← Сира

Сира · id 14328

رحمة للعالمين (مترجم) - المنصورفوري

محمد سليمان المنصورفوري

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الباب الخامس عشر خصائص القرآن القرآن هو الكتاب المقدس الذي تلاه النبي (ص) بلسانه حرفا حرفا على أنه كلام الله تعالى، ولذا يجب على مؤلف السيرة النبوية أن يقدم المباحث اللازمة عن القرآن مع السيرة النبوية. وقد سبق أن قدمنا عدة صفحات حول هذا المبحث في الجزء الأول من هذا الكتاب. وهنا نقدم للقراء عدة مباحث أخرى مفصلة. بلغ عدد أسماء القرآن الكريم أيضا ٩٩ اسما مثل الأسماء الحسنى، ولكن أخص أسمائه هو ((كلام الله)) وأشهرها ((القرآن)). قال الإمام ابن القيم في كتابه (١) ((المشوق إلى علوم القرآن)): ((أما القرآن فاشتقاقه فيه قولان، أحدهما: التتبع والجمع من قولهم: قرأت الماء في الحوض، إذا تتبعته وجمعته فيه، فهو جامع لما في كتب الأولين المنزلة على سائر النبيين. والثاني: أنه مشتق من الإظهار والبيان، لأنه أظهر سائر العلوم المحتاج إليها في أمر الدين والدنيا وجمع بينهما)). وفيما يلي نقدم بعض المباحث تحت عناوين شتى:

стр. 807

الفصل الأول ضرورة القرآن من أراد معرفة ضرورة القرآن الكريم عليه أن يتدبر تاريخ ذلك العصر وأحوال العالم. كان مجوس إيران غارقين في بحر الشرك، حتى أنهم تعدوا حدود الإنسانية وأباحوا للإنسان أمه وبنته وأخته. وابتلى نصارى كنيسة روما بالوثنية الصريحة، وسفكوا دماء مئات الألوف من البشر فسالت أنهارا في سبيل نشر عقيدة الشرك. وكانت الصين غارقة في عبادة القبور والعفاريت والغيلان، ثم ادعى أهلها بأنهم من أبناء السماء ووقعوا في براثن الفجور والفسق وجعلوا الخمر أحسن أفعال الإنسان وأقاموا تماثيل لعورات الإنسان واعتبروا وأد البنات والميسر علامة الكرامة الإنسانية. وكان العرب قد سبقوا أهل البلاد الأخرى في بعض القبائح المذكورة. وهكذا كان الظلام مخيما على جميع المعمورة، وكانت الكتب المنزلة إلى الوقت غير كافية للقضاء على الزيغ والضلال، وكيف نتوقع لها تأثيرا في القضاء على فساد العالم كله إذا كانت الأمة التي نزلت عليها هذه الكتب قد خرجت على تعاليمها. وهكذا كانت هناك حاجة إلى كتاب مهيمن يستطيع إصلاح العالم كله، ويسع في طياته جميع الكتب السابقة، ويغني بمجموعه العالم كله عن الأوراق الأخرى المبعثرة. فكما ينزل غيث الرحمة ينزل بعد الحر الشديد، وتطلع الشمس المنيرة بعد ظلام الليل الحالك، فكذا أظهرت الظلمة السائدة على العالم كله ضرورة القرآن الكريم والنور المبين، وأشعرت بها قلوب العالمين. ولذا أنزلت الرحمة الربانية التي خلقت الإنسان من عدم وجعلت من النطفة إنسانا كاملا، هذا النور وهذه الهداية لسد حاجتنا الروحية. ومن سوء الحظ وجدت في الهند طائفة تعتقد أن الله هو أرحم الراحمين، ولكنها

стр. 808

تنكر ضرورة نزول كلام الله إلى الدنيا، إن هؤلاء العمي يعترفون بأن نور السماوات والأرض منح العيون الرؤية فخلق لها ألوانا كثيرة، وخلق الأسماع فخلق لها أصواتا متنوعة، وخلق الأرجل فجعل لها الأرض تمشي عليها، وخلق الفم واللسان فجعل لهما ألوانا من اللذائذ والرغائب. والحاصل أنه خلق عالما مستقلا لجميع الحواس الظاهرة والقوى الباطنة في جسم الإنسان. ولكنها مع الاعتراف بذلك كله تنكر وجود عالم مستقل للروح الإنسانية التي تعتبر مخزنا للفطرة الإنسانية وحاكمة في دنياها. ولو أنها أنكرت الروح لما تأسفنا عليها هذا التأسف، ولكن الاعتراف بالروح وإنكار العالم الخاص بها من قبل الرحمة الإلهية، لا يدل إلا على الجهل بأسرار الفطرة. هذا، ونضع لإثبات ضرورة القرآن الكريم تاريخ العالم أمام أهله، وكذلك كل ما تحقق لدين من أديان العالم من رقي ونهضة بعد نزول القرآن الكريم وانتشاره بين الناس، وكذلك الإصلاح الذي تحقق للأمم غير المسلمة في عهد الرسالة المحمدية التي صار لها الآن نحو ١٣٥٢ سنة (١)، بعد الاستفادة من القرآن، وبعد الاطلاع على هذه النهضة والإصلاح نرجو أن يعترف كل مؤلف بالضرورة بأن العالم كان في أمس الحاجة إلى نزول القرآن الكريم.

стр. 809

فصاحة القرآن وبلاغته من أراد معرفة فصاحة القرآن وبلاغته فعليه أن يتذكر أن معرفة اللغة معرفة تامة شرط أساسي لذلك، ثم المهارة التامة في علم المعاني والبيان والبديع بالإضافة إلى الفهم السليم والطبع المستقيم، ولو توفرت هذه الصفات وهذه الوسائل لأحد فسوف يعلن أن فصاحة القرآن الكريم وبلاغته فوق الطاقة البشرية. الف - كان جهلاء العرب محبي اللغة وكانوا مولعين بحسن البيان، ولذلك تمكنوا من إنشاء الأساليب الغريبة والقصائد العجيبة والرجز الفاجر والسجع الموجز والخطب البليغة، ومجرد وجود هذه الصلاحية جعل كبار اللغويين والخطباء والشعراء يعترفون ويقرون بأن القرآن ليس كلام البشر. تأملوا هل وقع في بلد من بلاد العالم أن ادعى أحد ادعاء (لا مثيل له في العالم كما فعل خاتم النبيين ورسول كافة الناس ورحمة للعالمين ومطاع العالم (ص)) وقدم في إثبات دعواه كتابا جعله معيارا لصدقه وكذبه، وقرع أسماع المنكرين بنسبتهم إلى الضلال والعماية وساق لهم وعيد الخلود في النار والخزي في الدنيا والآخرة؟ وفي مثل هذه الحالة آثر أهل بلاده الذين يتكلمون بلغته السكوت وأبدوا الدهشة والتحير! إننا نؤمن بأن التاريخ يعجز عن الإتيان بنظير ذلك. إن صاحب القرآن، فداه أبي وأمي، قد حدد المعارضين في ستة أقسام، وأعجز أصحاب هذه الأقسام جميعا، مقيما برهانا جليا مثل الشمس على صدقه. فالقرآن الكريم مع كونه بلسان عربي مبين قد فاق كتب العالم فصاحة وبلاغة. ب - والآن ينبغي أن نلاحظ أن فردوسي وهومر وسعدي وشكسبير ووالميك وملتن وجوته وبيكن والنابغة وسسرو وامرؤ القيس وخسرو وغيرهم قد حازوا ثناء حارا من أمم شتى بلغات مختلفة، لقد كان حماسهم لتلك الكتب التي تضمنت أساسا الصور الخيالية والحكايات الأسطورية التي استخدم فيها مؤلفوها بحرية كاملة التشبيهات والاستعارات من كل نوع ولم يلتزموا بترك الغلو أو حتى التمسك بالصدق.

стр. 810

ولو كلف هؤلاء الأدباء بكتابة قواعد وأصول قانونية أو كتابة سطور في بيان حقائق الإلهيات وأسرار الطبيعة والكون، لأدرك العالم مدى ركاكة أسلوبهم وسماجته وتفكك العبارات وابتذال الألفاظ في كتاباتهم. ولكن إعجاز القرآن الكريم أنه يسوق الآيات حول أحكام الشريعة والمواعظ والأمثال والأخبار والإنذار وقصص الماضي وأحوال المستقبل، ومع ذلك يظل الكلام على مستوى درجة الصدق والروحانية، ولا يبتعد عن أساس الفصاحة والبلاغة. ج - ولابد أن نتذكر أن هناك اختلافا في مجالات الأدب وميادين البيان بين أدباء العالم المعترف بهم وذلك فيما يتعلق بتقييم الفصاحة والبلاغة فنصائح سعدي تشق سبيلها إلى أعماق القلب، ولكنه لا يستطيع أن يفرش بساط المتعة ويفتح أبواب الوصال، وقارئ ملحمة فردوسي يتخيل أنه يشاهد رواية، إلا أن قلم الفردوسي السيال يتعرج في طريق المواعظ والأخلاق، وهكذا حال شعراء وأدباء العرب: امرئ القيس وعنترة وأبي نواس وأبي العتاهية، ونفس هذا التفاوت يوجد لدى أدباء ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وانجلترا من الشعراء والروائيين والمحررين واللغويين والمدرسين والمحاضرين. إن ((رينالد)) لا يمكن أن يحل أبدا محل ((غبن)) وإن ((كار لايل)) لن يتحول إلى شكسبير، ولن يكون لكل من هربرت سبنسر ونارث بروك أسلوبا واحدا أو لغة متشابهة. اقرأوا القرآن الكريم، إنه يستخدم الأدلة الساطعة والبراهين الواضحة عن الموجودات والماهيات والكيفيات، ويلقي ضوءا على رقي الأمم السابقة وانحطاطها وأسبابهما، ويتكلم عن المذاهب والأديان وعقائد الإنسان ومسلماته، ويكشف أسرار الروح والمادة والأعمال. ويضع قوانين ومبادئ التدبير المنزلي وسياسة المدن وحقوق الأفراد وواجبات الأمم، وتطلب ذلك أقسام البيان المختلفة وأساليب الكلام المتنوعة، ولكن القرآن الكريم يحافظ في كل ذلك على جزالة الكلام وحسن المعاني وبهاء الألفاظ، كما كان شأنه في تقرير التوحيد ورد الشرك وإبطال الباطل وإحقاق الحق. ومواقع الكلام هذه لا يدركها إلا من أفنى عمره الطويل في التطلع إلى الفهم والتوصل إلى التذوق. د - إن للفصاحة والبلاغة علاقة بجزالة الألفاظ ورشاقة المعاني، ونسوق هنا آيات

стр. 811

حتى يتدبرها القراء ويدركوا مدى إحاطتها لشئون تهذيب الأخلاق والنفس وتدبير المنازل وتحصين الأمم وسياسة المدن، وبهذا العدد من الآيات يتيسر قياس ٦٦٦٦ آية من القرآن وما فيها من العلوم والمعارف. ولا يحسبن أحد بذكر هذه الآيات أنها هي التي تصلح أن تكون نموذجا بين آيات القرآن، كلا ... ثم كلا. إننا الآن مثل قاطف الأزهار الذي ذهب أيام الربيع إلى الحديقة ثم رجع منها حاملا معه عدة أزهار. فهل يستطيع أحد أن يدعي أنه لم يبق هناك زهرة بعد ذلك؟ أو أن الذي بقى ليس مثل المقطوف من ناحية اللون والرائحة واللطافة والرقة؟ لاشك أن الإجابة على السؤال بالسلب: ١ - أصول العبادة: ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون﴾ (يس: ٢٢). ٢ - شرف الإنسانية: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ (الإسراء: ٧٠). ٣ - أوامر يجب فعلها: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإتاء ذي القربى﴾ (النحل: ٩٠). ٤ - نواه يجب اجتنابها: ﴿وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ (النحل: ٩٠). ٥ - المحرمات: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون؟ (الأعراف: ٣٣). ٦ - التعاون: ﴿تعاونوا على البر والتقوى﴾ (المائدة: ٢). ٧ - عدم التعاون: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (المائدة: ٢). ٨ - مسئولية الجوارح الإنسائية عن أعمالها: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (الإسراء: ٣٦).

стр. 812

٩ - وزن الأعمال: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يراه (*) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (الزلزلة: ٧، ٨). ١٠ - العدل والرحم: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ (الشورى: ٤٠). ١١ - العدل والرحم والعفو: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (*) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (*) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ (الشورى: ٤١ - ٤٣). ١٢ - العفو العام: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ (النور: ٢٢). ١٣ - تحويل العدو إلى الصديق: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ (فصلت: ٣٤). ١٤ - حرية الدين: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: ٢٥٦). ١٥ - قول بلا عمل: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ (الصف: ٣). ١٦ - مسئولية الأعمال: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام: ١٦٤). ١٧ - مجاهرة السوء: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ (النساء: ١٤٨). ١٨ - تعليم الحلم والتواضع: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ (الفرقان: ٦٣). ١٩ - عادات غير مرضية: ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ (لقمان: ١٨).

стр. 813

٢٠ - التنفير من الغيبة: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ (الحجرات: ١٢). ٢١ - ضرورة النفع وفضله: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (آل عمران: ٩٢). ٢٢ - تعليم الأخوة العامة: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: ١٠). ٢٣ - مساواة في حقوق الرجل والمرأة: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ (البقرة: ٢٢٨). ٢٤ - اتحاد الزوجين: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ (البقرة: ١٨٧). ٢٥ - النصح بإمساك الزوجة: ﴿أمك عليك زوجك واتق الله﴾ (الأحزاب: ٣٧). ٢٦ - الأمر بالشكر وفائدته: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ (إبراهيم: ٧). ٢٧ - ما به الابتلاء: ﴿أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (الأنفال: ٢٨). ٢٨ - تعليم التواضع: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (يوسف: ٥٣). ٢٩ - وسيلة تجنب الحرب: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾. (الأنفال: ٦٠). ٣٠ - جميع المحامد للرب تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (الفاتحة: ٢). ٣١ - تعريف الدين الإلهي: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ (الروم: ٣٠).

стр. 814

٣٢ - هدف الدين الصحيح: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ (المائدة: ٦). ٣٣ - الرحمة بالمؤمنين: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ (الأنعام: ٥٤). ﴿وهو الغفور الودود﴾ (البروج: ١٤). ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ (البقرة: ٢٥٧). ٣٤ - قيمة نفس الإنسان: ﴿أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ (المائدة: ٣٢). ٣٥ - النهي عن الفساد: ﴿فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ (الأعراف: ٧٤). ٣٦ - أصول المصارف: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ (الفرقان: ٦٧). ٣٧ - الانتفاع بالمال: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ (القصص: ٧٧). ٣٨ - معونة الفقراء والمساكين: ﴿فأت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون﴾ (الروم: ٣٨). ٣٩ - عدم الثقة بالحالف: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ (القلم: ١٠). ٤٠ - دعاء الله تعالى: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾ (غافر: ١٤). ٤١ - حمد الخالق ومدح المخلوق: ﴿الحمد لله وسلام على عباده﴾ (النمل: ٥٩).

стр. 815

كلما تدبرنا هذه الجملة القصيرة وتقسيم الدرجات انكشفت الحقائق، ففيها التوحيد وفيها رد الشرك وفيها بيان الدرجات العليا لعباد الله المصطفين. ٤٢ - التناسب في النظام: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور﴾ (الملك: ٣). ٤٣ - القرآن وبيت العنكبوت: ﴿إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾ (العنكبوت: ٤١). إن الإتيان بالعلم في فاصلة الآية هو للإشارة إلى وجود خطاب لأهل العلم فيما يتعلق ببيت العنكبوت ذلك لأن بيت العنكبوت يتضمن عجائب تستحق اهتمام أهل العلم. يقول الأساتذة الألمان: إن كل خيط في بيت العنكبوت تتضمن أربعة خيوط وكل من هذه الأربعة يكون منسوجا (مفتولا) من ألف خيط فكأن كل خيط يتضمن أربعة آلاف خيط، فليتأمل العلماء كيف أن الله تعالى منح العنكبوت الباني لأوهن البيوت الفهم والفراسة والقدرة على النسج والخياطة!. ٤٤ - القرآن والنحل: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ (النحل: ٦٨). إن خلية النحل تتضمن القاعدة المتينة للنظام القومي، والتقسيم المنفرد لأهل الصنعة للجيش وللشغالين، ومواضع الأسر المنفصلة بعضها عن بعض، وحكومة الملكة الولادة، والمجموعة القائمة على تربية الأولاد، وذخيرة العسل، وطرق الحفاظ عليها، وجميع عصارة الزهور لإفراز العسل، وكون بيوت الخلية متساوية في الحجم، والشكل، جميع هذه الأمور تبرهن على عظمة الوحي الرباني إذا توجه بالاهتمام إلى كل ذي روح. والقرآن مثل الوحي إذا توجه إلى جسم وروح الإنسان العاقل الفاهم الناطق المدبر رفعه إلى منازل عالية. ٤٥ - القرآن وتمثيل النمل: ﴿قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾ (النمل: ١٨). فسبحان الله! إن النمل يملك المساكن التي إذا دخلها لم تضره جنود سليمان!

стр. 816

إن هذه الآية تعلم كل أمة ضعيفة دروس الحفاظ على كيانها أمام الأمم القوية، وأول درس في ذلك الاتحاد والاتفاق، أي إطاعة كل فرد رئيسه في كل أمر. والدرس الثاني: توفير وسائل الأمن الذاني في كل وقت. والدرس الثالث: عدم مواجهة القوة العليا. والدرس الرابع: عدم توجيه اللوم في حالة التضرر إلى من لم ينو إلحاق الضرر. والدرس الخامس: أن المسلمين إذا صاروا في حالتهم الاجتماعية مثل النمل فعليهم أن يدخلوا في حماية القرآن. والدرس السادس: أن الإنذار بالخطر القادم واجب الأمير. والدرس السابع: أن مخلوقا ضعيفا مثل النمل يستحق البقاء إذا أراد ذلك، فليس ضعف أمة دليلا على فنائها. ٤٦ - القرآن والاعتبار بما في الأرض والسماء: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾ (يونس: ١٠١). وهذه الآية أصل جميع الاكتشافات، فالتفكر والاعتبار في مخلوقات الله والاطلاع على خواصها وماهياتها يوصلان الإنسان إلى مدارج الرقي، ولكن للأسف فرط المسلمون في الإتيان بهذه الأوامر تفريطا بالغا. ٤٧ - القرآن وفوائد البحر: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ (النحل: ١٤). تشير الآية الكريمة إلى منافع البحر التالية: ١ - اللحم الطري، فمن اطلع على تجارة البحر وصيد السمك عرف أن أمم العالم تربح ملايين الدولارات بهذه التجارة، ولكن المسلمين الذين خوطبوا بالآية مباشرة جهلوها وحرموها تماما. ٢ - الدر والجواهر، فهما من زينة الإنسان ولباسه، وتجارتهما تدر ملايين الجنيهات. وكانت البحرين تحت سيطرة المسلمين في العهد النبوي وعهد الخلفاء

стр. 817

الراشدين، ولكننا فقدناها (١). ٣ - الملاحة، إنها شرط أولي لملك العالم، وأنشأ أمير المؤمنين عثمان بن عفان أول أسطول بحري إسلامي، فتم فتح جزائر كريت ومالطه وطرابلس وغيرها. وفتح موسى بن نصير والقائد طارق بن زياد الأندلس، وفرض خير الدين باربروسا سيطرة تركيا على أوربا بأسرها، ولكن المسلمين استهانوا بالملاحة البحرية فحرموا حكومة العالم. ٤ - التجارة البحرية، وفيها منافع كثيرة. ٥ - وبعد الثروة المذكورة وتوفر القوة الحاكمة تحقق شكر نعمة الله والاجتهاد في نشر الإسلام في الأرجاء النائية. وقد نشر تجار العرب في عهد الخليفة الأموي عبد الملك الإسلام في جنوبي الهند، وأسلم على أيديهم سكان آسام وبورما والبنغال الشرقية، حينما كان المهاجمون من ناحية الشمال الغربي للهند (مثل محمود الغزنوي وغيره) يجهلون الهند تماما.

стр. 818

الفصل الثاني المعاني البديعة والمضامين البارعة ينظر إلى المضمون عادة من ناحيتين: الأولى: السعة، والثانية: الجودة. ١ - إن القرآن بذاته صرح عن السعة فقال: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ (الأنعام: ٥٩). وبناء على هذا التصريح يستطيع عالم مسلم أن يخاطب العالم كله ويقول: هاتوا مسألة تتعلق بتهذيب النفس وتزكية الروح وصفاء القلب وحصول النجاة، سواء كانت مبنية على الفلسفة العليا أو الكشوف القديمة والجديدة أو التجربة، أو أخذت من إلهيات الإشراقين أو إشراقات الإلهيين، نأتي لكم ببيانها مع وضوح بالغ وصحة تامة من القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ (الفرقان: ٣٣). ٢ - إن أمم العالم التي تؤمن بوجود الباري تعالى، تقول بمسألة التوحيد من الناحية العلمية، فنرى الوثني والقائل بالتثليث أيضا يسعى لإثبات الوحدة في الكثرة. والآن انظروا إلى هذه المسألة (التي استحسنها العالم كله وحاول كل دين من أديانه إثباتها في كتبه) إنها لم تعرض بطريقة أفضل وأحسن مما عرضت في القرآن الكريم. فعرض هذه الأديان لمسألة التوحيد هو بالنسبة لعرض القرآن يشبه الماء المكدر بالنسبة للماء الزلال. ولو شك أحد في هذا فليأت بكتابه المقدس وليفتحه في أي موضع شاء، وليفتح القرآن هكذا وليترجم جزءا جزءا بعد ذلك الموضع، وتقدم الترجمة إلى صاحب دين ثالث، حتى يحكم في الكتابين أيهما أكمل وأوضح في بيان التوحيد وشرحه؟ ثم ليعلم أن قوله تعالى ﴿لا يأتون بمثله﴾ (الإسراء: ٨٨) يعني الأسلوب البديع والألفاظ العالية والترتيب الفريد والطريقة الفريدة وإعجاز الفصاحة والبلاغة وجزالة

стр. 819

الأسلوب، وأكثر من هذا كله يعني معاني القرآن المقدسة التي تضمنتها الألفاظ تضمن الحلل البديعة للدرر الفريدة. إن المعاني البديعة التي يحتوي عليها القرآن وتعد من خصائصه، هي البصائر التي تزيل حجب العيون القاصرة وتنور الأبصار، يقول تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (*) وإلى السماء كيف رفعت (*) وإلى الجبال كيف نصبت (*) وإلى الأرض كيف سطحت﴾ (الغاشية: ١٧ - ٢٠). أشارت الآية الكريمة هنا إلى الإبل والسماء والأرض والجبال، أفلم تكن هذه الأشياء بمرأى ومشهد من كل بدوي؟ وأنه مع رؤيته إياها لم يهتم بالنظر في خلقها ورفعتها ومكانتها وفسحتها. ولما فتح القرآن الكريم عيونهم أدركوا كيفية هذه المعاني، وتجلت في كل شيء قدرة الخلق للخلاق المطلق، ورفعة رفيع الدرجات ذي العرش، وعزة العزيز الحكيم، وحكمته في خلق السكون والحركة، وتوفر الفوائد المتنوعة في صلابة الأجسام ولينها. وهكذا صارت بوادي العرب المخيفة وأوديتها المهيبة أوراقا للفهم والعبرة أمام طلاب صحف الفطرة. نعم، إن القرآن علم بالنظر إلى معانيه ﴿أنزله بعلمه﴾ (النساء: ١٦٦). وخزينة العقل للسمع والبصر والفؤاد، وهداية للقوى المدركة والحواس الجارحة، إنه حياة القلب ونور الروح وراحة العاشقين وهداية الطالبين، تخدمه العظمة والثروة والتمكن في الأرض والسلطة، وتتبعه راحة القلب وأنس النفس وقرة العين وضياء البصيرة، ويحمل رايته العلم والحقيقة والصدق والهدى، ويرفع حاشيته القرب والانشراح والخير والفلاح. وتمنح خلع النجاة الأخروية والفوز الروحي والرضوان الإلهي من بين طياته. فليت أصحاب العيون فتحوا له العيون، وأصغى لندائه أصحاب السمع، وأزال أصحاب القلوب الغشاوة عن قلوبهم وفتحوا أقفالها المغلقة، حتى يتجلى لهم نور جمال القرآن وضياؤه وهداه.

стр. 820

الفصل الثالث تأثير القرآن رجل مثل عمر، الذي سمته أوربا ((الجنرال عمر)) خرج متسلحا من بيته كي يقضي على محمد (ص)، ولكن سيفه يسقط من يده بعد سماع آيات من القرآن الكريم، فخرج من بيت أخته خاشعا منكسرا فحضر مجلس النبي (ص) فأكرم بلقب ((الفاروق)) (١). وخرج سعد بن معاذ رئيس المدينة الشهير من بيته متسلحا كي يطرد مصعب بن عمير أول دعاة الإسلام من المدينة، وبمجرد أن سمع عدة آيات من القرآن أسلم على يدي مصعب (٢). وكان ثمامة بن أثال مفرطا في بغض النبي (ص) ومدينته، ولكنه وجد فرصة للاستماع إلى القرآن الكريم يومين فقط، فوصل صوت الرشد والهدى من السمع إلى أعماق القلب، حتى إنه لما تم الإفراج عنه دون قيد أو شرط حضر إلى النبي (ص) بنفسه فأسلم وقدم قلبه وروحه هدية متواضعة إلى رسول الله (ص). وسمع خالد بن عقبة القرآن الكريم فاندهش أولا، ثم أفاق فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطراوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر (٣). . وكان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا من قريش، وكان يكره الإسلام كراهية شديدة، ولكنه اعترف بأن القرآن تضمن حلاوة بديعة ليس لها نظير (٤). وكان ذو البجادين راعيا من الرعاة، وكان يسمع آيات القرآن من المارين المسلمين،

стр. 821

وفي يوم من الأيام ترك الأهل والبيت والمال والمتاع والأم والعم وحضر إلى النبي (ص) فأسلم (١). ولمعرفة تأثير القرآن يحسن الاطلاع على أحوال الذين تمكنوا من فهمه فقد كانوا قبلا يقدمون على القتل إزاء درهم، ولكنهم فيما بعد استهانوا بالأهل والمال في سبيل الدين الحق. إن الذين عبدوا طوال حياتهم نحو ٣٦٠ صنما، تحولوا بأنفسهم دعاة إلى التوحيد. والذين تعودوا على أكل أموال اليتامى وخداع الأرامل هم الذين لقنوا الناس درس إعانة اليتامى ومواساة الأيامى. إن القبائل الأبية التي لم تخضع قط لشخص أو قانون انقادت لشرائع الله تعالى، حتى أن أفرادها قدموا أنفسهم لتنفيذ الحدود الشرعية في قضايا القصاص والزنا والسرقة وشرب الخمر فهل توجد نظائر ذلك في بلد متمدن، وهل يوجد احترام للقانون لدى المجرمين في مكان مثل هذا؟ إن قراءة القرآن الكريم وتلاوة آياته قد أثرت في الناس حتى كسدت سوق الفصحاء المبرزين، وجمد نشاط سوق عكاظ، فرجع الناس إلى القرآن لتنشيط طبائعهم وللحصول على اليمن والبركة، والحاصل أن تأثير القرآن المجيد في قلب الإنسان ولسانه وطبعه وفكره وحواسه وقواه قوى جدا، سواء كان ذلك للفرد أو الأمة وللقرية أو المدينة.

стр. 822

الفصل الرابع نموذج التعليم من أراد أن يعرف نموذج تعليم القرآن وتأثيره في النفوس البشرية عليه أن ينظر إلى أحوال الصحابة والتابعين وأئمة الدين وأن يطلع على مدى صبرهم على المصائب وتحملهم للنوائب وشكرهم على النعم، وأن يعرف تواضع المسلمين وخشيتهم لله ومواساتهم للناس وإخاءهم فيما بينهم ونفعهم لغيرهم وتعففهم وتساميهم وإكرامهم للضيوف، وأن يحيط علما بأصول الهدف والغاية عند المسلمين وأصول مدنيتهم وأصول حكومتهم. إن جميع هذه النماذج من إعداد القرآن وتوجيهه. قال القبطان (ايزال تيلر) في خطابه الذي ألقاه أمام المؤتمر الألماني للكنيسة في دولور همتين يوم ١٢ مايو ١٨٨٧ م بصراحة: ((إن المناطق الهمجية التي أظلها الإسلام في أفريقيا قد انعدم منها إلى الأبد الزنا والميسر ووأد البنات ونقض الوعد والقتل والنهب والخرافات وشرب الخمر وغيرها. ولكن ديانة أخرى غير الإسلام إذا دخلت في جزء آخر من هذه المناطق رسخت الفواحش المذكورة بين أهلها وسكانها)) (١). إن القرآن الكريم بنفسه يصرح عن نموذجيته: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (آل عمران: ١١٠). اقرأوا أحوال صهيب، كان حدادا ولما منعته قريش من الهجرة إلى المدينة سلم لهم جميع ما ادخره ومضى لسبيله. فمن علمه هذا الإيثار (٢). فكروا في سيرة أم سلمة، حيل بينها وبين زوجها، وسلب ولدها منها، ولكنها آثرت في سبيل الله سفر ثلاثمائة ميل وهي وحيدة، وانطلقت إلى مدينة الرسول (ص)، فمن أين جاءتها هذه الجرأة والتضحية والعاطفة (٣).

стр. 823

كان عمر الفاروق يرعى إبل أبيه الخطاب، خائفا من فظاظته وغلظته (١)، ثم صار يحكم أيام خلافته على رقعة بلغت مساحتها نحو ثلاثة ملايين كيلو مربعا، وكانت عدالته في الحكم ومراعاته للشعب وتمسكه بالدين مضرب المثل وموجب الغبطة. تأملوا في كفاءته للحكم وصلاحيته لفتح البلاد، لقد أخضع ثلاث قارات لحكمه، ولم يتيسر له ذلك إلا بالعمل بتعليم القرآن الكريم. وكان خالد بن الوليد قد هزم في غزوة مؤتة بمساعدة جنوده المتطوعين جنود روما النظاميين خبراء الحرب، وكان عددهم يزيد على جيش المسلمين بخمسين ضعفا. انظروا كيف نشأت فيهم هذه العزيمة والهمة والثبات والشجاعة والتضحية والفداء. لو بحثنا بالفكر الصحيح والرغبة الصادقة لعرفنا أن السبب الحقيقي لهذه الإنجازات هو القرآن الكريم، الذي جاء به الرسول (ص) إلى محبي الإيمان هؤلاء. قبولية القرآن وتأثيره: من القبولية التداول بين الناس وكثرة الانتشار بينهم. تأملوا، لا يوجد الآن على وجه الأرض كتاب يقرأه ويسمعه يوميا أربعمائة مليون (٢) شخصا خمس مرات، صحيح أن ثروة أوربا زادت كثيرا في عدد الأناجيل المطبوعة، ولكن لا يكفي هذا الأمر وحده في التداول والانتشار، إذ إن معنى التداول استخدام الشيء في الغرض الذي أعد له، وهذه الصفة لا تتحقق إلا في القرآن الكريم وتعني القبولية العظمة والاحترام الذي رسخ في القلوب نحو الكتاب. كان أصحمة النجاشي نصرانيا، وتلا عليه جعفر بن أبي طالب سورة مريم وكان أصحمة على عرشه، فجعل يبكي ويروي بدموعه رياضه في الجنة (٣)، وكان عمر الفاروق أيام خلافته ذاهبا إلى المجد مرة إذ وقع مريضا فاتكأ إلى جدار وجلس ثم حمل إلى البيت، وعلم بعد السؤال عما أصابه فجأة، أنه سمع قارئا للقرآن يقرأ آية العذاب فتغيرت حالته (٤). كان لبيد العامري شاعرا مبدعا يضرب المثل بأشعاره، وقد قيل فيها: اكتبوها على الحناجر ولو بالخناجر، وقيل إنه جاء مرة ليقابل عمر، فأكرمه أمير المؤمنين واستنشده

стр. 824

الشعر، فقال لبيد: أمير المؤمنين، ما أحببت الشعر منذ أبدلني الله به القرآن، وقد سر عمر بإجابته وزاد في راتبه خمسمائة درهم سنويا (١). وسمع أبو طلحة الأنصاري قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (آل عمران: ٩٢). وكانت عنده حديقة يبلغ دخلها خمسين ألف درهم سنويا، فحضر مجلس النبي (ص) وأنفقها في سبيل الله (٢). ولو جمعنا مثل هذه النظائر لبلغت مئات. وكانت آية من القرآن تقضي على شدة الغضب والانتقام لدى الملوك العظام مثل محمود وصلاح الدين يوسف وعبد الرحمن الداخل والمنصور العباسي، آية واحدة من القرآن يتلوها أحد من المسلمين فكانت تغير أحوال الجبابرة وتهدئ حدتهم كأن جرة من الماء أسكنت شرارة من نار. وهذه الوقائع هي التي تدل على قبولية القرآن وتوضح مدى سيطرة عظمته وحرمته على القلوب. خصائص القرآن الكريم إن الخصائص التي تميز هذا الإمام المبين من الصحف السابقة وتعلي منزلته عليها كثيرة نذكر منها ما يأتي: ١ - سعة تعليم القرآن وعمومه للعالم كله. وهذه الميزة خاصة بالقرآن وحده. ومن يقرأ في التوراة في مئات المواضع عبارة ((رب بني إسرائيل)) ثم ينظر في القرآن كلمة ((رب العالمين)) يدرك فضل القرآن على التوراة جيدا. والقرآن نفسه يصرح عن ميزته هذه فيقول: ﴿إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (*) لتنذر من كان حيا﴾ (ص: ٦٩ - ٧٠). إن لفظ ((من)) يأتي في العربية لذوي العقول، ولذا يشمل كل فرد من أفراد الإنسان،

стр. 825

ثم جاء وصفه بقوله ((كان حيا)). وهكذا يمكن للقارئ أن يقدر عمومية الآية وسعتها. فكل من دخل في ذوي العقول واتصف بكونه حيا، كفل له القرآن التذكير والتقريب إلى الله وإنذاره من عواقب الأمور، فهل نجد هذه الدعوى لدى كتاب آخر؟ إن المسيح جعل بشارته وإنجيله مثل الخبز، وجعل بني إسرائيل أولاده، والأمم الأخرى كلابا، يقول متى: ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب (١). ٢ - شمولية تعاليم القرآن الكريم: إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل وصحف الأنبياء الآخرين الواردة في الكتاب المقدس، ورأيت بعض تراجم كتاب القيد وعرفت تاريخ ترتيبه وتأليفه، واستخرجت من الكتب المختلفة مبادئ كونفوشيوس مصلح الصين والبوذية التي أسسها بوذا وأصولها، وعرفت أحكام زرادشت وجاماسب، فوجدت أنها جميعها لها شكل واحد ولون واحد. وتوخيا للسهولة انظروا إلى الكتاب المقدس فقط، تجدوا في التوراة مجرد الأخبار والأحكام، وفي الزبور مجموعة المناجاة وفي الإنجيل الأمثال والمواعظ. والآن انظروا إلى القرآن الكريم، لقد تضمن المواعظ والأحكام والأخبار والأمثال والإنذار والبشارة، وفيه بيان الصفات الإلهية وإثبات الذات الربانية وطريقة الوصول إلى التقرب والتوحيد والتوكل والتفويض وتفصيل أيام الله وذكر الحياة والمماة ووجود العالم والفطرة البشرية وأسرار القدرة الإلهية ونتائج السطوة الربانية وبدائع النصرة الإلهية بأسلوب فريد يعمل على تطهير النفس البشرية من الرذائل وإنقاذها من آثار الحياة المادية، وخضوع الإنسان للخالق، وتحصيل نور اليقين، والتجرد من العلائق الدنيوية، والتشبه بالصفات الملكية. وهو أسلوب يعلو ولا يعلى عليه. ٣ - يختص القرآن الكريم بين الكتب السماوية بأن نهري العلوم الأخروية والعلوم العقلية يزخران فيه جنبا إلى جنب، ومع أن معانيه العالية وردت بأسلوب بديع إلا أن الأدنى والأعلى معا يستطيعان التمتع بها. لقد كانت آية واحدة من القرآن هي التي حيرت الفيلسوف اليهودي إسحاق بن حنين، وهي نفسها التي ملأت جيب قلب الوحشي الافريقي بالدر المطلوب، والآية التي

стр. 826

أعجز تفسيرها الرازي والغزالي، اهتدى بها بدوي تهامة إلى حل مشكلاته. فالحق أن القرآن الكريم بحر عميق بداخله الدر والنفع وأمواجه تقذف بزبد الشبهات والشكوك إلى الساحل وتأسر ألفاظه الألسنة وتمتلك معانيه القلوب، فهل سمعتم عن كتاب نثر غيره يحفظه الإنسان من أوله إلى آخره، ولا يسأم من إعادة تلاوته ولا تتقضي أسراره ولطائفه؟! ٤ - ومن خصائص القرآن الكريم أنه هداية الدين والدنيا لأهل الشرق والغرب، وهو أيضا تشريع مدني لأهل الشمال والجنوب. وليس تعليمه خاص بأمة أو بلد أو لسان، كما أن توجيهاته لا تتعارض مع الفطرة البشرية الصحيحة، إنه لا يجعل الجنة اقطاعا لجنس واحد مثل اليهودية، ولا يجعل العالم كله مفتقرا إلى أسرة واحدة للتقرب إلى الله، ولا يعلم الإنسان أحكاما فوق جبلته مثل النصرانية، ولا يجعل نفسه مجموعة لأحكام غير صالحة للعمل ولا يخرج الأغنياء عن ملكوت السماء. ولا يعيب على عباد الله التزوج والتأهل. فهل يوجد كتاب غيره نجح في حكم أخصب المناطق على وجه الأرض حكما شرعيا، وأفاد جميع بني آدم بفوائده بعد القضاء على فروق اللون والوطن والنسل واللغة؟ ٥ - ومن خصائص القرآن أنه يثتي على جميع الأديان المقدسة الطاهرة ويمدح دعاتها وهداتها وتوجيهاتهم. إنه لا يريد تكذيب صدق أبدا، ومن محاسنه حب السلام والأمن والعدالة والصدق. وسمى القرآن نفسه ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ (البقرة: ٩٧) وجعل تصديق الصادقين هدفه الأول. ٦ - ومن خصائص القرآن أنه ((قول فصل))، يصدر قراره الحاسم في جميع القضايا المعقدة التي عجزت عن حلها الكتب السماوية. ومن هذه القضايا والأمور: قضية معرفة الذات والصفات، وقضية الوجود والشهود، ومسألة بقاء الروح وارتقائها، ماهية النجاة وكيفية الرضوان، والفرق بين الخالق والمخلوق، والرازق والمرزوق، ومسألة

стр. 827

الشفاعة والأعمال، ومسألة العقاب والجزاء، ومدارج الصبر والشكر، ومنازل التوكل والتفويض، وماهية العبادة والاستعانة، وروحانية الأنس والمحبة، وحقيقة النصرة الإلهية والمعية الربانية، ومسألة المعصية وحقيقة التوبة، ومراتب الدعاء وقبوله، وقضية الرهبانية والتأهل، ومسألة الطلاق والوراثة، وحقوق الأولاد والجيران، وحقوق الوالدين والزوجين، وحقوق الجسد وحقوق الإنسانية، وحقوق العمران، وعلم الفرائض، وأحكام الشفعة، وحقوق الأمة، والحكم الفردي والشورى والإمارة، وماهية الفساد وفيوض الأمن، والتمكن في الأرض والتمكن في الدين، وحدود العدل، وسعة الرحم، وقضية الراعي والرعية، وأصول الاستبداد والأثرة وغيرها. والأحكام التي أصدرها الإسلام في هذه القضايا وأمثالها، تعرف قيمتها ومنزلتها حين تسمع حجج المتخاصمين قبل القضاء. الله أكبر، إنه أعاد إلى نقطة الاعتدال كثيرا من قضايا الإفراط والتفريط، وهدى إلى الصراط المستقيم من ضل وبين الطرق الملتوية المعوجة، فلاشك أنه فعل القادر المطلق الحكيم، الذي أحاط علمه بالماضي والحال والمستقبل، وعلم فطرة الإنسان علما كاملا، وقدر على تربيته قدرة تامة. ٧ - ومن خصائص هذا الكتاب الذي لا ريب فيه أن مقدمه شخص واحد رسول الله (ص). انظروا إلى كتاب القيد، يكتب مع كل آية ثلاثة أسماء. والتحقيق الحالي للآريين أن اسما واحدا منهما للمصلح الذي أعطى هذه الآية. وبتعبير إسلامي هو الشخص الذي نزل عليه الكلام، فلو عددنا هذه الأسماء لبلغت مئات، وثبت بذلك أن كتاب القيد قام بتقديمه مئات ض المصلحين، وتتفاوت أزمنتهم تفاوتا يصل إلى مئات السنين أيضا. وانظروا إلى كتاب ((العهد القديم)) إنه مجموعة إلهامات أو مؤلفات (موسى) و (يسوع) و (القضاة) و (صموئيل) و (الملوك) و (مؤلف التواريخ) و (عزرا) و (يحمياه) و (مصنف كتاب ردت) و (مؤلف كتاب آستر) و (أيوب) و (داود صاحب الزبور) و (سليمان صاحب الأمثال) و (غزل الغزلات) و (الواعظ) و (اشعياء) و (ارمياه) و (حرقي ايل) و (داني ايل) و (هو سيع) و (يوايل) و (عاموس) و (عبدياه) و (يونا) و (ميخة) و (نحوم) و (حبقوق) و (ضفياه) و (حجي) و (زكريا) و (ملاخي).

стр. 828

وهكذا العهد الجديد من عمل تلاميذ المسيح: (متى) و (مرقس) و (لوقا) و (يوحنا) و (بولس) و (يعقوب) و (بطرس). ولكن معلم القرآن الأول ومبلغه واحد (ص)، به بدأت هذه الصحيفة، وبه اختتمت، ومع ذلك اتصف بالكمال في معانيه ودعوته وتفرده في الدعوة إلى الله وفي الرشد والهداية، ولم يكن بحاجة في إتمام موضوعه ومفهومه إلى كتاب آخر، مع أن (رك فيد) يحتاج إلى (يجرفيد) و (سام فيد)، ويحتاج (أتهرفيد) إلى الثلاثة. ولا يكتمل العهد الجديد دون العهد القديم، وتبقى مطالب الأناجيل الأربعة ناقصة دون كتاب الأعمال، وأعمال الرسل ضرورية ضرورة الأناجيل. وبذلك يتضح سمو القرآن الكريم وشموله وكماله، وإن أردنا القياس الدقيق فلابد من الاطلاع على معانيه ومطالبه اطلاعا كاملا. ٨ - ومن خصائص القرآن الكريم أن أسلوبه نقي نزيه لم ترد فيه كلمة فحش أو عبارة تنافي الحياء. اقرءوا كتاب حرقي ايل الذي قص فيه الرب على العباد قصة زوجتيه أهولة وأهوليبة. ويرى أفاضل النصارى أن هذه القصة وضعت للتمثيل ليس إلا، ولكن هل يترك هذا التمثيل زوجا على حسن ظن في زوجته؟ هل تتمنى الأسرة البشرية نموذجا أعلى من هذين الزوجين النورانيين؟ نعم انظروا إلى بذاءة الألفاظ: ١ - في نشيد الأنشاد يبدي شاب حبه نحو فتاة، وكذلك الفتاة تبدي عواطفها الغرامية نحو الشاب. ٢ - ومن حسن تصرف النصارى أنهم جعلوا الفتاة أوروشليم وجعلوا الفتى المسيح، مع أن كلمة من كلماتها لا تشير إلى ذلك، بل الرجل يخاطب حبيبته بالأخت العروس (١). هل يرضي أهل هذا العصر بهذا الأسلوب، وهل كان اليهود في الماضي يتخاطبون فيما بينهم بهذه الطريقة؟

стр. 829

٣ - في جميع كتب العهد القديم جعل فجور اليهود فجور أروشليم، ثم افترض أنها امرأة واستعملت كلمات نابية فاضحة لا تصلح أن تقرأ في الكنيسة أمام السادة والسيدات. ٤ - اقرءوا الدرس العشرين من الأصحاح (٢٣) لكتاب حزقي ايل، لن أقول أو أذكر الأخت أو الأم أو الابنة بل أسأل هل يمكن لامرأة شريفة أن تقرأها أمام زوجها وهل يمكن لرجل شريف أن يقرأها أمام زوجته. وهل يمكن أن يخبرها بمقصود هذه الألفاظ؟ وهل يدرس أستاذ تلميذته مع التزام الحياء ويشرح الأجزاء التالية في يجرفيد: باب ١٩ درس (منتر) ٧٧ وباب ١٩ درس ٨٨ وباب ٢٠ درس ٩ وباب ٢٥ درس ٧ أما القرآن الكريم فإنه يستعمل الألفاظ بلطف لم يعهد له نظير، فيعبر عن فراغ الإنسان من الحاجة بقوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ (النساء: ٤٣). والغائط هو الأرض المنخفضة التي يتستر فيها الإنسان لقضاء الحاجة. وهكذا بلغ القرآن غاية السمو والرفعة في هذا الباب.

стр. 830

الفصل الخامس منزل القرآن الكريم هناك مثل معروف يقول: كلام الملوك ملوك الكلام. والقرآن الكريم هو كلام الملك الحقيقي مالك الملكوت الذي خلق الكلام وعلم قطعة اللحم النطق، وعلم العظم السمع، وعلم الأعصاب إدراك الكلام، والذي نشأ بأمره وإرادته اختلاف الألسنة وتباين اللغات في أولاد أب واحد وأم واحدة. إن بعض الكتاب النصارى الذين يخفون التعصب تحت ستار البحث يعترفون بكثير من محاسن القرآن الكريم، ولكنهم بعد ذلك يدعون أنه كلام محمدي. ونسأل مثل هؤلاء الناس: ١ - أليس اتصاف الإنسان بكونه مؤلفا لكتاب مثل القرآن هو الشرف الأعلى، فلماذا حرم النبي (ص) نفسه شرف كونه مؤلفا لمثل هذا الكتاب الأسمى؟ ٢ - أيتلطخ مؤلف كتاب مثل القرآن برذيلة مثل الكذب؟ وهل الكتاب الذي علم ألوفا من الناس الصدق، وغير أحوال العرب في سنوات قلائل، وأثبت في القلوب عقيدة وجود الله الحي القيوم أحيا مئات الألوف من الناس، يخرج من قلب ولسان رجل لا يكون بنفسه صادقا؟ فكروا في النقطتين، إن موقف مؤلفي العالم كله يؤيد ما قلنا، وتصدق فلسفة الفطرة الإنسانية هذه الحقيقة. والآن نتوجه إلى إنجيل النصارى، فمنه يتضح أن خبر إرسال كلام الله إلى الدنيا كان قد جاء قبل آلاف السنين. ١ - جاء موسى إلى قومه بألواح الوصايا العشر فشك فيها القوم. ٢ - طلب القوم أن يكلم رب إسرائيل موسى بحضرتهم. ٣ - ذهب موسى بمن اختارهم من قومه إلى الطور، فغشيهم الظلام هناك، وظلل الغمام وهبت الريح بسرعة وشدة ولمع البرق واشتد الرعد وزلزلت الأرض واضطربت الجبال.

стр. 831

٤ - ولما رأى بنو إسرائيل هذه الحالة صرخوا قائلين لموسى: ((تكلم أنت معنا فنسمع، ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت)) (١). ٥ - ثم طلب بنو إسرائيل أن يضع الرب كلامه في فم موسى وهو يسمعهم إياه. ٦ - وأجاب الله طلبهم هذا، وأخبرهم بأن كلامه يوضع في فم نبي آخر يكون من إخوان بني إسرائيل، وهو يقول للناس ما يسمعه من الله، ومن لا يسمع كلامي الذي يقوله ذلك النبي باسمي يحاسبه الله (٢). وليلاحظ اليهود والنصارى تلك الوقائع الآن ثم يخبرونا: من هو النبي الذي وضع في فمه كلام الله سوى سيدنا محمد (ص)، ومن هو النبي (ص) لذي أخبر بأن كلام الله في فمه؟ ونحن نقول لهم جميعا: إنهم لن يستطيعوا الدلالة على النبي الذي صرح بلسانه بأن كلام الله في فمه، فضلا عن إسماع كلام الله. وهذه هي حجة رب العالمين على كاتمي الحق من أهل الكتاب وعليه تقوم محكمة الله يوم الدين. وقبل الإجابة يجب أن يتذكروا عبارة أشعياء (انظروا أعطى الأمي كتابا) وعلى اليهود والنصارى أن يدلوا على الأمي صاحب الكتاب. أيها اليهود أيها النصارى: ذلك الأمي هو محمد رسول الله (ص) الذي كان يلقب دائما بالنبي الأمي، ولم يلقب نبي غيره بالنبي الأمي ولا عرف بهذا اللقب.

стр. 832

الفصل السادس تنبؤ القرآن ذي الذكر هل يستطيع من يجعل القرآن من تأليف محمد (ص)، ولا يؤمن بنبوته، تعليل إخبار القرآن عن المغيبات القادمة، وإعلانه عن الزمن المستقبل؟ وإتماما للحجة على المنكرين وشرحا لصدور المؤمنين نذكر تلك التنبؤات الثابتة بالقرآن الكريم. والزمن الطويل الممتد عبر القرون الأربعة عشر يشهد بصدق تلك التنبؤات بدقة منذ نزول القرآن إلى اليوم أمام العالم كله. سبعة تنبؤات عن القرآن الكريم التنبؤ الأول: عدم الإتيان بمثل القرآن. قال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ (الإسراء: ٨٨). إن عظمة ألفاظ الدعوى وقوتها بادية بالتأمل في الآية السابقة. عصر النبوة: على الذين يزعمون أن القرآن كلام محمد (ص) أن يتأملوا كيف أخزى التحدي المذكور زهيرا والنابغة وامرئ القيس وعنترة؟ إنهم كانوا يستكتبون كلامهم بماء الذهب على جلد الظبي ويعلقونه على جدران الكعبة أيام الحج، فكيف لم يقبلوا هذا التحدي؟ كان أبو لهب وأبو جهل وكعب بن أشرف وسلام بن مشكم من القرشيين واليهود قد ضحوا بالمال والنفس والولد في سبيل القضاء على الإسلام، فلماذا لم يلتفتوا إلى أمر يسير ووسيلة سهلة؟ ما أعجب الأمر! رجل تربى وترعع فيهم وتكلم بلغتهم، ثم استخدم كلمات مستنفرة لهممهم وموقظة لحماسهم في دينهم وعاداتهم وتقاليدهم وآلهتهم، وقدم لتأييد

стр. 833

دعواه دليلا بكلام جرى على لسانه. وفي مثل هذه الحالة لم يستطع أحد أن يتكلم بمثل كلامه وأن يبطل تحديه بإتيان كلام مثل كلامه!. العصر الحاضر: وإذا ما صرفنا النظر عن ذلك الزمن ونظرنا إلى عصرنا وجدنا مئات الألوف من اليهود والنصارى في سوريا وبيروت ودمشق ومصر وفلسطين، لغتهم الأم العربية، ويقدرون على إنشاء النثر العربي، ويصدرون الجرائد والمجلات، فلماذا لا يقفون أمام تحدي القرآن؟ إن فيهم الأدباء واللغويين الذين قاموا بتأليف المعاجم الشهيرة مثل: قطر المحيط والمنجد وأقرب الموارد والمحيط وغيره. فلماذا لم يسعوا لتأليف كتاب مثل القرآن ولو بعشر سور أو بسورة؟ والحقيقة أن الرجل كلما كان متفوقا في العربية وصاحب يد طولى في الأدب كلما تملكه رعب القرآن. إن الملايين تنفق اليوم في نشر النصرانية بسخاء، ولكن لم يظهر من يقبل تحدي القرآن الكريم. ويمكن أن يقول معترض أن النبي (ص) كان قد أتى بالتحدي المذكور بعد الاطلاع على كفاءة أدباء عصره، ولكن ماذا يقال عن الأدباء الذين جاءوا بعد عصره (ص)؟ التنبؤ الثاني: هو أن القرآن الكريم سيظل محفوظا إلى الأبد. قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: ٩). تتجلي قيمة هذا الوعد وعظمة حفظ القرآن إذا ما عرفنا شيئا من أحوال الصحف السابقة. ١ - كان اللوحان اللذان أعطيهما موسى مكتوبين على جبل الطور وهما أصل التوراة، وكانا قد تحطما حين جاء موسى إلى الميدان فوجد قومه يعبدون العجل، فأقلق موسى هذا الأمر كثيرا فرمى الألواح وأخذ أخاه. وبعد هذا الحادث تمت كتابة الوصايا العشر وغيرها في حياة موسى ووضعت في تابوت عهد الرب (١). وهذه هي النسخة التي يعتقد أنها كانت محفوظة إلى عهد داود في

стр. 834

خيمة العبادة. ولكن الأصحاح الثامن من الملوك الأول يوضح أن تابوت العهد حينما أتى به من خيمة العبادة إلى هيكل سليمان لم يكن فيه سوى اللوحين الحجريين المنكسرين (١). والآن علينا أن نفترض دون أي سند كيف جمع سليمان شريعة التوراة ثم وضعها في صندوق العهد. لكن من المسلم به أن النسخة التي كانت في الهيكل قد أحرقت سنة ٥٨٦ ق. م. على يد بخت نصر مع الهيكل، وفي عهد الملك دارا ملك إيران بنى الهيكل من جديد (زروبابل) وغيره من رؤساء بني إسرائيل، وتم البحث عن الكتاب ولكن لم يعثر عليه (كتاب عزرا). وهنا أعد عزرا بذاكرته وبمعونة حجي وزكريا الكتاب الذي يطلق عليه اليهود اسم ((التوراة)) (وهو الذي ترجم إلى اليونانية بأمر ابن توكس) وكان ذلك في عام ٢٠٠ ق. م. وحينما هجم ابن توكس الرابع على مصر أحرق قائده تلك النسخة والهيكل، وتم البحث عن جميع كتب اليهود وأحرقت وأمر اليهود بالوثنية، وكان ذلك في عام ١٦٦ ق. م. وكان شيخ كاهن قد فر مع أبنائه الثلاثة إلى موطنه في مدينة مودن، وكتب أحد أبنائه ويدعى مقاييس كتابا في مجلدين عرف باسمه، وتعتقد عدة فرق من اليهود أنه هو الكتاب السماوي. انظروا إلى النقاط السابقة ولاحظوا أنه لا أساس لوجود ألفاظ الكتاب الأصلي. ٢ - والآن اسمعوا قصة الإنجيل، اشتهر لدى النصارى أربعة كتب باسم الإنجيل وهي: إنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا. وحكاية إنجيل متى هي أنه كتب أولا بالعبرية في مدينة يهوذا بالشام، ولكن لا وجود لهذه النسخة العبرية الآن في العالم، وتوجد لها ترجمة يونانية، ولكن لا يستطيع أسقف نصراني أن يذكر الترجمة أو شخصية المترجم، أما حال الكتاب الحالي فيقول عنه شارح الإنجيل الأستاذ نورتن أن الباب الأول والثاني منه لا يصح نسبتهما إلى إنجيل لوقا، واعترف بأنهما من تأليف المؤلف الأصلي (كتاب الإسناد ص ٥٣، النسخة المطبوعة ١٨٣٧ م). ومؤلف الإنجيل ((لوقا)) تلميذ بولس، وهو لم ير المسيح، وخالف أستاذه المسيح

стр. 835

في حياته. وألف لوقا إنجيله في مدينة انطاكية باللغة اليونانية، وقد صرح في بداية إنجيله أنه يؤلف الوقائع بعد التحقق من صحتها. وكان هناك أمل في صحة الوقائع التي وردت في إنجيله بعد هذا التصريح ولكن يقول الفاضل نورتن شارح الأناجيل: إن المعجزات التي أوردها لوقا دخلتها روايات كاذبة، وقد بالغ كاتبها مبالغة الشعراء، ويصعب التمييز بين الصدق والكذب في هذا العصر. (كتاب الإسناد ص ٦١). ولنتفكر هنا كيف يوصف الكتاب الذي يصعب فيه التمييز بين الصدق والكذب بأنه محفوظ؟ ومرقص تلميذ شمعون بطرس، ألف هو أيضا كتابه في انطاكية باليونانية، ويوجد خلاف بين موضوعات مرقس ولوقا. ولعل إنجيل يوحنا آخر الأناجيل تأليفا، وهو أيضا مؤلف باليونانية، ويقال إنه كان تلميذ المسيح، ولكن إنجيله احتوى على أثر كبير من العقيدة اليونانية القديمة. وما أجمع عليها النصارى كلهم هو أن إنجيلا من الأناجيل الأربعة لم ينزل على المسيح من الله، بل إنها من تأليف المؤلفين الذين نسبت إليهم. ثم أضيفت عليها صفة التقديس فذكروا أن مؤلفيها ألفوها بتأييد روح القدس، ولو صح ذلك لما كان هناك تناقض بين مطالبها ومضامينها، ولكنها تحتوي على تناقض يصعب بعده التطبيق. إن من شراح الأناجيل المعروفين (آدم كلارك) و (نورتن) و (هارون)، وهم متفقون على تعذر التطابق بين المعاني المتناقضة في الأناجيل. وقد اعترف الأسقف فرنج أن التحريف دخل في أربع أو خمس آيات من الأناجيل، وكذلك اعترف بأنها تتضمن نحو ثلاثين ألف خطأ ما بين صغير وكبير. ومجموعة الأناجيل الأربعة لا تزيد على مائة صفحة، ووجود نحو ثلاثين ألف خطأ في مائة صفحة ينفي تصور كونها محفوظة. ولا نريد الزيادة على هذا في هذا البحث. ٣ - واسمعوا الآن حال كتاب المجوس، إن الأمة الإيرانية أمة قديمة، ولعل كتبها وجدت في زمن من الأزمان، ولكن كتاب (الزند) (١) كان قد فقد قبل عهد زرادشت.

стр. 836

ويقال إن كتاب الزند كان قد احتوى على خمسة وعشرين بابا، ويوجد منها الآن الباب التاسع عشر فقط واسمه (فنديداد) وبعد كتاب الزند حل محله كتاب يازند، ولكنه فقد أيضا بعد فتح الاسكندر المقدوني لإيران. وبعد الاسكندر استمرت طوائف الملوك نحو ثلاثة قرون وساءت الحالة الدينية أيضا. ولما ولي اردشير بن بابك ملك إيران تم تأليف الدساتير مكان كتاب الزند وكتاب اليازند، وأنزل منزلة الكتاب السماوي، ولما أنشأ ماني دينه قضى على الدساتير وبعد ماني أسس مزدك دينه، فقضى على كتب المجوس الدينية قضاء تاما، ووقع ذلك كله قبل الإسلام. ويقول المحققون عن الدساتير إنها مجموعة الأدعية فقط، التي تردد صباح مساء. ويشتهر عن كتاب الأفستا (الأبستاق) أنه ألف بعد نزول القرآن، وأثبت في بدايته ترجمة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وهذا المعنى أثبت باللغة الدرية (١) حتى يظل قائما. وهذه الأحوال تدل على أن الأمة الإيرانية لم توجد لديها بعد غزو الاسكندر صحيفة تستحق وصفها بأنها سماوية. ٤ - من أقدم كتب الهند (القيد) وتدين له بالاحترام والتعظيم فرقتا الهنادك: آريا وسناتن دهرم. وبعد الاتفاق على احترامه تختلفان، فتقول فرقة آريا: إن القيد اسم لمنتربهاك (متن القيد) فقط، وتقول سناتن دهرم: إن برهمن بهاك أيضا القيد الأصلي، وهو ضعف (منتر بهاك) في الحجم. وقد أدى هذا الخلاف إلى أن الأمم المؤمنة بالقيد إما تخرج ثلثي القيد من الأصل، أو تدخلهما في القيد الأصلي. والصورتان تدلان على عدم حفظ كتاب القيد. وفي العصر الحاضر يقول جميع الهنادكة أن القيد أربعة، ووردت في سمرتي منو الكبير أسماء ثلاثة من كتب القيد ولم يرد فيه اسم أثر قيد. وهناك كتب قديمة أخرى بالسنسكريتية وردت فيها ثلاثة أسماء فقط، ولكن هناك بعض الكتب القديمة الأخرى التي أطلقت على نحو ٣٢ كتابا اسم القيد. والهنادكة كلهم يعتقدون أن القيد ض عمل الله، ولكن مؤلف كتاب ((نيائروشن))

стр. 837

يدعى أن ((غوتم قيد)) من كلام الإنسان. وغوتم منزلته كبيرة، فكتابه من الكتب الستة المقدسة التي يؤمن بها كل من آريا وسناتن دهرم. ومن أديان الهند القديمة الجينية، وأتباعها لا يرون كلمة واحدة من القيد صحيحة، ولا يؤمنون بكونه نداء سماويا. وهم يدعون وجودهم من قبل القيد، ويرون كتبهم أقدم منه. والآن آمل أن يكون القارئ قد عرف من خلال هذا العرض الموجز أن العناية الإلهية لم تصحب واحدا من الكتب المذكورة بالحفظ والصيانة، ولذا شك في وجود كل كتاب شكا كليا أو جزئيا، أتباع دين ذلك الكتاب نفسه. فكما أن القدرة الإلهية لم تحفظ تلك الكتب، فقد انصرفت عن حفظ اللغة التي نزلت بها. فانظروا أولا هل تستعمل الآن اللغة العبرية القديمة لغة التوراة، والخالدية لغة المسيح، والدرية لغة زند ويازند، والسنسكريتية لغة القيد في أي قطر من أقطار العالم؟ فالقدرة الإلهية أصدرت حكمها بإعدام هذه اللغات وأصدرت قرارها بأن البشرية لم تعد في حاجة إلى هذه الكتب التي نزلت باللغات المذكورة. ثم قدروا العناية الإلهية التي أحاطت بالقرآن الكريم ثانيا، فكل حركة من حركات حروفه وكل حرف من حروفه وكلماته ثابت بالتوالي والتواتر، حتى إننا نجد أن جميع حروفه في الصين هي هي كما نجدها في مراكش. ولو لم يتول الله حفظ هذا الكتاب لوجب وجود آلاف الأخطاء فيه، فقد وصف بقوله تعالى: ﴿ولا تخطه بيمينك﴾ (العنكبوت: ٤٨). فالدليل المذكور قطعي في حفظ الله له. وبالمناسبة نقدم مذكرة عن حروف القرآن، وذلك لأن عدد السور والأضراب والآيات يثبت في كل مصحف على وجه العموم.

стр. 838

كشف تعداد حروف الهجاء الحرف...عدد ورودها في القرآن أ...٤٨٩٩٢ ب... ١٢٢٢٨ ت... ٢٤٠٤ ث... ٣١٠٥ ج... ٤٢٣٢ ح... ٤١٢٠ خ... ٢١٠٥ د... ٥٩٧٢ ذ... ٤٧٣٩ ر... ١٢٦٤٠ ز... ٣٥٨٠ س... ٥٩٧٦ ش... ٢١١٥ ص... ٢٠٠٨٣ ض... ٦٨٢ ط... ١٣٠٧ ظ... ٧٨٢ ع... ٩٢٧٤ غ... ٩٢١١ ف... ٤٤١٨ ق... ٦٦١٢ ك... ١٠٦٢٨ ل... ٣٣٥٢٠ م... ٢٦٥١٥ ن... ٤٤١٩٠ و... ٢٥٥٨٩ هـ... ١٦٠٧٠ ي... ٢٥٩٠٩

стр. 839

أمير المؤمفين عثمان وحفظ رسم القرآن وفي ختام هذا البرهان تنبغي الإشارة إلى أن أمير المؤمنين عثمان ﵁ قام أيضا بخدمة جليلة في حفظ قراءة وكتابة القرآن، فقد استكتب تحت إشراف كاتب الوحي زيد بن ثابت سبع نسخ من القرآن الكريم، وأرسلها إلى أمرائه السبعة وأثبت عليها توقيعه وأمهرها بختم الرسالة. وكان الهدف من ذلك أيضا حفظ القرآن الكريم، حتى لا ينشأ تغير في رسم الخط أيضا. ولا شك أن نسخة القرآن بقلم كاتب الوحي وتوقيع الخليفة الراشد وختم الرسالة ذات قيمة كبيرة للكتبة التاليين من أجل توخي الصحة والنقل والمقابلة. النقل وطريق الإيجادة: تعتمد النقود اليوم على الإجادة، أن معيار الصحة لكتاب ما هو أن يكون نسخة طبق الأصل من النسخة التي نسخ منها، وهنا يبقى السؤال عن مدى ثبوت صحة النقود عنه، وللقضاء على الشك والاختلاف في النقل والصحة وضع الخليفة الراشد ((الأصل)) الذي يرجع إليه عند الحاجة. وذلك من خصائص القرآن الكريم، وهي خاصية لم تكن من نصيب أي كتاب مقدس في العالم. اعتراض: أراد معارضو الإسلام تشويه واقعة حفظ القرآن المشار إليه للحصول على غرضهم فقالوا: إن عثمان قد تصرف في القرآن. ولكنهم بقصور نظرهم لم يعلموا حالة البلدان الإسلامية في ذلك العهد ولا انتشار القرآن الكريم فيه. وكذلك جهلوا العلاقة بين عثمان وتلك البلاد، ولو اطلعوا على ذلك لما تفوهوا باعتراضهم. الصلاة والقراءة: من المعلوم أن الصلوات الخمس فرض في الإسلام، وفي ثلاث منها يجهر بقراءة القرآن، وبما أن المصلي مخير في أن يقرأ مما يشاء وما شاء، فإن ملايين المصلين في مئات المناطق والأمكنة يقرأون عديدا من آيات وسور القرآن كل يوم، الإمام يقرأ ومئات من المأمومين يسمعون، ومنهم كثيرون يحفظون ما يقرأه الإمام، وهذه الطريقة مستمرة منذ عهد النبي (ص) حتى الآن ومعمول بها في كل مدينة وقرية ونجع. انتشار نسخ القرآن: كان عدد قراء القرآن قد بلغ قبل خلافة عثمان الملايين، وكانت توجد ألوف النسخ في القرى والأمصار، فلم يكن في مستطاع عثمان أن يزيد حرفا أو ينقصها باستيلائه على ألسنة الناس وعقولهم وما لديهم من نسخ.

стр. 840

عثمان واختلافه مع الجمهور: نعم، نحن نعلم المسائل الفقهية التي اختلف فيها الصحابة مع عثمان، مثل إتمام الصلاة في منى، وأكل المحرم من صيد غير المحرم فإذا كان الصحابة قد اختلفوا معه في مثل هذه المسائل الصغيرة وبقوا على اجتهادهم، فكيف يتصور سكوتهم على تغيير يصدر عن سيدنا عثمان ﵁ في القرآن؟ عثمان وخروج أهل مصر: وأكثر من ذلك نرى أن المصريين انتقدوا بعض أفعال الخليفة الراشد عثمان ﵁، فاتهموه بالإسراف في بيت المال وبإعطائه المناصب أقرباءه، ولهذا ثاروا عليه حتى انتهى الأمر إلى شهادته. ومع ذلك لم نجد أحدا من المصريين ولا غيرهم يقول كلمة عن جمعه للقرآن. خلافة علي ومصحف عثمان: ولي علي الخلافة بعد عثمان، وطيلة خلافته لم يغير في ترتيب عثمان للقرآن، ولا قال كلمة في معارضته، بل كان يقرأ دائما من ذلك المصحف في الصلوات وغيرها. رفع المصحف في صفين: وقعت حرب صفين بين علي ومعاوية، فرفع أهل الشام المصاحف وقالوا: هذا هو الحكم بيننا وبينكم، فلم يقل أحد من أصحاب علي أنه لا يثق بمصحف أهل الشام، مع أن الفريق المحارب لو وجد سعة لكلمة لأبطل حيلة الخصم، ولكن الاتفاق تم على مصحف أهل الشام وانعقد الصلح الموقت بين الفريقين، وتدل هذه الوقائع على أن أمير المؤمنين عثمان ﵁ قام بخدمة عظيمة لحفظ القرآن اتفق عليها المسلمون، ولم يشك فيها عالم أو جاهل أو صديق أو عدو، وهذا الاتفاق تحقق للقرآن وحده، فصار خاصية قوية وميزة قوية لحفظ الكتاب المجيد. التنبؤ ايالث: عن جمع قراءة القرآن. قال الله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه (*) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ (القيامة: ١٧ - ١٨). نزلت أحكام القرآن في أوقات مختلفة، لذلك كان ترتيبه وجمعه أمرا صعبا، ولكن الله رب العالمين تولى هذا الأمر مثلما يتولى كل مؤلف في الدنيا ترتيب كتابه بنفسه، ولذا لم يحصل تقديم ولا تأخير في آية فيما بعد، فأهل العالم جميعا في الشرق والغرب يقرأون القرآن الكريم بنفس الترتيب. واتضح بالتنبؤ المذكور أن صورة الجمع والترتيب الموجودة في جميع أنحاء العالم توافق نفس الترتيب والقراءة الخاصة بالعلم الإلهي والقراءة السماوية.

стр. 841

فالزعم أو الوهم بأن أحدا من أفراد الأمة قد تصرف في القرآن زعم خاطيء باطل. ووهم لا أساس له من الصحة. التنبؤ الرابع: عن حفظ القرآن. قال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ (العنكبوت: ٤٩). إن فكرة حفظ الكتاب كله فكرة بديعة، ذلك لأنه لم يحفظ كتاب بكامله قبل القرآن الكريم، فمجرد ظهور هذه الفكرة دليل على كونها إلهاما. وطبقا لهذا التنبؤ يوجد عدد كبير من حفاظ القرآن في كل بلد وإقليم ومديرية ومدينة. وهم يتلون القرآن تلاوة صحيحة وبإتقان ويقين حتى أن الكتابة تصح طبقا لقراءتهم وليس العكس، لم يحتاجوا قط لتصحيح قراءتهم بنسخة مطبوعة أو مخطوطة. ولو شك حافظ في قراءته لرجع إلى حفاظ آخرين لتصحيح قراءته. وهذا التنبؤ تنبؤ قوي عجز العالم عن الإتيان بنظيره، ونظام الحفظ هذا من عند الله، وليس له مثيل. التنبؤ الخامس: عن مهولة حفظ القرآن. قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ (القمر: ١٧). ذكرنا قبلا أن فكرة حفظ الكتاب كله فكرة بديعة. ومن الظاهر أن ألوفا من المسلمين لما أسمعوا القرآن عن ظهر قلب لأمم العالم ظهرت لديهم فكرة تقليد هذا الأمر في كتبهم أيضا فأمامهم نظير لذلك. لكن لم نجد أحدا من اليهود أو النصارى أو المجوس أو الهنادك حفظ كتاب دينه المختار، وقد أفصح القرآن نفسه عن علة ذلك فقال إن الله تعالى أودع القرآن الكريم ميزة تيسر حفظه. انظروا فالله تعالى لم يضع هذه الميزة في أي كلام آخر حتى لو كان منزلا من السماء في أي زمان، فكيف يتيسر لأتباع ديانة حفظ كتاب دينهم، وكيف يجرؤ هؤلاء على إسماع كتابهم عن ظهر قلب بصحة وتيقن كما يفعل حفاظ القرآن؟

стр. 842

هذه هي قوة القدرة الإلهية العظيمة، وسر إرادة الفطرة الإنسانية، السر الذي وقف العالم أمامه عاجزا عن الإتيان بمثله. التنبؤ السادس: عن استمرارية كتابة القرآن وتزايد نشره وطبعه في صورة كتاب. قال تعالى: ﴿وكتاب مسطور (*) في رق منشور﴾ (الطور: ٢ - ٣). الرق هو الجلد المرقق الذي يعد للكتابة، وكذا الصحيفة الرقيقة البيضاء النقية التي تعد للكتابة. وأطلق في الآية على القرآن كلمة الكتاب والمسطور ثم المنشور، ومعنى النشر هو البسط والامتداد، وهو الذي نعبر عنه اليوم بالانتشار والذيوع. التنبؤ السابع: عن عدم وقوف الباطل أمام القرآن. قال تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (فصلت: ٤٢). بذلت الفلسفة القديمة (باطل من بين يديه) والفلسفة الجديدة (باطل من خلفه) أقصى الجهود ولكنهما لم تستطيعا الوقوف أمام القرآن، ولم تقاوما أصلا من أصوله ولا معنى من معانيه، أي لم تنقص الفلسفة القديمة فيه شيئا، ولا زادت الفلسفة الجديدة فيه شيئا، فالقرآن كتاب كامل لا يسع تدخلا من أحد. أربعة تنبؤات عن الإسلام التنبؤ الاول: عن غلبة هدى الإسلام مع كره الكفار. قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ (التوبة: ٣٣). جنوب الجزيرة العربية والنصرانية: من أحوال الجزيرة العربية السياسية، زمان البعثة المحمدية أن سلطتة الحبشة كانت في جنوبها، وكانت روما تسيطر على القطاع الشمالي منها، وكانت الدولتان تدين بالنصرانية التي دخلت الجزيرة العربية في عام ٣٢٠ م،

стр. 843

واعتنقها بنو غسان، ثم انتشرت تدريجيا في العراق والجزيرة العربية والبحرين وصحراء فاران ودومة الجندل. يقول الأستاذ سيديو: إن جهودا كبيرة بذلت لنشر النصرانية في الفترة ما بين ٣٩٥ م إلى ٥١٣ م ولكن الإسلام سيطر على هذه المناطق جميعا في عدة سنوات فدخلت هذه البلاد في الدين الحق. الجزيرة العربية واليهودية: قدم اليهود إلى جزيرة العرب حينما طردهم اليونان والسريان من بلادهم، فانتشرت ديانتهم في الحجاز ونواحي خيبر والمدينة وقويت. وبمجئ الإسلام انتهت أيضا سيطرة اليهودية التي دامت نحو أربعة قرون. شرق الجزيرة العربية والمجوسية: كان الجزء الشرقي من الجزيرة العربية تحت سيطرة فارس، فكان حاكمها يعين من قبل ملك إيران وبموافقته، وقد انتشرت في هذا الجزء من الجزيرة العربية عبادة النار وتقاليدها على مستوى كبير. وقد نعتت كتب التاريخ العرب الذين تزوجوا البنت والأخت بأتباع المجوسية، ولم تصمد المجوسية أيضا مقابل تعليم الإسلام الطاهرة الزكية. وسط جزيرة العرب والوثنية: كان عمرو بن لحي قد أتى من الشام إلى الحجاز بصنم، فانتشرت الوثنية بين القبائل المشهورة وسط الجزيرة العربية قبل الإسلام بثلاثة قرون. أديان أخرى: وكانت هناك أديان أخرى في الجزيرة العربية مثل الصابئية والدهرية والمادية وإنكار القيامة وعبودية النفس وغير ذلك. وبلغ عدد أتباعها المئات أو الألوف. إلا أن الإسلام أنقذ هؤلاء جميعا من عبودية الباطل، وهكذا تحقق معنى قوله تعالى ﴿ليظهره على الدين كله﴾ في حياة نبي الإسلام (ص). التنبؤ الثاني: عن إتمامه وإكماله. قال تعالى: ﴿والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (الصف: ٨). موسى لم يدخل في أرض الميعاد: تأملوا سيرة موسى، لقد ظهرت على يديه آيات باهرة ليس لها نظير، فقد أهلك الله فرعون مصر، وجعل لبني إسرائيل طريقا في البحر يبسا. وأنزل عليهم المن والسلوى، وهداهم في النهار بزوبعة التراب، وأنار لهم بها خيامهم في الليل، كل ذلك تحقق ولكن لم يتحقق الهدف الأصلي في حياة موسى، ألا وهو إدخال بني إسرائيل في أرض الميعاد.

стр. 844

داود لم يمكن من بناء بيت الله: انظروا في سيرة داود، إنه أعطى الحكم على أسباط بني إسرائيل الاثنى عشر، وقتل جالوت، وهزم صموئيل، وبنى السور والحصون، ولكن لم يؤذن له ببناء بيت الله. جهد المسيح وانتقاص تعليمه: ادرسوا حياة المسيح، لقد استمر في الدعوة ليلا ونهارا، حتى لم تتيسر له الإقامة في مكان واحد ليلتين طوال أيام الدعوة التي استمرت ثلاث سنوات، ومع ذلك أعلن في كتاب يوحنا (١) أنه لم يتم تعليمه ولم يعلم الصدق كله. وفي مثل هذه الحالة يعلن القرآن أن الإسلام سيبلغ مدارج التمام والكمال ويصل نور الإسلام إلى هدفه. وقد نزلت الآية المذكورة حينما كان المهاجرون والأنصار خائفين وهم يتأولون طعامهم ويؤدون صلاتهم وكانوا مهددين من قبل أعدائهم في اليقظة والمنام، ولكن جاء وقت تحقق فيه الوعد، وطلعت شمس ذلك اليوم السعيد الذي أعلن فيه نبي الله (ص) في ساحة عرفة من على جبل الرحمة - وهو على ناقته القصواء كأنه واضع رجله على رأس أقصى علو العالم المادي - البشري الربانية فتلا قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (المائدة: ٣). وهكذا رأى القراء التنبؤ ثم رأوا تحققه وصدقه. التنبؤ الثالث: عن ازدياد قوة الإسلام وانتشاره. قال تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (*) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ (إبراهيم ٢٥، ٢٤). قوله تعالى ((ثابت)) اسم الفاعل الذي يدل على الاستمرار، و ((السماء)) من السمو بمعنى الرفعة والشوكة والعزة والكمال. والشجرة التي امتدت جذورها في الأرض تكون أقوى وتحصل على غذاء أكثر.

стр. 845

والشجرة التي تستمر في النمو وتبقى طراوتها تمتد فروعها وتتأرجح في الفضاء وترتفع إلى السماء وتتغذى ببركات السماء من الندى والمطر وتنال من بركات الأرض من ماء الأنهار والعيون يكون جذعها واحدا في تجمعها ولكن تعدد فروعها، وهذا هو التشبيه البليغ لكلمة الإسلام الطيبة، لقد قامت ودامت حيث بذرت بنورها، وامتدت فروعها إلى الصين وبلاد أفريقيا وانجلترا وأمريكا. يحكى عن الأمة الهندوكية أنها جاءت من وسط آسيا، ويقال إنها انحدرت من التبت، فاذهبوا إلى التبت وتركستان وما وراء النهر واسألوا الناس هناك، وانظروا هل تجدون أحدا يصدق هذه الدعوى؟ كلا، وهذا يعني أن جذورها لم تثبت، وهكذا حال أكثر أمم العالم. كانت أرض فلسطين قد أعطيت لبني إسرائيل على أنهم لو بقوا على اتباع الشريعة لسلمت لهم مملكتهم وحكومتهم إلى الأبد، ولكن هل ثبتت جذورهم في أرض الميعاد تلك؟ في الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨ م) قدم اليهود قروضا سخية إلى الدول الكبرى حتى تجعل أرض الميعاد وطنا قوميا، ولكن سكان تلك الأرض لم يسمحوا باستقرارهم فيها. ولو أثمرت جهود انجلترا وتحققت مملكتهم لما كانت المملكة التي تم وعدها مع إبراهيم وموسى وداود ﵈، بل كانت طاعة عبودية كتلك التي سمحت لليهود بالإقامة في تلك الأرض من قبل بخت نصر وكشتاسب، حينما كانوا في عهد المسيح تحت تبعية الروم. إن الوطن القومي للأمة المجوسية هو إيران، ولكن لا نجد الآن من يسأل عنهم هناك، فهل يصدق على مثل هذه الأمم قوله تعالى ((أصلها ثابت))؟ وهل تدعى الأمة اليهودية والهندوكية والمجوسية وغيرها في جمودها الحالي وانحصارها داخل بلادها أنها مصداق قوله تعالى ((فرعها في السماء))؟ أما الإسلام فليست شجرته مدينة لبيت أحد أو فنائه أوحديقته، بل الخلاء الواسع تحت السماء مكانها وهي تمتد وتنتشر فيه. أعيدوا النظر إلى الآية، إنها تبين خمسة محاسن للإسلام:
следующие страницы →