا آدم يعلمنا أن الإنسان حينما يرى عيبا أو نقصا فعليه أن يسارع بإزالته. وهناك كلمتان تأتيان في اللغة والشرع للدلالة على معنى العرفان، وهما: المعرفة والعلم. والعلم أعلى منزلة من المعرفة عند العلماء، وعند المتصوفين المعرفة أعلى من العلم. يقول الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ (المائدة: ٨٣). وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم﴾ (يونس: ٤٥). وقال تعالى: ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم﴾ (يوسف: ٥٨). وقال تعالى: ﴿الذين آتيهناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ (البقرة: ١٤٦). وفي هذه الآيات الأربع استعمل لفظ المعرفة، وفاعلها إنسان. وورد لفظ العلم في الآيات التالية: قال تعالى: ﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ (هود: ١٤). وقال تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾ (النساء: ١٦٦). وقال تعالى: ﴿قل رب زدني علما﴾ (طه: ١١٤). فالعلم نسب في هذه الآيات إلى ذات رب العالمين. والفرق بين المعرفة والعلم باعتبار المعنى أن المعرفة تطلق على علم ذات الشيء، والعلم يطلق على معرفة أحواله

стр. 772

الداخلية. ولذا يمكن وصف المعرفة بالتصور ووصف العلم بالتصديق. وإطلاق رأس المال على المعرفة في الحديث إشارة إلى السلوك في بدايته حينما تبدأ معرفة الإنسان لكونه عبدا ولكون رب العالمين مالكا. وهذه المعرفة مع الشعور تصبح هاديا للإنسان. وقد فصل أهل التصوف الكلام على أمارة المعرفة وشواهدها يقول شبلي: ليس لعارف علاقة، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى (١). وسئل الجنيد عن العارف فقال: لون الماء لون إنائه (٢). ومعنى هذا القول أن ألوان العبودية تعتور على العبد، فحينا يصبر على ابتلاء الرب تعالى، وحينا يشكر له على نعمائه، وقد يهتز قلبه ببشارة الوعود الصادقة، وقد يتضرع ويخشى بوعيد الله ﷻ . يقول ذو النون: علامة العارف ثلاث: ١ - يغلب نور الورع نور المعرفة. ٢ - لا تعارض عقيدة الباطن حالة الظاهر. ٣ - لا يتردى في محارم الله بكثرة النعم الإلهية (٣). والحقيقة أن المعرفة تورث الهيبة التي فيها الأنس والانشراح. جاء في الحديث الصحيح: ((أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية)) (٤). فالمعرفة نور يودع قلب المؤمن حتى يفهم الصفات ويستخدم الشواهد والبراهين. والعارف يؤمن بالصفات ويراها فوق التشبيه، وينفي التشبيه ويجتنب التعطيل، ولا يفرق بين الذات والصفات، ثم يستغني عن جميع الوسائل والوسائط والبراهين

стр. 773

والشواهد، ويفوض قلبه وروحه إلى إنعام مالكه، وهنا يحصل له من المعرفة ما يناسبه. ويشير إلى هذا السر قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ (الفاتحة: ٧). ٢ - العقل أصل ديني: يعتقد النصارى أن العقل لا يتدخل في الدين، وكانوا يقولون عن عقيدة التثليث: إن أساسها فوق فهم البشر. ويقولون للتلاميذ حينما يعلمونهم التثليث: ابتلعوا هذه اللقمة سواء أحبتها قلوبكم أم لا. ولكن الإسلام لا يصدر مثل هذه الأحكام، وقد تجلى فضل العقل والعقلاء بآيات القرآن جليا: ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون﴾ (الروم: ٢٨). ﴿ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون﴾ (العنكبوت: ٣٥). وذم القرآن من خرج عن العقل: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ (يونس: ١٠٠). وبين أن العلم والعقل متلازمان، وبامتزاجهما تظهر النتائج الصحيحة: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ (العنكبوت: ٤٣). فمن يدرس أحكام الشريعة ويتأمل الحكم التي شرعت لأجلها يتأكد أن علاقة الأحكام الشرعية بالعقل وثيقة جدا. فقد ورد عن الصلاة: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ (العنكبوت: ٤٥). وورد عن الصوم: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (البقرة: ١٨٣). وقال عن حكمة الزكاة: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ (إبراهيم: ٧). وعن فوائد الحج قال: ﴿يشهدوا منافع لهم﴾ (الحج: ٢٨).

стр. 774

وقال عن أثر القصاص في الجاني: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ (المائدة: ٩٥). وقال عن نفعه لصاحبه: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (البقرة: ١٧٩). وكذلك وصف العقل في موضع بالفطرة الإنسانية، والعقل يدرك تفوق البرهان ولذا قيل للمعارضين: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادين﴾ (النمل: ٦٤). والعقل يعارض الجبر والإكراه، ولذا صرح القرآن بقوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: ٢٥٦). وتوضح هذه الشواهد أن شجرة الإسلام الطيبة غرست في أرض العقل وتم إرواؤها بماء العلم. وقول النبي (ص): ((العقل أصل ديني)) دليل على أن الدين من الله تعالى: ﴿وما يذكر إلا أولوا الأباب﴾ (البقرة: ٢٦٩). وقد نرى في شباب الإسلام أنهم يريدون بالعقل عقلهم وفهمهم، وهذا دليل على جهلهم. فالذين يعجزون عن فهم قوانين الحكومة، والمخترعات الإنسانية كيف يسوغ لهم أن لا يعترفوا بعقل فوق عقلهم، وأن يروا فهمهم أعلى من فهم صاحب الشريعة؟ ٣ - الحب أساسي: يكثر في الغزل والتشبيب، استعمال لفظ العشق، ولكن لم يرد هذا اللفظ ومشتقاته في القرآن والسنة. وهذا يدل على ابتذاله وسقوطه وبعده من معنى الحب. جاء في القاموس: الجنون فنون والعشق من فنه. ولذا ينبغي النظر في لفظ الحب وقد ورد استعمال هذا اللفظ على خمسة أوجه في لغة العرب: ١ - حبب الأسنان، أي صفت وجلت.

стр. 775

٢ - حبب الماء، أي صفا وطاب، وعلى هذا المعنى يقال لما ارتفع وصفا من الماء حباب. ٣ - حب البعير، أي وضع ركبته. ولوحظ في هذا الاستعمال معنى اللزوم والثبوت. ٤ - حب، أي أصل الشيء وجذره، ومن هنا جاءت تسمية السويداء حبة القلب. ويجمع الحب على الحبوب. ٥ - حب الماء، أي البركة التي تجمع فيها الماء. وقد لوحظ هنا معنى الحفظ والرعاية. وانظروا الآن إلى هذه المعاني لأصل المادة، ثم لاحظوا أن الحب إذا ورد اسما ورد بضم الحاء، والضمة أقوى الحركات. والقصد من ذلك أن يوجد في الحب وصف الصفاء والبهاء والعلو والارتقاء واللزوم والثبات، ويجعل الحب أصلا لجميع الفضائل، ويعتبر الحفاظ عليه والتمسك به متاع الحياة الإنسانية، إذ يتضمن الحب جميع هذه الأوصاف ويحتوي عليها. قال الله تعالى في كتابه عن إثبات الحب: ﴿يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ (البقرة: ١٦٥). وقال تعالى عن حبه لعباده وعن حبهم له، أي عن ثبوت الأمرين: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة: ٥٤). وقد ورد بيان هذا الأمر بوضوح في الأحاديث الشريفة أيضا: ١ - ((إن أحب الأعمال إلى الله الإيمان بالله ثم الجهاد)) (١). ٢ - ((أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه)) (٢). ٣ - ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه)) (٣). ٤ - ((أحب الأعمال إلى الله الصلاة على أول وقتها)) (٤).
следующие страницы →