فالزعم أو الوهم بأن أحدا من أفراد الأمة قد تصرف في القرآن زعم خاطيء باطل.
ووهم لا أساس له من الصحة.
التنبؤ الرابع: عن حفظ القرآن.
قال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ (العنكبوت: ٤٩).
إن فكرة حفظ الكتاب كله فكرة بديعة، ذلك لأنه لم يحفظ كتاب بكامله قبل القرآن الكريم، فمجرد ظهور هذه الفكرة دليل على كونها إلهاما. وطبقا لهذا التنبؤ يوجد عدد كبير من حفاظ القرآن في كل بلد وإقليم ومديرية ومدينة. وهم يتلون القرآن تلاوة صحيحة وبإتقان ويقين حتى أن الكتابة تصح طبقا لقراءتهم وليس العكس، لم يحتاجوا قط لتصحيح قراءتهم بنسخة مطبوعة أو مخطوطة. ولو شك حافظ في قراءته لرجع إلى حفاظ آخرين لتصحيح قراءته.
وهذا التنبؤ تنبؤ قوي عجز العالم عن الإتيان بنظيره، ونظام الحفظ هذا من عند الله، وليس له مثيل.
التنبؤ الخامس: عن مهولة حفظ القرآن.
قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ (القمر: ١٧).
ذكرنا قبلا أن فكرة حفظ الكتاب كله فكرة بديعة. ومن الظاهر أن ألوفا من المسلمين لما أسمعوا القرآن عن ظهر قلب لأمم العالم ظهرت لديهم فكرة تقليد هذا الأمر في كتبهم أيضا فأمامهم نظير لذلك.
لكن لم نجد أحدا من اليهود أو النصارى أو المجوس أو الهنادك حفظ كتاب دينه المختار، وقد أفصح القرآن نفسه عن علة ذلك فقال إن الله تعالى أودع القرآن الكريم ميزة تيسر حفظه.
انظروا فالله تعالى لم يضع هذه الميزة في أي كلام آخر حتى لو كان منزلا من السماء في أي زمان، فكيف يتيسر لأتباع ديانة حفظ كتاب دينهم، وكيف يجرؤ هؤلاء على إسماع كتابهم عن ظهر قلب بصحة وتيقن كما يفعل حفاظ القرآن؟
стр. 842
هذه هي قوة القدرة الإلهية العظيمة، وسر إرادة الفطرة الإنسانية، السر الذي وقف العالم أمامه عاجزا عن الإتيان بمثله.
التنبؤ السادس: عن استمرارية كتابة القرآن وتزايد نشره وطبعه في صورة كتاب. قال تعالى: ﴿وكتاب مسطور (*) في رق منشور﴾ (الطور: ٢ - ٣).
الرق هو الجلد المرقق الذي يعد للكتابة، وكذا الصحيفة الرقيقة البيضاء النقية التي تعد للكتابة.
وأطلق في الآية على القرآن كلمة الكتاب والمسطور ثم المنشور، ومعنى النشر هو البسط والامتداد، وهو الذي نعبر عنه اليوم بالانتشار والذيوع. التنبؤ السابع: عن عدم وقوف الباطل أمام القرآن. قال تعالى:
﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (فصلت: ٤٢).
بذلت الفلسفة القديمة (باطل من بين يديه) والفلسفة الجديدة (باطل من خلفه)
أقصى الجهود ولكنهما لم تستطيعا الوقوف أمام القرآن، ولم تقاوما أصلا من أصوله ولا معنى من معانيه، أي لم تنقص الفلسفة القديمة فيه شيئا، ولا زادت الفلسفة الجديدة فيه شيئا، فالقرآن كتاب كامل لا يسع تدخلا من أحد.
أربعة تنبؤات عن الإسلام
التنبؤ الاول: عن غلبة هدى الإسلام مع كره الكفار. قال تعالى:
﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ (التوبة: ٣٣).
جنوب الجزيرة العربية والنصرانية: من أحوال الجزيرة العربية السياسية، زمان البعثة المحمدية أن سلطتة الحبشة كانت في جنوبها، وكانت روما تسيطر على القطاع الشمالي منها، وكانت الدولتان تدين بالنصرانية التي دخلت الجزيرة العربية في عام ٣٢٠ م،
стр. 843
واعتنقها بنو غسان، ثم انتشرت تدريجيا في العراق والجزيرة العربية والبحرين وصحراء فاران ودومة الجندل. يقول الأستاذ سيديو: إن جهودا كبيرة بذلت لنشر النصرانية في الفترة ما بين ٣٩٥ م إلى ٥١٣ م ولكن الإسلام سيطر على هذه المناطق جميعا في عدة سنوات فدخلت هذه البلاد في الدين الحق.
الجزيرة العربية واليهودية: قدم اليهود إلى جزيرة العرب حينما طردهم اليونان والسريان من بلادهم، فانتشرت ديانتهم في الحجاز ونواحي خيبر والمدينة وقويت. وبمجئ الإسلام انتهت أيضا سيطرة اليهودية التي دامت نحو أربعة قرون.
شرق الجزيرة العربية والمجوسية: كان الجزء الشرقي من الجزيرة العربية تحت سيطرة فارس، فكان حاكمها يعين من قبل ملك إيران وبموافقته، وقد انتشرت في هذا الجزء من الجزيرة العربية عبادة النار وتقاليدها على مستوى كبير. وقد نعتت كتب التاريخ العرب الذين تزوجوا البنت والأخت بأتباع المجوسية، ولم تصمد المجوسية أيضا مقابل تعليم الإسلام الطاهرة الزكية.
وسط جزيرة العرب والوثنية: كان عمرو بن لحي قد أتى من الشام إلى الحجاز بصنم، فانتشرت الوثنية بين القبائل المشهورة وسط الجزيرة العربية قبل الإسلام بثلاثة قرون.
أديان أخرى: وكانت هناك أديان أخرى في الجزيرة العربية مثل الصابئية والدهرية والمادية وإنكار القيامة وعبودية النفس وغير ذلك. وبلغ عدد أتباعها المئات أو الألوف.
إلا أن الإسلام أنقذ هؤلاء جميعا من عبودية الباطل، وهكذا تحقق معنى قوله تعالى ﴿ليظهره على الدين كله﴾ في حياة نبي الإسلام (ص). التنبؤ الثاني: عن إتمامه وإكماله.
قال تعالى: ﴿والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (الصف: ٨).
موسى لم يدخل في أرض الميعاد: تأملوا سيرة موسى، لقد ظهرت على يديه آيات باهرة ليس لها نظير، فقد أهلك الله فرعون مصر، وجعل لبني إسرائيل طريقا في البحر يبسا. وأنزل عليهم المن والسلوى، وهداهم في النهار بزوبعة التراب، وأنار لهم بها خيامهم في الليل، كل ذلك تحقق ولكن لم يتحقق الهدف الأصلي في حياة موسى، ألا وهو إدخال بني إسرائيل في أرض الميعاد.
стр. 844
داود لم يمكن من بناء بيت الله: انظروا في سيرة داود، إنه أعطى الحكم على أسباط بني إسرائيل الاثنى عشر، وقتل جالوت، وهزم صموئيل، وبنى السور والحصون، ولكن لم يؤذن له ببناء بيت الله.
جهد المسيح وانتقاص تعليمه: ادرسوا حياة المسيح، لقد استمر في الدعوة ليلا ونهارا، حتى لم تتيسر له الإقامة في مكان واحد ليلتين طوال أيام الدعوة التي استمرت ثلاث سنوات، ومع ذلك أعلن في كتاب يوحنا (١) أنه لم يتم تعليمه ولم يعلم الصدق كله.
وفي مثل هذه الحالة يعلن القرآن أن الإسلام سيبلغ مدارج التمام والكمال ويصل نور الإسلام إلى هدفه.
وقد نزلت الآية المذكورة حينما كان المهاجرون والأنصار خائفين وهم يتأولون طعامهم ويؤدون صلاتهم وكانوا مهددين من قبل أعدائهم في اليقظة والمنام، ولكن جاء وقت تحقق فيه الوعد، وطلعت شمس ذلك اليوم السعيد الذي أعلن فيه نبي الله (ص) في ساحة عرفة من على جبل الرحمة - وهو على ناقته القصواء كأنه واضع رجله على رأس أقصى علو العالم المادي - البشري الربانية فتلا قوله تعالى:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (المائدة: ٣).
وهكذا رأى القراء التنبؤ ثم رأوا تحققه وصدقه.
التنبؤ الثالث: عن ازدياد قوة الإسلام وانتشاره. قال تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (*) تؤتي أكلها كل حين بإذن
ربها﴾ (إبراهيم ٢٥، ٢٤).
قوله تعالى ((ثابت)) اسم الفاعل الذي يدل على الاستمرار، و ((السماء)) من السمو بمعنى الرفعة والشوكة والعزة والكمال.
والشجرة التي امتدت جذورها في الأرض تكون أقوى وتحصل على غذاء أكثر.
стр. 845
والشجرة التي تستمر في النمو وتبقى طراوتها تمتد فروعها وتتأرجح في الفضاء وترتفع إلى السماء وتتغذى ببركات السماء من الندى والمطر وتنال من بركات الأرض من ماء الأنهار والعيون يكون جذعها واحدا في تجمعها ولكن تعدد فروعها، وهذا هو التشبيه البليغ لكلمة الإسلام الطيبة، لقد قامت ودامت حيث بذرت بنورها، وامتدت فروعها إلى الصين وبلاد أفريقيا وانجلترا وأمريكا.
يحكى عن الأمة الهندوكية أنها جاءت من وسط آسيا، ويقال إنها انحدرت من التبت، فاذهبوا إلى التبت وتركستان وما وراء النهر واسألوا الناس هناك، وانظروا هل تجدون أحدا يصدق هذه الدعوى؟ كلا، وهذا يعني أن جذورها لم تثبت، وهكذا حال أكثر أمم العالم.
كانت أرض فلسطين قد أعطيت لبني إسرائيل على أنهم لو بقوا على اتباع الشريعة لسلمت لهم مملكتهم وحكومتهم إلى الأبد، ولكن هل ثبتت جذورهم في أرض الميعاد تلك؟
في الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨ م) قدم اليهود قروضا سخية إلى الدول الكبرى حتى تجعل أرض الميعاد وطنا قوميا، ولكن سكان تلك الأرض لم يسمحوا باستقرارهم فيها.
ولو أثمرت جهود انجلترا وتحققت مملكتهم لما كانت المملكة التي تم وعدها مع إبراهيم وموسى وداود ﵈، بل كانت طاعة عبودية كتلك التي سمحت لليهود بالإقامة في تلك الأرض من قبل بخت نصر وكشتاسب، حينما كانوا في عهد المسيح تحت تبعية الروم.
إن الوطن القومي للأمة المجوسية هو إيران، ولكن لا نجد الآن من يسأل عنهم هناك، فهل يصدق على مثل هذه الأمم قوله تعالى ((أصلها ثابت))؟ وهل تدعى الأمة اليهودية والهندوكية والمجوسية وغيرها في جمودها الحالي وانحصارها داخل بلادها أنها مصداق قوله تعالى ((فرعها في السماء))؟
أما الإسلام فليست شجرته مدينة لبيت أحد أو فنائه أوحديقته، بل الخلاء الواسع تحت السماء مكانها وهي تمتد وتنتشر فيه.
أعيدوا النظر إلى الآية، إنها تبين خمسة محاسن للإسلام:
стр. 846
١ - شجرة طيبة. فليعلم أن الإسلام يمتاز بتعليم الوحدة ومساواة الحقوق، ولذا جاء تشبيهه بالشجرة التي يكون لها أصل واحد وفروع وأوراق كثيرة تشبيها رائعا، فهي كلها تستفيد وتنتفع في الغذاء والنماء بذلك الأصل.
٢ - وهي طيبة، ويدخل فيها جمال المنظر، ولها ظل وثمر. وكذا حال الإسلام فإنه يجذب القلوب بشكله الجميل ومظهره الطيب، وإنه طيب لتعاليمه الطيبة الزكية.
٣ - أصلها ثابت.
٤ - فرعها في السماء، وقد سبق أن تكلمنا عن ذلك في الدليل الأول.
٥ - تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. إن وقت إثمار الشجرة محدد فبعضها يثمر في الصيف وبعضها في الشتاء وبعضها في الربيع وبعضها في الخريف. والله تعالى وصف الإسلام بأنه يثمر في كل وقت.
انتشار الإسلام أثناء إقامة النبي (ص) بمكة: انظروا إلى بداية عهد الإسلام حينما كان النبي (ص) يقيم بمكة، وكان المسلمون يلجأون إلى البلدان المختلفة حفاظا على أرواحهم وإيمانهم، فانتشر الإسلام في اليمن والحبشة في ذلك الوقت.
انتشاره أيام إقامته بالمدينة: وانظروا إلى الدور الثاني حيث كان النبي (ص) يقيم في المدينة، فقد دخل الإسلام في تلك الفترة أهل البحرين وعمان ودومة الجندل وثغور الشام.
وانظروا إلى الدور الثالث حينما احتجبت شمس النبوة، فانكسرت قلوب المخلصين وتشجع المنافقون.
انتشاره في عهد الصديق: كان المعاهدون قد أعلنوا نقض المعاهدة، وجمع المتخاصمون جيوشهم على حدود العراق وإيران. فتقدم الأعراب تحت قيادة أبي بكر الصديق خليفة الرسول (ص) فاستنار ضعاف القلوب بنور الإسلام.
انتشاره في عهد الخلافة الراشدة: وفي الدور الرابع جاءت خلافة عمر الفاروق ﵁ وعثمان الغني ﵁، فوصل الإسلام من شرق سيبيريا إلى غرب
تونس.
وفي العصر الأموي تخطى الإسلام جبل الطارق وعبر البحر حتى سيطر على الأندلس.
стр. 847
إسلام المغول: وبعد نهضة دامت نحو سبعة قرون دب الضعف والانحطاط في الدولة الإسلامية حتى تعرضت بغداد للدمار والهلاك، ولكن في نفس تلك الأيام تحول المغول، الذين كانوا يقطعون شجر الإسلام ويستأصلونه، إلى حماة للإسلام وصاروا من ثمار شجرته الطيبة.
فلسفة اليونان وأوهام الهنادكة: والحاصل أن الإسلام تقدم وانتشر أيام الشدة والاضطهاد وأيام النهضة واليسر على حد سواء. وقد تعرض هذا الدين لهجمات الفلسفة اليونانية والأوهام الهندية والترف الإيراني والتوحش البربري، ولكنه استمر في الانتشار والتقدم مع هذه العراقيل.
السياسة الأوربية والفلسفة الجديدة: وفي عصرنا هذا تصوب الفلسفة الجديدة سهام نقدها إلى الإسلام بالإضافة إلى ما أحدثته القوى الأوربية من شتات فكري، وتعرضت دول الإسلام للهلاك، وتقلص ظل تركيا التي كانت دولة عظمى، وتحول المغرب من دولة عظيمة إلى دولة مستضعفة، وافتقرت حكومات شبه الجزيرة العربية والعراق إلى الأجانب، واختل أمر تنظيم الأمة، ومع ذلك فالإسلام يبسط ظله على انجلترا وألمانيا وأمريكا، فتدخل في كنفه كبار الشخصيات.
نهضة الإسلام في العهد الحالي: تضاعف عدد المسلمين في الصين وأفريقيا في عشر سنوات، فانظروا إلى هذه الأحوال واعتبروا، وتصوروا مدى صدق قوله تعالى: ﴿تؤتي
أكلها كل حين﴾.
إن الإنسان حينما ينظر إلى نهضة الإسلام والمسلمين في حين واحد يدرك قوة الأمر الإلهي وحكمة الرب الكريم.
التنبؤ الرابع: عن تقدم الإسلام بأدلته الحقة، واهتداء الناس بآيات الأنفس والآفاق إليه. قال تعالى:
﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ (فصلت: ٥٣).
هذا هو الأمر الذي جذب العرب إلى الإسلام ودفعهم إلى قبوله فتدبروا هل يرفض رجل سليم العقل شهادة صدق أمر اجتمعت عليه آيات القدرة الداخلية والخارجية؟
وحينما تتوفر أمام السمع والبصر والفؤاد البراهين الساطعة - التي ترتفع بالحواس
стр. 848
الظاهرة والباطنة إلى قمة التصديق - فكيف يتيسر لأحد إبطالها؟
إن الله تعالى أرى من خاطبهم النبي (ص) الآيات التي شهدت بها ضمائرهم، والآيات التي أيدتها حوادث الأرض والسماء وتقلباتهما، وهناك أقروا بصدق الإسلام وتساقطوا مثل الفراش على مصباح الهداية، ونثروا مثل الزهور أنفسهم وأموالهم حول منبع الأنوار.
إن أغلب آيات موسى التسع كانت تتعلق بالآفاق، فقامت حجة الله على آل فرعون، ولكنهم بقوا منعزلين عن الهداية. أما الآيات القرآنية فكانت تتعلق بالأنفس والآفاق معا، ولذا اقترب مخاطبو النبي (ص) من نور الحق، واستناروا به حتى ساروا نورا للآخرين، وهذا هو تأويل قوله (ص) ((أصحابي كالنجوم)).
تنبؤ عن غلبة المسلمين: قال الله تعالى: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات: ١٧٣).
تعرض المسلمون لأنواع من الظلم والاضطهاد طوال المدة التي لم يؤذن لهم فيها بالقتال والدفاع الحربي، ثم رحمهم الله تعالى بسبب اضطهادهم وتضعضعهم فأذن لهم بالقتال، وانتظمت جماعة المسلمين بالتنظيم العسكري حتى صح إطلاق لفظ ((الجند)) عليهم، ومنذذ ذلك الوقت لم ينهزم المسلمون في موقعة، بل توالت عليهم الفتوح وحالفهم النصر والظفر، واقرأوا عن حروب العراق وفلسطين والشام وإيران وخراسان وتركستان ومصر والسودان حتى تعرفوا أن المسلمين لم ينهزموا في موقعة من هذه المواقع، بل تمت لهم الغلبة والنصرة في كل مكان. ومثل هذا التنبؤ لا يصدر إلا عن الذات التي تملك إذلال الأمم وإعزازها، الذات التي أحاط علمها بالمستقبل أكثر من إحاطة الإنسان بالعهد الماضي.
وقوله تعالى ((جندنا)) يتطلب مزيدا من التأمل، ومعناه الجيش الإلهي، والظاهر أن هدف مثل هذا الجيش لا يكون إلا إعلاء كلمة الله، بعيدا عن فتح الكنوز وتملك الخزائن، فإذا تغير هذا الهدف لا يليق بهذا الجيش أن يتصف بهذه الصفة وإذا لم يتصف جيش بهذه الصفة ينهزم ويتراجع أمام الأمم الأخرى.
وإذا كان المسلمون قد حرموا الغلبة التامة في القرون المتأخرة فسبب ذلك هو ابتعادهم عن كونهم جندا لله، وعلى هذا فإن الآية الكريمة المذكورة تضمنت تنبؤين:
стр. 849
- لن ينهزم المسلمون ما دام هدفهم إعلاء كلمة الله.
٢ - إن وعد الله المذكور لا يصدق ما لم يبق المسلمون على هدفهم المذكور. تنبؤ عن خلافة الأرض: قال تعالى: ﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ (النمل: ٦٢).
في هذه الآية خطاب لعامة المسلمين. وقد تحقق هذا التنبؤ إذ حكم بنو أمية في دمشق نحو ألف شهر، ثم سيطروا على غرناطة وغيرها، ودام حكمهم على الأندلس قرونا عديدة. ومن تحققه أن خضعت مصر لحكم المسلمين منذ العصر الفاروقي إلى الآن، وتعاقبت على عرشها أسر عديدة. ومن تحققه أن بني العباس حكموا في بغداد بعد انقراض الدولة الأموية نحو ستة قرون. وكذلك حكم المماليك في التركستان وخراسان وغيرها، ثم فتح فرع منهم القسطنطينية فحكموا أوربا، وحكم فرع آخر الهند قرونا عديدة.
والحاصل أن حكم الأمويين والعباسيين والأتراك والأكراد والمماليك والآفغان لبلاد فراعنة مصر وأكاسرة إيران وقياصرة روما تحقيق للتنبؤ المذكور، ومن الواضح أن مثل هذا التنبؤ لا يكون إلا من عند الله تعالى عالم الغيب. تنبؤ عن حالة المؤمنين في الدنيا:
قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين﴾ (النحل: ٣٠).
هذه الآية من سورة النحل، وهي مكية، ومن المعلوم أن المؤمين كانوا في مكة في ضيق وشدة وفقر وعسرة، حتى إن البعض لم يكن يجد ملبسا كاملا، وواجه البعض الأسر والحبس بسبب إيمانه، وكان البعض يلقى على الأرض الحامية ويوضع الحجر الثقيل على صدره ويوضع اللجام في فم البعض ويضرب بالسوط ويساق مثل الفرس، ويلقى البعض على النار، وكان الكفار يحسبون أن يبقى المسلمين على هذه الحالة دائما.
ولكن الله تعالى أخبر بكلامه أن هذه الحالة سوف تتغير وتتحسن حالة المؤمنين.
ورأى العالم بعد الفتوح أن مسلمي القرون الأولى قد استمتعوا بالنعيم والترف والعزة والكرامة، حتى اعترف الكفار بصدق تنبؤ القرآن وإخباره عن هذا الأمر. أخرج أبو داود عن جابر قال قال لي رسول الله (ص):
стр. 850
((أتخذتم أنماطا؟)) قلت: وأنى لنا الأنماط؟ فقال: ((أما إنها ستكون لكم أنماطا) (١).
ثلاثة تنبؤات عن المهاجرين:
١ - قال الله تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة﴾
(النساء: ١٠٠).
٢ - وقال تعالى: ﴿فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيأتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾ (آل عمران: ١٩٥).
٣ - وقال تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (*) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (*) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم﴾ (التوبة: ٢٠ - ٢٢).
هذه الآيات الثلاث عن المهاجرين الطيبين خاصة، والوعد في الآية الأولى خاص بالدنيا، بينما هو في الآية الثانية والثالثة عن الدنيا والآخرة كليهما.
كان المهاجرون قد تركوا الأهل والوطن والمال وهاجروا مع رسول الله (ص) إلى المدينة، فملكهم الله تعالى حسب الآية الأولى صناعات كبيرة، وتجارات واسعة. أما وعد الجنات والنعيم المقيم فقد تحقق جزء منه في الدنيا، تأملوا إن الذين فتحوا العراق والشام وإيران ومصر وخراسان والسودان كانوا من المهاجرين، ومن القادة الكبار خالد بن الوليد سيف الله، وأبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي سرح، وهم الذين نشروا نور الإسلام في البلاد المذكورة، وعمموا نعيمها المقيم لأهل الإيمان. تنبؤ عن غنى المسلمين:
قال الله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ (التوبة: ٢٨).
إن كلمة ((سوف)) تدخل على المضارع فتجعله بمعنى الاستقبال البعيد، فقد تحقق هذا التنبؤ بعد انقراض عصر النبوة، فقد كثرت ثروة الصحابة بحيث لم يستطيعوا تقديرها.
فلما توفي عبد الرحمن بن عوف القرشي ترك ألف إبل وثلاثة آلاف من الغنم ومائة
стр. 851
فرس ناهيك عن النقود والأمتعة وقد استحقت إحدى زوجاته سهما بمعدل (٨/ ٣) وقد بلغ (٨٣٠٠٠) دينار (١).
وكان عند الزبير بن العوام ألف غلام يأتون إليه بما يكسبون، وكان الزبير ينفقه كله في الصدقات ولا يمسكه حبة (٢).
تنبؤ عن انعدام الوثنية:
قال الله تعالى: ﴿ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته﴾ (الشورى: ٢٤).
المراد بالباطل الأصنام، كما دل عليه النبي (ص) بنفسه، فقد أخرج البخاري (٣) عن عبد الله قال: دخل النبي (ص) مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾.
ومن تحقق التنبؤ المذكور وصدقه أن البلاد العربية بمعزل عن الوثنية إلى الآن فلا نكاد نجد صنما في أي جزء منها.
وقوله ((بكلماته)) يتطلب التفكير مرة أخرى، فإن وظيفة القضاء على الباطل وإحقاق الحق هي للكلمات الإلهية، ومن تأثير كلام الله أن الباطل لا يقف أمامه.
كانت الصين والهند وآسام وغيرها من البلاد الوثنية، وإعراض ألوف العباد من سكانها عن الوثنية كان نتيجة تأثير كلام الله تعالى، فحيثما انتشر الكلام الرباني انعدمت الوثنية، وظهور فرقة البروتستانت في النصرانية من هذا التأثير نفسه. فأتباع هذه الفرقة لا يعبدون الصور ولا ينصبون في كنائسهم تماثيل المسيح ومريم ويوحنا، ولا يسجدون لها.
تنبؤ عن المهاجرين المظلومين ومصيرهم: قال تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ (النحل: ٤١).
وحتى نعرف الذين تنعموا بالنعم الربانية وفق هذه الآية الكريمة ينبغي أن ننظر إلى
стр. 852
أسماء المهاجرين ونطلع على أحوالهم ونقارن بين نجاحهم في الدنيا وأجرهم العظيم في
الآخرة.
إن آية صغيرة أعلنت عن مصير مئات من الصالحين، وهي وحدها دليل واضح على كون القرآن كلام الله تعالى وعلى فوز المهاجرين في الدنيا والآخرة.
وذكر سعادة الدنيا والآخرة ورد في ذكر يوسف أيضا، فقال الله تعالى:
﴿قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (يوسف: ٩٠).
والآية المذكورة تدل على أن الله تعالى كان قد جمع للمهاجرين سعادة الدارين، مثلما جمع ليوسف ﵇.
تنبؤ عن تقدم الصحابة ببطء وبالتدريج حتى يملوا إلى الكمال فيما بعد:
قال تعالى: ﴿كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار﴾ (الفتح: ٢٩).
ذكرت الاية ست وقائع ومدارج:
* خروج شطأ الزرع من الأرض.
* قوة هذا الشطأ.
* وكان هذا في مكة المكرمة.
* استغلاظ هذا الشطأ.
* استواؤه على سوقه.
تحقق هذا في المدينة المنورة.
وبعد المدارج الأربعة يأتي ذكر نتيجتين خارجيتين.
* فرح الزراع برؤية ذلك الزرع، وهذا رضوان من الله تعالى.
وقد جاء إعلانه في آية الإكمال.
* موت الكفار غيظا وحسدا برؤية ذلك المشهد.
وهذا عن الأفراد والأمم الذين لم يعجبهم وصول المهاجرين إلى هذه المكانة العالية.
стр. 853
وهكذا تضمنت الآية المذكورة ستة تنبؤات.
وينبغي أن ننظر إلى هذا التنبؤ مع التنبؤ الذي شبه فيه الإسلام بالشجرة الطيبة.
تنبؤ عن زيد بن حارثة: كان جبير بن مطعم (١) اشترى زيد بن حارثة لخديجة الكبرى من سوق عكاظ، ولما تزوجت خديجة النبي (ص) أمرت زيدا بخدمة النبي، ولما بعث النبي (ص) آمن به زيد في اليوم الأول الذي آمنت فيه خديجة وآمن فيه علي وأبو بكر ﵃، فهو من السابقين الأولين، وقال الله تعالى عنه:
﴿إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ (الأحزاب: ٣٧).
وبهذه الآية علمنا أن زيدا ممن أنعم الله عليهم. وتم تحديد المنعم عليهم في آية أخرى، يقول تعالى:
﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ (النساء: ٦٩).
والنتيجة أن الشهيد منعم عليه من الله، والمنعم عليه إن لم يكن نبيا أو صديقا فلابد أنه شهيد أو صالح. وهكذا أخبرت الآية الكريمة عن زيد بن حارثة بشهادته، وقد استشهد في غزوة مؤتة عام ٨ من الهجرة وهو قائد الجيش، وبذلك تحقق التنبؤ المذكور. تنبؤ عن إسلام الأمم الأخرى:
قال تعالى: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ (محمد: ٣٨).
في الآية خطاب للذين أعرضوا عن الجهاد، كما يتضح من العبارة المذكورة للقرآن، والآن انظروا إلى الذين جاهدوا في إفريقيا والأندلس وخراسان والسند والهند فقد كانوا من الأمم التي لم تتعلق بهؤلاء المنافقين في الحسب والنسب.
والخدمات التي قام بها الأتراك والمغول والخلجيون والسوريون والغوريون لإعلاء كلمة الله تندرج كلها تحت هذا التنبؤ.
стр. 854
تنبؤات عن المؤمنين
التنبؤ الأول: عن الخلافة الراشدة، وقد وردت فيه أمارتها بوضوح، وهذا التنبؤ الواحد يتضمن ستة تنبؤات. والآية الكريمة التالية تضمنت ستة تنبؤات، ووعيدا واحدا. قال تعالى:
﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات،
١ - لسيتخلفنهم في الأرض،
٢ - كما استخلف الذين من قبلهم،
٣ - وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم،
٤ - وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا،
٥ - يعبدونني لا يشركون بي شيئا،
٦ - ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ (النور: ٥٥).
وهذا الوعد هو للذين يمثلون تعليم النبوة ويتصفون بالعمل الصالح. وهو يتضمن التنبؤات الستة الآتية: الأول: الخلافة في الأرض:
ألف: قوله تعالى قد تفرد دائما بإقامة الخلافة، فقال عن خلافة آدم:
﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة: ٣٠).
وقال عن خلافة داود: ﴿يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ (ص: ٢٦).
وقال حينما وعد المؤمنين: ﴿لسيتخلفنهم﴾.
وبذلك ثبت أن أسماء الخلفاء الراشدين قد وضعت في القرآن الكريم وأن تعيينهم وانتخابهم كان من الله تعالى.
ب - نزلت الآية في العام الخامس من الهجرة، إذ ذكرت قصة الإفك في سورة النور التي منها هذه الآية، وهذه القصة وقعت في العام الخامس من الهجرة باتفاق علماء السيرة. ومن هنا علم أن الوعد المذكور يدخل فيه كل من آمن قبل العام الخامس الهجري
стр. 855
ولذا ورد قوله ((آمنوا وعملوا)) بصيغة الماضي. وينتج عن هذا الوعد أن من أسلم أو ولد بعد نزول الآية المذكورة وادعى الخلافة الراشدة التي يتم تحديدها من الله تعالى لم تصح دعواه.
ج: لقوله ((الأرض)) معنى عام وخاص، فإن كان معناه أرض الميعاد كان خاصا، وإن كان معناه مطلقا كان عاما. وقد ورد إطلاقه في القرآن على الصورتين، فقوله تعالى:
﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ (البقرة: ٢٥٥).
يراد فيه بالأرض جميع الكرة الأرضية.
ويراد في قوله: ﴿وكذلك مكنا يوسف في الأرض﴾ (يوسف: ٥٦). (أرض مصر).
ويراد مثلا بالأرض في قوله تعالى:
﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ (المائدة: ٢١).
أرض الميعاد التي قال تعالى عنها؟
﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
وهكذا يراد بالأرض في الآية أرض الميعاد، وهي تخبر أن أرض فلسطين التي أعطاها الله تعالى أولاد خليله إبراهيم، وكان بنو إسرائيل يملكونها منذ آلاف السنين، يسيطر عليها الآن خلفاء الأمة المحمدية.
وعلى هذا المعنى أيضا تتضمن الآية تنبؤا صريحا، فلم تكن هناك علامات وقرائن حين نزول القرآن وكذا طيلة الحياة النبوية على أن المسلمين تمتد سيطرتهم خارج الجزيرة إلى الأرض المقدسة.
فكان الأعداء (وخاصة دولة روما المسيطرة على الأرض المقدسة) يستعدون للهجوم الشامل المفاجئ على الجزيرة بعد وفاة النبي (ص) بينما يهاجم ملوك مصر والحبشة أصحاب الجزية من بلادهم، ويتقدم قيصر من جهة الشام، وبهذه الخطة تتم السيطرة على الجزيرة كلها في وقت واحد، ويقضي على هذا الدين الجديد الذي سيطر على النصرانية في الجزيرة العربية، وزلزل بالأدلة العلمية أسس التثليث في عيون العالم كله.
стр. 856
ومع استعداد الأعداء المذكور يصرح القرآن الكريم بأن أرض الميعاد ستكون للمؤمنين، وفعلا تحقق ما ورد ذكره، وتحقق تشبيه قوله ((كما استخلف)).
ويمكن أن يراد بالأرض عامة البلاد، فإن العراق وفلسطين والشام وآسيا الصغرى ومصر وإيران والبحرين وخراسان والمغرب وتونس والسودان وغيرها من البلاد التي كانت انضمت إلى الأعداء المهاجمين قد دخلت كلها في حوزة الخلفاء.
الثاني: أن الآية لو اقتصرت على الفتوح المكية لقال قائل: إن الخلافة الموعودة كانت تتضمن البركات الدنيوية فقط، ولكن التعمق في قراءة الآية يوضح أن الآية تتضمن كذلك وعد التمكين للدين وعزته وشوكته.
ويمكن أن يقول قائل: إن التعبير بالدين قد جاء عن غير الإسلام أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ (الكافرون: ٦)، ودفعا لهذا القول زاد الله تعالى قوله ﴿الذي ارتضى لهم﴾، وقوله تعالى ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (المائدة: ٣) - في آية الإكمال يفسر ما أجملته الآية المذكورة ﴿الذي ارتضى لهم﴾، ثم تأتي آية أخرى عن الإسلام فتقول: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران: ١٩).
وهذه الآيات البيات توضح بقوة أن دين الخلفاء هو الدين المرضي المختار عند الله تعالى.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾.
وهذا المقطع من الآية يخبر عن الأمن الشامل والراحة التامة والرخاء الكامل الذي تحقق في عصر الخلفاء الراشدين. وكذلك تحقق فيه التنبؤ الذي ذكره النبي (ص) لعدي بن حاتم من أن امرأة من صنعاء تحج البيت وحدها ولا تخاف إلا الله.
فهذه الكلمات الطاهرة من الآية تدل على النظام الداخلي والخارجي، كما أن الكلمات السابقة تبين فتح البلاد وتملك الأرض ويتعذر اجتماع الوصفين في عصر فاتح من فاتحي العالم.
فقد خرج الاسكندر من مقدونية ودمر إيران وأخضع مصر وقضى على بابل ووصل إلى آسيا الصغرى، وخرج تيمور من تاتارستان وسيطر على التركستان واحتل عرش كابل
стр. 857
وحكم على الهند وخرب بغداد وأمر السلطان بايزيد يلدرم في أنقره، وأخضع روسيا ثم عاد إلى تاتارستان. إن الصين كانت تخافه وتقدم له دولتا منغوليا وكوريا الخراج، ولكن نظام بلادهما لم يكن شيئا يذكر. وتنبؤ القرآن يصرح بأن الخلافة تكون جامعة للوصفين العاليين، وتضرب مثالا للحكم تعجز عن تقليده ديمقراطية فرنسا وأمريكا.
الرابع: قوله ((يعبدونني)) شهادة وتصديق لإخلاص الخلفاء في الطلب وصدقهم في الإرادة وثباتهم في العلم والعمل، فإن إخبار الله عن قبوله لعبد منتهى العزة والفخر، وكان القرآن قد خصه بالأنبياء، والآية قد أشركت فيه الخلفاء الراشدين أيضا.
الخامس: قوله: ((لا يشركون بي)) هذا المقطع من الآية يكمل ما سبقه. والصفات العالية تقسم بين الإثبات والسلب، ففي قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد (*) الله الصمد﴾ صفة موجبة، وفي قوله ﴿لم يلد ولم يولد (*) ولم يكن له﴾ صفة منفية وهكذا الآية الكريمة نفت الشرك فاتضح جيدا كمال التوحيد ورسوخ العقيدة وسلامة الإيمان ودوام العمل.
السادس: من قوله ((شيئا)) يعني نفي الشرك الخفي مع الشرك الجلي، وانتهت بهذا شائبة الرياء والسمعة وظهر نور الصدق والصفاء كاملا.
السابع: وأخبر بعد هذه العلامات أن إنكار بركات الخلفاء أو الشك في التنبؤ المذكور يؤدي إلى عاقبة أسوأ ويستوجب لعنة الله على المنكر المتشكك.
فليتدبر القراء أن الخلافة التي أخبر عنها والنصر والسلام والتدين والصدق الذي تم التنبؤ عنه قد تحقق كله في الخلافة الراشدة بالتمام والكمال، ولم يشهد بذلك تاريخ المسلمين فقط، بل شهدت به كتابات الأعداء الأخرى غير المسلمة وتاريخ البلاد أيضا. وعلينا أن نعيد النظر إلى الآية حتى نعرف هل تنبئ عن عدو الخفاء أم لا؟
وأقول: نعم إنها تنبئ عن ذلك، وذلك أن الله تعالى استعمل صيغة الجمع في قوله ((ليستخلفنهم وارتضى لهم)) وأقل الجمع في العربية ثلاثة، وهو يدل على أكثر من ذلك. ولكن إذا كان العدد أقل من ثلاثة فتستخدم صيغة التثنية لا الجمع، ولذا صح ما ذهب إليه المسلمون من أن الخلفاء الراشدين أربعة؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو خمسة بإضافة الحسن. ومن بلاغة القرآن أن علامة ((آمنوا وعملوا الصالحات)) منطبقة تماما على الأربعة أو الخمسة وقت نزول الآية.
стр. 858
وكان قصدنا من هذا البحث كله ذكر تنبؤات القرآن عن الخلافة الراشدة، وقد بدأت الخلافة بعد وفاة النبي (ص) حينما انقطع الوحي، ولذا كان على الله إنشاء هذه الخلافة وتدعيمها وفق تلك العلامات والأمارات والبشارات، فهو الذي أنزل كلامه على رسوله واصطفى من أمته (ص) عدة نفوس زكية للخلافة، وكانت أقوالهم وأفعالهم مصداقا لكتاب الله تعالى، وكان كتاب الله تعالى مصدقا لهم.
تنبؤ سابق عن فتنة تقع بين مخاطبي القرآن الأوائل:
قال الله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (الأنفال: ٢٥).
إن هذه الآية تخبر عن فتنة عامة تشمل الظالمين وغيرهم. ولاشك أن فقدان القومية واختلال نظام الأمة مصيبة تؤثر على الجميع.
إن شهادة عثمان ووقعة الجمل ووقعة صفين وشهادة علي وحادثة كربلا هي الأحداث التي صدقت بوقوعها ذلك التنبؤ. واشترك في هذه الأحداث عدد كبير من مخاطبي القرآن الكريم الأوائل، ولذا جاء ضمير المخاطب في قوله تعالى ((منكم))، ووقوع هذه الفتنة بعد الخلافة الراشدة التي جمعت بين بركات الدنيا وأنوار الآخرة لم يكن في الحسبان، ولكن علم الله تعالى ومع الأحداث المستقبلة، وكلامه ذخيرة لها، ولذا أخبر بألفاظ واضحة أن الفتنة تعم الظالم وغيره.
ولم يقل أن يشترك الناس في الفتنة، بل أمرهم بأن يجتنبوها ويتقوها، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة عن الفتنة ما يأتي:
((ستكون الفتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي)).
ولا نود تفصيل تلك المآسي والأحداث المحزنة المقلقة بل القصد هو إثبات تنبؤ القرآن الكريم عن هذه الوقائع، وهذا هو الدليل على كونه كلام الله. تنبؤ ضد مستهزئي مكة:
قال تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (*) إنا كفيناك المستهزئين﴾ (الحجر ٩٤ - ٩٥).
سبق أن ذكرنا في البداية من هذا الكتاب طائفة المتهزئين، وكان قصد هذه
стр. 859
الطائفة الضحك على النبي (ص) وتقليد أفعاله والتشويش عليه وإحداث الضجة في وعظه وتحقيره والنيل منه.
انظروا إلى أعمال هذه الطائفة القبيحة وتصوروا كيف يسطيع أحد القيام بالدعوة والإرشاد في تواجد هذه الموانع؟
ولكن الآية الكريمة تأمر النبي (ص) بالاستمرار في وظيفته في الدعوة والإرشاد والإبلاغ والإنذار، أما المستهزءون وموقفهم فالله يخبر أنه يكفي رسوله إياهم. وحتى يتبين صدق هذا التنبؤ نذكر هنا أسماء المتهزئين ومصيرهم.
١ - أبي بن خلف: كان رأس الكفر يؤذي سيدنا بلالا، فأذاقه الله الموت على يده وأوصله دار البوار.
٢ - العاص بن وائل: خرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبارقة فدخلت في أخمص رجليه شوكة فقتلته.
٣ - النضر بن الحارث: قتل بأيدي المسلمين، وكان على رأس المستهزئين.
٤ - عتيب: كان حفيد أسود بن المطلب.
٥ - حارث بن زمعة: كان ابن عم عتيب.
٦ - طعيمة بن عدي: كان بذئ اللسان.
٧ - أسود بن عبد المطلب: كان يمثل أفعال النبي (ص) سخرية، نام في ظل شجرة ثم قام قلقا مضطربا يقول كأن شوكة تشاك في عينيه.
٨ - العاص بن منبه: ركب حمارا إلى الطائف فأصابته شوكة مات بسمها.
٩ - منبه بن الحجاج: عمي ثم هلك متألما.
١٠ - أبو قيس بن ناكة: كان يرتاح بإيذاء النبي (ص).
١١ - أمية بن أبي خلف: عرف ببذاءة اللسان.
١٢ - أبو جهل: كان رأس الأشرار.
١٣ - عقبة بن أبي معيط: كان ألقى الحبل في عنق النبي (ص).
١٤ - الحارث بن قيس: (أدعيطل) أخذ الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه، فمات منها.
стр. 860
١٥ - الوليد بن المغيرة: مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخداش وليس شيء فانتقض به فقتله.
١٦ - أبو لهب: أصيب بالطاعون فهلك، ولم يمس أقرباؤه وأصدقاؤه جثته، بل رموا عليها أحجارا من السطح فغطته وصارت قبرا له.
١٧ - الأسود بن عبد يغوث: خرج في رأسه قروح فمات منها.
١٨ - زبير بن أمية: مات موبوءا.
١٩ - الحارث بن الطلاطل: امتحض قيحا فقتله.
٢٠ - ركانة بن عبد يزيد: مات في بؤس وخيبة. انظروا كم من شخص تضمن هذا التنبؤ هلاكه، وكيف لقى كل منهم مصيره في حالة يرثى لها.
وقد سبق أن ذكرنا الآيات الأخرى الخاصة بالنبي (ص) في مبحث خصائص النبي (ص).
تنبؤ عن مودة رؤساء قريش:
قال تعالى: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾ (الممتحنة: ٧). ولهذا التنبؤ أيضا أمثلة، وينبغي أن نتذكر أن كلمة ((عسى)) تدل على رجاء أمر مرغوب.
١ - كان عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ابن عمة النبي (ص)، ومن شدة عدائه للإسلام أنه قال للنبي (ص): فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى منه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك (١).
وقد حالفه التوفيق الإلهي فحضر في العام الثاني من البعثة إلى النبي (ص) وأسلم. فليتصور الخبراء، ما الذي أدى إلى إسلام عبد الله؟ لابد وأنه رأى أمرا أعظم من الصعود إلى السماء والنزول منها ونزول الملائكة وشهادتها بصدق النبي (ص).
стр. 861
٢ - كان ثمامة بن أثال سيد اليمامة، وكان يقول: ((يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، وما كان دين أبغض إلي من دينك)) فبقى أسيرا بالمدينة ثلاثة أيام، ولما أطلقه النبي أسلم وأخلص في إسلامه حتى صار وجه محمد (ص) أحب الوجوه إليه (١).
٣ - كان عمرو بن العاص نشطا في معاداة الإسلام، حتى أن قريشا أرسلته سفيرا إلى النجاشي لاستعادة المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لاجئين: وبعد سنوات حضر إلى النبي (ص) مطرق الرأس خجلا، ثم ذهب داعية إلى الإسلام فعاد ببشرى إسلام ملك عمان، ثم صار فاتح مصر الأول (٢).
٤ - كان أبو سفيان صخر بن حرب قد هاجم المسلمين في أحد وغزوة السويق والأحزاب، وجميع الجموع الكبيرة ضد المسلمين. ولكنه لما أسلم ثبت ضد الردة وساهم في فتوح المشام وغيرها مساهمة فعالة (٣).
٥ - كان أبو سفيان بن حارث ابن عم النبي (ص) شاعرا قديرا، وهجا المسلمين والإسلام في أول الأمر، ثم تشرف بالهداية الربانية ولقب ب ((سيد فتيان أهل الجنة)) (٤).
٦ - كان سهيل بن عمرو سفير قريش في صلح الحديبية، ولما أسلم ألقى خطبة بعد وفاة النبي (ص) على أهل مكة فمنحتهم ثباتا وطمأنينة، ثم ارتحل من الدنيا شهيدا (٥).
٧ - كان عكرمة بن أبي جهل في أول أمره معاديا للإسلام ومدافعا عن الكفر أكثر من أبيه. ولما دخل في أتباع النبي (ص) أحبه وأخلص في حبه، وكان الساعد الأيمن لخالد بن الوليد، وكان وحده أقوى على ألفي كافر (٦).
٨ - عاش حكيم بن حزام القرشي الأسدي ستين عاما في الكفر، وبذل جهدا كبيرا ضد المسلمين في بدر، ثم أسلم وخدم الإسلام ستين عاما، وقد حج مرة فنحر مائة إبل
стр. 862
وألف شاة، وأعتق مائة رقبة (١).
٩ - كان عبد ياليل قد حرض الغلمان والأوباش على النبي (ص) حينما ذهب إلى الطائف للدعوة، فرموه بالأحجار والأوحال. وبعد أعوام عديدة جاء إلى المدينة مع رؤساء قريش فآمن وعاد إلى قومه يبلغهم دعوة الإسلام حتى أسلمت قبيلته كلها في يوم واحد (٢).
١٠ - كان بريدة الأسلمي خرج من بيته مع سبعين راكبا للقبض على النبي (ص) طمعا في جائزة قريش بمائة إبل، ولما وقعت عينه على وجه النبي (ص) وسمع صوته أنزل عمامته من رأسه وجعل منها علما فصار صاحب علم الرسول (ص) (٣).
ويمكن أن نقدم مئات من الأمثلة من هذا القبيل، وهي كلها دليل واضح على صدق ما تنبأت به الآية الكريمة السابقة. والحق أن الله هو القادر على أن يخبر عن عواطف قلوب الألوف من الناس ومصائرهم.
تنبؤ عن منع كفار مكة من دخول الكعبة:
قال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ (البقرة: ١١٤).
وكان إعلان منع المشركين من دخول مكة على يد أبي بكر الصديق عام تسع من الهجرة. واستمر هذا الحكم إلى الآن، والذين يذهبون هناك متنكرين في زي إسلامي يظلون خائفين على أرواحهم.
تنبؤات عن كفار العرب بصفة عامة
التنبؤ الأول:
قال تعالى: ﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ (التوبة: ٢).
نزلت هذه الآية حينما وجه إنذار الأربعة أشهر إلى جميع ناقضي العهد من الكفار.
وهنا يتساءل الإنسان: كيف يوجه المسلمون وحدهم هذا الإنذار إلى هذه القبائل
стр. 863
والأقوام، وما نتيجة هذا الإنذار؟ والله تعالى أخبر هنا عن أمرين:
١ - إن الكفار لا يستطيعون مع قوتهم وطاقتهم وكثرة عددهم هزيمة المسلمين، وهنا أخبر الله تعالى بأن هزيمة المسلمين هزيمة للدين الإلهي، لأن عداء الكفار للمسلمين إنما هو بسبب عدائهم لدين الله وبسبب البغض الإلهي الكامن في قلوبهم.
٢ - سيهزم الكفار ويلحق بهم الذل، فقد كانوا يعدون أعظم المحاربين الشجعان في جزيرة العرب، لكن مواجهة المسلمين لهم تكشف عن حقيقة شجاعتهم ومدى بسالتهم، وحينئذ يلحق بهم الذل والهوان في الجزيرة العربية كلها، ويتبين لنا مدى صدق هذا التنبؤ حينما نطلع على نتائج مهاجمة قبائل بني الأسد وبني غسان وبني غطفان وغيرها.
التنبؤ الثاني:
قال تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ (آل عمران: ١٥١).
إن المعارك الصغيرة التي تعرض لها المسلمون في عصر النبي (ص) كانت مع قريش أو مع حلفائها، ومني فيها الأعداء بالهزيمة واشتبكت القبائل المذكورة مع المسلمين مرة أو مرتين، والقبيلة التي قاومت مرة لم تجترئ مرة أخرى على المقاومة، حتى عم السلام جميع البلاد في فترة قصيرة لم تتراوح السبع سنوات.
والقبائل التي داومت على الحرب والقتال وكأنها تدفع بخيلها إلى حلبة رهان لمدة خمسين سنة، ظنا منها أن الحرب شيء تافه جدا أصيبت من المسلمين برعب أقعدها إلى الأبد، بل إنها تخلت عن مناوأة المسلمين بعد نقض عهدهم مع القبائل المتحاربة. وكل ذلك كان بالتنبؤ الذي ذكر الله تعالى فيه أنه ألقى الرعب في قلوب الكفار. ولاشك أن هذا السكوت عن المسلمين والابتعاد عن الحرب في بلد مولع بالقتل وسفك الدماء كان نموذجا حيا للقدرة الإلهية.
تنبؤان عن أهل مكة: ألف: نفقاتهم تكون حرة عليهم. ب - إنهم جميعا يتغلبون.
قال الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾ (الأنفال: ٣٦).
стр. 864
نعلم مدى إنفاق الكفار بما أنفقوا في غزوة أحد وحدها، فقد ورد أنهم أنفقوا خمسين ألف مثقال ذهب، وألف رأس إبل. وكان كل رئيس يطعم الجيش يوما. ولكن جميع هذه الجهود لم تسفر إلا عن الألم والخيبة والحرمان، إذ لم يستطيعوا منع تقدم الإسلام ولا ردوا أحدا من المسلمين، بل رأوا بأم أعينهم أن عادات آبائهم قد اختفت وضلالهم قد انتهي. تنبؤ عن أبي لهب:
قال تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب (*) ما أغنى عنه ماله وما كسب (*) سيصلى نارا ذات لهب﴾ (المسد ١ - ٣).
حضر أبو لهب بن عبد المطلب جد النبي (ص) أول دعوة للنبي (ص) على جبل الصفا.
ولما سمع النبي (ص) يدعو إلى الإيمان بالحياة بعد الموت، ويخبر أن النتائج مستقبلا تترتب على الأعمال، أشار بيده إلى النبي (ص) إشارة تحقير وقال: تبا لك سائر اليوم، ألهذا دعوتنا؟.
ولما كان النبي (ص) صابرا عفوا لم يشأ أن يرد على أبي لهب، ولكن الله تعالى لم يسكت على هذه الكلمات القبيحة ضد حبيبه (ص) فرد على أبي لهب وأخبر بمصيره
المخزي.
وقد تضمن هذا التنبؤ أمورا ثلاثة:
١ - فشل جميع حيله ضد الإسلام والنبي (ص).
٢ - عدم نفع أولاده وماله إياه.
٣ - كونه وقودا للنار.
كان لأبي لهب أربعة أبناء، مات اثنان منهم كافرين في حياة أبي لهب، فلم تحصل منهما له فائدة بل تألم بموتهما، وحزن لفراقهما، أما الآخران وبنت واحدة فدخلوا في
الإسلام وخيبوا أمل أبيهم.
وهلك أبو لهب بالطاعون، وكان العرب يخافون الطاعون فلم يحملوا جسده من بيته وفتحوا فتحة في السقف وراحوا يلقون الحجارة على جثته القذرة حتى واروها، فكان الأمر كما أخبر به القرآن، ورأى الكفار ذلك بعيونهم بعد نزول الآية بخمس عشرة سنة.
стр. 865
تنبؤ عن امرأة أبي لهب:
قال تعالى: ﴿وامرأته حمالة الحطب (*) في جيدها حبل من مسد﴾ (المسد ٥، ٤).
كانت هذه المرأة شديدة العداوة للرسول (ص)، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق النبي (ص) لإيذائه.
قال الخازن في تفسيره (١) ماتت هذه المرأة كما أخبر القرآن الكريم، كانت حزمة الحطب على رأسها وتعبت في الطريق فأسندت الحزمة إلى حجر حتى تستريح، ولما أرادت استئناف المشي وقح ذلك الحبل في عنقها وتعلقت حزمة الحطب إلى جانب الظهر فصار الحبل مشنقة لها فماتت وقد أخبر القرآن عن موتها بهذه الطريقة البشعة من قبل.
تنبؤات عن المنافقين
١ - قال تعالى: ﴿وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير﴾ (التوبة: ٧٤).
كانت القبائل العربية تستعين بدولة الروم أو الفرس في الحروب الداخلية. ولكن حين جاء خبر إخراج المناففين من المدينة، جاء التنبؤ بعدم قدرة أي دولة على نصرهم.
فبعد هزيمتهم في غزوة أحد بذل الراهب فالق أقصى جهده للحصول على مساعدة دولة الروم وأساقفتهم، لكن خاب سعيه ولم يحصل على أية مساعدة، واتصل جبلة بن الأيهم الغساني بعد ارتداده ببلاط هرقل سنوات عديدة، ولكنه لم ينجح في الحصول منه على معونة يستخدمها ضد المسلمين، وهكذا كانت أحوال أغلب المعارضين فصدق التنبؤ بألفاظه ومعانيه.
٢ - قال تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ (التوبة: ١٠١).
هذه الآية عن المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد دون سبب، وكان عذابهم الأول أنهم اضطروا إلى الكذب من أجل تقديم الأعذار الكاذبة فصاروا في عيون القوم من الكافرين الغادرين ولم يبق لهم في نظر الجميع مكانة تذكر. وهذا العذاب النفسي يكون شديدا، فالضمير الإنساني يؤلم دائما. والعذاب الثاني هو الحرمان مما تركوا الجهاد
стр. 866
لأجله وهو المال والولد.
وقد ذاقوا العذابين في حياتهم، أما العذاب الأليم وهو الثالث فإن موعده الآخرة.
٣ - قال تعالى: ﴿أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ (المجادلة: ١٩).
يبين سياق الكلام أن هذا التنبؤ خاص بالمنافقين الذين أحبوا اليهود وصادقوهم، والآية أخبرت أن التودد إلى أعداء الله والانضمام إليهم من عمل الشيطان، وأن هؤلاء سوف يلقون الخسران. وقد صدق هذا التنبؤ على المنافقين بعد غزوة الأحزاب حيث كانوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
٤ - أخبر الله تعالى أولا عن المنافقين وعن مكانهم فقال:
﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق﴾ (التوبة: ١٠١).
والحكمة في هذا الإخبار عن العيب أن لا يتهم من صحابة رسول الله (ص) أحد في الزمن الآتي بالنفاق بمجرد رأي أو ظن أو تعصب. فالشرط الأول بوصف أحد بالنفاق هو أن يكون من سكان المدينة، فلا يشك في يمني أو شامي أو مكي أو حضرمي من الصحابة بأنه منافق.
وبعد هذه العلامة الواضحة قال تعالى:
﴿فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ (العنكبوت: ٣).
وفسر هذا التنبؤ بآية أخرى فقال:
﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (*) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ (الأحزاب: ٦٠، ٦١).
وهذا التنبؤ يخبر عن مصير المنافقين مع تحديد مدة هذا المصير وأيامه. وهذه الآية من سورة الأحزاب، وغزوة الأحزاب وقعت عام ٥ هـ، وكان أكثر من ثلاثمائة منافق من طائفة أبي بن سلول على قيد الحياة، فأخبرت الآية أنهم جميعا ينقرضون في حياة الرسول (ص)، يتم إخراجهم من المدينة، ثم يلقون حتفهم بذل ومهانة، وهكذا حدث، فقبل أن يغمض الرسول الأكرم سيد ولد آدم (ص) عينيه عن مشهد العالم رأى المدينة وقد طهرت من الأشرار، وهذا هو السر في تسمية النبي (ص) المدينة ((طيبة)) في العام التاسع من
стр. 867
الهجرة في حديث تميم الداري الذي ذكره على المنبر. والآية الثانية للتنبؤ تتضمن الأمور التالية:
١ - لنغرينك بهم.
٢ - لا يجاورونك فيها إلا قليلا.
٣ - ملعونين.
٤ - أينما ثقفوا أخذوا.
٥ - قتلوا تقتيلا.
ويعلم خبراء التاريخ الإسلامي أن المنافقين لم يتقرضوا إلا بعد تحقق التنبؤات الخمسة المذكورة.
تنبؤان عن المتخلفين عن الجهاد:
التنبؤ الأول:
قال تعالى: ﴿فرح المخفلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾ (*)
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (*) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾ (التوبة: ٨١ - ٨٣).
ذكرت الآيات الأقوام الذين تركوا الخروج مع النبي (ص) للجهاد، ثم جاء على سبيل التنبؤ أن طائفة منهم تأتي بعد عودة النبي (ص) وتستأذن للاشتراك في الجهاد. ثم أخبر بحسم وتأكيد أنهم لن يتشرفوا بالجهاد مع رسول الله (ص) بعد ذلك.
وقد ورد ذكر هذه الواقعة في سورة الفتح. قال تعالى:
(سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل﴾ (الفتح: ١٥).
وبالآيتين يتحدد زمن نزولهما، فقد نزلت سورة الفتح في غزوة الحديبية، وبدأ حصول المغانم الكثيرة بخيبر، فهؤلاء هم الذين رفضوا الذهاب معه. وقت الحديبية، ثم ذهب إلى خيبر من شهدوا الحديبية، وهؤلاء المخلفون لم يستطيعوا أبدا مصاحبة النبي
стр. 868
وقد عاش النبي (ص) بعد نزول هذه الآيات نحو خمس سنوات. وتحقق هذه التنبؤات على النحو الذي بيناه لا يكون إلا في كلام رب العالمين.
التنبؤ الثاني:
قال تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا إليما﴾ (الفتح: ١٦).
تدبروا هذه الآية في ضوء الآيتين السابقتين:
١ - حرم المخلفون دائما معية الرسول (ص).
٢ - أخبر بدعوة المخلفين بعد الرسول (ص) في زمن قريب للجهاد.
٣ - وأخبر باتصاف الأعداء بالبأس الشديد.
٤ - وأخبر أن مصير الحرب هو القتال أو استسلام الأعداء.
٥ - الأجر الحسن على إجابة الدعوة.
٦ - العذاب الأليم على رفض الدعوة.
وانظروا الآن إلى عصر أبي بكر، واقرأوا دعوته العامة التي أوردها الواقدي، وتعرفوا على أسماء الجند الذين قدموا إلى أبي بكر، ومن الاطلاع على أسماء القبائل والشعوب تبين لنا أنها أسماء من لم تسنح لهم الفرصة بالجهاد في معية الرسول الكريم (ص).
ثم إنكم ترون أنهم أرسلوا لمواجهة دولة مثل روما التي كانت تحكم نصف العالم وقد أثبت هؤلاء كفاءتهم الحربية وخبرتهم العسكرية بإخضاع دولة إيران التي كانت تحكم نصف العالم الشرقي بجيوشها المنظمة ونظامها الحربي المتقدم، وقد اضطرت إلى البقاء في بلادها لمجرد الدفاع لا أكثر، أما المسلمون فكانوا أهل بادية بعيدين عن بلادهم، ولم يتوفر لديهم عتاد الحرب أو الأسلحة والوسائل الحربية الأخرى، وكانت نتيجة القتال القضاء على الأعداء، وانتفعت الرعية بالصلح فدخلت الألوف في الإسلام، وهذه الآية توضح بجلاء التطور الذي حدث في جزيرة العرب والشام وفتوح الأعراب ومجتمع روما ومصير روما فيما بعد.
стр. 869
وهي تخبر عن طاعة أبي بكر وعمر لله ﵎، وتوعد من يعصى بالعقاب، والأجر الحسن ليس خاصا بالآخرة بل إنه يتضمن الدنيا أيضا، وهو تنبؤ مستقل عن بلوغ جنود أبي بكر وعمر المكانة السامية للحضارة والمدنية وإن إمارتهم ستكون أيضا ذات محاسن.
وتحقق هذا التنبؤ ويصدقه تاريخ البلاد والأمم بوضوح مما يعد دليلا قطعيا على كون القرآن الكريم كلام الله.
ثلاثة تنبؤات عن بعض الغزوات النبوية الخاصة
تنبؤ عن غزوة بدر:
قال تعالى: ﴿وإن يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتوذون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ (الأنفال: ٧).
اشترك في غزوة بدر من المسلمين من لم يتمكن من إعداد العدة للحرب، ومن هنا ودوا أن تتم مواجهتهم مع العدو غير المتسلح حتى تكون الكفتان متساويتين، ولكن الله تعالى جاء بالأعداء المدججين بالآلات الحربية، وكانوا قد تقدموا ثماني مراحل متجهين للحرب معلنين بوضوح أنهم يريدون الهجوم على المدينة، وكان عددهم ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، ولم يكن من سبيل للمقاومة في الظاهر، ولكن صدق كلام رب الجنود، وانتصر أهل الحق، وانهزم الكفار هزيمة نكراء وقطع دابرهم، وأخبرت الآية التالية أيضا عن غزوة بدر: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ (القمر: ٤٥).
وقد أخرج البخاري عن عكرمة أن عمر قال: لما نزلت ((سيهزم الجمع ويولون الدبر)) جعلت أقول: أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي (ص) يثبت في الدرع وهو يقول: ((سيهزم الجمع)).
تنبؤ عن غزوة خيبر: وهو يتضمن تنبؤ عمن بايعوا بيعة الرضوان، قال تعالى:
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ (الفتح: ١٨).
هذه الآية عن صلح الحديبية، وقد رأى فيه المسلمون أنهم منعوا حق العبادة (أي
стр. 870
العمرة) الذي كان يتمتع به أهل العالم جميعا، كما رأى المسلمون أن المكان الذي حرم فيه إيذاء الأعداء أيضا، ولم يتعرض فيه الإنسان لقاتل أبيه أو ابنه، منع فيه بنو إبراهيم من العبادة على سنة الخليل.
كان يتردد إلى بيت الله وأرض الحرم بمرأى من المسلمين عباد اللات ومناة والعزى وذو الخلصة، والساجدون للأحجار والأشجار والتماثيل والنصب، وعباد النجوم وأصحاب التثليث والإلحاد وأتباع الهوى والنفس. ولكن عباد الله الذين جاءوا محرمين ومعهم الهدي منعوا من التقدم إلى الكعبة.
كان المسلمون يواجهون هذا الموقف الصعب إذ جاء إليهم أبو جندل يرسف في قيوده ودقات قلبه تسرع بداخل صدره فذكر أن المشركين حبسوه بإسلامه، فأفلت منهم وجاء إلى المسلمين يطلب الملاذ، ولكن الكفار أصروا على إعادته كشرط لعقد الصلح.
إن مصلحة الأمة المسلمة اقتضت التضحية بحرية فرد منها. وقد سر أبو جندل كثيرا برؤية النبي (ص) وبشارته حتى لم يشق عليه العودة كثيرا. والحاصل أن المسلمين
صاروا في حاجة ماسة إلى كثير من الصبر وضبط النفس والهدوء والحلم، ولم يتيسر لهم ذلك إلا بنزول السكينة الربانية والعناية الإلهية، كان ذلك ابتلاء، ونجح المسلمون فيه ثم وصلوا إلى المدينة، وبعد ذلك بأسبوعين أتى أمر الله بأن يخرج هؤلاء المسلمون أنفسهم لمواجهة يهود خيبر الذين كانوا قد أحكموا تسعة حصون فيها، وكانوا خبراء في استخدام المنجنيق وغيره من آلات الحرب التي لم يعرفها العرب، ولكن المسلمين أبلوا بلاء حسنا في هذه الحرب، وفتحوا الأراضي الواسعة والحصون المحاطة بالخنادق العريضة والجدران الحجرية المتينة، لم يمنعهم شيء مما تحصن به يهود خيبر.
والتنبؤ السابق ذكر للمسلمين الصفتين معا، وأوضح للناس أن تحمل المسلمين لأنواع الظلم والأذى لم يكن عن عجز، بل عن مصابرتهم على الدين الحق، وبذلك تمكنوا من نشر دعوة الإسلام وإعلان الحق أمام الأمم التي كانت تفوقهم في العدد والعدة وتملك كثيرا من الشجاعة والخبرة العسكرية ووسائل الحرب.
لقد قطع النبي (ص) مسافة ٢٥٠ ميلا ووصل إلى حدود مكة ثم اضطر للعودة وهو على بعد خمسة أميال فقط، ولعل الكفار وسائر العرب ظنوا حينئذ أن المسلمين المساكين البائسين كانوا عاجزين أمام قريش.
стр. 871
ولكن هؤلاء المسلمين أنفسهم حينما خرجوا إلى اليهود المفسدين الماكرين الناقضين على بعد ثمانية أميال وهزموهم تبين للناس جميعا أن خشوعهم وخضوعهم مرده إلى التقوى، وعجزهم ومسكنتهم من أجل العمل بأحكام الدين الحقة، وهم كالأسود التي لاتهاجم أحدا إلا إذا تعرضت لمعاكسة أو مناوشة. والحاصل أن التنبؤ المذكور تحقق إبراز صفتين متعارضتين حميدتين للمؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿أنزل السكينة عليهم﴾ في الآية المذكورة يتطلب مزيدا من التدبر، فمن تأثير السكينة الإلهية أن لا يتزلزل القلب في الزمن الآتي أبدا، وهكذا فإن ذلك تنبؤ بأن أهل بيعة الرضوان هم المؤمنون الذين لا يتزلزل إيمانهم أبدا.
تنبؤ عن غزوة الأحزاب: كان الهجوم في هذه الغزوة شديدا على المسلمين، فقد اشتركت فيه قبائل اليهود وقريش ونجد وكنانة، ثم إن يهود المدينة كانوا متواطئين مع المهاجمين، وكانوا يخبرونهم بمواطن ضعف المسلمين وتحركاتهم لحظة بعد لحظة، وبلغت القلوب الحناجر، وقد حملت هيبة الكفار وقوتهم المسلمين على التفكير العميق، وذلك أن جيوش الأعداء ضمت عساكر عديدة، وسمى كل منها حزبا، ومجموع العساكر جندا، وكانوا مغترين باتحادهم ضد المسلمين وباستعدادهم الحربي العظيم.
فاستمعوا إلى كلام الله تعالى، يقول:
﴿جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب﴾ (ص: ١١). ويقول:
﴿أم يقولون نحن جميع منتصر (*) سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ (القمر: ٤٤ - ٤٥).
ووفق هذا التنبؤ وقعت الفرقة بين أحزاب القبائل المحاصرة بعد نزول الآية المذكورة بخمسة وعشرين يوما، فهرب الجميع في الليل. وبعد هذه الواقعة لم يجرؤ أحد على الهجوم على المدينة.
تنبؤ عن عهود اليهود والمنافقين:
قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ (الحشر: ١١).
стр. 872
وقد صدق قوله تعالى، فأجلى بنو النضير ولم ينصرهم المنافقون ولم يخرجوا معهم.
وقد أوضح القرآن أيضا:
﴿ولئن نصروهم يولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾ (الحشر: ١٢).
فقد نصر المنافقون يهود بني قريظة، ولكنهم لم يثبتوا أمام أسود الإسلام، وهكذا ذهبت قوة المنافقين أيضا مع قوة اليهود، وتحقق الجزء الأخير للتنبؤ أيضا.
أخبار عن كفر اليهود وإسلام قوم لن يكفروا أبدا:
قال تعالى: ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين﴾ (الأنعام: ٨٩).
هذه الآية من سورة الأنعام وهي مكية نزلت حينما كان الإسلام في بدايته في مكة لم يخرج منها، وأخبرت الآية بأن اليهود المرابين إن لم يؤمنوا فلا بأس، لأن القبائل الكبيرة التي استبدت بالحكم ولم تبال بأحد، سوف تخضع وتنقاد لك، مثل أياد وقضاعة وربيعة ومضر وغيرها.
وكذلك يخضع لك شهر بن باذام ملك صنعاء، والمنذر بن ساوى ملك البحرين، وجيفر وعباد ابنا جلندي ملكا عمان، وأصحمة النجاشي ملك الحبشة، وأكيدر صاحب دومة الجندل، وذو الكلاع الحميري الذي كان يسجد له رعيته ويسير خلقه ألف عبد له، وذو ظليم وذو زود وذو مران وذو عمرو أصحاب التيجان الذين استمر الحكم في أسرهم منذ الأجيال.
ادرسوا أحوال هذه الملوك، كانت منطقة حكمهم أكبر من الحجاز، وجيوشهم أكثر من أصحاب النبي (ص)، ولم يكونوا خائفين من أحد، ولا يطمعون في المال والثروة، ولم يصل إلى بلادهم أحد من الغزاة والمجاهدين سوى دعاة الإسلام، ومع ذلك انشرحت صدورهم للإسلام فقبلوه طائعين راغبين.
ولم يكن كل ذلك إلا بقدرة الله تعالى وفضله، إن اليتيم، ابن الأرملة خافه الملوك فارتعدت فرائصهم، والمتواضع الفقير أحبه الناس حبا سهل لهم التضحية بالمال
والنفس في سبيل الحق.
стр. 873
ثم تدبروا كلمة ((وكلنا)) في الآية، إنها تضمنت تنبؤين، الأول: انقياد قلوبهم، والثاني: رؤية النبي (ص) هذا التغير. وقد كان كذلك أي دخلت البلاد التي تقع بين الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض وجبال الشام في الإسلام، وارتفعت أصواتها جميعا بكلمة ((لا إله إلا الله)) تعمل بالتوحيد وأحكام الدين الحنيف.
انظروا سعة التنبؤ وصدقه وكيف تحقق خلال اثتى عشر عاما من نزول الآيات!
تنبؤ عن الارتداد وعن زيادة عدد المسلمين:
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ (المائدة: ٥٤).
هذه الآية أخبرت على سبيل التنبؤ أن من المسلمين من يرتد، ثم أخبرت بأن الله تعالى يجعل الأقوام الكبرى محبة للإسلام تعويضا عن النقص العددي الناتج عن الارتداد، ويكون أمرهم مع الله أمر الحب والإخلاص، ومع المؤمنين أمر التواضع واللين، ويعاملون أعداء الدين معاملة العزة والفتح والانتصار والكرامة، ويترفعون عن ثناء الدنيا وهجوها الكاذبين، ويبدون المشجاعة والتضحية في سبيل الحق، وتجلى صدق هذه الآية منذ نزولها إلى الآن وسيتجلى هكذا على مر الأيام إن شاء الله تعالى.
بعد ارتحال النبي (ص) ظهر مسيلمة الكذاب، وتبعه آلاف الناس، وكان ارتدادهم غريبا، فكان مسيلمة وأتباعه يعترفون بنبوة محمد (ص) بطريق خفي، ثم يثبتون النبوة لمسيلمة أيضا.
وقد أقام الله تعالى في قوم مسيلمة نفسها ثمامة بن أثال الحنفي وأمثاله، فقاوموا المرتدين دون مراعاة للقومية أو للقرابة.
وادعى الأسود العنسي النبوة، فأقام الله له فيروز وذازويه الفارسيين صاحبي الفضل والكمال، فكسرا شوكة الأسود وقوته.
وتنبأ أيضا طليحة وسجاح، ولكن ضيق عليهما أقوام منطقتهما وقبائلهما حتى تابا عن الارتداد وأخلصا الطاعة للإسلام ثم لم يقصروا في خدمة الدين الحنيف.
ولما طغى وتجاوز بعض بني أمية أقام الله تعالى أهل خراسان فقضوا على الدولة الأموية وآل أمر المسلمين إلى بني العباس.
стр. 874
وتهاون العباسيون في الجهاد فبعث الله سلاطين الأندلس في المغرب وآل بويه واسبكتغين في الشرق لإعلاء كلمة الله تعالى.
وفي محنة بغداد وقف المسلمون أنفسهم في جانب الكفار، وسببوا دمار عروس البلاد (بغداد) بأيدي التتار، ثم أدخل الله الإسلام في الترك أنفسهم، الذين خربوا بغداد وأفسدوا فيها، حتى أن طرقاتها احمرت بالدماء ومياه دجلة اسودت بمداد الكتب.
فهؤلاء الأتراك رفعوا راية الإسلام في أوربا، واعتزوا بلقب (خادم الحرمين الشريفين) بدل السلطان ابن السلطان.
وقام الآريون بحركة (شدهي) التي تهدف إلى هندكة المسلمين، فبعث الله منهم أمثال (كنور عبد الوهاب خان) فقاموا بنشر الإسلام بين الهنادك وأعلن الإسلام شمس الإسلام محمد أمين وخالد لطيف وغيرهما من المحامين والمثقفين، وبايع على الإسلام العديد من دعاة الآريين أنفسهم وتم ذلك على أيدي علماء مسلمين بررة.
وفي أوربا أشهر إسلامه (سر جورج هملتن) قريب الملك جورج، وهكذا اقترب الإسلام من عرش انجلترا، وتشرف بأخوة الإسلام اللورد هيدلي ومحمد بكتال وخالد شيلدر وأمثالهم من العلماء الأفاضل.
وإن انهدم مسجد قديم في منطقة دهلي، فقد بني مسجد جامع في باريس عاصمة فرنسا، وفي ألمانيا أنشئ مسجد كبير أظل نحو ثمانية آلاف من المسلمين، وقد تم الحصول على الأرض لبناء مسجد في لندن نفسها، وقريبا يبدأ البناء.
إن قلة من الناس في (ملكانه) الجاهلة ارتدوا عن الإسلام، ولكن دخل فيه الملايين من سكان الصين وأفريقيا، وازداد عدد المسلمين في القسطنطينية ازديادا ملموسا.
وهذه الآثار الطيبة المباركة كلها تدخل تحت التنبؤ المذكور في الآية الكريمة، وسوف يستمر الحال على هذا إلى قيام الساعة بإذن الله، يرتد عن الإسلام واحد، ويدخل فيه عشرة، ولن تنفع الناس أمنيتهم بأنهم لو أدخلوا الأجانب في ديانتهم لقاوموا المسلمين: ﴿والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (الصف: ٨).
стр. 875
تسعة تنبؤات عن اليهود
١ - قال تعالى عن اليهود:
﴿لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ (آل عمرن: ١١١).
كان اليهود يتآمرون سرا، ويحرضون قبائل العرب ضد المسلمين ويتجسسون ضدهم، ويمدون الثائرين على المسلمين بالمال والسلاح، ولكن لم يشف كل ذلك صدورهم فجاهروا بالحرب والقتال.
كانوا أعلم بفنون الحرب، فكانت لديهم وحدهم آلات هدم الحصون، وكانوا وحدهم يستخدمون المنجنيق، ولذلك كانت قبائل العرب كلها تخشاهم وتطيعهم، ولذا كان التنبؤ عن انهزامهم بعيدا عن تصديق الكفار، ولكن ما حدث مع يهود بني قينفاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر وفدك وتيماء ماثل أمام المؤرخين، فقد لقيت كل قبيلة منها المصير الذي تنبأت به الآية.
وهذه الآية تضمنت ثلاث تنبؤات:
١ - لن يضر اليهود المسلمين شيئا أكثر من الإيذاء.
٢ - ولو قاتلوا المسلمين للحقتهم الهزيمة وكان النصر حليف المسلمين.
٣ - وبعدها لا ينصرون.
ومثل هذا التنبؤ عن اليهود المنتشرين في مئات الأميال من الأرض لا يصدر إلا عن رب العالمين الذي يملك مشارق الأرض ومغاربها وينصر من يشاء.
٢ - قال تعالى عنهم:
﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (*) ولا يتمنونه أبذا بما قدمت أيديهم﴾ (الجمعة: ٦؛ ٧).
كان ادعاء اليهود العام أنهم أبناء الله وأحباؤه، فطالبهم القرآن بتمني الموت إن صدقوا في ادعائهم، ولاشك أن الحياة الدنيا حجاب لأولياء الله، ولو زال هذا الحجاب لواجه الحبيب الحبيب.
стр. 876
ومن الأمثال العربية: الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب.
ومعنى تمني الموت من ولي هو طلب الوصال، ومن لوازم المحبة والولاية تكرار مثل هذا الطلب والإصرار عليه.
والآية طالبت اليهود يتمني الموت ولو مرة واحدة، ثم قالت على سبيل التنبؤ إنهم لن يفعلوا ذلك، وذلك أنهم يرسلون ادعاءاتهم العريضة بالألسنة فقط ولكن قلوبهم لا ترضى بذلك، فإن معاصيهم وسيئاتهم قد تمثلت أمامهم وسيطرت الأفعال القبيحة على قلوبهم وأفكارهم، فهم يكرهون الموت ويهربون من المثول بين يدي الله تعالى فإن كان اليهود صادقين لبادروا إلى تكذيب القرآن وبيان صدقهم وتمنوا الموت ولو مرة واحدة حتى يسمعه المسلمون. ولكن التنبؤ المذكور كان من الله ولذا لم يستطيعوا التصريح بالتمني، وقد ضحك الكفار والمشركون أيضا على حالة اليهود هذه.
وكان مقصد التنبؤ المذكور كشف حقيقة ادعاء اليهود بأنهم أولياء الله وأبناؤه، والدلالة على أن أحدا لا يستطيع أن يتكابر في القول أمام الله الذي يملك الموت ويتصف
بالجبروت.
٣ - قال تعالى عنهم:
﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ (آل عمران: ١١٢).
وهذه الآية تدل على:
١ - أن اليهود لا يستطيعون أن يعيشوا في الدنيا كأمة حرة فيما يأتي من الزمن.
٢ - وأنهم يتعرضون للذل والمسكنة ولا تكون لهم دولة.
٣ - وأنهم إما أن يدفعوا الجزية للمسلمين، وقد عبر عنه بحبل الله فإنه تعالى منح الذميين حقوقهم.
٤ - وإما أن يدفعوا الضريبة إلى أقوام أخرى، وقد عبر عنه بحبل من الناس. فالآية الواحدة تضمنت أربع تنبؤات.
انظروا إلى الزمن التالي لنزول الآية، هل قامت لليهود دولة حرة في أي قطر من الدنيا؟ هل وجد فيهم أحد لا يدفع الضريبة لقوم غير قومه؟
стр. 877
وبمدلول قوله تعالى: ((بحبل من الله)) يوجد اليهود في تركيا وإيران والمغرب وتونس تحت إمرة المسلمين يدفعون لهم الجزية.
وبمدلول من قوله تعالى: ((بحبل من الناس)) يسكنون في روسيا وأمريكا وفرنسا وانجلترا خاضعين لأقوام أجانب، دافعين الضرائب العديدة.
وقد أنفق اليهود في الحرب العالمية الأولى (١٤ - ١٩١٨ م) ملايين الدولارات على الاتحاديين حتى يعترفوا لهم بدولة صغيرة حرة في بقعة من الأرض وظنت كل دولة كانت تأخذ منهم الذهب أن مطلب اليهود يمكن تحقيقه في المناطق المهزومة، فلما انتهت الحرب وحان موعد الوفاء طلب من اليهود أن يسكنوا فلسطين ويؤسسوا لهم دولة تابعة فيها، ولم يتحقق هذا الشرط بأكمله إلى الآن، ولم يعترف سكان فلسطين السابقون بسيادة اليهود.
وبصرف النظر عن الصورة العملية نلاحظ ماذا يقدم لليهود؟ لا شيء سوى معونات لدولة تابعة، واقرأوا الآن آيات القرآن الكريم بتمعن، إن عبارة ((بحبل من الناس)) عبارة تحمل معنى واسع جدا.
إن كلبا يكون عند غني يتمتع باللبن واللحم وغيره، ولكن القيد لا يفارق عنقه، فهل يبلغ منزلة يظن فيها نفسه أعلى من إنسان فقير حر، لمجرد أن الإنسان لا يجد من الغذاء ما يجده ذلك الكلب؟ إن هذا الوضع نفسه هو وضع يهود فلسطين، إن قيد ((بحبل من الناس)) لن يفارق رقابهم. وهذا تنبؤ عظيم أعجز دبلوماسية وزراء دول أوربا كلها. تنبؤ عن تباغض اليهود:
قال تعالى: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (المائدة: ١٤).
يوجد الآن لدى اليهود اثنتان من التوراة، الأولى: يونانية، والثانية: سامرية.
ويكفر أتباع توراة أتباع توراة أخرى بصورة قاطعة، ولا يسمحون بأن يتكلم أحد من أتباع توراة مع أحد من أتباع توراة أخرى. وحسب تنبؤ القرآن يستمر بينهم هذا البغض والعداوة.
ثلاثة تنبؤات عن النصارى
التنبؤ الأول عن ثروتهم:
قال تعالى: ﴿قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض
стр. 878
إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (*) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (*) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم﴾ (يونس: ٦٨ - ٧٠).
تشير الآية بوضوح إلى النصارى الذين يزعمون أن المسيح ابن الله، وقيل فيهم ((متاع في الدنيا)) وعامة الناس حينما يرون لدى النصارى كثرة الثروة ووفرة المال يتحيرون كيف تمتعت الأمة التي تعبد الأقانيم الثلاثة بهذه النعم والألطاف! ولكن الآية توضح أن ذلك ليس لطفا ولا فضلا، بل هو متاع في الدنيا وقد لحق قوله تعالى: ((لا يفلحون)) هذا المتاع.
ويمكن أن يتمنى هذه الثروة قصار النظر، ويقولوا مثلما قال معاصرو قارون: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون﴾ (القصص: ٧٩).
ولهذا يمكن القول بكل اطمئنان وثقة أن المؤمن لن يرضى أن تصدق عليه عبارة ((متاع في الدنيا)) وهو ما يخسر معه الفلاح والنجاح.
ولكن هل يود أحد أن ينال ثروة قارون مع مصيره أيضا؟ لا أظن عاقلا يود ذلك، على كل حال هذا بحث آخر، ويكفي أن أقول إن غنى النصارى وتنعمهم قد تنبأ به القرآن الكريم، ويكفي هذا الأمر دليلا على كون القرآن من الله.
التنبؤ الثاني عن المعاداة بين فرق النصارى:
قال تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (المائدة: ١٤).
وكل من يطلع على العداء والخلاف والبغض والتكفير بين فرق النصارى من الكاثوليك والبروتستانت واليونيتيرين والكنيسة الإغريقية والآسيوية والانجليزية والأمريكية، يصدق الآية المذكورة جيدا، ويعلم أن هذا الكتاب من الله تعالى.
التنبؤ الثالث عن مودة النصارى للمسلمين وعداء اليهود والمشركين لهم:
قال تعالى: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ (المائدة: ٨٢).
ويدخل ضمن هذا التنبؤ دخول نصارى العراق والشام من الملوك وغيرهم مثل أصحمة النجاشي والأكيدر وعدي بن حاتم وأبي مريم الغساني وانتشار الإسلام الذي نراه اليوم في انجلترا وألمانيا وأمريكا يندرج تحت هذه الآية.
стр. 879
تنبؤ عن الروم والفرس وقريش والمؤمنين:
قال تعالى: ﴿الم (*) غلبت الروم (*) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (*) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (*) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم﴾ (الروم: ١ - ٥).
* المراد بالأرض أرض الميعاد فلسطين، وبأدنى الأرض منطقة الشام وآسيا الصغرى حيث هزم خسرو برويز الروم وأخرجهم من تلك البلاد ومن مصر. وكان كلام الله قد أخبر بأن الروم يغلبون الفرس في ظرف تسع سنين مرة أخرى.
وكان هذا التنبؤ في ذلك الزمان خلاف القياس والظن تماما، فإن التغلب على أمة غالبة عظيمة بعد تلك الهزيمة الكبرى في ظرف تسع سنوات كان مستحيلا في نظر أهل الدنيا، ومن هنا جعل أبي بن خلف هذه الآية معيارا لصدق القرآن الكريم، وكذبه، وأوعز لأبي بكر أن يراهن على ذلك لو كان مؤمنا بالقرآن. وكان هذا الحادث وقع في العام السابع من البعثة، وقبل أبو بكر هذا الرهان لأن النهي عنه لم يكن نزل بعد (١).
وبعد نزول الآية بسبع سنين وقع ما جاء فيها، فقد انتهت الحرب الأهلية والفوضى الداخلية بروما بتبوؤ هرقل عرش الحكم، فاستعاد البلاد التي فقدها الملوك السابقون، ودخلت مصر والشام وفلسطين وآسيا الصغرى تحت حوزة سلطنة القسطنطنية.
وكانت الكلمات القرآنية قد تضمنت بشارة في بشارة، وذلك أنها ذكرت أن المؤمنين أيضا يتمتعون بالنصر في ذلك الحين، وتحقق ذلك أيضا، فإن انتصار أهل الكتاب على المجوس وقع في الوقت الذي انتصر فيه أهل التوحيد على المشركين في وقعة بدر.
ومما يجدر بالذكر أن عبارة قرآنية قصيرة قد تنبأت عن أربعة أمم وأربعة بلاد ودولتين عظيمتين بألفاظ صريحة وبتحديد السنة، وتحقق ذلك التنبؤ كما ورد في الآية. فهل يقدر إنسان على ذلك بعلمه وقدرته؟ كلا.
وهذا يثبت بوضوح أن القرآن كلام الله .
стр. 880
فصل
سبق أن عرضنا كبرهان ذكر القرآن الكريم الأخبار المستقبلية، وهكذا فذكره للأخبار الماضية أيضا دليل قوي على كونه كلام الله تعالى.
إن ذكر قوم هود وقوم صالح لم يوجد في صحيفة إسرائيلية، ولكن القرآن الكريم قد بين أحوالهما. وهكذا ذكر عاد إرم وعاد الأولى ووقعة سيل العرم العظيمة.
وهو الذي أخبر بحكم بني إسرائيل مدة على مصر بعد غرق فرعون، أما التوراة فقد سكتت عنه، كما سكت تاريخ مصر عن وقع معجزات موسى في مصر. إن أعمال المسيح لم تذكر في تاريخ روما ولا تصدقها كتابات اليهود.
ولم يكن النصارى يعلمون ولا يصدقون أن مريم الصديقة كانت تعتبر أقنوما من أقانيم التثليث، وبعد إخبار القرآن بهذا، بحث هذا الأمر محققو النصارى فعلموا صدق القرآن في إخباره عن ذلك.
وكون الكعبة أول مسجد بني في الدنيا كان قد خفي على المؤرخين، ولكنه صار الآن أمرا مسلما به.
وإخبار القرآن بأن الله تعالى أرسل رسوله إلى كل أمة، فبلغوهم الرسالة بلغتهم، وقامت عليهم حجة الله، كان كنزا مخفيا لأهل الأديان جميعا. ولذلك كان الإسرائيليون يكذبون المجوس، والمجوس يكذبون الإسرائيليين، وهم جميعا كذبوا أهل الهند، وأهل الهند كذبوهم كلهم. ثم هؤلاء الثلاثة كذبوا أهل مصر، وأهل مصر كذبوهم كلهم، والأربعة كذبوا أهل الصين واليابان، وهؤلاء كذبوا أولئك، وهكذا أحاط التكذيب أهل الدنيا جميعا، ولكن القرآن الكريم كشف عن هذا السر، ودل على طريقة التقارب بين الأقوام والبلاد. ثم إنه أخبر بانتهاء هذه السلسلة وجعل محمدا. خاتم النبيين، وبذلك علمهم درس الاتحاد الكلي ووحدة الأمة.
وبمجرد أن أعلن القرآن ختم النبوة على محمد (ص) سكت اليهود والنصارى والمجوس والهنادكة والمصريون والصينيون، ولم يدع أحد منهم تلقي الوحي الرباني من