← Сира

Сира · id 14328

رحمة للعالمين (مترجم) - المنصورفوري

محمد سليمان المنصورفوري

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

والمعرفة في اللغة هي العرفان والعلم، وفي اصطلاح العرفاء تطلق على الهداية والنهاية أيضا. وبداية المعرفة تكون بمعرفة النفس الإنسانية لذاتيتها، فالسعيد من يبدأ بالشعور بمعرفة عيوبه. ورد في القرآن الكريم وفي الإنجيل عن سيدنا آدم أنه عرف بعد الإدراك فورا أنه عار ثم جمع أوراق الشجر فتستر بها. وكان هذا هو الدرس الأول من أبينا آدم يعلمنا أن الإنسان حينما يرى عيبا أو نقصا فعليه أن يسارع بإزالته. وهناك كلمتان تأتيان في اللغة والشرع للدلالة على معنى العرفان، وهما: المعرفة والعلم. والعلم أعلى منزلة من المعرفة عند العلماء، وعند المتصوفين المعرفة أعلى من العلم. يقول الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ (المائدة: ٨٣). وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم﴾ (يونس: ٤٥). وقال تعالى: ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم﴾ (يوسف: ٥٨). وقال تعالى: ﴿الذين آتيهناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ (البقرة: ١٤٦). وفي هذه الآيات الأربع استعمل لفظ المعرفة، وفاعلها إنسان. وورد لفظ العلم في الآيات التالية: قال تعالى: ﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله﴾ (هود: ١٤). وقال تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾ (النساء: ١٦٦). وقال تعالى: ﴿قل رب زدني علما﴾ (طه: ١١٤). فالعلم نسب في هذه الآيات إلى ذات رب العالمين. والفرق بين المعرفة والعلم باعتبار المعنى أن المعرفة تطلق على علم ذات الشيء، والعلم يطلق على معرفة أحواله

стр. 772

الداخلية. ولذا يمكن وصف المعرفة بالتصور ووصف العلم بالتصديق. وإطلاق رأس المال على المعرفة في الحديث إشارة إلى السلوك في بدايته حينما تبدأ معرفة الإنسان لكونه عبدا ولكون رب العالمين مالكا. وهذه المعرفة مع الشعور تصبح هاديا للإنسان. وقد فصل أهل التصوف الكلام على أمارة المعرفة وشواهدها يقول شبلي: ليس لعارف علاقة، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى (١). وسئل الجنيد عن العارف فقال: لون الماء لون إنائه (٢). ومعنى هذا القول أن ألوان العبودية تعتور على العبد، فحينا يصبر على ابتلاء الرب تعالى، وحينا يشكر له على نعمائه، وقد يهتز قلبه ببشارة الوعود الصادقة، وقد يتضرع ويخشى بوعيد الله ﷻ . يقول ذو النون: علامة العارف ثلاث: ١ - يغلب نور الورع نور المعرفة. ٢ - لا تعارض عقيدة الباطن حالة الظاهر. ٣ - لا يتردى في محارم الله بكثرة النعم الإلهية (٣). والحقيقة أن المعرفة تورث الهيبة التي فيها الأنس والانشراح. جاء في الحديث الصحيح: ((أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية)) (٤). فالمعرفة نور يودع قلب المؤمن حتى يفهم الصفات ويستخدم الشواهد والبراهين. والعارف يؤمن بالصفات ويراها فوق التشبيه، وينفي التشبيه ويجتنب التعطيل، ولا يفرق بين الذات والصفات، ثم يستغني عن جميع الوسائل والوسائط والبراهين

стр. 773

والشواهد، ويفوض قلبه وروحه إلى إنعام مالكه، وهنا يحصل له من المعرفة ما يناسبه. ويشير إلى هذا السر قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ (الفاتحة: ٧). ٢ - العقل أصل ديني: يعتقد النصارى أن العقل لا يتدخل في الدين، وكانوا يقولون عن عقيدة التثليث: إن أساسها فوق فهم البشر. ويقولون للتلاميذ حينما يعلمونهم التثليث: ابتلعوا هذه اللقمة سواء أحبتها قلوبكم أم لا. ولكن الإسلام لا يصدر مثل هذه الأحكام، وقد تجلى فضل العقل والعقلاء بآيات القرآن جليا: ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون﴾ (الروم: ٢٨). ﴿ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون﴾ (العنكبوت: ٣٥). وذم القرآن من خرج عن العقل: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ (يونس: ١٠٠). وبين أن العلم والعقل متلازمان، وبامتزاجهما تظهر النتائج الصحيحة: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ (العنكبوت: ٤٣). فمن يدرس أحكام الشريعة ويتأمل الحكم التي شرعت لأجلها يتأكد أن علاقة الأحكام الشرعية بالعقل وثيقة جدا. فقد ورد عن الصلاة: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ (العنكبوت: ٤٥). وورد عن الصوم: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (البقرة: ١٨٣). وقال عن حكمة الزكاة: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ (إبراهيم: ٧). وعن فوائد الحج قال: ﴿يشهدوا منافع لهم﴾ (الحج: ٢٨).

стр. 774

وقال عن أثر القصاص في الجاني: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ (المائدة: ٩٥). وقال عن نفعه لصاحبه: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (البقرة: ١٧٩). وكذلك وصف العقل في موضع بالفطرة الإنسانية، والعقل يدرك تفوق البرهان ولذا قيل للمعارضين: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادين﴾ (النمل: ٦٤). والعقل يعارض الجبر والإكراه، ولذا صرح القرآن بقوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: ٢٥٦). وتوضح هذه الشواهد أن شجرة الإسلام الطيبة غرست في أرض العقل وتم إرواؤها بماء العلم. وقول النبي (ص): ((العقل أصل ديني)) دليل على أن الدين من الله تعالى: ﴿وما يذكر إلا أولوا الأباب﴾ (البقرة: ٢٦٩). وقد نرى في شباب الإسلام أنهم يريدون بالعقل عقلهم وفهمهم، وهذا دليل على جهلهم. فالذين يعجزون عن فهم قوانين الحكومة، والمخترعات الإنسانية كيف يسوغ لهم أن لا يعترفوا بعقل فوق عقلهم، وأن يروا فهمهم أعلى من فهم صاحب الشريعة؟ ٣ - الحب أساسي: يكثر في الغزل والتشبيب، استعمال لفظ العشق، ولكن لم يرد هذا اللفظ ومشتقاته في القرآن والسنة. وهذا يدل على ابتذاله وسقوطه وبعده من معنى الحب. جاء في القاموس: الجنون فنون والعشق من فنه. ولذا ينبغي النظر في لفظ الحب وقد ورد استعمال هذا اللفظ على خمسة أوجه في لغة العرب: ١ - حبب الأسنان، أي صفت وجلت.

стр. 775

٢ - حبب الماء، أي صفا وطاب، وعلى هذا المعنى يقال لما ارتفع وصفا من الماء حباب. ٣ - حب البعير، أي وضع ركبته. ولوحظ في هذا الاستعمال معنى اللزوم والثبوت. ٤ - حب، أي أصل الشيء وجذره، ومن هنا جاءت تسمية السويداء حبة القلب. ويجمع الحب على الحبوب. ٥ - حب الماء، أي البركة التي تجمع فيها الماء. وقد لوحظ هنا معنى الحفظ والرعاية. وانظروا الآن إلى هذه المعاني لأصل المادة، ثم لاحظوا أن الحب إذا ورد اسما ورد بضم الحاء، والضمة أقوى الحركات. والقصد من ذلك أن يوجد في الحب وصف الصفاء والبهاء والعلو والارتقاء واللزوم والثبات، ويجعل الحب أصلا لجميع الفضائل، ويعتبر الحفاظ عليه والتمسك به متاع الحياة الإنسانية، إذ يتضمن الحب جميع هذه الأوصاف ويحتوي عليها. قال الله تعالى في كتابه عن إثبات الحب: ﴿يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ (البقرة: ١٦٥). وقال تعالى عن حبه لعباده وعن حبهم له، أي عن ثبوت الأمرين: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة: ٥٤). وقد ورد بيان هذا الأمر بوضوح في الأحاديث الشريفة أيضا: ١ - ((إن أحب الأعمال إلى الله الإيمان بالله ثم الجهاد)) (١). ٢ - ((أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه)) (٢). ٣ - ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه)) (٣). ٤ - ((أحب الأعمال إلى الله الصلاة على أول وقتها)) (٤).

стр. 776

والأحاديث السابقة تناولت ذكر حب الله لأعمال عباده، والآية التالية تصرح بحب العباد لذاته ﵎: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾ (التوبة: ٢٤). أثبت في هذه الآية حب الإنسان للأشياء المذكورة فيها، كما ذكر بأن هذا الحب طبيعي قد فطر عليه الإنسان. وتخبر الآية بعد ذلك أن حب الله ورسوله إن كان غالبا على حب ما ذكر قبلا فهذا هو الصواب المطلوب، ولكن الأمر يصعب إن حدث العكس، والله تعالى يأتي بأمره فيه. وقد كشف القرآن الكريم في الحكم السابق سر المدنية والتبتل، وأقام الطريق الوسط بين الإفراط والتفريط بعد ترك الترهب. وحقيقة حب الله تعالى تكشف بكلمة واحدة هي العبودية، فهي منبع محاسن الأعمال كلها، فبالحب تنشأ صفة الإنابة إلى الله، وهو معدن الخوف والرجاء، والحب ينزل الإنسان في موضع الرضا حينا، وموضع الشكر حينا آخر. والصبر: هو الصبر الذي ينشأ على الحب، وإلا فهو العجز. والزهد: هو الزهد الذي ينشأ عن الحب، وإلا فهو عدم القدرة على الحصول على ما يريده المرء. والحياء: هو الحياء الذي تولد بالحب، ونما في جو الأدب والتعظيم، وإلا فهو خجل الطبع. والفقر: هو الفقر الذي يكون نحو الحبيب، فيتجذب القلب بجميع قوته إلى جود الحبيب ونواله، وإلا فهو ضيق ذات اليد. والحاصل أن الحب هو قوة القلوب، وغناء الأرواح، وقرة العيون، وحياة الأبدان، وحياة القلوب، ونجاح الحياة. وهو الذي يجعل الفوز دائما ومستمرا، ويضع الدوام فوق عرش الرفعة.

стр. 777

والآن نذكر مدارج الحب: ١ - تبدأ المحبة بالعلاقة، أي علاقة القلب التي تنشأ بشكل ما. ٢ - والإرادة تقوي هذه العلاقة. ٣ - ثم ينشأ الميل، فينجذب المحب إلى الحبيب، كما ينجذب الماء من تلقاء نفسه إلى المكان المنحدر. ٤ - ثم تنشأ الحرقة فيظل القلب محترقا دائما. ٥ - ثم يتدرج الحب فيعرف القلب صفة الوداد. ٦ - ثم يترقى فيسيطر على شغاف القلب ويصل أثر المحبة إلى أعماق القلب. فتهون المصائب وتخف الموانع فتقضى الأيام والليالي في اتخاذ وسائل القرب وإصلاح سبل الوصل، وتنقطع الأفكار إلا فكر المحبوب، ويسود تصوره الجسم فيحكم حبه القلب. ٧ - ثم تأتي حالة العشق، وهذا اللفظ مشتق من العشقة وهو نبات متسلق أصفر يلتوي على الشجر فيصيبه بالاصفرار والهزال وهكذا تصير حالة من أصيب بهذا المرض. ٨ - ثم تأتي منزلة التيم بمعنى التعبد والتذلل، وفي هذه الحالة يصير الإنسان عبدا لآرائه وأفكاره، ولا يمكنه التخلص منها. ٩ - وأعلى المنازل العبودية، وهنا يتخلى المحب عن كل ادعاء، ولا يبقى شيء في العالم ملكا له، لا جسمه ولا قلبه ولا روحه ولا أمنيته ولا مراده، وهو نفسه يترك هذه الأشياء كلها، ويكتفي بكون الله معبودا بكل سرور ثم يقتنع بذلك بل يشكر الله على أنه استحق الوصف بالعبودية. ١٠ - وأرفع مما سبق منزلة الخلة، وهنا يظهر الهدف الأسمى للمحب في كل شعرة من الجسم وفي كل نبضة من نبضاته وفي كل دقة من دقات قلبه، وتنعدم العواطف والأماني، ويكون رضا الحبيب الواحد غاية وقصدا للقلب والفكر والروح، بحيث لا يكون الهدف هو الحب بل المحبوب والمطلوب لا يكون إلا مطلوب المحبوب. والفهم البشري لا يستطيع الوصول في الأغلب إلى هذه الكيفية، وقد وصل إلى هذه المنزلة سيدنا إبراهيم ﵇ وسيدنا محمد (ص). وفي الصلاة في التحيات ورد هذان الاسمان كمعشبه ومشبه به، وأحدهما قدم على الآخر، والآخر يفضل بالإتمام:

стр. 778

((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). وينبغي أن نذكر هنا الأسباب التي تجلب المحبة، حتى ينالها من يريد من السعداء. فأسباب بقاء المحبة الإلهية ورقيها هي: ١ - قراءة القرآن الكريم، ويدخل فيها تدبر المعاني وفهم المراد الإلهي. ٢ - المواظبة على النوافل والإكثار منها بعد المحافظة على الفرائض. ٣ - دوام الذكر، ويراد به ذكر اللسان والقلب كليهما، وكذلك يدخل في ذلك الذكر بالمال وبالعمل. ٤ - مطالعة أسماء الله وصفاته ومشاهدتها بالقلب. ٥ - تذكر نعم الله تعالى الظاهرة والباطنة، ونعمه المادية والروحية. ٦ - وقوف القلب بكمال الأدب والحضور التام في مقامات العبادة. ٧ - انكسار القلب التام في اتجاه الحضور. ٨ - إشار الحكم الرباني على الأهواء. ٩ - مجالسة المحبين الصادقين. ١٠ - النفور من الأسباب التي تؤدي إلى ابتعاد العبد عن ربه. وبالمواظبة على هذه الأمور يرجى أن ينفجر منبع الحب الكائن في قلب الإنسان الذي كان قد انغلق بالعلائق، فتروى بساتين الأماني: ((اللهم ارزق حبك وحب منيقربتيإلى حبك)) (١). وعلى قارئ الكتاب أن يعيد النظر إلى قول النبي (ص): ((والحب أساسي)) مرة أخرى، حتى يعرف كيف يكون البناء الذي تأسس على الحب وكيف يكون ساكنه؟. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يتذكره كل دارس للسيرة النبوية.

стр. 779

٤ - والشوق مركبي: لم يرد لفظ الشوق في القرآن الكريم واستعمل مكانه لفظ اللقاء. ولعل السبب في ذلك تساؤل علماء الأدب عن الشوق هل يبقى بعد حصول الرؤية أم لا؟ يرى البعض: أن الشوق يطلق على السفر الذي يأخذ المحب إلى الحبيب، فإذا وصل المحب إلى الهدف المنشود فلابد أن ينتهي السفر من تلقاء نفسه. إلا أن هذا اللفظ ورد في الحديث الشريف، كما رأينا في الحديث الذي نحن بصدده، وكذلك في حديث صحيح آخر: ((أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك)) (١). وجعل الشوق في الحديث الذي نشرحه مركبا، وهذا يعني أن الشوق أثر من آثار الحب، ودرجته أقل من الحب لأن الشوق متولد عنه. فالشوق جذوة تدفئ القلب، وشرارة تنبعث من القلب. والشوق يجعل الأعضاء والجوارح تنقاد للأعمال وتداوم عليها، وهو الذي يجعل نعم الآخرة أكثر قربا من نعم الدنيا، ويحمل العجزة على السعي المتواصل، وهو الذي يسبر أعماق المغارات، ويرتقي إلى قمم الجبال. وهو الذي ينور طريق الحب الصادق، ولا يترك سالك طريق الحب يستريح قبل الوصول إلى الغاية. وينبغي أن نتذكر أن مقدار الشوق مبني على مقدار الحب، فيستحيل أن يكثر الحب ويقل الشوق، أو يقل الحب ويكثر الشوق. فالحق أن السالك ليس له مركب فوق الشوق. والشوق هو المركب الذي يعبر العقبات، ويجتاز جسر الاختبار الصعب بسهولة ونجاح ثم يصل إلى جنة اللقاء، فطوبى للمشتاقين، وطوبى للمحبين. ٥ - ذكر الله أنسي: يقول الإمام ابن القيم: (٢). منزلة الذكر هي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون، والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، ومأواهم الذي

стр. 780

يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب: فإذا مرضنا تداوينا بذكركم ... فنترك الذكر أحيانا فننتكس إن القرآن الكريم تناول الذكر على عشرة أوجه: ١ - أمر بالذكر أمرا مطلقا مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ (الأحزاب: ٤١). وأمرا مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة﴾ (الأعراف: ٢٠٥). وقوله: ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ (الأحزاب: ٤٢). ٢ - نهى عن نسيان الذكر مثل قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ (الحشر: ١٩). ٣ - علق الفلاح والنجاة على كثرة الذكر، مثل قوله تعالى: ﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ (الجميعة: ١٠). ٤ - أثنى على أهل الذكر مثل قوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ (الأحزاب: ٣٥). ٥ - أعلن عن خسران الغافلين عن الذكر، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ (النافقون: ٩). ٦ - بين أن الذكر أفضل وأعلى من جميع الأعمال، مثل قوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ (العنكبوت: ٤٥). ٧ - يتضح بتدبر القرآن أن جميع الأعمال الصالحة تختتم بالذكر، كقوله تعالى في الأمر بالصلاة: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ (النساء: ١٠٣). وقوله تعالى في الأمر بما يجب عمله بعد قضاء صلاة الجمعة:

стр. 781

﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ (الجمعة: ١٠). وقوله بعد الأمر بالصيام: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ (البقرة: ١٨٥). وقوله بعد الأمر بالحج: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ (البقرة: ٢٠٠). ولو كانت نهاية الحياة بالذكر لتحقق للذاكر الوعد بدخول الجنة كما ورد في الحديث النبوي: ((أدخله الله الجنة)) (١). ٨ - وصف الذاكرون بالعقل والفهم، مثل قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (*) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ (آل عمران ١٩٠ - ١٩١). ٩ - ذكر الله موجود مع جميع الأعمال الصالحة، وبهذا يعلم أن الذكر هو روح الأعمال، فقد ورد عن الصلاة: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ (طه: ١٤). وقد ورد في الحديث ذكر عدة أعمال ثم بين أنها شرعت لذكر الله، كما في قوله (ص) ((وإنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) (٢). وقد ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة تسمية أهل الذكر بالمفردين، أي أهل التفريد والتوحيد (٣). وأخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي الدرداء أن النبي (ص) قال:

стр. 782

((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخيرتكم من إنفاق الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربون أعناقكم؟)) قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: ((ذكر الله ) (١). وجاء في صحيح مسلم أن النبي (ص) قال: ((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله في من عنده﴾ (٢). وأخرج أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: الله ما أجلسكم إذا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك قال: إن رسول الله (ص) خرج على حلقة من أصحابه فسألهم واستحلفهم كما فعلت ثم قال: ((أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)) (٣). سأل أعرابي النبي (ص): أي الأعمال أفضل؟ فقال (ص): ((أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)) (٤). وقال رجل: أحكام الإسلام كثيرة فدلني على شيء واحد، فقال: ((لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله)) (٥). وروى في المسند (٦) وغيره عن جابر أن النبي (ص) جاء فقال: ((أيها الناس! ارتعوا في رياض الجنة.)) قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: ((مجالس الذكر (٧)، اغدوا وروحوا واذكروا من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة

стр. 783

الله عنده، فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه)). وقد ورد في الترمذي والمسند وغيره أن النبي (ص) روى عن أبيه إبراهيم أنه قال: ((اقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) (١). وقد ورد في الصحيحين عن أبي موسى أن النبي (ص) قال: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت)) (٢). وفي الصحيح أن النبي (ص) قال فيما يرويه عن ربه: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)). وليعلم أن للذكر ثلاث طرق: أن يذكر اللسان وحده، وهذا أدنى درجة. أن يذكر القلب وحده، وهذا هو الدرجة الوسطى. أن يذكر اللسان والقلب معا، وهذا هو أعلى درجة. وليعلم أن أقسام الذكر أيضا ثلاثة: ذكر أسماء الله وصفاته ومعانيها، أي الثناء على الرب وتوحيد الله. والأمر والنهي، أي ذكر الحلال والحرام. وبيان إنعام الله وإكرامه وإحسانه وعطائه. وكذلك مراتب الذكر أيضا ثلاث: الذكر الذي يقضي على الغفلة والنسيان. والذكر الذي يخلص من القيود ويؤدي إلى بقاء الشهود. والذكر الذي ينسي الإنسان ذكر نفسه ويربطه بذكر الحق. فطوبى لإنسان استهواه ذكر ربه. وطوبى لمؤمن تعلم درس فناء العالم ببقاء رب العالم.

стр. 784

٦ - الثقة كنزي: والأصل في ذلك واقعة أم موسى، يقول الله تعالى: ﴿فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني﴾ (القصص: ٧). فالظاهر أن تلك المرأة المؤمنة لو لم تثق بوعد الله تعالى ثقة تامة لم تلق وليدها في النهر بيدها. ولذا ينبغي أن نفهم أن الثقة إنسان عين التوكل، ومركز دائرة التفويض، وسويداء القلب السليم. وتتحقق هذه الثقة وقت اليأس، فيعتمد الإنسان على ربه عند المصائب، فلا ينطق بحرف ضده ولا تخطر على باله وسوسة. وتتحقق الثقة وقت الرجاء فتنكشف للإنسان حقيقة الربوبية السابقة لله تعالى، كما تنكشف للإنسان أيضا حقيقة عدم استحقاقه. وليعلم أن مثل هذه الثقة تتحقق بفتح عين البصيرة على جميع نظام العالم بأكمله، حينما يشاهد الإنسان أن كل ذرة من الجماد وكل ورقة من النبات وكل جزء من الأرض والسماء متمتع في جوهر وجوده بإنعامه تعالى وغمور بإحسانه. ٧ - والحزن رفيقي: إن الخوف والخشية مرادفان للحزن في الأردية، ولكنها متباينة المعنى في العربية، فالخوف يطلق في الأغلب على الأشياء الحية، والخشية يكثر استعمالها في الأشياء غير الحسية. والحزن هو هم القلب الذي يزخر في القلب لخير الغير وفلاحه، وإن لم ينطق به اللسان. وقد كثر استعمال الحزن في كتاب الله في شأن الأنبياء والأصفياء. قال الله تعالى في النبي (ص): ﴿فلا يحزك قولهم﴾ (يس: ٧٦). وذلك أن النبي (ص) كان كثير الرأفة والعطف على الناس، فكان يحزن على العصاة إذا فكر في عواقبهم، ولذا أرشده الله تعالى إلى عدم الحزن عليهم. وقد ورد في القرآن الكريم قول النبي (ص) لرفيقه في الغار أبي بكر ﴿لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: ٤٠) وذلك حينما رأى أن قلبه مهموم متقطع خوفا على النبي (ص). والحكمة في هذا القول هي قصد تفضيل معية الله التي شملت النبي (ص)

стр. 785

والصديق، وهذا الحزن أفضل وأسمى من الحزن الذي جعله العشق حزنا مخيفا على سلامة الحبيب. وليعلم أن المعية التي تكمل يتضمنها الاسم الأعظم ((الله)) أعلى كثيرا من ظلال جميع الأسماء الحسنى، وتكمل كمالات العارف بالسير في اسم ذات جميع الأسماء ورفعتها، وتسقط أسباب الكون وعلله كلها تتلاشى. وقد كان الوحي الذي جاء إلى أم موسى هو: ﴿ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ (القصص: ٧). تأملوا الآية، إنها تضمنت شارة ضد الخوف الحسي، وبشارة ضد الخوف المعنوي. فالأولى أن الطفل الذي تلقيه في اليم يرده الله تعالى إليها، والثانية أن الطفل يكرم بنعمة النبوة التي لا تدرك بالحواس. وبعد تدبر هذه الآيات يتضح معنى الحديث المذكور في العنوان، وهو أن الحزن الذي كان يلازم قلب النبي (ص) يتعلق بمغفرة الآثمين من الأمة أو هدايتهم. كان قلبه (ص) مفعما بحب خلق الله والتعاطف مع عامة الناس والعطف عليهم وكان يفكر في نجاة كل فرد من أفراد الأمة كالراعي الذي يحمل هم كل رأس من غنمه، وهو يعلم أنه لو تخلفت واحدة منها عن القطيع لصارت فريسة للذئاب، ومن هنا يتبع كل غنمه ينقذها من مهاوي الهلاك. ولم يفارق هذا الحزن قلبه (ص)، فربما كان يقضي الليل كله داعيا لأمته، وقد وقع أن قضى (ص) ليلته كلها يردد الآية الكريمة: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (المائدة: ١١٨). ٨ - والعلم سلاحي: اعلم أن أهل الزهد والتقوى من المتأخرين جعلوا منزلة العلم أقل من منزلة الحال، ولكن الأمر على العكس من هذا. فالعلم حاكم والحال محكوم، والعلم هاد والحال تابع، والعلم إمام والحال مأموم، والعلم وسع الدنيا والآخرة، والحال منحصر في صاحبه، والحال كالسيف القاطع يقطع صاحبه إذا لم يحفظه العلم، والحال كالنار التي لا يسيطر عليها أحد، وهو فرس جامح يقع مع صاحبه في الهلاك إذا لم يلجم بالعلم.

стр. 786

ولكن العلم حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح ومؤنس المتوحشين. والعلم هو الميزان الذي توزن به الأقوال والأحوال والأعمال، وهو الحاكم الذي يحكم بين الشك واليقين والضلال والرشد، وبه تحصل معرفة الله تعالى وتحميده وتمجيده وتوحيده. وبه يفرق بين الحلال والحرام، وتظهر مدارج المواريث والأرحام. قال الإمام أحمد بن حنبل (١): الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين في اليوم، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه. وفي البحث عن العلم اختار كليم الله موسى ﵇ سفرا طويلا جعل من ثمرته ثلاث مسائل. والعلم هو ما أمر الله نبيه (ص) بطلبه والدعاء له فقال: ﴿قل رب زدني علما﴾ (طه: ١١٤). انظروا إلى الكلب والصقر اللذين يربيان للصيد ويوصفان في العربية بالمعلم كيف يصلان بالعلم القليل إلى درجة أن صيدهما يكون حلالا وصيد غيرهما حرام. فهذا الكلب المعلم أو الصقر المعلم يستحق أن يشبه بالجارحة الإنسانية حين يبقى أبناء جنسه نجس العين فلماذا حصلا على هذه المنزلة لقد حصلا عليها بالعلم وحده لا لشيء غيره. وتذكروا أن العلم هو العلم الذي جعلت علامته الأولى إقامة الدليل وهويته الأخيرة رفع الجهل. وللعلم ثلاث درجات: ١ - العلم الذي يحصل بقوة البصر والسمع وبالخبرة المتواترة. ٢ - والعلم الذي ينشأ في الأجسام الزكية والباطن الطاهر، ويحصل لأنفاسهم الصادقة لأهل الهمم العالية حينما يخيم السكوت في كل ناحية.

стр. 787

٣ - العلم الذي يسمى بصفة عامة بالعلم اللدني، وهذا العلم ثمرة العبودية ونتاج اتباع الأحكام الحقة، حينما ترسخ مادة الانقياد التام وترقى رغبة الاستنارة بمشكاة النبوة تنفتح المعارف الإيمانية والحقائق الأصلية التي لا يصل إليها خيال أهل المنطق والفلسفة من عند الكريم الجواد المطلق. وهذا العلم دليل نفسه ومدلول غيره. ولابد هنا من وقفة لتنبيه المعارضين والمعترضين الذين يرددون القول بأن الإسلام نشر بقوة السيف. تأملوا كيف جعل النبي (ص) العلم سلاحه وجعل الفتوح العظيمة التي حصلت له ثمار العلم فالحقيقة أن مفخرة نبي الله (ص) ليست هي الاستيلاء على بنايات الجص والطوب والحجر والخنادق، فمثل هذه اللعبة قد عرضت أمام العالم كثيرا من جانب الاسكندر وتيمور وهولاكو وبونابرت إلا أن ما تفرد به نبي الله (ص) هو أنه كان يفتح حصون القلوب ويستولي على الطبائع. وقد شهد الناس يوم خيبر الجيش الإسلامي يفتح بعض حصون اليهود الذين أشعلوا نيران العداوة والحرب ضد المسلمين في طول البلاد وعرضها، وفد في تلك الأيام على النبي (ص) رؤساء بلاط ملك الحبشة ممن دخلوا في الإسلام، وفي تلك الأثناء أيضا جاء عدة مئات من المسلمين من اليمن، وقد أراد الله تعالى بذلك أن يرى اليهود بأم رؤسهم أنهم يعتمدون في عدائهم لله ولرسوله على حصون الطوب والحجر في تجبرهم واستكبارهم على النبي (ص)، بينما دخل علمه (ص) وراء البحر في الحبشة. ورفرفت رايته على قمم جبال اليمن، مع العلم بأن هذه البلاد لم تخضع قط للحجاز. والحبشة هي البلد التي فتح جنرالها أبرهة الأشرم اليمن، ثم خرج مع ستين ألفا من الجنود لفتح مكة وهدم الكعبة المشرفة، فألقى رحله على بعد أربعة أميال من مكة. ووقعت الواقعة التي ذكرها القرآن الكريم بواقعة أصحاب الفيل قبل مولد النبي (ص) بخمسين يوما فقط (١). وما أدرى هؤلاء المهاجمين أن مليكهم سوف يتمنى في يوم من الأيام الخضوع للنبي

стр. 788

(ص) ويسجد أهل بلادهم جميعا نحو هذه الكعبة عابدين لله تعالى. معشر المسلمين! لابد لفتح أمة أو قهرها بالسيف أن يكون لدى المهاجمين رجال عرفوا بقوة السيف والبطش، حتى يضطر الناس لترك دينهم خوفا منهم. وهنا نتساءل: كيف انقاد للنبي (ص) شجعان أقوياء مثل ضرار بن الأزد وشرحبيل بن حسنة وعدي بن حاتم وعكرمة بن أبي جهل ومقداد بن الأسود الكندي والمقدام بن معدي كرب وخالد بن الوليد والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ﵃. وكيف استولى على سيوفهم راعي الغنم اليتيم الفقير والذي لا يملك سلاحا؟ لاشك أن الشجعان المذكورين لم يتركوا دينهم خوفا على أرواحهم ولم ينقادوا للنبي (ص) خوفا من السيف، وهكذا يتضح أن النبي (ص) كان يملك قوة تقهر الشجعان وتسخر الأبطال، ومن هنا لم يكن في حاجة إلى إعمال السيف ضد الثعالب والذئاب. والتفكر في هذا الأمر يدل بكل وضوح على أن قول النبي (ص) ((العلم سلاحي)) مظهر حقيقة لا ترد. والنجاح الذي حققه النبي (ص) كانت وسيلته العلم الذي منحه الله إياه. العلم الذي يبدد الظلمة ويخرج السائرين فيها إلى النور. العلم الذي ينور الأبصار ويبصر القلوب. العلم الذي ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿هذا بصائر للناس﴾ (الجاثية: ٢٠). ٩ - والصبر ردائي: ورد لفظ ((الصبر)) في القرآن الكريم في تسعين موضعا، وقد أثنى الكتاب الحميد على الصبر بست عشرة طريقة نذكرها بإيجاز: أولا: أن الله تعالى أمر بالصبر فقال: ﴿قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا﴾ (الأعراف: ١٢٨). ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ (البقرة: ٤٥). ﴿اصبروا وصابروا﴾ (آل عمران: ٢٠٠). ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ (النحل: ١٢٧).

стр. 789

ثانيا: أنه تعالى نهى عن ترك الصبر فقال: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم﴾ (الأحقاف: ٣٥). ﴿فلا تولوهم الأدبار﴾ (الأنفال: ١٥). ﴿ولا تهنوا ولا تخزنوا﴾ (آل عمران: ١٣٩). ثالثا: أنه تعالى مدح الصابرين فقال: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (البقرة: ١٧٧). رابعا: أنه تعالى أثبت حبه للصابرين فقال: ﴿والله يحب الصابرين﴾ (آل عمران: ١٤٦). خامسا: أنه تعالى أثبت معيته للصابرين، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾ (البقرة: ١٥٣). وليعلم أن هناك معية عامة، وتكون بالعلم والإحاطة، وهناك معية خاصة ينتج عنها الحفظ والنصرة والتأييد، هي المقصودة في الآية المذكورة: سادسا: أنه تعالى جعل الصبر خيرا لأهله فقال: ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ (النحل: ١٢٦). ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ (النساء: ٢٥). سابعا: أنه تعالى أعلن حسن الجزاء لأهل الصبر فقال: ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (النحل: ٩٦). ثامنا: أنه تعالى أخبر أن أهل الصبر يعطون دون حساب. فقال: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ (الزمر: ١٠). تاسعا: أنه تعالى بشر أهل الصبر فقال: ﴿وبشر الصابرين﴾ (البقرة: ١٥٥). عاشرا: أنه تعالى ضمن لأهل الصبر النصرة فقال:

стр. 790

﴿بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ (آل عمران: ١٢٥). وورد في الحديث: ((واعلم أف النصر مع الصبرا) (١). حادي عشر: أنه أخبر أن أهل الصبر هم أهل العزم كما في قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ (الشورى: ٤٣). ثاني عشر: أنه تعالى بين أن أصحاب العمل الصالح. والحظوظ العظيمة هم أهل الصبر فقال: ﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون﴾ (القصص: ٨٠). ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ (فصلت: ٣٥). ثالث عشر: أنه تعالى بين أن أهل الصبر هم ينتفعون بآيات الله ويعتبرون فقال: ﴿أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (إبراهيم: ٥). ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (*) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (الشورى ٣٢ - ٣٣). رابع عشر: أنه تعالى أخبر أن الفوز بالمطلوب والمحبوب والنجاة من الخوف والدخول في الجنة إنما هو لأهل الصبر كما في قوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (*) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ (الرعد: ٢٣، ٢٤). خامس عشر: أنه تعالى أخبر أن أهل الصبر يحتلون منصب الإمامة كما في قوله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ (السجدة: ٢٤). سادس عشر: أنه تعالى ذكر الصبر في القرآن الكريم مع الإسلام والإيمان واليقين والتقوى والتوكل والشكر، وبذلك تتضح منزلة الصبر عند الله تعالى.

стр. 791

وبعد ذكر الأقسام الستة عشر نشير إلى أن الصبر للإيمان مثل الرأس للبدن، فأين الحياة إذا فقد الجسم الرأس، وهكذا إن لم يكن مع الإيمان صبر فأين الإيمان؟ وقال سيدنا عمر الفاروق ﵁: خير عيش أدركناه بالصبر (١). وفي الحديث الصحيح: ((عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا لمؤمن، إن أصابته سراء شكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)) (٢). ومعنى الصبر في اللغة الحبس، يقال: قتل فلان صبرا. وهذا هو معناه في الآية الكريمة: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه﴾ (الكهف: ٢٨). والمناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي أن في الصبر يحبس الإنسان قلبه عن البكاء، ولسانه عن الشكوى، وجوارحه عن الجزع. وهكذا نعلم أن الصبر يتقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الصبر على طاعة الله. والثاني: الصبر عن معصية الله. والثالث: الصبر على ابتلاء الله. وفي الصنفين الأولين يد لكسب الإنسان، أما الصنف الثالث فليست فيه يد للكسب الإنساني. ويمكن أن نقول بعد التأمل في أحوال سيدنا يوسف ﵇ أن الصبر على فراق الأب وعلى الإلقاء في البئر من مقامات الصبر أيضا، ولكن رفض طلب امرأة العزيز هو أعلى أقسام الصبر وبخاصة إذا ما نظرنا إلى الأمور الآتية: ١ - الشباب. ٢ - المكان الخالي. ٣ - التجرد. ٤ - توفر مشتهى النفس. ٥ - الغربة حيث لا أقارب ولا حياء منهم.

стр. 792

٦ - المحكومية. ٧ - دعوة امرأة جميلة. ٨ - المكر والخداع بكل وسيلة مع الطلب المذكور. ٩ - الإغراء والتملق. ١٠ - التهديد. فهذه هي الأمور التي يرفع وجودها منزلة يوسف الصديق كثيرا. قال ابن تيمية: إن منزلة الصبر على الطاعات أكمل وأفضل من الصبر عن اجتناب المحارم، فإن النبي (ص) كان يحب فعل الطاعة أكثر من ترك المعصية، وخسارة عدم الطاعة أفظع من خسارة وجود المعصية (١). ثم ينبغي أن يعلم أن للصبر ثلاث حالات: ١ - الصبر بالله. ٢ - الصبر لله. ٣ - الصبر مع الله. ١ - فمعنى الصبر بالله أن لا يكون الصبر لنفس الإنسان بل لله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ (النحل: ١٢٧). ٢ - ومعنى الصبر لله أن يكون الدافع إلى الصبر هو حب الله وإرادة التقرب إليه، لا إظهار قوة النفس والرغبة في مدح الناس وثنائهم. ٣ - ومعنى الصبر مع الله أن يجعل العبد نفسه مطيعة لأوامر الله تعالى ومحارمه فيسير حيث يؤمر بالسير، ويقف حيث يؤمر بالوقوف. وهذا هو صبر الصديقين وهو أصعب أقسام الصبر. وسئل جنيد البغدادي عن الصبر فقال: الصبر تجرع المرارة من غير تعبس (٢). وقال يحي بن معاذ: إن صبر المحبين أصعب من صبر الزاهدين فإن الصبر عن الحبيب أعجب كما قيل: الصبر يسد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يحمد (٣). وقد أخرج إمام المحدثين البخاري في كتاب الآداب عن النبي (ص) أنه سئل عن

стр. 793

الإيمان فقال: ((الصبر والسماحة)). وينبغي أن نعلم هنا أن شرح العبد حالته أمام الله لا يدخل في عدم العجر، فقد حكى القرآن عن يعقوب ﵇: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (يوسف: ٨٦). ومن دعاء أيوب: ﴿إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ (الأنبياء: ٨٣). وقال الشاعر العربي: وإذا عرتك بلية فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم ويعلم قراء سيرة الرسول (ص) مدى ما قاساه النبي في تبليغ الأحكام الإلهية وتعليم المؤمنين ومن معاملة أهل الكفر وتدبير شئون أهل الدنيا وإعلاء كلمة الحق، وكيف تحمل رسول الله (ص) المصائب وصبر على الهموم والأحزان! .. فكان القذر يلقى حينا لدى بابه فكان هذا يؤذيه ويحزنه، وكانت الحفر تحفر حينا في طريقه وتغطى بالألواح الخشبية الرقيقة بعد أن تملأ بالأشواك، حتى يقع فيها (ص) حينما يخرج للصلاة ليلا، وكانوا يشدون عنقه بالرداء ويضعون بعر الإبل على ظهره وهو يصلي ويضحك الكفار عليه ويسخرون منه، كما كان يرمى بالحجارة ويمنع من قراءة القرآن. وقد مضى عليه (ص) زمن حبس فيه في شعب ومنع منه الأكل والماء، ولكن النبي (ص) صبر على ذلك صبرا أثنى عليه الله تعالى بقوله ﴿وما صبرك إلا بالله﴾ (النحل: ١٢٧). فالأجدر بمثل هذا الرسول أن يجعل الصبر لباس التجمل والعظمة والوقار فيقول: ((الصبر ردائي)). صلى الله تعالى على حبيبه بقدر صبره على بلائه وشكره على آلائه وبارك وسلم. ١٠ - والرضا رغبتي: من الواضح أن أقوال أئمة الزهد والتقوى عن الرضا ثلاثة: ١ - يقول أهل خراسان: إن الرضا أيضا اسم من أسماء المقامات، وهو منتهى التوكل، ويحصل للعبد بالاكتساب. ٢ - ويقول أهل العراق: إن الرضا من جملة الأحوال، وليس من المكاسب بل من المواهب.

стр. 794

٣ - والفريق الثالث حاول الجمع بين القولين فقال: إن الرضا في بدايته كسبي ومن جملة المقامات، وفي نهايته مجرد عطية ربانية ومن جملة الأحوال. ودليل الفريق الأول أن الله تعالى مدح أهل الرضا وأثنى عليهم ورغبهم فيه، فلو لم يكن هذا المقام كسبيا وكان خارجا عن مقدور البشر لما فعل ذلك. قال النبي (ص): ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا)) (١). وقال أيضا: ((من قال بعد ما سمع الأذان، رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، غفرت ذنوبه)) (٢). وهذان الحديثان من النصوص التي تتوقف عليها مقامات الدين، والتأمل فيهما يؤدي إلى ثبوت ما يأتي: أ - الرضا بألوهية الله وبربوبيته. ب - والرضا برسالة النبي (ص) وبإطاعته. ج - والرضا بدين الله. د - والاعتراف والتسليم بدين الله والانقياد له. ويمكن أن نقول: إن من اجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة فهو صديق. نعم، إن الادعاء باللسان سهل، ولكن النجاح في الاختبار صعب، وخاصة إذا كان هوى النفس يتعارض مع ما يردده اللسان. وليعلم أن معنى الرضا بالألوهية هو أن يتحقق التوحيد في الحب والإنابة والتبتل إلى الله. فإن خاف العبد خاف الله وحده، وإن رجا رجا منه وحده، وتنجذب إليه قواه الكلية، ويكون قصد عبادته هو التوحيد في الإخلاص. ومعنى الرضا بالربوبية أن يتحقق التوحيد في تدبير الله وفي التوكل والاعتماد والاستعانة، ويتقبل العبد كل فعل من أفعال الله برضا وسرور.

стр. 795

ومعنى الرضا برسالة محمد (ص) أن تكون طاعة محمد (ص) نصب عينيه في جميع أحكامه، ويكون تعظيم النبي (ص) مع حبه مقدما على نفسه وروحه، فيتلقى الهداية والحكم والقضاء من عتبته (ص)، ولا يرضي بحكم الغير، وخاصة في علوم الإلهيات حيث لا يكون هناك أي مجال لذلك. ومعنى الرضا بالإسلام أن يقبل بانشراح تام كل حكم للإسلام من أمر أو نهي، ويرفض كل ما يعارض هذا الحكم حتى لو صدر عن عالم معروف ومشهور. وربما تجدون الكثير من العلماء والمتصوفين والدراويش والمشايخ يعارضون الأصل المذكور، ولكن الرضا بالإسلام يقتضي أن لا يصدق المؤمنون حكما ليس من الإسلام في شيء وألا يطمئنوا في شيء إليه. واعلموا أن منزلة الرضا تأتي بعد التوكل والتفويض والتسليم، ولما كان حصوله صعبا لم يجعله الله فرضا، بل شوق إليه ورغب فيه. سئل يحيى بن معاذ: كيف ينال المسلم مقام الرضا؟ فقال: بكماله في أربعة أمور: ١ - أن يقبل العطاء. ٢ - ويرضي بعدم العطاء. ٣ - ويعبد في الانقباض. ٤ - ويحضر أمام الله في الانشرخ (١). وقيل للحسن بن علي أن أبا ذر يقول: إن الفقر أحب إليه من الغنى، والمرض أحب إليه من الصحة. فقال: رحم الله أبا ذر، إني أقول: من اعتمد على حسن اختيار الله له لم يتمن سوى ما اختاره الله تعالى (٢). وقال فضيل بن عياض لبشر الحافي: منزلة الرضاء أعلى من الزهد، لأن من رضي لا يتمنى فوق منزلته (٣). ومما كتب عمر الفاروق ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترض وإلا فاصبر (٤).

стр. 796

وقال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة (*) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (*) فادخلي في عبادي (*) وادخلي جنتي﴾ (الفجر: ٢٧ - ٣٠). وهذا هو ما يقال للعبد عند رحيله من الدنيا وبهذا القول يسر المؤمن يوم القيامة إذ يدخل ضمن جماعة عباد الله المصطفين، ويدخل في الجنة، إذ ينال النعمتين كما يشير إلى قوله: ﴿راضية مرضية﴾. ١١ - والعجز فخري: العبارة المشهورة عامة هي العجز فخري إلا أن علماء الحديث صرحوا بأن عبارة الفقر فخري لم تثبت عن النبي (ص). ذكر صاحب مجمع البحار أيضا عبارة ((والعجز فخري)) (١). ومعنى العجز الضعف، ويدخل تحت هذا المعنى أنها عدم القدرة على الفعل المفوض ولا يمكن أن يتناسب هذا مع ذات النبي (ص) لأن حياته كلها سعي واجتهاد ونموذج للجد والعمل الكامل. فالمراد بالعجز هو العجز لدى الواحد الأحد وهذا المعنى يصدق على جلال رب العالمين وعلى أحوال خاتم النبيين. انظروا إلى الأثرياء، كيف يكون تكابرهم واغترارهم بعد قليل من النجاح. ثم انظروا إلى سيرة الرسول الأكرم (ص)، الرسول الذي نال النصر من كل ذرة في الأرض وكل نجم في السماء، وخضعت لحكمه النفوس، وارتج لعظمته ما بين السماء والأرض ومع هذا فهو يعترف بعجزه ويتضرع إلى الله الأحد الصمد، كل لحظة وساعة، وهذا العجز هو مغخرة له (ص). انظروا إلى الكلمات الزاكيات لأدعية الرسول (ص)، التي تزيل غفلة القلب وحجاب الروح، فيستيقظ بها قلب الغافل ويسجد أمام سطوة الله وجبروته. وكنموذج أذكر دعاء واحدا حتى يتدبر القراء أسلوبه ويدركوا علو منزلته، ويقدروا عجز القلب الذي خرجت منه هذه الكلمات، ويروا كيف أنه يعتز بافتقاره ويربي عليه أتباعه:

стр. 797

((اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري وأنا الرجل المشفق والمقر المعترف بذنبي وأنا المستغيث، المستجير، أسالك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير ودعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذل لك جسمه، ورغم لك أنفه أن لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن لي رءوفا رحيما يا خير المسئولين ويا خير المعطين)) (١). الله أكبر! هذا هو درس المعرفة الذي لو حضر به المؤمنون بقلوبهم وألسنتهم متضرعين إلى الله لأدركتهم رحمة الله وأنار طريقهم الحب ورفعهم الإخلاص والصدق إلى منزلة القبول والكرامة، فطوبى لهم. ١٢ - والزهد حرفتي: الحرفة هي الصنعة أو وجه كسب يتقوت به الإنسان. والزهد في أصل اللغة عدم الرغبة، قال؛ تعالى في سورة يوسف: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ (يوسف: ٢٠). وفي مصطلح الشرع يطلق الزهد على عدم الرغبة في الدنيا ومالها ومتاعها. وقال البعض: الزهد هو عدم الاعتماد على الموجود، وعدم التأسف على المفقود (٢). وقال إمام المحدثين أحمد بن حنبل (٣): الزهد على ثلاثة أقسام: ١ - ترك الحرام، وهذا زهد العامة. ٢ - ترك الزائد من الحلال، وهذا زهد الخاصة. ٣ - ترك كل شيء يمنع من التوجه إلى الله، وهذا زهد العارفين. والآن ننظر إلى ألفاظ الحديث نظرة تأمل: الحرفة طريقة يلتزمها الإنسان لمعاشه، وقد جعل النبي (ص) في الحديث ((الزهد)) حرفته، فمعنى ذلك أن تصرف العناية عن الأشياء والأسباب والوسائل المؤدية إلى غير الله، ويتوجه إلى الله بكل اهتمام وهمة مع عدم المبالاة بالوسائل والوسائط، فالثقة

стр. 798

بالرب لا تجعل المتاع الحاضر موجبا للطمأنينة، وفقدان هذا المتاع نفسه لا يشوش القلب، وهذا هو أعلى منزلة الزهد، ولا يعترض عليه بأنه يمنع وسائل الكسب، أو يعارض أصول المدنية. ١٣ - واليقين قوتي: من الواضح أن ذكر اليقين وأهله تردد في عديد من آيات القرآن الكريم: ﴿الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (*) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ (البقرة: ٤ - ٥). فالفلاح والهداية ثمرة لليقين. ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ (السجدة: ٢٤). أي الإمامة في الدين نتيجة اجتماع الصبر واليقين. ﴿وفي الأرض آيات للموقنين (*) وفي أنفسكم﴾ (الذاريات: ٢٠، ٢١). وهكذا أكدت الآيات السابقة على ضرورة النظر في الآيات الربانية والتأمل في العلامات الإلهية وأن الانتفاع بهذا النظر والتأمل لا يتحقق إلا لأهل اليقين. والحاصل أن منزلة الروح من الجسم هي منزلة اليقين من الجسد الإيماني، فاليقين هو روح أعمال القلب، وهو حقيقة المصداقية. واختلف العلماء في كون اليقين كسبيا أو وهبيا. وإني أرى أنه كسبي بالنظر إلى الأسباب، ووهبي بالنظر إلى أصله. قال سهل التستري: إن البداية بالمكاشفة، ثم يتدرج الإنسان في مدارج المعاينة والمشاهدة حتى يصل إلى اليقين. وقال ذو النون المصري: إن علامات اليقين ثلاث: ١ - قلة مخالطة الناس في العشرة. ٢ - وعدم مدح الناس على عطاياهم. ٣ - وعدم ذمهم على منع العطية. وقال: حقيقة اليقين أن ينظر العبد في كل شيء إلى الله، وأن يرجع إليه في كل أمره، وأن يستعين به في كل حالة (١).

стр. 799

وليعلم أن مراتب اليقين ثلاث إذا فصلت: فالمرتبة الأولى تتضمن الأوامر والنواهي وعلم المعاد وعلم الأسماء والصفات. وحينما يثق العبد بصدق هذه العلوم وحقيقتها تحصل له هذه المرتبة. والمرتبة الثانية لا تبقى فيها حاجة الاستدلال، بل يعتبر الدليل عبثا، وتحل الرؤية مقام السمع، وهذا هو عين اليقين. والمرتبة الثالثة تتجلى بها شمس الحقيقة، وتزول كلفة اليقين، ويتجلى الحق بكماله. وهذا هو حق اليقين، وهو خاص بالأنبياء ﵈، فتنكشف أمام عيونهم جميع الأسرار والخفايا، وتظهر لهم علوم المعاد مثل ظهور الأشياء المادية للآخرين (١). وتأملوا فقد جعل النبي (ص) في حديث العنوان ((اليقين)) قوته أي غذاءه، ومن الظاهر أن نمو الجسم يتوقف على الغذاء وبه يتم تربية الجسم، واتضح من هذا مدى بعد النبي (ص) عن الأسباب المادية. وحتى نعرف قوة يقين النبي (ص) ينبغي أن نعرف قوة يقين الصحابة ﵃. تأملوا حال ذلك الصحابي في غزوة أحد الذي أمسك بحبات العنب وجلس يأكلها حتى يستعد للمعركة فسمع النبي (ص) وهو يعد الشهداء بالجنة ألقى حبات العنب قائلا: إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه الحبات ودخل المعركة وقاتل بشجاعة حتى استشهد فكتبت له الجنة. ومثله حال النقيب المحمدي عبد الله بن رواحة الأنصاري، الذي راح يقاتل أعداء الإسلام، فأتاه ابن عم له بعرق من لحم، قال: شد بهذا ظهرك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، أخذه من يده ثم سمع الحطمة في الناس فقال: وأنت في الدنيا! ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل (٢). حقا يمزق اليقين حجاب الشك والوهم، فتتجلى الحقيقة، وترتفع درجة الرؤية

стр. 800

الإيمانية إلى الرؤية العينية، يرى صاحب اليقين المغيبات مثل المشاهدات، ويحصل على الحقائق الأصلية والمعارف الروحية. ١٤ - والصدق شفيعي: حينما يتفق شخص مع آخر فيتحالف معه في الأهداف والأغراض يقال له الشفيع. والشفيع في اللغة في معنى الزوج، كما في قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ (الفجر: ٣). والصدق أصل كل شيء وكمال قوته، انظروا إلى الألفاظ التالية: ١ - العزم الصادق هو الإرادة التي تتصف بالقوة والتمام. ٢ - والحب الصادق هو الحب الذي يكون كاملا وأصليا. ٣ - والخبر الصادق هو الإعلام الذي تكون جميع عناصره كاملة قوية. والقرآن الكريم قد ذكر عدة مقامات للصدق: ١ - فقد لقن النبي (ص) هذا الدعاء: ﴿رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾ (الإسراء: ٨٠). فهذا الدعاء يوضح مسألة سؤال مدخل الصدق ومخرج الصدق، والمراد بمدخل الصدق هو توجه العبد إلى الله وإلى الأحكام الإلهية، على أن لا يشوب الريب والشك هذا التوجه له وأن لا يكون له نهاية. ويدخل في مدخل الصدق هذا دخول النبي (ص) في المدينة المنورة وهو ما كانت بركاته وأنواره غير متناهية. والمراد بمخرج صدق هو عزيمة العبد الذي يعرض عن الهوى ومقتضى الطبع والنفس، وينفض ذيله من الأمور الترابية المادية. وليس هناك حجاب أو تقليد أو رجاء نفع أو خوف ضرر يمنع العبد من خروج الصدق هذا. ويدخل في مخرج الصدق هذا هجرة النبي (ص) من مكة وابتعاده عن الوطن وانقطاعه عن العلائق ومضيه في طريق الهجرة.

стр. 801

٢ - ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) (يونس: ٢). وهذه الآية تخبر عن وجود قدم صدق وتبشر بها. والمراد بقدم صدق هو الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة التي أتى بها العبد المطيع في حياته الفانية وقدمها إلى جانب رب العزة قبل رحيله إلى القبر. إن تقديم الأعمال يكون من المؤمن والكافر ومن المطيع والفاسق جميعا، ولكن قدم صدق لا يطلق إلا على أعمال المؤمن. ٣ - ورد في دعاء سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (الشعراء: ٨٤). ورد في هذه الآية الدعاء بلسان صدق، والمراد بلسان صدق هو الثناء الحسن، وهو يعطي كجزاء حسن للعبد الذي تتصف أفعاله وأعماله وأقواله عند الله ﵎ بالتمام والكمال وفق معيار الصدق. ١٥ - والطاعة حسبي: معنى الطوع الذي اشتقت منه الطاعة هو انقياد الأمر واتباع الحكم، حينما يقوم المطيع باتباع الحكم مع انشراح الصدر ونشاط القلب. والحسب هو المجد الذي يحصل بالمال أو الدين أو الصفات الحسنة والأخلاق الفاضلة أو الجود والسخاء. والحديث المذكور يتضمن صنعة التضاد، أي يحسب الناس عامة أن الأشياء التي يتم بها التفوق على الآخرين تؤدي إلى المجد والكمال. ولكن النبي (ص) جعل الطاعة والعبودية موجبا للتفوق والعلو. ولاشك أن هذه هي الخاصية التي تتجلى بكمال في حياة الأنبياء ﵈ عامة وفي حياة النبي (ص) خاصة. وكان من شروط الكفار في الحديبية أن من لحق من قريش بالمسلمين يجب رده إلى قريش، ولكن من انضم من المسلمين إلى قريش لا يجب رده. وبدا هذا الشرط بظاهره مذلة للمسلمين، فرأى عمر الفاروق ﵁ وأسيد ابن حضير وسعد بن عبادة وسهل بن حنيف من المسلمين الغياري الذين كانوا يرددون دعاءهم بقولهم ((أعز الإسلام والمسلمين)) أن هذا الشرط ينافي حمية المسلمين وعز الإسلام.

стр. 802

ولما صرحوا للنبي (ص) بمشاعرهم في هذا الأمر لم يرد (ص) أدلتهم ولم يضعف أقوالهم بل قال (ص): ((إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري)). وبهذا تبين مدى طاعة النبي (ص) وانقياده للرب، فلم تكن الحمية والحماية الظاهرة والعزة المشهودة وتأليف المسلمين الجدد وتعزير المرتدين لتمنعه (ص) من الإطاعة والانقياد. وقد أثاب الله تعالى نبيه على هذا العمل العظيم أجرا عظيما مثله أو أعظم منه فجعل طاعته (ص) فرضا على العالمين جميعا: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (النساء: ٨٠). وقال: ﴿إن تطيعوه تهتدوا﴾ (النور: ٥٤). ١٦ - والجهاد خلقي: الجهاد هو استفرع الجهد في عمل ما وأعمال الفكر واستخدام الطاقة في أمر ما، والخلق هو الطبيعة والجبلة والخصلة الخلقية. والجهاد الشرعي على قسمين: جهاد بالمال، وجهاد بالنفس. يقول الله تعالى: ﴿وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ (الصف: ١١). إن الجهاد بالمال والتضحية به صعب جدا، والإيثار بالنفس أيضا مثله. ورب إنسان لا يبالي بمال في سبيل الحفاظ على النفس، ورب إنسان يخاطر بالنفس في سبيل الحصول على المال. وعباد الله هم الذين يوفون ويضحون بالمال والنفس معا. وربما يحول المال والنفس بين الإنسان وبين أداء الواجب الشخصي والاجتماعي والخلقي، ولكن عباد الله المخلصين يضحون بكل شيء في سبيل مرضاة الله تعالى، يقول تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ (الحج: ٧٨). والمراد بهذا الجهاد تحصيل العلم الإلهي والرضا الرباني والتقرب الإلهي وارتقاء الروح، ويقتضي هذا الجهاد القوة وإخلاص التوجه بالمعنى اللغوي والإيمان والعمل الصالح بالمعنى الشرعي بجميع الوجوه. ومن معنى الجهاد إخضاع أعداء الله، وإعداد الوسائل المادية والمعنوية لإعلاء كلمة الله.

стр. 803

وسيرة الرسول (ص) تدلنا على أنه (ص) فاق أمته في جميع أقسام الجهاد هذه. فكانت عزيمة النبي (ص) وإرادته ونيته وأمنيته وراحته وقيامه من أجل الجهاد في سبيل الله. أما الدعة والراحة التي تخص أهل الحكم، والوهن والضعف الذي يلحق الأمراء، والكسل والجمود الذي يحبه المترفون، فقد كان (ص) بعيدا عنه كل البعد. كان الجهد والسعي والطلب والرقي والسمو والتحرق والتألم والحزن والشوق من شمائل النبي (ص). وبفضلها وتأثيرها سهل على الصحابة ﵃ التخلي عن الأهل والأسرة والضياع والأمتعة والراحة والدعة، وانقطعوا للجهاد في سبيل الله. وبهذه الصفة العالية تركوا الوطن واعتبروا الحياة الدنيا حياة دنيئة، فهجروا الوطن، وعلموا الدنيا كلها درس الهمة العالية والعزم الراسخ والطلب الصادق والسعي الموفور، حتى ارتجت أرجاء الشرق والغرب بنداء ﴿كلمة الله هي العليا﴾ (التوبة: ٤٠). وبأسوته (ص) أدرك الناس أن الدنيا دار العمل، وحاسبوا فيها أنفسهم، وتمثلت أمام عيونهم الحياة الروحية التي تتبع الحياة الدنيوية. وبهذا التعليم والتوجيه تحققت الفوائد الكثيرة والفتوح العظيمة والغنائم الوافرة والنتائج العالية. فليت أهل الإسلام حسبوا ذلك العلم والعمل مآل الحياة، وجعلوا السعي والطلب طبيعتهم وجبلتهم، حتى يستحقوا لقب الأمة الحية بين أمم العالم الحية. لا، لا، إن أهداف الأمم التي توصف اليوم بالأمم الحية أهداف منحطة جدا، والواجب على أهل الإيمان السمو والنهوض وذلك بإخلاص النية والعمل، حتى يكونوا مع النبيين والصديقين والشهداء، ويوضع على رءوسهم إكليل سعادة الدارين وهو ما يطلق عليه إكليل الخلافة أيضا. ١٧ - وقرة عيني في الصلاة: الحج مرة في العمر، كما أن تحديد يوم معين في السنة يكفي لأداء الزكاة، ويأتي صوم رمضان بعد أحد عشر شهرا. ولكن الصلاة فرضت في اليوم الواحد خمس مرات، والطفل إذا بلغ سبعا يؤمر بالصلاة، ويضرب إذا تركها إن بلغ عشرا.

стр. 804

ولا تسقط الصلاة في السفر والحضر والمرض والفقر والغنى والعبودية والحرية والحبس والرق، بل تبقى فريضة كلما كان العبد عائلا. وتفرض الصلاة قبل الأعمال الأخرى وتبقى فريضة بعدها جميعا، وأول ما يسئل عنه العبد يوم القيامة هو الصلاة. والصلاة هي عماد الدين، وعظمة الإسلام، وعلى هذا الأساس قام بناء الإسلام، تبنى المساجد ويعلن الآذان، ويعين الخطباء والأئمة ويكرم الحفاظ ويزين المحراب من أجل الصلاة ويبدو فضل علماء الدين فوق المنابر. والصلاة تعلم درس الاجتماع ودرس التنظيم، وتعود الناس على المحافظة على الأوقات، وتجمع مختلفي الاتجاهات في مركز واحد، وتعلم إطاعة الأمير الذي انتخبه القوم. والصلاة تحمل العبد على تطهير الجسم واللباس والمكان، وتعلمه الاستيقاظ وقت السحر، وتحافظ على صحة الإنسان وماله ووقته بإبعاده عن الملاهي والمسارح ومواضع الفجور، وهي تورث في القلب شعورا وإحساسا يجذب قلب العبد إلى رب العالمين. والصلاة تكرم الإنسان بالحضور في جانب رب العالمين، وتكشف سر مناجاة العبد لربه، وهي كمال العبودية وتمام الإنسانية، وهي التي تهدي إلى الأخلاق الحسنة وتنهي عن العادات السيئة، وهي المغفرة والرحمة والنور والبرهان، وبها يرسخ يقين علم رب العالمين وقدرته، وبها تقوى صلة الأخوة العالمية بين المسلمين، وبها تقطع مراتب الإحسان وتشع أنوار الرسالة المحمدية. والدين الذي لا صلاة فيه ليس دينا، وقد جاء وصف الصلاة بأنها معراج المؤمنين. ووصف العبد في حالة السجود بكونه أقرب ما يكون إلى الله. وقد أدرك صلحاء الأمة أن النفس القلقة تجد سكينتها في الصلاة، والقلب الغارق في التفكير يجد لذة الإنابة إلى الله في الصلاة، والصلاة هي التي تؤثر في جسم الإنسان وقلبه وذهنه ونفسه وروحه وسره وعلنه، والصلاة تجعل الإنسان في حالة الخائف الراهب ملكوتي الصفات. ومن أدلة فضل الإسلام على جميع الأديان أنه هو الدين الذي يأتي بالعبد إلى جناب الله خمس مرات، ويتيح أمامه فرصة التكلم والمناجاة مع الله دون واسطة. وإذا كانت هذه البركات لصلوات عامة المسلمين فلا شك أن صلاة النبي (ص) فاقت صلوات

стр. 805

العالمين نورانية وصفاء. وهل يمكن المقارنة هنا بأي شكل من الأشكال بين عبادة العبد المذنب الذليل الخائب الخاسر وبين عبادة النبي المصطفى المجتبى وسيد الورى حبيب رب العالمين؟!. إن الحديث المذكور يلهم المسلمين أن يجعلوا قرة أعينهم في الصلاة، كما جعلها النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم.

стр. 806

الباب الخامس عشر خصائص القرآن القرآن هو الكتاب المقدس الذي تلاه النبي (ص) بلسانه حرفا حرفا على أنه كلام الله تعالى، ولذا يجب على مؤلف السيرة النبوية أن يقدم المباحث اللازمة عن القرآن مع السيرة النبوية. وقد سبق أن قدمنا عدة صفحات حول هذا المبحث في الجزء الأول من هذا الكتاب. وهنا نقدم للقراء عدة مباحث أخرى مفصلة. بلغ عدد أسماء القرآن الكريم أيضا ٩٩ اسما مثل الأسماء الحسنى، ولكن أخص أسمائه هو ((كلام الله)) وأشهرها ((القرآن)). قال الإمام ابن القيم في كتابه (١) ((المشوق إلى علوم القرآن)): ((أما القرآن فاشتقاقه فيه قولان، أحدهما: التتبع والجمع من قولهم: قرأت الماء في الحوض، إذا تتبعته وجمعته فيه، فهو جامع لما في كتب الأولين المنزلة على سائر النبيين. والثاني: أنه مشتق من الإظهار والبيان، لأنه أظهر سائر العلوم المحتاج إليها في أمر الدين والدنيا وجمع بينهما)). وفيما يلي نقدم بعض المباحث تحت عناوين شتى:

стр. 807

الفصل الأول ضرورة القرآن من أراد معرفة ضرورة القرآن الكريم عليه أن يتدبر تاريخ ذلك العصر وأحوال العالم. كان مجوس إيران غارقين في بحر الشرك، حتى أنهم تعدوا حدود الإنسانية وأباحوا للإنسان أمه وبنته وأخته. وابتلى نصارى كنيسة روما بالوثنية الصريحة، وسفكوا دماء مئات الألوف من البشر فسالت أنهارا في سبيل نشر عقيدة الشرك. وكانت الصين غارقة في عبادة القبور والعفاريت والغيلان، ثم ادعى أهلها بأنهم من أبناء السماء ووقعوا في براثن الفجور والفسق وجعلوا الخمر أحسن أفعال الإنسان وأقاموا تماثيل لعورات الإنسان واعتبروا وأد البنات والميسر علامة الكرامة الإنسانية. وكان العرب قد سبقوا أهل البلاد الأخرى في بعض القبائح المذكورة. وهكذا كان الظلام مخيما على جميع المعمورة، وكانت الكتب المنزلة إلى الوقت غير كافية للقضاء على الزيغ والضلال، وكيف نتوقع لها تأثيرا في القضاء على فساد العالم كله إذا كانت الأمة التي نزلت عليها هذه الكتب قد خرجت على تعاليمها. وهكذا كانت هناك حاجة إلى كتاب مهيمن يستطيع إصلاح العالم كله، ويسع في طياته جميع الكتب السابقة، ويغني بمجموعه العالم كله عن الأوراق الأخرى المبعثرة. فكما ينزل غيث الرحمة ينزل بعد الحر الشديد، وتطلع الشمس المنيرة بعد ظلام الليل الحالك، فكذا أظهرت الظلمة السائدة على العالم كله ضرورة القرآن الكريم والنور المبين، وأشعرت بها قلوب العالمين. ولذا أنزلت الرحمة الربانية التي خلقت الإنسان من عدم وجعلت من النطفة إنسانا كاملا، هذا النور وهذه الهداية لسد حاجتنا الروحية. ومن سوء الحظ وجدت في الهند طائفة تعتقد أن الله هو أرحم الراحمين، ولكنها

стр. 808

تنكر ضرورة نزول كلام الله إلى الدنيا، إن هؤلاء العمي يعترفون بأن نور السماوات والأرض منح العيون الرؤية فخلق لها ألوانا كثيرة، وخلق الأسماع فخلق لها أصواتا متنوعة، وخلق الأرجل فجعل لها الأرض تمشي عليها، وخلق الفم واللسان فجعل لهما ألوانا من اللذائذ والرغائب. والحاصل أنه خلق عالما مستقلا لجميع الحواس الظاهرة والقوى الباطنة في جسم الإنسان. ولكنها مع الاعتراف بذلك كله تنكر وجود عالم مستقل للروح الإنسانية التي تعتبر مخزنا للفطرة الإنسانية وحاكمة في دنياها. ولو أنها أنكرت الروح لما تأسفنا عليها هذا التأسف، ولكن الاعتراف بالروح وإنكار العالم الخاص بها من قبل الرحمة الإلهية، لا يدل إلا على الجهل بأسرار الفطرة. هذا، ونضع لإثبات ضرورة القرآن الكريم تاريخ العالم أمام أهله، وكذلك كل ما تحقق لدين من أديان العالم من رقي ونهضة بعد نزول القرآن الكريم وانتشاره بين الناس، وكذلك الإصلاح الذي تحقق للأمم غير المسلمة في عهد الرسالة المحمدية التي صار لها الآن نحو ١٣٥٢ سنة (١)، بعد الاستفادة من القرآن، وبعد الاطلاع على هذه النهضة والإصلاح نرجو أن يعترف كل مؤلف بالضرورة بأن العالم كان في أمس الحاجة إلى نزول القرآن الكريم.

стр. 809

فصاحة القرآن وبلاغته من أراد معرفة فصاحة القرآن وبلاغته فعليه أن يتذكر أن معرفة اللغة معرفة تامة شرط أساسي لذلك، ثم المهارة التامة في علم المعاني والبيان والبديع بالإضافة إلى الفهم السليم والطبع المستقيم، ولو توفرت هذه الصفات وهذه الوسائل لأحد فسوف يعلن أن فصاحة القرآن الكريم وبلاغته فوق الطاقة البشرية. الف - كان جهلاء العرب محبي اللغة وكانوا مولعين بحسن البيان، ولذلك تمكنوا من إنشاء الأساليب الغريبة والقصائد العجيبة والرجز الفاجر والسجع الموجز والخطب البليغة، ومجرد وجود هذه الصلاحية جعل كبار اللغويين والخطباء والشعراء يعترفون ويقرون بأن القرآن ليس كلام البشر. تأملوا هل وقع في بلد من بلاد العالم أن ادعى أحد ادعاء (لا مثيل له في العالم كما فعل خاتم النبيين ورسول كافة الناس ورحمة للعالمين ومطاع العالم (ص)) وقدم في إثبات دعواه كتابا جعله معيارا لصدقه وكذبه، وقرع أسماع المنكرين بنسبتهم إلى الضلال والعماية وساق لهم وعيد الخلود في النار والخزي في الدنيا والآخرة؟ وفي مثل هذه الحالة آثر أهل بلاده الذين يتكلمون بلغته السكوت وأبدوا الدهشة والتحير! إننا نؤمن بأن التاريخ يعجز عن الإتيان بنظير ذلك. إن صاحب القرآن، فداه أبي وأمي، قد حدد المعارضين في ستة أقسام، وأعجز أصحاب هذه الأقسام جميعا، مقيما برهانا جليا مثل الشمس على صدقه. فالقرآن الكريم مع كونه بلسان عربي مبين قد فاق كتب العالم فصاحة وبلاغة. ب - والآن ينبغي أن نلاحظ أن فردوسي وهومر وسعدي وشكسبير ووالميك وملتن وجوته وبيكن والنابغة وسسرو وامرؤ القيس وخسرو وغيرهم قد حازوا ثناء حارا من أمم شتى بلغات مختلفة، لقد كان حماسهم لتلك الكتب التي تضمنت أساسا الصور الخيالية والحكايات الأسطورية التي استخدم فيها مؤلفوها بحرية كاملة التشبيهات والاستعارات من كل نوع ولم يلتزموا بترك الغلو أو حتى التمسك بالصدق.

стр. 810

ولو كلف هؤلاء الأدباء بكتابة قواعد وأصول قانونية أو كتابة سطور في بيان حقائق الإلهيات وأسرار الطبيعة والكون، لأدرك العالم مدى ركاكة أسلوبهم وسماجته وتفكك العبارات وابتذال الألفاظ في كتاباتهم. ولكن إعجاز القرآن الكريم أنه يسوق الآيات حول أحكام الشريعة والمواعظ والأمثال والأخبار والإنذار وقصص الماضي وأحوال المستقبل، ومع ذلك يظل الكلام على مستوى درجة الصدق والروحانية، ولا يبتعد عن أساس الفصاحة والبلاغة. ج - ولابد أن نتذكر أن هناك اختلافا في مجالات الأدب وميادين البيان بين أدباء العالم المعترف بهم وذلك فيما يتعلق بتقييم الفصاحة والبلاغة فنصائح سعدي تشق سبيلها إلى أعماق القلب، ولكنه لا يستطيع أن يفرش بساط المتعة ويفتح أبواب الوصال، وقارئ ملحمة فردوسي يتخيل أنه يشاهد رواية، إلا أن قلم الفردوسي السيال يتعرج في طريق المواعظ والأخلاق، وهكذا حال شعراء وأدباء العرب: امرئ القيس وعنترة وأبي نواس وأبي العتاهية، ونفس هذا التفاوت يوجد لدى أدباء ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وانجلترا من الشعراء والروائيين والمحررين واللغويين والمدرسين والمحاضرين. إن ((رينالد)) لا يمكن أن يحل أبدا محل ((غبن)) وإن ((كار لايل)) لن يتحول إلى شكسبير، ولن يكون لكل من هربرت سبنسر ونارث بروك أسلوبا واحدا أو لغة متشابهة. اقرأوا القرآن الكريم، إنه يستخدم الأدلة الساطعة والبراهين الواضحة عن الموجودات والماهيات والكيفيات، ويلقي ضوءا على رقي الأمم السابقة وانحطاطها وأسبابهما، ويتكلم عن المذاهب والأديان وعقائد الإنسان ومسلماته، ويكشف أسرار الروح والمادة والأعمال. ويضع قوانين ومبادئ التدبير المنزلي وسياسة المدن وحقوق الأفراد وواجبات الأمم، وتطلب ذلك أقسام البيان المختلفة وأساليب الكلام المتنوعة، ولكن القرآن الكريم يحافظ في كل ذلك على جزالة الكلام وحسن المعاني وبهاء الألفاظ، كما كان شأنه في تقرير التوحيد ورد الشرك وإبطال الباطل وإحقاق الحق. ومواقع الكلام هذه لا يدركها إلا من أفنى عمره الطويل في التطلع إلى الفهم والتوصل إلى التذوق. د - إن للفصاحة والبلاغة علاقة بجزالة الألفاظ ورشاقة المعاني، ونسوق هنا آيات
следующие страницы →