ومن الأمثال العربية: الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب.
ومعنى تمني الموت من ولي هو طلب الوصال، ومن لوازم المحبة والولاية تكرار مثل هذا الطلب والإصرار عليه.
والآية طالبت اليهود يتمني الموت ولو مرة واحدة، ثم قالت على سبيل التنبؤ إنهم لن يفعلوا ذلك، وذلك أنهم يرسلون ادعاءاتهم العريضة بالألسنة فقط ولكن قلوبهم لا ترضى بذلك، فإن معاصيهم وسيئاتهم قد تمثلت أمامهم وسيطرت الأفعال القبيحة على قلوبهم وأفكارهم، فهم يكرهون الموت ويهربون من المثول بين يدي الله تعالى فإن كان اليهود صادقين لبادروا إلى تكذيب القرآن وبيان صدقهم وتمنوا الموت ولو مرة واحدة حتى يسمعه المسلمون. ولكن التنبؤ المذكور كان من الله ولذا لم يستطيعوا التصريح بالتمني، وقد ضحك الكفار والمشركون أيضا على حالة اليهود هذه.
وكان مقصد التنبؤ المذكور كشف حقيقة ادعاء اليهود بأنهم أولياء الله وأبناؤه، والدلالة على أن أحدا لا يستطيع أن يتكابر في القول أمام الله الذي يملك الموت ويتصف
بالجبروت.
٣ - قال تعالى عنهم:
﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ (آل عمران: ١١٢).
وهذه الآية تدل على:
١ - أن اليهود لا يستطيعون أن يعيشوا في الدنيا كأمة حرة فيما يأتي من الزمن.
٢ - وأنهم يتعرضون للذل والمسكنة ولا تكون لهم دولة.
٣ - وأنهم إما أن يدفعوا الجزية للمسلمين، وقد عبر عنه بحبل الله فإنه تعالى منح الذميين حقوقهم.
٤ - وإما أن يدفعوا الضريبة إلى أقوام أخرى، وقد عبر عنه بحبل من الناس. فالآية الواحدة تضمنت أربع تنبؤات.
انظروا إلى الزمن التالي لنزول الآية، هل قامت لليهود دولة حرة في أي قطر من الدنيا؟ هل وجد فيهم أحد لا يدفع الضريبة لقوم غير قومه؟
стр. 877
وبمدلول قوله تعالى: ((بحبل من الله)) يوجد اليهود في تركيا وإيران والمغرب وتونس تحت إمرة المسلمين يدفعون لهم الجزية.
وبمدلول من قوله تعالى: ((بحبل من الناس)) يسكنون في روسيا وأمريكا وفرنسا وانجلترا خاضعين لأقوام أجانب، دافعين الضرائب العديدة.
وقد أنفق اليهود في الحرب العالمية الأولى (١٤ - ١٩١٨ م) ملايين الدولارات على الاتحاديين حتى يعترفوا لهم بدولة صغيرة حرة في بقعة من الأرض وظنت كل دولة كانت تأخذ منهم الذهب أن مطلب اليهود يمكن تحقيقه في المناطق المهزومة، فلما انتهت الحرب وحان موعد الوفاء طلب من اليهود أن يسكنوا فلسطين ويؤسسوا لهم دولة تابعة فيها، ولم يتحقق هذا الشرط بأكمله إلى الآن، ولم يعترف سكان فلسطين السابقون بسيادة اليهود.
وبصرف النظر عن الصورة العملية نلاحظ ماذا يقدم لليهود؟ لا شيء سوى معونات لدولة تابعة، واقرأوا الآن آيات القرآن الكريم بتمعن، إن عبارة ((بحبل من الناس)) عبارة تحمل معنى واسع جدا.
إن كلبا يكون عند غني يتمتع باللبن واللحم وغيره، ولكن القيد لا يفارق عنقه، فهل يبلغ منزلة يظن فيها نفسه أعلى من إنسان فقير حر، لمجرد أن الإنسان لا يجد من الغذاء ما يجده ذلك الكلب؟ إن هذا الوضع نفسه هو وضع يهود فلسطين، إن قيد ((بحبل من الناس)) لن يفارق رقابهم. وهذا تنبؤ عظيم أعجز دبلوماسية وزراء دول أوربا كلها. تنبؤ عن تباغض اليهود:
قال تعالى: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (المائدة: ١٤).
يوجد الآن لدى اليهود اثنتان من التوراة، الأولى: يونانية، والثانية: سامرية.
ويكفر أتباع توراة أتباع توراة أخرى بصورة قاطعة، ولا يسمحون بأن يتكلم أحد من أتباع توراة مع أحد من أتباع توراة أخرى. وحسب تنبؤ القرآن يستمر بينهم هذا البغض والعداوة.
ثلاثة تنبؤات عن النصارى
التنبؤ الأول عن ثروتهم:
قال تعالى: ﴿قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض
стр. 878
إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (*) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (*) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم﴾ (يونس: ٦٨ - ٧٠).
تشير الآية بوضوح إلى النصارى الذين يزعمون أن المسيح ابن الله، وقيل فيهم ((متاع في الدنيا)) وعامة الناس حينما يرون لدى النصارى كثرة الثروة ووفرة المال يتحيرون كيف تمتعت الأمة التي تعبد الأقانيم الثلاثة بهذه النعم والألطاف! ولكن الآية توضح أن ذلك ليس لطفا ولا فضلا، بل هو متاع في الدنيا وقد لحق قوله تعالى: ((لا يفلحون)) هذا المتاع.
ويمكن أن يتمنى هذه الثروة قصار النظر، ويقولوا مثلما قال معاصرو قارون: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون﴾ (القصص: ٧٩).
ولهذا يمكن القول بكل اطمئنان وثقة أن المؤمن لن يرضى أن تصدق عليه عبارة ((متاع في الدنيا)) وهو ما يخسر معه الفلاح والنجاح.
ولكن هل يود أحد أن ينال ثروة قارون مع مصيره أيضا؟ لا أظن عاقلا يود ذلك، على كل حال هذا بحث آخر، ويكفي أن أقول إن غنى النصارى وتنعمهم قد تنبأ به القرآن الكريم، ويكفي هذا الأمر دليلا على كون القرآن من الله.
التنبؤ الثاني عن المعاداة بين فرق النصارى:
قال تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (المائدة: ١٤).
وكل من يطلع على العداء والخلاف والبغض والتكفير بين فرق النصارى من الكاثوليك والبروتستانت واليونيتيرين والكنيسة الإغريقية والآسيوية والانجليزية والأمريكية، يصدق الآية المذكورة جيدا، ويعلم أن هذا الكتاب من الله تعالى.
التنبؤ الثالث عن مودة النصارى للمسلمين وعداء اليهود والمشركين لهم:
قال تعالى: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ (المائدة: ٨٢).
ويدخل ضمن هذا التنبؤ دخول نصارى العراق والشام من الملوك وغيرهم مثل أصحمة النجاشي والأكيدر وعدي بن حاتم وأبي مريم الغساني وانتشار الإسلام الذي نراه اليوم في انجلترا وألمانيا وأمريكا يندرج تحت هذه الآية.
стр. 879
تنبؤ عن الروم والفرس وقريش والمؤمنين:
قال تعالى: ﴿الم (*) غلبت الروم (*) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (*) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (*) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم﴾ (الروم: ١ - ٥).
* المراد بالأرض أرض الميعاد فلسطين، وبأدنى الأرض منطقة الشام وآسيا الصغرى حيث هزم خسرو برويز الروم وأخرجهم من تلك البلاد ومن مصر. وكان كلام الله قد أخبر بأن الروم يغلبون الفرس في ظرف تسع سنين مرة أخرى.
وكان هذا التنبؤ في ذلك الزمان خلاف القياس والظن تماما، فإن التغلب على أمة غالبة عظيمة بعد تلك الهزيمة الكبرى في ظرف تسع سنوات كان مستحيلا في نظر أهل الدنيا، ومن هنا جعل أبي بن خلف هذه الآية معيارا لصدق القرآن الكريم، وكذبه، وأوعز لأبي بكر أن يراهن على ذلك لو كان مؤمنا بالقرآن. وكان هذا الحادث وقع في العام السابع من البعثة، وقبل أبو بكر هذا الرهان لأن النهي عنه لم يكن نزل بعد (١).
وبعد نزول الآية بسبع سنين وقع ما جاء فيها، فقد انتهت الحرب الأهلية والفوضى الداخلية بروما بتبوؤ هرقل عرش الحكم، فاستعاد البلاد التي فقدها الملوك السابقون، ودخلت مصر والشام وفلسطين وآسيا الصغرى تحت حوزة سلطنة القسطنطنية.
وكانت الكلمات القرآنية قد تضمنت بشارة في بشارة، وذلك أنها ذكرت أن المؤمنين أيضا يتمتعون بالنصر في ذلك الحين، وتحقق ذلك أيضا، فإن انتصار أهل الكتاب على المجوس وقع في الوقت الذي انتصر فيه أهل التوحيد على المشركين في وقعة بدر.
ومما يجدر بالذكر أن عبارة قرآنية قصيرة قد تنبأت عن أربعة أمم وأربعة بلاد ودولتين عظيمتين بألفاظ صريحة وبتحديد السنة، وتحقق ذلك التنبؤ كما ورد في الآية. فهل يقدر إنسان على ذلك بعلمه وقدرته؟ كلا.
وهذا يثبت بوضوح أن القرآن كلام الله .
стр. 880
فصل
سبق أن عرضنا كبرهان ذكر القرآن الكريم الأخبار المستقبلية، وهكذا فذكره للأخبار الماضية أيضا دليل قوي على كونه كلام الله تعالى.
إن ذكر قوم هود وقوم صالح لم يوجد في صحيفة إسرائيلية، ولكن القرآن الكريم قد بين أحوالهما. وهكذا ذكر عاد إرم وعاد الأولى ووقعة سيل العرم العظيمة.
وهو الذي أخبر بحكم بني إسرائيل مدة على مصر بعد غرق فرعون، أما التوراة فقد سكتت عنه، كما سكت تاريخ مصر عن وقع معجزات موسى في مصر. إن أعمال المسيح لم تذكر في تاريخ روما ولا تصدقها كتابات اليهود.
ولم يكن النصارى يعلمون ولا يصدقون أن مريم الصديقة كانت تعتبر أقنوما من أقانيم التثليث، وبعد إخبار القرآن بهذا، بحث هذا الأمر محققو النصارى فعلموا صدق القرآن في إخباره عن ذلك.
وكون الكعبة أول مسجد بني في الدنيا كان قد خفي على المؤرخين، ولكنه صار الآن أمرا مسلما به.
وإخبار القرآن بأن الله تعالى أرسل رسوله إلى كل أمة، فبلغوهم الرسالة بلغتهم، وقامت عليهم حجة الله، كان كنزا مخفيا لأهل الأديان جميعا. ولذلك كان الإسرائيليون يكذبون المجوس، والمجوس يكذبون الإسرائيليين، وهم جميعا كذبوا أهل الهند، وأهل الهند كذبوهم كلهم. ثم هؤلاء الثلاثة كذبوا أهل مصر، وأهل مصر كذبوهم كلهم، والأربعة كذبوا أهل الصين واليابان، وهؤلاء كذبوا أولئك، وهكذا أحاط التكذيب أهل الدنيا جميعا، ولكن القرآن الكريم كشف عن هذا السر، ودل على طريقة التقارب بين الأقوام والبلاد. ثم إنه أخبر بانتهاء هذه السلسلة وجعل محمدا. خاتم النبيين، وبذلك علمهم درس الاتحاد الكلي ووحدة الأمة.
وبمجرد أن أعلن القرآن ختم النبوة على محمد (ص) سكت اليهود والنصارى والمجوس والهنادكة والمصريون والصينيون، ولم يدع أحد منهم تلقي الوحي الرباني من
стр. 881
السماء بواسطة الملك. وهذا هو أقوى الأدلة على كون القرآن كلام الله تعالى.
وهنا نختم باب خصائص القرآن، وأكتفي بذكر آية واحدة منه تكفي ليتبدر أهل الفكر والفهم، يقول تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (محمد: ٢٤).
стр. 882
الباب السادس عشر
خصائص الإسلام
الفصل الأول
الإسلام دين التوحيد
ثبت للعالم اليوم أن مسألة التوحيد هي معيار صدق كل دين ودليل حقيته.
ونرى الآن أن الوثنيين يضطرون أثناء مناظرتهم لأن يصفوا آلهتهم بالوسائط، ويحاول أهل التثليث والثنويون إثبات التوحيد في التثليث والثنوية، وأهل ويدانت يعتزون بالقول ب ((دوتياستي)).
لكن الحقيقة أن الإسلام هو الدين الواحد والوحيد الذي بين التوحيد على الوجه الأكمل.
فالإسلام يعلن أن دعوة جميع الأنبياء والرسل قامت على مبدأ التوحيد وحده، قال تعالى:
﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ (الأنبياء: ٢٥). وقال:
﴿وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ (الزخرف: ٤٥). ومن تعليم الإسلام وحده:
﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ (النساء: ٣٦).
ويبين التوحيد فيقول:
﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي﴾ (الشورى: ٩).
وقال عن توحيد الخلق وتوحيد القدرة:
﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (*) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز﴾
(الحج: ٧٣، ٧٤).
стр. 883
وندرك بالنظر والتعمق في الآيات السابقة أنها تثبت الألوهية والربوبية والرحمة والولاية والقدرة لله تعالى وحده لا شريك له، وبذلك ينتفي الشرك الجلي والخفي.
وتوحيد الإسلام هو الذي يثبته كلام الله العزيز، ويؤكده العلم والعقل والسمع في كل موضع وخطوة.
وتوحيد الإسلام هو الذي شيدته براهين الفطرة الصحيحة والعقل السليم، وخوطب به كل قلب سليم متمتع بالحياة الروحية.
وليس توحيد الإسلام كتثليث النصرانية الذي يصفه القساوسة بأنه أعلى من الفهم والعقل، ويوجبون الإيمان به دون فهم، إذ الإسلام يقيم حجته في بداية الدعوة على كل إنسان فيقول:
﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (الحج: ٤٦).
تضمنت هذه الآية ألفاظ القلوب والعقول والآذان والسمع والأبصار والعمى، وبذلك يثبت أن الإسلام يخاطب العقل والسمع والبصر والقلب والبصيرة، وعلى هذه البراهين يكون أساس إثبات التوحيد.
والإسلام هو الذي أفرد، لبيان التوحيد بصورة كاملة، عناوين التوحيد في العبادة، والتوحيد في الاستعانة، والتوحيد في القدرة، والتوحيد في التصرف والتوحيد في الذات، والتوحيد في الصفات ودعم كل عنوان وما ورد فيه من المسائل بآيات القرآن وأحاديث النبي (ص). فتدبروا الآيات التالية بتعمق حتى يزداد علمكم بعناوين التوحيد السابقة ويقوى الإيمان واليقين، قال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: وتقديم المفعول لقصد الاختصاص أي تقديم قوله إياك على نعبد ونستعين يفيد أن العبودية والاستعانة تختصان بالله تعالى (١). وقال عن التوحيد في الاستعانة في سورة يوسف:
﴿والله المستعان﴾ (آية: ١٨).
стр. 884
وقال في سورة الأنبياء:
﴿وربنا الرحمن المستعان﴾ (آية: ١١٢).
وورد في الحديث الشريف:
((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) (١).
وقال تعالى عن توحيد العلم على لسان الملائكة:
﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ (البقرة: ٣٢).
ويصرح عيسى ﵇ يوم الحشر أمام الخلائق بحضرة الرب تعالى:
﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام العيوب﴾ (المائدة: ١١٦).
وقال: ﴿وعنده علم الساعة﴾ (الزخرف: ٨٥). وقال: ﴿أنما أنزل بعلم الله﴾ (هود: ١٤). وقال: ﴿وعنده مفاتح الغيب﴾ (الأنعام: ٥٩).
ومن أسماء الله الحسنى اسم العليم.
وإذا نظرنا في القرآن لمعرفة اقتران اسم العليم بالأسماء الحسنى الأخرى عرفنا أنه استعمل في الصور الآتية:
عليم قدير، وعليم خبير، وعليم حكيم، وواسع عليم، وعليم حليم، والخلاق العليم، وعزيز عليم، وفتاح عليم، وسميع عليم، وشاكر عليم، وبذلك يثبت أن كمال العلم مستوجب للقدرة والخبرة والحكمة والسعة والحلم والخلق والعزة والفتح والسمع والشكر. والعلم المقرون بهذه الصفات أرفع وأعلى من علم الإنسان والملائكة مهما كان علمهما أعلى وأرفع.
واقرأوا الآيات التالية عن التوحيد في القدرة:
﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ (القمر: ٤٩).
﴿وبارك فيها وقدر فيها أقواتها﴾ (فصلت: ١٠).
стр. 885
﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر﴾ (المؤمنون: ١٨).
﴿والله على كل شيء قدير﴾ (البقرة: ٢٨٤).
﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ (الشورى: ٢٩).
إن هذه الآيات تبين أن تكوين كل شيء تم تقديره، وإعدامه أو إيجاده مرهون بقدرته تعالى، وقدرته هي المسيطرة على بركات السماء وقوى الأرض، والمادة والروح من مخلوقاته وتحت قدرته، والنصرة والهزيمة والرقي والانحطاط وتغير الأزمان والفصول وخواص الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملائكة وأحوالها وكوائفها تحت قدرته. وهذه هي القدرة التي لا يحيط بها قانون القدرة الذي عرفه الإنسان، ولا يمكن لتجارب الإنسان وعاداته حصرها. فالله تعالى هو الذي تفرد بهذه الصفة وتوحد بها.
وقد توسع في بيان التوحيد في الذات والصفات فقال تعالى:
﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا﴾ (طه: ١٤).
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ (آل عمران: ١٨).
﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم (*) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (*) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان﴾ (آل عمران: ٢ - ٤).
﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ (آل عمران: ٦).
﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (*) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول﴾ (غافر: ٣، ٢).
﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾ (غافر: ٦٠).
﴿الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس﴾ (غافر: ٦١).
﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو﴾ (غافر: ٦٢).
﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (*) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ (غافر: ٦٤، ٦٥).
стр. 886
﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ (الأنعام: ١٠٣).
﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (*) له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم﴾ (الشورى: ١١، ١٢). ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ (النحل: ٧٤).
﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ (البقرة: ٢٥٥).
﴿قل هو الله أحد (*) الله الصمد (*) لم يلد ولم يولد (*) ولم يكن له كفوا أحد﴾ (الإخلاص: ١ - ٤).
أيها القراء! إني جمعت هذه الآيات هنا، ولو تكلمت عن معانيها وفوائدها لاحتاج ذلك إلى كتاب ضخم.
ومن يتدبر يعرف أن التوحيد الذي يعلمه الإسلام ويقدمه القرآن أرفع وأعلى من توحيد الفلاسفة، الذي هو مجموعة الألفاظ والأشكال الفرضية مثل الجوهر والعرض والقديم والحادث والهيولى والمادة وهو التوحيد الذي لا تبقى فيه ذات الله وصفاته.
وكذلك يرتفع توحيد الإسلام عن عقيدة التجسيم التي تصف كلماتها الله تعالى شيئا مجسما. ومن عقيدة التنزيه التي تعتبر نفي الصفات تقديسا، إن الآيات القرآنية تعطي المعرفة الصحيحة، وبهذه المعرفة يضيء القلب السليم بنور اليقين، كما أن أسلوب الإسلام هذا في بيان التوحيد له ميزة خاصة.
стр. 887
الفصل الثاني
الإسلام دين الروحانية
١ - إن الجوهر البارز للدين من حيث هو دين هو أن توجد فيه الروحانية، والدين الذي يخلو من الروحانية لا يستحق أن يسمى دينا، بل هو جمعية أو هيئة ولا يوجد دين من الأديان القديمة إلا وادعى الروحانية فيه، لكن إلى أي مدى تصح هذه الدعوى وبصرف وجوه النظر عن هذا هل فهم مفهوم الروحانية بطريقة صحيحة.
ومن المسلم به أن الإنسان عبارة عن روح وجسم. وحاجات الجسم تتحقق بالأشياء بالجسمانية والمادية، فالأشياء التي توصف بالترف والتنعم والرخاء والراحة والرغد والمسرة كلها جسمانية، واللذة التي تحصل باستعمالها تتصف أيضا بالمادية.
وهنا يأتي التساؤل: ما هي الأشياء التي يتحقق بها سرور الروح وفرحها؟ وبأي شكل يتحقق هذا السرور الروحي؟ والخطاب هنا لا يوجه إلى الذين ينكرون وجود الروح ويجهلون الروحانية، فإن قصدنا تقديم الإسلام إلى أديان العالم، وليس نقد آراء منكري الأديان.
ألف: لم يذكر بوذا الروحانية بألفاظ واضحة، وهو يرى أن الكمال الأعلى للإنسان وروحه يتمثل في التحرر من قيود الراحة والألم ويتضح بعد التعمق في تعليمه أن دروسه لم تجاوز بيان الأخلاق الإنسانية.
ب - إن تعليم موسى ﵇ يتضمن بيان التوحيد، ولكن بالقدر اللازم لمراتب الإيمان البدائية. ويتضمن تعليمه رد الشرك، ولكن بالقدر الذي يلزم لرد الشرك الأعظم. وبعد ذلك لا يوجد ذكر للروحانية والسبب هو هبوط فطرة أفراد الأمة وإقبالهم على الدنيا.
ج - إن زبور داود فتح باب المناجاة، وعلم العباد طريقة التضرع في جناب الله تعالى والإنابة إليه، ولكن الهدف الأكبر في هذه المناجاة أيضا هو الانتصار على الأعداء وإبادتهم وسحقهم، وتلونت جميع المناجاة بهذا اللون إلا القليل منها.
стр. 888
د - وأسمع المسيح ﵇ كلمة حكومة السماء وملكوتها، وهذه الألفاظ تدل على الروحانية دون شك، وذكر حب الإنسان لخالقه بقلب بسيط، وكان ذلك درسا للروحانية المحضة، لكن للأسف لم يرزق أتباعه الذوق والوجدان والتحمل، فاضطر أن يصرح بأن ((روح الحق)) سوف يكمل هذا الأثر (١).
٢ - والحديث الشريف سمى تعليم الروحانية ((الإحسان)) وورد شرح معناه في حديث أبي هريرة عند الشيخين (٢) وحديث عمر الفاروق في صحيح مسلم (٣):
((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
وهذا الحديث ذكر مقامين:
الأول: أن يصل الإنسان بنفسه إلى المقام الذي يكون فيه مهبط الرحمة.
والثاني: أن يحتل المقام الذي يشاهد فيه أنوار المعرفة.
وعلم بهذا الحديث أن مقصود الروحانية أن تصبح رابطة القلب ونسبة الروح مع رب العالمين، ويتحقق هذا المقصود بالعبودية لله والذي بينه الإسلام في شرح هذا المقصود وتوضيح كيفية الوصول إليه كثير جدا ولا يساوي ما ذكرته الأديان الأخرى بالنسبة له.
ولذا صح أن نقول: إن الإسلام هو دين الروحانية.
العبودية: بين الإسلام بوضوح تام العبودية، لأن بناء الروحانية يقوم على هذا الأساس.
فذكر أن مظهر العبودية هو القلب واللسان والجوارح، وإليكم بيان هذا باختصار شديد:
ألف: واجبات القلب خمس:
١ - النية، وهي الفارق بين العادة والعبادة، وبها تفاوت مراتب العبادة.
٢ - الإخلاص، ومقصده وحدة المطلوب.
стр. 889
٣ - الصدق، ومقصده وحدة الطلب.
٤ - الإنابة، وهي الرجوع إلى الله مع السعي والتوجه الكاملين، والتوبة هي المرحلة الأولى للإنابة.
٥ - المحبة، وبها تروى حبة القلب، وهذه الحبة تزهر وتثمر فتنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.
ب - وواجبات اللسان خمس:
١ - الشهادة بالوحدانية والرسالة.
٢ - دوام الذكر.
٣ - التزام الدعاء، وينبغي أن يتضح أن الدعاء لقصد خاص شيء، والتزام الدعاء لأداء فريضة العبودية شيء آخر، وهذا هو المطلوب هنا.
٤ - الدعوة، وتتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٥ - التعليم، ويدخل فيه إعلام الجهال وتثقيفهم ونشر العلوم الشرعية.
ج - ومن واجبات الجوارح:
١ - واجبات السمع، وهي الإصغاء لكلام الله وأوامر رسوله، والاستماع للنصح وكلمة الحق.
٢ - واجبات البصر، وهي مشاهدة الكون بعين العبرة والخبرة، واستخدام البصر والبصيرة.
٣ - واجبات الذوق، وهي أكل الحلال، واجتناب الحرام والمسكرات.
٤ - واجبات الأعضاء، وهي الخضوع والخشوع.
٥ - واجبات الجسم، وهي إطاعة القلب وعدم استخدام عضو ضد الضمير الطاهر.
فهذه الأقسام الخمسة عشرة تسمى في مجموعها بالعبودية.
الفناء والبقاء: ينبغي شرح الكلمتين لإيضاح مفهوم الروحانيات. والمقام الأول الذي أشار إليه الحديث بقوله ((فإنه يراك)) يسمى عند أهل التقوى مقام الفناء، وليس المراد بهذه الكلمة الفناء اللغوي، بل هو إزالة غير الله والوصول إلى شهود الحق بعد التغيب عن الأنانية.
стр. 890
ويدخل في هذا الفناء: التوبة والتذكرة والورع والزهد والإخبات والتبتل والخوف والرجاء.
والبراهين السابقة توضح أن الإسلام يعرض أمام مشاهد الإنسان وفكره وتدبره كل ذرة من الكون لإثبات مسألة التوحيد.
وهو ينور مصابيح العلم والعقل والتجربة والمشاهدة في طريق الذوق السليم والوجدان الصحيح، ثم يذهب بسالك هذا الطريق إلى المراحل التالية: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وأتاهم تقواهم﴾ (محمد: ١٧).
﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ (مريم: ٧٦).
﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا﴾ (التوبة: ١٢٤).
وبعد الوصول إلى الغاية المقصودة يبشره بالبشارة العظيمة:
﴿يا أيتها النفس المطمئنة (*) ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ (الفجر: ٢٧، ٢٨). والشرك ضد التوحيد وقد ذكر أدلة رد الشرك على حدة:
﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء: ٢٢).
﴿أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم﴾ (الأنبياء: ٢٤).
والإسلام هو الذي أخبر أن الدعوة الأولى والأخيرة لجميع الرسل هي هذه الكلمة:
﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ (الأعراف: ٥٩).
وهذه هي الكلمة المقدمة التي تثبت ألوهية رب العالمين في القلوب، وهي الكلمة التي تطهر القلوب من شرك الغير.
وهذه هي الكلمة التي تمنح الإيجاب بقاء، والسلب فناء، وقد تكررت هذه الآية في سورة الأعراف أربع مرات، وفي سورة الأنعام مرتين، وفي سورة آل عمران مرتين أيضا.
وقال تعالى في بيان التوحيد:
﴿قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض﴾ (الأنعام: ١٤).
стр. 891
فهل تبقى حاجة لاتخاذ غير الله وليا ونصيرا؟ وهل يعقل أن يملك أحد غيره القلوب؟ كلا، يقول تعالى: ﴿قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء﴾ (الأنعام: ١٦٤).
وقال: ﴿ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (القصص:
٨٨).
والذين يدعون غير الله، سواء دعوا من الأنبياء عيسى وعزيرا ﵈ وغيرهما من الصالحين، أو دعوا الآلهة الخيالية أخبروا من عند الله ما يخبر بينه تعالى وبين غيره.
والنصراني الذي يؤمن بأن المسيح أخذ وصلب ودفن قامت عليه حجة الله بأنه لا يكون إلها.
والمسلمون الذين يؤمنون بأن الحسين ﵇ استشهد في كربلا جائعا عطشان وأهين جسده، قامت عليهم حجة الله تعالى بأن مثل هذا الشخص لا يكون معبودا.
و (كرشن مهاراج) الذي رأى بعينيه عاصمته تنهب وتخرب، وقد أهلك نفسه بإلقائها في الثلج حزنا على ذلك، لن يكون معبودا أبدا.
وسدهارت كوتم الذي عرف ب ((بوذا)) أي اليقظان، وأحرقت جثته في سهول نيبال بموضع (كسن آراء) وقسم رماده إلى ثمانية مواضع، وبنى في كل منها معبد، لن يكون معبودا مقدسا (١).
ورسو لنا محمد (ص)، الذي بقي مريضا من ٢٨ صفر سنة ١١ إلى ١٣ ربيع الأول، وتوفي عشية ذلك اليوم، ودفن في القبر في ١٤ منه بعد المغرب، والذي وصف بإمام الأنبياء وسيد المرسلين، لن يكون معبودا ومسجودا، والحاصل أن الآية المذكورة بمعانيها قد أحكمت التوحيد إحكاما.
والفناء يتضمن الرغبة وتعظيم الأوامر والنواهي والتصفية والتهذيب والاستقامة
стр. 892
والصبر والتفويض والثقة والتسليم والإخلاص والتواضع والفقر والغنى والتأسف والحزن والاغتراب والغيبة.
ويندرج تحت البقاء الحياء والرضا والشكر والصدق والإيثار والفتوح والمروءة والانبساط والأدب والأنس والذكر والعلم والحكمة والتعظيم والسكينة والطمأنينة والغيرة والشوق والذوق والشهود والسرور والتمكين والمكاشفة والحياة بالعلم والحياة بالوجود والبسط والصحو والمعرفة واليقين والصدق والتحقيق (١).
وتعريف هذه المقامات وتفصيل أحوالها، وشرح علاقتها بالنفس والقلب والروح، ونتائج هذه العلاقة، يحتاج إلى كتاب ضخم. ثم إن ماهيتها أرفع من البيان، وهي تتعلق بالأحوال.
وبهذا الإجمال يفهم القراء أن الدين الذي يحتوي على القدر المذكور من الروحانية هو الذي يستحق أن يسمى دينا روحانيا.
لقد تركت هذه المباحث الدقيقة، لأن القراء يستطيعون أن يفهموا المنزلة الخاصة التي احتلها الإسلام في بيان الروحانية.
стр. 893
الفصل الثالث
الإسلام معلم الأخلاق الحميدة
قال النبي (ص): ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال)) (١).
وبين الإسلام أن منبع الأخلاق الرذيلة أربعة: الجهل والظلم والشهوة والغضب.
١ - ومن تأثير الجهل أنه يبرز الشيء الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، ويقدم الكمال في صورة النقص، والنقص في صورة الكمال. وقد حكى القرآن قول يوسف ﵇:
﴿أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾ (يوسف: ٣٣).
٢ - ومن تأثير الظلم وضع الشيء في غير محله. وذلك أن يوضع السخط موضع الرضا، والبخل موضع الجود، والبذل موضع البخل، والشدة موضع اللين، واللين موضع الشدة، والكبر موضع التواضع، والتواضع موضع الوقار.
أي الإساءة في استخدام الحقوق، وبالتالي دعوى الاستحقاق على هذه الإساءة.
قال تعالى في القرآن: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان: ١٣).
أي غصب حقوق الله ووضعها لغيره ظلم عظيم.
٣ - ومن تأثير الشهرة أنها تمنى الحرص والبخل وضيق القلب، والتهجم على حقوق الغير، وتذهب الوقار وعفة النفس.
وقد ورد في الحديث: ((إن الله أعطى كل ذي حق حقه)) (٢).
стр. 894
وقال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ (الإسراء: ٣٢).
٤ - ومن تأثير الغضب أنه يورث الكبر والحقد والحسد والبغي والسفه. قال رجل للنبي (ص): عظني، قال (ص): ((لا تغضب)) ثلاثا (١). وقد بين الإسلام أن منبع الأخلاق الحميدة أربعة:
الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل.
١ - ومن نتائج الصبر تحمل المصائب وكظم الغيظ والكف عن الأذى والحلم والتواضع ورباطة الجأش وعدم التحامل.
وقد ورد ذكر الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا، وأمر بالصبر في ستة عشر موضعا. وقال الإمام أحمد بن حنبل: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصفه الآخر (٢).
٢ - ومن نتائج العفة اجتناب الرذائل والقباح، والطهارة في القول والعمل. ومن العفة ينشأ الحياء، وهو يؤثر في كل خلق حسن، والعفة تقضي على الكذب والبخل والفجور.
٣ - ومن نتائج الشجاعة احترام النفس وطلب مكارم الأخلاق وإعانة الآخرين بالمال والنفس والابتعاد عن الطيش والغضب وإعطاء العقل زمام النفس. ورد في الحديث الشريف:
((ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (٣).
٤ - ومن نتائج العدل اعتدال الأخلاق والاقتصاد في الأمور بالابتعاد عن الإفراط والتفريط.
ويقرر العدل أن الجود والسخاء ما كان بين البخل والإسراف، ويقرر العدل أن الحياء ما كان بين الذل والاستهتار، ويقرر العدل أن الشجاعة ما كان بين الجبن والتهور، ويقرر العدل أن الحلم ما كان بين الكبر والهوان، والتصريحات السابقة تبين مدى مساهمة
стр. 895
الإسلام في شرح مفهوم الأخلاق الحميدة وقد جاء في القرآن:
﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (الأعراف: ١٩٩). وأخرج مسلم عن النواس بن سمعان أنه (ص) قال: ((البر حسن الخلق)) (١). وفي الصحيحين: ((خياركم أحاسنكم أخلاقا)) (٢).
وأخرج الترمذي وأبو داود عن أبي الدرداء أن النبي (ص) قال:
((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وأن الله ليبغض الفاحش البذيء)) (٣).
وأخرج الترمذي عن جابر أن رسول الله (ص) قال:
((إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون)) (٤).
وورد في رواية الترمذي: ((إن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)) (٥).
ويثبت بهذه الأحاديث أن اكتمال الإيمان والقرب من الرسول (ص) ورضا المولى يتوقف على الخلق الحسن، وينبغي أن نذكر في معرض الحديث عن الخلق الحسن أنه يتعلق بذات الإنسان نفسه وبأبناء جنسه وبرب العالمين أيضا، فتعلقه بذاته أن يرى نفسه ناقصا ويعتقد أن عمله أيضا ناقص، وينتج عن ذلك دوام السعي والاستمرار في تحسين الخلق، وتعلقه بأبناء جنسه يجعله يتحمل أذى الآخرين ولا يسعى لإيذائهم، وتعلقه برب العالمين يجعله يرى معاملته مع رب العالمين مستوجبة للشكر، ولا ينطق بقلبه ولسانه غير كلمة الأدب والشكر تجاه أحكام الله وأفعاله.
стр. 896
هذه هي الأخلاق الحسنة التي أتمها الإسلام قولا وعملا، وإليكم مزيدا من التفصيل:
* يوجب الإسلام نصيب الفقراء والمساكين في مال الزكاة، ويقرر أن يصرف إليهم ثمن هذا الدخل.
* ومن خمس الغنيمة يصرف الخمس إلى المساكين واليتامى وجوبا. * وكذلك يصرف خمس الفيئ إلى المساكين واليتامى.
* ويعطى أبناء السبيل أيضا من هذه الأبواب الثلاثة، وبهذا النظام يصير عالم الإسلام كله بيتا للمسافر.
* والدولة الإسلامية مسئولة عن الغارمين وديونهم.
* وخصص ثمن الزكاة لتحرير العبيد، وفي نفس الصيغة أوجب التبرع.
فإن وجدت ديانة تصدر أوامر بتخصيص جزء معين من ميزانيتها لصالح الفقراء والمساكين واليتامى والأيامى والعبيد والغارمين، فليخبر بها العالم من يعرفها.
والإسلام يؤكد الالتزام بالعهود، ويمهل لمدة أربعة أشهر بعد نقض المعاهدة من الجانب الآخر إذا اقتضى الأمر البلاغ الأخير، والإسلام لا يدعو إلى الخلق الحسن رياء وتظاهرا، بل إنه يلزم به القلب والفكر مثل الجوارح، تدبروا الأحكام التالية:
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ (الأعراف: ٣٣).
والحكم الثاني:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ (النحل: ٩٠).
والحكم الثالث:
﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامي والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ (النساء: ٣٦). وروى البخاري أن النبي (ص) قال:
стр. 897
((والله لا يؤمن)) (ثلاثا) قيل من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)) (١).
وفي مسلم: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)) (٢).
وفي الصحيحين: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) (٣). وأخرج البخاري عن سهل بن سعد أن النبي (ص) قال:
((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا)) (٤).
وأخرج أبو داود عن علي أن من آخر كلام النبي (ص):
((الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم)) (٥).
وقال الله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (*) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت
الحمير﴾ (لقمان: ١٩، ١٨).
ومن توجيه الإسلام الخلقي نحو الأمة والوطن:
١ - ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ (الحجرات: ٩).
٢ - ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب﴾ (الحجرات: ١١).
٣ - ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا﴾ (الحجرات: ١٢).
ونحو أتباع الأديان الأخرى:
١ - ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة: ٨).
стр. 898
٢ - ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء: ٥٨).
وهناك عشرات الأحكام مثل ذلك، وهذه الأخلاق تمسك بها المسلمون في القرون الوسطى، وبلغوها غيرهم من الناس بالعلم والعمل.
أما تاريخ الأديان الأخرى غير الإسلام فهو بلا شك معلوم لدى أهل النظر.
стр. 899
الفصل الرابع
حل الإسلام مشكلة العدل والرحمة
النصرانية المعاصرة قائمة على أصلين:
١ - أن آدم أخطأ، وتلوث بنوه جميعا بذلك الخطأ.
٢ - وشاءت رحمة الله أن يطهر الناس من الذنوب، ولكن قضت عدالة الله أن يتحمل الإنسان عقاب ذنوبه.
وحل الله تعالى هذه المشكلة فأرسل ابنه إلى الدنيا فصار ملعونا ودخل جهنم وتحمل الألم والعقاب فصار كفارة للعصاة، وهكذا تم مقتضى العدل، فغفر الله الرحيم عندها للعصاة عصيانهم.
وقد صحح الإسلام الأصلين:
الف: فقال عن خطأ آدم إنه تم العفو عنه بالتوبة وتطهر آدم من الذنب، ولذا لا يصح تحميل بني آدم الذنب:
١ - ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ (البقرة: ٣٧).
٢ - ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (طه: ١٢٢).
ب - وبين الإسلام فيما يتعلق بالعدل والرحمة أن معاقبة البرئ بدل المذنب ظلم، ولذا لا يصح دخول المسيح الطاهر جهنم ملعونا.
وعلى هذا يتنافى أمر عقاب البرئ بغية الرحمة بالعصاة.
١ - يعفى عن التقصير في حقوق الله بالتوبة، والله تعالى يكتب الرحمة على نفسه في حقوقه ويعامل بالرأفة والشفقة.
٢ - أما حقوق العباد فإن الله تعالى يعامل فيها بالعدل، وتقريرا لهذا المبدأ قال النبي (ص): ((يغفر كل ذنب للشهيد إلا الدين)).
стр. 900
وينبغي أن نتذكر أن تقسيم الحقوق على هذا الأساس ووضع كل قسم تحت نظام العدل والرحمة هو القرار الذي تفرد الإسلام بإصداره، أما النصرانية المعاصرة والتائهون في وادي التناسخ فإنهم قد عقدوا هذه المسألة تعقيدا.
ومن خصائص الإسلام أنه أقام العدل بعيدا عن الإفراط والتفريط.
стр. 901
الفصل الخامس
الإسلام هو حامي العلم والعلماء
شرح فضيلة العلم وذكر أدلة شرفه في العصر الحاضر تحصيل حاصل، لأن جميع الأمم والدول في العالم في هذا العصر اعترفت نظريا وعمليا بأن العلم لا تساويه صفة إنسانية أخرى، لكن حينما بدأ الإسلام في الحجاز والجزيرة العربية كان العالم كله غافلا عن سر فضيلة العلم بل جهل العالم الكتابة والقراءة، وكان أهله يفتخرون بهذه الحالة، وكذلك اليهود والنصارى كانوا بعيدين عن الدراسة، والتعليم الذي وجد لدى الأساقفة لم يتجاوز تعلم حروف الإنجيل ولم يدخل فيه الترجمة والتفسير. وبجانب هذا حلت الأساطير محل العلم الحقيقي وكتبت عند اليهود في صورة الرواية ثم اكتسبت منزلة الوحي.
وكانت الهند تحت سيطرة (شري مد بهاكوت) والبرانات الثمانية عشر، وفي حالة أرقى كانت ملحمة (مها بهارت، ورامائن) منتهي العلم، وهكذا كانت حال الصين وإيران، أما أوربا فكانت مسكن الجهل، وجاء الإسلام فحمى العلم وصار مأمن العلماء وملجأهم.
٢ - إن كتب الهنادك واليهود مليئة بتقديس الآلهة والملائكة، والإنسان أمامهم دائما يوضع في صورة العابد والناسك، لكن الإسلام أخبر بأن أبا البشر مسجود الملائكة والآلهة أيضا، وسبب ذلك هو تفوقه عليهم في صفة العلم. والتوضيح الذي ورد في سورة البقرة يهدف إلى إبراز فضل العلم نفسه.
وانظروا الآن في تفسير الآية ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ (المائدة: ٤)، إن الكلب الذي كان نجس العين اكتسب منزلة الجارحة الإنسانية في الاصطياد بعد التعلم، ويكون صيده في حكم صيد الإنسان.
وبالتدقيق في المثالين، ونعلم أن الإسلام جعل كلب الصيد مساويا لجارحة الإنسان بالتعليم، وجعل الإنسان مسجود الملائكة بفضل العلم، وهذا يوضح لنا مدى إبراز الإسلام لفضيلة العلم.
стр. 902
قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: ١١).
فالعلم هنا ذكر مع الإيمان في علو المنزلة، وجاء في بداية الوحي القرآني:
﴿إقرأ وربك الأكرم (*) الذي علم بالقلم (*) علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (العلق: ٣ - ٥).
تدبروا كيف حث الإسلام بأسلوب رزين على العلم، وبين كون القلم ذريعة لنشر العلوم وكون الإنسان قابلا للتعليم وتلقيه العلوم الناشئة المتجددة، وكيف تم ترغيب الإنسان في التزود بالعلوم بعد استخدام وسائل القراءة والتحرير.
والقرآن الكريم بين لنا صفة أدعية بعض الأنبياء فذكر أن نوحا ﵇ دعا فقال: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات﴾ (نوح: ٢٨).
وإبراهيم ﵇ دعا فقال:
﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ (إبراهيم: ٣٥).
ودعا سليمان ﵇ ربه:
﴿رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ (ص: ٣٥).
ودعا زكريا ﵇:
﴿رب هب لي من لدنك ذرية طيبة﴾ (آل عمران: ٣٨).
ولكن نبينا محمدا (ص)، الذي هو خلاصة الكون وسيده، دعا الله تعالى دعاء مزيدا جامعا فقال (ص): ﴿رب زدني علما﴾ (طه: ١١٤).
وبذلك يتبين أن درجة العلم أعلى من جملة النعم، والنبي (ص) لقب في القرآن بخاتم النبيين ورحمة للعالمين. وبجانب ذلك وصف الله رسوله فقال: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (البقرة: ١٥١). والآيتان تدلان بوضوح على فضل العلم.
فلا شك أن الإسلام علم العلوم عامة، وهو الذي بلغ بصدر رحب علوم السابقين
стр. 903
الأولين والأنصار والمهاجرين لمن دخل في الإسلام من الناس والبلاد، تدبروا الأمثلة التالية:
إن الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة صاحب الصحيح الذي يحتل المنزلة الأولى بين الكتب الستة، كان من سكان بخارا، والمغيرة هو أول من دخل في الإسلام من أجداده، والإمام الهمام أبو حنيفة نعمان بن ثابت من أهل فارس، وكان جده قد دخل في الإسلام، ولم يكن سيبويه وأبو علي والزجاج وهم أئمة اللغة والنحو من العرب، ولم يكن إمام اللغة إسماعيل بن محمد الجوهري والأستاذ مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي من سكان الجزيرة العربية، وكان أبو الفرج الذي زادت شهرة مؤلفاته بالعربية من سكان مالطة. وولد ابن خلدون مؤسس فلسفة التاريخ والعمران في تونس - والمؤرخ الشهير برهان الدين من الموصل. وولد المقريزي في بعلبك. والإمام مسلم صاحب الصحيح، والإمام أبو داود صاحب السنن وإن كانا من أصل عربي ولكنهما لم يسكنا الجزيرة العربية.
ويتضح بهذه النظائر أن الإسلام بتعهده للعلم وعنايته به قد فتح من البداية أبواب العلم على جميع الأمم، فافتتحت مدارس العلم من وسط الهند إلى آخر السودان، ومن بلاد خراسان إلى حدود المغرب في خير القرون.
وقد عبر الله تعالى عما تحقق من الشرف والكرامة للأنبياء ﵈ على جملة الخلائق عبر عنه بالعلم، فقال تعالى: ﴿يا أبت إني قد جاءني من العلم﴾ (مريم: ٤٣)، وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما﴾ (النمل: ١٥). وقال: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾ (يوسف: ٦٨). والناس يستشهدون على ثبوت التأكيد لطلب العلم بالمقولة المشهورة: ((اطلبوا العلم ولو في الصين)) وهذه الألفاظ لم تثبت عن النبي (ص) بالسند الصحيح، ولكن القرآن الكريم أورد واقعة موسى ﵇، الذي كان من الرسل أولي العزم، وصاحب كتاب، ووصل لتعلم بعض المسائل إلى الخضر ﵇، وأبدى رغبته بقوله: ﴿على أن تعلمن مما علمت رشدا﴾ (الكهف: ٦٦).
والله تعالى قدم العلماء أيضا لإثبات دلائل التوحيد، كما أنه أكد هذا الأمر بشهادته وشهادة الملائكة، قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم
стр. 904
قائما بالقسط﴾ (آل عمران: ١٨).
وذكر الله تعالى شهادة علماء أهل الكتاب لإثبات النبوة المحمدية أيضا:
١ - ﴿أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماؤا بني إسرائيل﴾ (الشعراء: ١٩٧).
٢ - ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (الرعد: ٤٣).
فكما أن أدلة الإسلام مبنية على العلم، فكذلك طولب أتباع الأديان الأخرى بأن يبرهنوا على دعاويهم بالعلم، قال تعالى:
١ - ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ (الأنعام: ١٤٨).
٢ - ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ (الأنعام: ١٤٣).
وقد شنع الإسلام على أهل الزيغ بأنهم يتقولون دون علم:
١ - ﴿فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (آل عمران: ٦٦).
٢ - ﴿ولا تفف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (الإسراء: ٣٦).
وتمسكا بهذه الآيات والأحكام أنجز المسلمون عبر القرون ما شهد به أهل أوربا كلها. وحينما قامت الدولة العباسية في بغداد، والدولة الأموية في الأندلس والدولة الفاطمية في مصر، جرى بينها التنافس في سبيل العلم وحماية العلماء، فكانت كل دولة تسعى أن تتفوق في نشر العلم والعناية به. وقد وجد مرصد في سمرقند مقابل مرصد الأندلس، وقد نشرت بغداد العلوم والفنون في الهند والصين وتتارستان، وكذلك نشرتها الأندلس في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وأثرت هذه البلاد بالعلم.
وكان الفلاسفة من اليهود والنصارى والهنادكة والمصريين وأهل الصين واليونان في بلاط ملوك الإسلام محترمين ومكرمين، مثل أهل الحجاز وحضرموت واليمن وأبناء المهاجرين والأنصار، وكانت العلوم الرياضية والفلسفة والهيئة منتشرة مثل العلوم النقلية والأدب والنحو، كانت المدارس في بلاد الشرق والغرب وافريقيا متاحة لعامة الشعب، وكانت في كل مدرسة مكتبة وسكن للطلاب. وكانت في بغداد المدرسة النظامية التي أنشأها الوزير نظام الملك، وكانت توفر الطعام لنحو ٦٠٠٠ طالب، وتقاس عليها
المدارس الأخرى.
стр. 905
والطريقة التي قدم بها الإسلام العلم إلى الخلائق كانت مجهولة لدى الأمم الماضية.
فالإسلام يقسم العلوم إلى قسمين:
ألف - الجلي، ويحصل بثلاث وسائل:
١ - البصر، فتحصل به العلوم التي تتعلق بالمعاينة والاكتشاف.
٢ - والسمع، وتحصل به العلوم التي تنبني على الاستفاضة.
٣ - والقلب، وتحصل به العلوم التي هي مجموعة التجارب الإنسانية.
ب - الخفي، ويحصل أيضا بثلاث وسائل:
١ - الإيمان، ويمنح اليقين في الجزء المجهول.
٢ - الفراسة الصادقة، وهي تطلع على سر الأمور الخفية بعد الحواس العشر.
٣ - المعرفة، وتبدأ بنهاية الماديات.
وقد ذكر الإسلام علما آخر أيضا، وهو وهبي وليس كسبيا، ويقال له العلم اللدني، وهو خاص بالأنبياء ﵈.
ويتلقى طالب هذا العلم درسه برحمة المبديء الفياض الخاصة، ويكون علمه سلطانا على العلوم والبراهين الأخرى، وتكتمل في ظل هذا العلم: العبودية والمتابعة والصدق ونتيجة هذا الكمال هي نفي الادعاء، وصاحب هذا العلم إذا أنجز عملا اعترف بقوله ((ما فعلته عن أمري)). وإنه يتكلم في جملة العلوم بالنطق الميمون، ويوضع على رأسه تاج: ﴿وما ينطق عن الهوى (*) إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم: ٤٤٣).
والمولعون بالمادة لم يطلعوا إلى الآن على حقيقة المادة، ولا على سبب حركتها، ولكن صاحب العلم المذكور يكشف عن حقيقة الروح، ويصرح بقوله: ﴿الروح من أمر ربي﴾ (الإسراء: ٨٥). وإنه ليطلع على حقائق عالم الأمر فوق عالم الخلق، وينور عين البصيرة بتعليم تلك الحقائق، وينزل غير المحسوس في مكان المعلوم.
وبالنظر في هذا المبحث كله يتضح أن الإسلام هو دين العلم، وهو حامي العلم.
تذييل: وموضوع كون الإسلام حامي العلماء يكتمل بالنظائر التي توضح مواقف
стр. 906
الحكام المسلمين الذين عرفت منزلتهم من الناحية الدينية أيضا من العلماء. هؤلاء أكرموا العلماء غير المسلمين أيضا.
كان الخليفة العباسي المنصور عالما كبيرا بالقرآن والسنة. عين في بلاطه جرجيس بن بختيشوع طبيبا خاصا له وعين من بعده الحسن بن شهلا ثار (وهما نصرانيان)، واحتل نوبخت وأبو سهل (وهما مجوسيان) منزلة عالية.
وكان يتوفل اللينائي (وهو صابئ) من كبار الضباط في بلاط المهدي. واحتل بختيشوع وجبريل (وهما نصرانيان) منصبا عاليا في بلاط هارون الرشيد، وكان يوحنا بن ماسويه مدير قسم السريانية، وشغل البطريق يوحنا وسهل بن سابور (وهما نصرانيان) مناصب عالية في بلاط المأمون، وكان سلموية بن بنان النصراني طبيبا خاصا للمعتصم، وكانت لحنين بن إسحاق النصراني منزلة خاصة في بلاط المتوكل، وكان يوزن له الذهب الخالص مقابل الأوراق التي يترجمها من اللغات الأخرى. غير راتبه الذي يتقاضاه شهريا عن عمله بالإضافة إلى الجوائز الملكية أيضا.
وكان في بلاط الراضي بالله طيفور النصراني والأسقف متى بن يونس النسطوري، وفي بلاط المعتضد كان إبراهيم وسنان ابني ثابت بن مرة وأبي الحسن حفيد ثابت من الموثوق بهم، وكان الناس يحسدون قسط البعلبكي ويحيى بن عدي بن حميد (وهما نصرانيان) على منزلتهما في بلاط الخلافة، وهكذا تطول هذه القائمة كلما بحثنا. وينبغي أن نفكر هل تحققت مثل هذه المنزلة لعالم مسلم تحت رعاية حكومة نصرانية أو حكومة غير مسلمة أخرى؟
بالعكس من ذلك نجد أمثلة كثيرة تبين اتجاها مضادا، فقد أخرج اليهود من الأندلس في ٢٠ مارس عام ١٤٥٢ م بجريمة أنهم درسوا كتب الفيلسوف المسلم ابن رشد. وفي فبراير عام ١٥٠٣ م تم نفي المسلمين من اشبيلية ونواحيها لنشرهم العلوم بين الناس.
وقد يظن أحد أن إجلاء اليهود والمسلمين يمكن أن يكون نتيجة للتعصب الديني والقومي، دون العداء للعلم والمعرفة. ولذا نعرض أمثلة أخرى تدل على أن نفس المعاملة السيئة واجهها علماء النصارى حينما نشروا العلوم العقلية أو اخترعوا علوما جديدة.
حبس البروفيسور برونو حينما بين مسألة وحدة الوجود، وأحرق حيا في عام ١٦٠٠ م بعد حبس طويل، وسفكت دماء كثيرة في أوربا حول مسألة كروية الأرض،
стр. 907
وصرح الأستاذ غليلو بانتظام حركة النجوم فأدى ذلك إلى هلاكه، وأتت السيدة ماري مونتا إلي أوربا عام ١٧٢١م من القسطنطينية بعد أن تعلمت التطعيم ضد الجدري، فتقدمت الكنيسة بطلب إلى ملك انجلترا تطلب منع المعالجة بالتطعيم بالمرسوم الملكي، واكتشفت في أمريكا طريقة تخدير المرأة عند الولادة لتخفيف الألم عنها، ولكن الأساقفة رأوا فيها مخالفة الأمر الرباني الذي يقضي بأن تتألم المرأة في حالة الوضع، فقامت ضجة كبيرة ضد الطريقة المذكورة.
وصرح (البلاج) بأن الموت كان يطرأ على الحيوان قبل آدم أيضا فقتل أثر هذا التصريح، وأمر بقتل كل من رأى رأيه، وبين (دي رومانس) أن قوس قزح ليس قوس الله الحربي، بل إنه ينشأ لوقوع أشعة الشمس على قطرات الماء، فحبس أثر هذا التصريح وقتل ثم أحرقت جثته مع مؤلفاته، وتم إحراق مكتبة الاسكندرية في عهد قيصر يوليوس (٤٨ ق. م.)، بحجة أنها احتوت على الكتب التي تعارض الدين. وأحرق ما بقي من كتبها عن طريق يتوفيل مأمور الاسكندرية، وأحرق كردينال اكسيمس ثمانية آلاف مخطوطة من تراث المسلمين في مكتبة غرناطة، وبهذه الوقائع والتصريحات يتضح جليا أن الإسلام هو حامي العلم والعلماء، وهذه الصفة من خصائصه العليا ..
стр. 908
الفصل السادس
الإسلام دين العمل
ذكرنا في الفصل السابق أن الإسلام دين العلم، ولكن العلم إذا تجرد من العمل فلا فرق بين وجوده، من عدمه، ولذلك قال النبي: ((اللهم إني أسألك علما نافعا وعملا متقبلا)).
ولما رأى بعض الناس أن الإسلام يدعو إلى التوكل ظنوا أنه ضد العمل. ووقع في هذا الخطأ البعيدون عن الإسلام والقريبون منه أيضا على حد سواء، والسبب الأساسي الأول لهذا الخطأ يرجع إلى عدم فهم معنى التوكل، ولما كان العصر الحاضر عصر الجد والسعي، كره الناس الجمود والكسل، وحينما ظنوا أن الإسلام يدعو إلى مثل هذا الجمود وعدم الشعور بالمسئولية أسرعوا إلى القول بأن الإسلام لا يمكن أن يكون دينا إلهيا. ولكن الحقيقة أن الإسلام لم يفهم على وجهه الصحيح، ولم تدرس سيرة النبي (ص) وأتباعه بطريقة سليمة.
لقد تأثر المسلمون بالأمم المجاورة ورأوا النساك والرهبان والأساقفة، فحسبوا أن الوصول إلى أعلى منزلة من الزهد لا يمكن أن يكون إلا بترك الأفعال والأعمال، ولكن هذا هو فهمهم ونظرتهم، أما الإسلام فإنه يعلم الناس ما يأتي:
١ - ﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون﴾ (التوبة: ٨٨).
٢ - ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (*) وأن سعيه سوف يرى﴾ (النجم: ٣٩، ٤٠).
٣ - ﴿فلا كفران لسعيه﴾ (الأنبياء: ٩٤).
٤ - ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ (الأنعام: ١٣٢).
والعمل على قسمين: عمل للدنيا، وعمل للآخرة. والإسلام رغب في كل منهما. قال تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ (البقرة: ٢٠١).
стр. 909
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال:
((احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)) (١).
وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض فعاده النبي (ص) فقال له سعد:
إني أريد أن أتصدق فبين له النبي (ص) هذا الأصل: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)) (٢).
ومع هذا الحديث ينبغي أن ننظر إلى أحكام التوريث في القرآن الكريم حتى نعرف كيف حدد الله تعالى الحصص لتقسيم إرث الميت.
أصول الإرث والمواريث: إن الحصص في أصول الإرث من النسب والنكاح والولاء وفي الفرائض ستة وهي: النصف والربع والثمن والثلثان والسدس.
فالمستحق للنصف خمسة: الزوج من تركة الزوجة إن لم يكن لها ولد، والبنت من الملب إذا كانت وحيدة، أو بنت الابن والأخت الواحدة من الأب والأم، أو الأخت الواحدة من الأب، إذالم يكن ابن من الأب والأم.
والربع يستحقه اثنان: الزوج مع ولد الزوجة، والزوجة بعدم الولد.
والثمن تتحقه الزوجة مع الولد.
ويستحق الثلثين أربعة: الزوجتان فأكثر، أو بنات الابن، والأخوات من الأب والأم، أو الأخت من الأب.
ويستحق الثلث ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد وأخوة وأخوات، أولاد الأم، اثنان فأكثر، ويستوي فيه الذكر والأنثى والجد مع إخوة الميت إذا لم يكن هناك صاحب فريضة آخر.
والسدس يستحقه سبعة: الأب إذا كان للميت ولد، والأم إذا كان للميت ولد أو ولد الولد أو أخ وأخت، والجد مع ولد الميت ومع الأخوات إذا كان هناك صاحب فرض، والجدة أو الجدات، وأولاد الأم، وبنات الابن مع البنت من الصلب، والعمات مع الأخت الحقيقية.
стр. 910
انظروا إلى هذا التقسيم الإجمالي الخاص بعلم الفرائض، ثم تفكروا في موقف الإسلام من المال، وفي الأحكام المفصلة التي شرعها الله تعالى في الإرث، فإن لم يكن بذل الجهد لكسب المال وترك المال للورثة خيرا، فكيف شرعت هذه الأحكام من الله تعالى؟
وبعد تقسيم السهام المذكورة أوجب القرآن الوصية أي إذا كان في المال وفرة، يقول تعالى:
﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ (البقرة: ١٨٠).
وهناك أمر آخر يخص حفظ المال، يقول تعالى:
﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ (النساء: ٥).
وأحكام البيع والشراء والتجارة التي وردت في القرآن والسنة تدل أيضا على أن الإسلام دين العمل.
ويعلم جميع كتاب السيرة أن المهاجرين الأولين من أهل مكة كانوا جميعا أهل تجارة، والأنصار الأولون أهل زراعة، ولذلك جاءت آيات الثواب والجهاد في القرآن الكريم في صورة التمثيل بالتجارة والزراعة، ولا يخفى على العاقل احتياجها إلى العمل والجهد.
ولقياس ثروة التجار من الصحابة ينبغي النظر فيما يلي:
الف - كان عبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرة، أنفق في سبيل الله في عهد النبي (ص) المبالغ الآتية:
١ - في المرة الأولى أربعة آلاف درهم، وكانت ربع ماله حينذاك.
٢ - وفي المرة الثانية أربعين ألف درهم.
٣ - وفي المرة الثالثة أربعين ألف دينار.
٤ - وفي المرة الرابعة خمسمائة فرس.
٥ - وفي المرة الخامسة خمسمائة ناقة.
٦ - وبعد النبي (ص) أعطى أمهات المؤمنين بستانا بيع بأربعمائة ألف.
стр. 911
٧ - وأوصى عند موته بخمسين ألف دينار في سبيل الله.
٨ - وكذلك أوصى بتقديم أربعمائة دينار لكل صحابي بدري، وكان عددهم حينذاك مائة.
٩ - وأعطى كذلك ألف فرس في سبيل الله.
١٠ - ولدى تنفيذ الوصية وجدت كمية كبيرة من الذهب الخالص تعبت أيدي الناس في قطعه.
١١ - وبعد الذهب كان عدد الإبل ألفا والفرس مائة والشاة ثلاثة آلاف.
١٢ - وكانت له أربع زوجات رضيت كل منهن بثمانين ألف درهم (١).
ب - كان الزبير ابن عمة النبي (ص) قد أوصى في ماله بأن يقضى منه دينه أولا، ثم يتصدق بالثلث، ثم يقسم على الورثة.
وبلغ الدين مليونا وأربعمائة ألف، وكانت النقود عنده قليلة، والأراضي الزراعية والسكنية كثيرة، كان له أحد عشر بيتا في المدينة، وبيتان في البصرة، وبيت في مصر، وقطعة أرض تم شراؤها بأكثر من سبعة ملايين، فلما تم بيع جميع ذلك حصل مبلغ خمسين مليونا ومائتي ألف، فقضى الدين ونفذت الوصية ونودي أربع سنوات في موسم الحج بأن من له دين على الزبير فليأخذه، ثم قسم ماله. وكان من جوده أنه استعمل ألف خادم في التجارة، وكان ينفق ربحه الشهري في سبيل الله (٢).
وليس قصدي بيان مثل هذه النظائر بالاستيعاب، بل المطلوب هو بيان كيف حبب تعليم الإسلام إلى السابقين الأولين العمل للدنيا والآخرة.
فهل تثبت إزاء ذلك ميزة للبوذية التي شجعت التسول؟ أو لتعليم الفيد الذي أوجب على الإنسان في الربع الأخير من عمره الترهب؟ أو يوجد تعليل لدى النصرانية لتعليمها الذي يقول أن ولوج الجمل في سم الخياط أسهل من دخول الغني في ملكوت السماوات.
стр. 912
والذين رباهم تعليم الإسلام على خير وجه ووردت صفاتهم بهذه الكلمات:
﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ (النور: ٣٧).
وهذه الصفة برزت في الإسلام وحده، وقد عبر أحدهم عن هذا المعنى بقوله:
اليد في العمل والقلب في ذكر الحبيب، والاهتمام بالعمل إلى الآن من ناحية الاقتصاد والتمدن، والعناية التي أولاها الإسلام الأعمال الصالحة من ناحية التقرب والتدين أمر لم يسبق له نظير، تدبروا الآيات التالية:
١ - ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ (المائدة: ٤٨).
٢ - ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (*) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا﴾ (الإنسان: ٢٥، ٢٦).
٣ - ﴿واسجد واقترب﴾ (العلق: ١٩).
٤ - ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ (الأحزاب: ٤١).
٥ - ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾ (المزمل: ٨).
إن النظر في الكون، وتنوير القلب والعين بصنع الله، وتدبر خصائص البر والبحر وتصريف الأرض والسماء، كل ذلك جزء من العبادة في الإسلام، ومن قام بهذه العبادة نال الدرجة الرفيعة عند الله، يقول تعالى:
﴿إن في خلق السوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ (البقرة: ١٦٤).
وثبت بهذه الأحكام أن الإسلام دين العمل، إنه يأمر أهله بالعمل لصالح الدنيا وبالعمل لصالح الآخرة. وهذه الأحكام وشمولها من خصائص الإسلام.
стр. 913
الفصل السابع
الإسلام مؤسس الأخوة
من الأخوة ما يكون بين شخصين برابطة الدم، ولسنا في حاجة إلى توضيحها في هذا المقام، ويعترف في هذه الأخوة بحق الأخ من ناحية القانون والعرف والأخلاق، ويكون الأخ مجبولا على عون أخيه منذ طفولته ومع هذا لا يكون نطاق هذه الأخوة جد واسع، إذ توجد في التاريخ أمثلة كثيرة لمعاداة أخ لأخيه بحيث لا تصفو العلاقة بينهما طول العمر. أوردت التوراة كما أورد القرآن الكريم قصة قابيل وهابيل التي تبين أن قتل النفس الإنسانية بدأ بين أخوين.
وهناك أخوة أخرى تقوم على وحدة العقيدة، وهذا هو ما نقصده هنا في هذا الفصل.
إن الأخوة التي تحققت بين المسلمين بفضل النبي (ص) أعلى وأرفع، ومن العبث أن نبحث لها عن نظير في تاريخ العالم، فإن السماء والأرض عجزتا عن الإتيان بنظيرها، وتحقق العمل بالمؤاخاة في مكة والمدينة كليهما. وكان الهدف منها في مكة إيجاد الرابطة بين الصحابة، والنصرة على الحق، والمواساة، بينما كان الهدف منها في المدينة إيجاد الوحدة بين الأصحاب المكيين والأصحاب المدنيين. وكان أساسها توسيع دائرة الحب ودعم أواصر المودة.
مؤاخاة مكة
محمد رسول الله (ص) ...علي بن أبي طالب
أبو بكر الصديق...عمر الفاروق
حمزة بن عبد المطلب...الزبير بن الحارثة
الزبير بن العوام...عبد الله بن مسعود
عثمان بن عفان...عبد الرحمن بن عوف
стр. 914
مؤاخاة المدينة
بعد الهجرة بخمسة أو ستة شهور، في تلك الأيام كان المسجد النبوي في طور البناء، تم عقد المؤاخاة بين مهاجر وأنصاري لتقوية القلب وشد العضد، وانعقدت المؤاخاة أولا بين خمسين زوجا من الرجال في المسجد النبوي.
ثم انعقدت بعدها في دار أنس، إذ يقول أنس: حالف بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثة.
وفي رواية ابن اسحاق أن النبي (ص) قال: ((تآخوا في الله أخوين أخوين)) ويبدو أن النموذج الذي أقامه النبي (ص) عمل به الصحابة بعده باستمرار إلى أن تم فتح مكة المكرمة وزالت الوحشة من بين القادمين من مكة مهاجرين، وفيما يلي قائمة مؤاخاة المدينة:
المهاجرون...الأنصار
١ - أبوبكر الصديق خليفة رسول الله (ص) ...خارجة بن زهير
٢ - عمر الفاروق أمير المؤمنين...عتبان بن مالك
٣ - عثمان بن عفان، أمير المؤمنين...أوس بن ثابت الأنصاري
٤ - علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين...سلمان الفارسي ورسوله الله (ص).
٥ - عبد الرحن بن عوف...سعد بن الربيع
٦ - أبو عبيدة عامر بن الجراح...سعد بن معاذ
٧ - طلحة بن عبد الله القرشي، أحد العشرة المبشرة...كعب بن مالك الأنصاري الخزرجي، شاعر النبي (ص).
٨ - سعد بن زيد بن عمرو...أبي بن كعب الأنصاري
٩ - الزبير بن العوام...سلمة بن سلامة
١٠ - زيد بن حارثة...أسيد بن حضير
стр. 915
١١ - بلال...أبو رويحة الخثعمي
١٢ - جعفر بن أبي طالب، نزيل الحبشة...معاذ بن جبل
١٣ - عمار بن ياسر...حذيفة بن اليمان
١٤ - مصعب بن عمير...أبو أيوب الأنصاري
١٥ - أبو الدرداء...سلمان الفارسي
١٦ - عبيدة بن الحارث بن المطلب...عمير بن حمام بن جموع
١٧ - زيد بن خطاب...معن بن عدي العجلاني
١٨ - وهب بن سعد بن أبي سرح القرشي...سويد بن عمرو الأنصاري
١٩ - أبو مرثد الغنوي...عبادة بن الصامت الأنصاري
٢٠ - ذو الشمالين عمير بن عبد عمير الزهري...يزيد بن حارث بن قيس
٢١ - عثمان بن مظعون...عباس بن عبادة الخزاعي ذو العقبتين
٢٢ - طليب بن عمير بن وهب القرشي...منذر بن عمرو بن خنيس الساعدي
٢٣ - أبو حذيفة بن عتبة...عباد بن بشير.
٢٤ - معاوية بن أبي سفيان...الحتات بن يزيد (١) ﵃.
أثر المؤاخاة: كان كل أنصاري يذهب بأخيه في الدين إلى بيته، ويعرض أمواله وأمتعته وأراضيه الزراعية والسكنية، ثم يقسمها قسمين، له ولأخيه.
فذهب سعد بن الربيع بعبد الرحمن بن عوف إلى بيته، وكانت له زوجتان فقال لعبد الرحمن اختر إحداهما حتى أطلقها فتتزوجها (٢).