← История

История · id 14329

المرآة

حمدان خوجة

Полный текст (260 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقام علي (٧)، وهو رجل مجهول ومعتوه، فاغتنم هذه الفرصة وجمع الجيوش ثم استولى على مقاليد الحكم في الجزائر. وعندما تولى الحكم، قام الداي علي هذا بثورة شاملة في نظم الإيالة القديمة. كما أنه ارتكب عددا من الجرائم ونفى كثيرا من الناس. وذات يوم، أمر سكان مدينة الجزائر ان يغلقوا أبوابهم في ساعة مبكرة، وأمر كذلك بغلق الثكنات، ثم جمع عددا كبيرا من البغال حمل عليها، ليلا، جميع كنوز الجزائر التي كانت في محلات الباشا القديم، ونقلها الى القصبة التي انتقل إليها مصحوبا بالجيش يحافظ على شخصه، وفي الصباح أعلن عن هذا التغيير بطلقات مدفعية. وخلال مدة ولايته التي لم تدم سوى ستة أشهر، ساءت أحوال الدولة الى أقصى درجة. وأثناء نقل الثروات الى القصبة، وقع كثير من النهب قام به وزراؤه وأعضاء حاشيته. وقد مات علي بالطاعون في مقر إقامته الجديد، ولو انه عاش لتسبب في خراب الايالة ما في ذلك شك. وكان أعداؤه الذين كان يضطهدهم هم أنصار عمر باشا. ولم ينج من هؤلاء الأنصار سوى حسين خوجة الذي عينه خزناجيا، وفيما بعد رفعه الى مرتبة خوجة الخيل. وقد دهش الجميع عندما رأوا ان حسين الذي كان من المقربين لعمر، يحظى بمثل تلك التقديرات من علي باشا. وحقيقة فإن حسين - من بين

стр. 107

الشخصيات التي كانت تحيط بذلك الداي - هو الوحيد الذي كان نزيها وذا أخلاق فاضلة، أما الآخرون، فإنهم لم يكونوا سوى مغامرين. وعندما توفي علي باشا هذا، اجتمع الديوان لاختيار الملك، فوقع اختياره على حسين الذي كان آخر باشوات الأتراك قبل الغزو الفرنسي. ولقد ارتكب الأتراك خطأ فادحا عندما تركوا السلطة المطلقة بين أيدي الباشوات، لأن ذلك جرد الديوان من كل قوة وسلطان وجعله كلا شيء، في حين أنه أنشىء لمراقبه أعمال الباشوات ومساعدة الحكومة عن طريق تزويدها بالنصائح. ولم يعد يطلب من أعيان البلاد آراؤهم، كما ان أهم المناصب في الدولة والوزارات ووظيفة خوجة الخيل لم تعد تعطى إلا للأتراك لأن الكراغلة طردوا من الحكم على الرغم من أنهم كانوا فروعا لهؤلاء الأتراك أنفسهم. وفيما يخص الكراغلة، سأروي حادثة تاريخية كانت هي السبب في إبعادهم: ففي حوالي سنة ١٦٣٠، وللاستيلاء على الحكم، وضع أفراد تلك الطبقة مشروعا يهدف إلى طرد الأتراك (آبائهم وأجدادهم) الذين كانوا يحكمون البلاد. ولهذا الغرض اجتمعوا في حصن الامبراطور. وعندما علم الأتراك بهذه المناورة فكروا. لإحباط المشروع ; في ان يلبسوا عددا من العمال الذين يدعون بني ميزاب ملابس نسائية، ولما تدثر هؤلاء بالملاحف أخذوا أسلحتهم والذخيرة في شكل متاع مستورد، ثم تقدموا الى مدخل الحصن وكأنهم نساء هربن من جور الأتراك. وبمجرد ما دخل أولئك الرجال الحصن وهم تحت ذلك القناع، هاجموا المتمردين بمساعدة فوج كان يتبعهم عن كثب، فأخضعوهم وأحبطوا مشاريعهم. وعلى اثر هذا الحادث،

стр. 108

وبما ان الأتراك لم يكونوا قادرين على ان يطردوا ذريتهم من البلاد، فانهم قرروا فقط، عدم السماح للكراغلة بشغل المناصب السامية. وقد عزل كل من كان يشغل منهم وظيفة حساسة في ذلك الحين. وهكذا، اذن، فان كل كرغلي يصل الى المرتبة السابعة، كان يعزل، وبهذه الكيفية لم يكن لأي واحد منهم ان يشتغل في البلاط. وان الترجمان الذي هو مترجم البلاط، أو أمين اللغات الأجنبية (وهي وظيفة هامة جدا) وكتاب الدولة، كلهم كانوا يختارون من بين العرب لا من الكراغلة كما ان مراقب المؤاسسات الخيرية التابعة لأملاك مكة والمدينة، كان يعين من بين العرب. وقد استمر هذا الحقد من الأتراك على أفلاذ أكبادهم مدة قرنين تقريبا. وهؤلاء الكراغلة كثيرو العدد، وموزعون على كامل أنحاء الايالة، وخاصة في المكان المسمى وادي الزيتون الواقع في سفح جبل فليسه، ويعتقد أنه يوجد منهم في هذا المكان وحده ما بين ٨ و ١٠ آلاف محارب. ومعظمهم كان يأخذ أجرا من الدولة، وعلى الرغم من إبعادهم، فانهم ظلوا يتقاضون رواتبهم خوفا من إثارة سخطهم. وبعد ذلك فكر الكراغلة في استعطاف آبائهم ونيل رضاهم، ثم قاموا بإحضار جنود آخرين، على نفقتهم، وسجلوا أبناءهم كمتطوعين في الميليشيا. والكراغلة الذين كانوا يتقاضون أجورا من الدولة، والذين كانوا موزعين على مختلف أنحاء الإيالة، لم يكونوا يستطيعون الحضور، شهريا، كما هي العدة، لتقاضي مرتباتهم، ولذلك كانت جماعة من اليهود تسبق لهم رواتبهم السنوية مقابل وكالة تسمح لهم بأن يقبضوا - باسمهم - ما لهم

стр. 109

في ذمة الدولة. وفي العادة، فان هذه التسبيقة لا تكون في شكل نفود، وإنما تدفع في شكل بضائع وبالفائدة. وقد كان هؤلاء الرجال دائما في وضعية تجبرهم على قبول التسبيقات مهماكانت الشروط. ولكن، لو ان واحدا منهم يموت قبل نهاية السنة، ولم يترك وراءه شيئا، فان اليهودي، يخسر المبالغ المسبقة. وكانت قوانين الإيالة تسمح بهذا النوع من المعاملات وعندما قام الفرنسيون بغزو الجزائر توقفت أجور هؤلاء الكراغلة، وضاع الضمان المثمثل في الحكومة التركية بالنسبة لكل من كان مقرضا لهؤلاء الرجال، ذلك ان الفرنسيين لم يكونوا يدفعون الاجور للكراغلة. وعندئذ اجتمع اليهود وأرسلوا اعتراضاتهم إلى السيد المارشال بورمون يطلبون منه أن يدفع ذلك الدين المترتب على الدولة. وقد رفض المارشال التسليم لادعاءاتهم. إنهم كانوا يريدون الحصول على ديونهم من موارد المؤسسات الخيرية المخصصة للاعتناء بالثكنات التي تقوم في هذا البلد مقام دار العجزة والمقعدين في فرنسا لانها لم تكن آهلة إلا بالجنود المقعدين وبأرامل الجنود وأيتامهم وهؤلاء المقعدون هم وحدهم الذين لهم الحق في المطالبة بالمعونة من تلك المؤسسات. أما مطالب اليهود الناتجة عن ديون وقع التعاقد عليها مع جنود يعملون ويتمتعون بصحة جيدة، فإن وفاءها لو تم من صندوق تلك المؤسسات لشكل خرقا للترتيبات التي وضعها منشؤ تلك المؤسسات. وعندما رأى اليهود أنهم لن يحصلوا في الجزائر على أي شيء يرضيهم من الولاة الفرنسيين وجهوا مطالبهم إلى باريس قصد الحصول على المبلغ الذي هم به دائنون وأنني أجهل ماذا كانت نتيجة مطلبهم.

стр. 110

ولقد جاءني عدد من هؤلاء اليهود يسألونني رأيي فيما يخص مطالبهم وليعرفوا ماذا أفكر في مثل تلك المطالبة. وكانت إجابتي كالآتي يا أصدقائي ليس لكم أي حق في مطالبة الفرنسيين وليس في إمكانكم إلا أن تلتمسوا من تلك الحكومة لنمنحكم عطفها ومساعدتها، وأنني لا أشك في أنها ستستجيب لرغبتكم عندما تعرضون عليها أوضاعكم. ولكي أعود إلى ذلك الشقاق الذي كان موجودا بين الأتراك والكراغلة أقول انه منذ أن وقع الحادث المفصل أعلاه تكون حاجز بين الطائفتين بحيث أن الأتراك أصبحوا لا يستفيدون من علوم أبنائهم ولا من نفوذ ما لهم من أقارب في البلاد وقد كان حذر الأتراك شديدا إلى درجة أنهم لو أسدى لهم الكراغلة النصائح ولو كانت مفيدة لهم لنظروا إليها كحبائل منصوبة لاقتناص حسن نيتهم وإذا ما علموا أن هناك اجتماعا يعقده الكراغلة في مكان ما فإنهم كانوا يرسلون إليهم جواسيسهم تنظر هل يشتغلون بالسياسة وينتقدون بعض أعمال الحكومة أو حتى الحياة الخاصة للأتراك، كما أن الكراغلة كانوا يراقبون خشية أن يحدث بينهم وبين بعض الأعيان في داخل البلاد نوع من التفاهم بقصد الاستيلاء على الحكم، وعندما يكتشف الأتراك أنهم يضمرون لهم نوايا سيئة، بل عندما يخامرهم أدنى شك في ذلك، فإنهم كانوا ينفون قادتم ويفرقون اجتماعهم. وأخيرا لقد بلغت الإهانات التي كانت تسلط عليهم إلى درجة أن سكان الجزائر من كراغلة وغيرهم لم يعودوا يهتمون بالسياسة لا في اجتماعامم، ولا امام الملأ، ولا في مجتمعاتهم الخاصة. ومما يحدث أحيانا أن بعض الأشرار كنوا إذا ما أرادوا الانتقام يتهمون الشخص الذين يبغون هلاكه

стр. 111

بأنه يشتغل بالسياسة ولقد قضى هذا النوع من المراقبة على بذور الكفاءة عند رجال هذا البلد وخلق في المجتمع حذرا عاما استمر حتى مجىء الفرنسيين، وهذا الانحلال هو الذي جعل السادة الولاة يستطيعون القيام بأعمال تعسفية أو يتفننون في تطبيق الأحكام الجائرة دون أن يجدوا أناسا لهم من الشجاعة ما يمكنهم من التشهير بسلوكهم أمام الجمهور ومن أعلام الحكومة الفرنسيين بما هم عليه. ومن جهة أخرى فإن نصائح الغذر التي كان يسببها اليهود قد ساعدت على أن يتزايد الطغيان ويبلغ منتهاه، وعلى أن تنشأ فكرة مشوهة عن طبائع سكان الجزائر الذين يرزحون تحت نير الاستبداد. وفيما يخصني ووفاء مني للحكومة الفرنسية ولصالح قضيتها، فإنني قد حاولت أن أعرف بطبائع تلك الأمة الحرة وكذلك بالشعور النبيل الذي تتحلى به حكومتها التي لن توافق أيضا على أساليب الجور اللاسياسية والمناهضة للقوانين وبناء على هذا الاحتراز من الكراغلة والذي تكلمنا عنه أعلاء وضع الأتراك ثقتهم في اليهود لأنهم لا يخشون منهم الاستيلام على الحكم. وأقام سكان الجزائر من جهتهم حاجزا بينهم وبين الأتراك وأبدوا تحفظا شديدا إزاءهم بحيث لو طلب الأتراك من الجزائريين إبداء آرائهم لما افصحوا لهم عما يدور في أنفسهم. هذه هي الأسباب التي قضت على الديوان وعلى الشورى في الأمور. وهكذا، فإن اليهود قد ارتبطوا بالأتراك من أجل المصلحة وقد جمعوا في تلك الظروف أموالا طائلة. وسأذكر اليهودي بكري الذي كان أخوه ميخائيل يملك عندما قدم إلى الجزائر حانوت عطار صغيرة يبيع فيها الخردوات بالتفصيل. وكانت هذه الحانوت تقع في نواحي باب عزون. ومنذ تلك الفترة ارتبطت

стр. 112

محلات بكري هذه بمصالح حسن باشا ومصطفى باشا، واستطاعت أن تحصل على ثروة تقدر بالملايين وسأروي واقعة واحدة تستطيع أن تفسر الكيفية السريعة التي تمكن بها أولئك اليهود من جمع تلك الثروات: لقد قدم باي قسنطينة (٨) كالعادة إلى مدينة الجزائر. ولما أراد أن يقدم هدية ثمينة إلى زوجة الداي توجه إلى يهودي يدعى نفتالي أبو جناح، شريك بكري، لشراء حلية نفيسة، فأحضر له سرماطا مرصعا بالماس تقدر قيمته بستين ألف بياستر (٣٠٠،٠٠٠ ف) فاشتراه وبما أنه لم يكن يملك المبلغ نقدا، فقد تعهد بأن يدفع بدلا من تلك القيمة كيلات من القمح يقدر ثمن الواحدة بأربعة فرنكات، وتزن أربعين كلغ. وبعد الحصاد، أرسل (البكريون) مراكب تشحن كمية من القمح قدرها خمسة وسبعون ألف كيلة نقلوها إلى فرنسا وكان ذلك أثناء الحصار الإنكليزي، فباعوها بخمسة فرنكا للكيلة الواحدة التي لم تكلفهم سوى أربعة فرنكات، وهكذا افادوا من تلك الشحنات ثلاثة ملايين وسبعمائة وخمسين ألف فرنك ويقال إن الحلية صنعت في باريس ولا يبلغ سعرها إلا ثلاثين ألف فرنك وبما أن أحد شركائهم لم يستفد من هذه الصفقة في حين أنه هو الذي أرسل الحلية من باريس فإنه قدم إلى الجزائر يطالب بحصته ولكنه لم ينل شيئا. ولقد حصلت على هذه التفاصيل من ذلك الشريك نفسه. وهذه الأموال هي المصدر، وأحد الأسباب الرئيسية للحرب التعسة بين فرنسا والجزائر ولسقوط حكومة الأتراك في هذا الجزء من أفريقيا. هذه هي، إذن، الكيفية التي جمع بها وبأمثالها أولئك اليهود ثروتهم على

стр. 113

حساب جميع سكان الإيالة. وقد كانوا يحظون بجميع منافع ذلك الاحتكار، في حين أن تلك التجارة كانت تمنع علينا ولا نستطيع التمتع بما ينتج عنها من منفع ; لأننا لا نستطيع الشراء بنفس الأسعار التي يشترون بها هم. وفي تلك الفترة سمعت أحد البولكباشيين يقول - وقد كان قائدا للحامية التركية في عنابة - إن كمية القمح التي صدرت إلى أوروبا في تلك السنة كانت تقدر بست وتسعين شحنة. وبما أنه كان يتقاضى رسما عن كل باخرة تحشن قمحا، فإن تصريحه جدير بالتصديق، ولا أشك في صحته. وقد كان ذلك الرسم يقدر بمربع ذهبي أو بثمانين فرنكا. وفي نفس تلك السنة وقع تصدير مائتين وأربعين ألف صاع قمحا من ميناء وهران، ولم تزد كلفة الصاع. الواحد عن ست فرنكات بالنسبة لأولئك اليهود الذين كان البايات مجبرين على إرضائهم نظرا لأنهم كانوا يحظون برعاية الباشا. وعلى هذا الأساس، فإن عددا قليلا من السنوات كان كافيا للقضاء على جميع ثروات بلدنا الجليل. وفي سنة ١٨٠٠ أصيبت الجزائر بمجاعة كبرى، ووقعت الحاجة إلى الأقوات، فأمر الداي لتموين البلاد، بالذهاب إلى موانئ البحر الأسود لشراء القمح. وقد بيع ذلك القمح بثمانية وعشرين فرنكا للصاع الواحد وعلى الرغم من ذلك كان لا بد من تنصيب الجنود عند باب كل مخزن. ونستطيع، أيضا، أن نقول بأن اليهود، الآن، قد وجدوا نفس الحظوة لدى الفرنسيين. إنهم قد حصلوا على إمتيازات هذا النوع من الاحتكار ولكن الفوائد ستكون أقل بكثير، وذلك بسبب الوضع الذي توجد فيه الايالة.

стр. 114

الفصل الثالث عشر عن داخل الإيالة، وبعض الملاحظات حول حسين باشا آخر دايات الجزائر بعد أن قدمت ما أمكنني من تفاصيل حول تأسيس الحكومة التركية في الجزائر والقواعد التي تقوم عليها، وكذلك التجاوزات والأسباب التي أدت إلى انحطاطها، آخذ القلم، الآن، لأفسر عظمتها في داخل الإيالة. كان أول ما يهتم به البايات، عندما ينصبون، هو العمل على تحقيق أمن الطرقات حتى يستطيع الضعيف أن يتنقل من مكان لآخر دون أن يحتاج لحماية القوات المسلحة. وكانت كل قبيلة مجبرة على مساندة ذلك الإجراء لكي يستتب الأمن بينها وبين جاراتها. وإذا وقع قتل، فإن أعيان المنطقة التي وجدت فيها الجثة يصبحون مسؤولين عن القاتل، ويتحتم عليهم أن يبحثوا عنه، وإن لم يفعلوا يكونوا مجبرين على دفع ضريبة قدرها ألف سلطاني (١٠ آلاف فرنك) يوزع هذا

стр. 115

المبلغ على ورثة الشخص المقتول. وإذا لم يكن له ورثة نقل إلى صندوق بيت المال. وبفضل استتباب الأمن هذا اكتسب البايات عظمة هائلة وغزوا تونس مرات عديدة، مع أن تونس أقدم من الجزائر ومن الصعب الاستيلاء عليها. وتونس لا يمكن أن تؤخذ إلا بالتفاهم مع قادتها أنفسهم، ويكون ذلك عندما يوعدون بتخلصهم من الظلم المسلط عليهم، وباستبدال ملكهم بملك آخر من اختيارهم. بهذه الطريقة، استنطاع الجزائريون أن يفتحوا تونس. وقد كانوا دائما يفون بما يقدمونه للتونسيين من وعود. ولقد قدم الفرنسيون أيضا وعودا عندما فتحوا الجزائر لكنهم لم يعملوا أبدا على إنجاز الالتزامات التي تعهدوا بها والتي كانت موضوع بياناتهم تلك البيانات التي وزعت في كامل أنحاء الإيالة , ولقد رأيت عددا منها عند القبائل عندما قمت برحلتي إلى قسنطينة؛ ولقد شهدت بهذا الصدد، أكثر من مناقشة. إن هؤلاء السكان يقولون بأن الفرنسيين قد انتهكوا حقوق الشرف عندما أخلوا بالتزاماتهم، وان المسيحيين كلهم لا يختلفون عنهم، ولا يمكن الاعتماد على وعودهم. وآخر غزوة شنها الجزائريون على تونس وقعت سنة ١٧٥٤ (١). كانوا يريدون أن ينصبوا على رأس الايالة أحد أبناء أخوة بايها (٢)، كان في مدينة الجزائر ويدعى علي باي. ولقد حوصرت مدينة تونس ثم وقع الهجوم عليها

стр. 116

وقد إرتكب - في تلك الأثناء - جرائم تشمئز منها الإنسانية وتدينها. وعندما وقع تقتيل قبيلة العوفية، فإن السيد الدوق دوروفيكو قد ارتكب جرائم مماثلة للتي ذكرناها: لقد ذبحت النساء والأطفال، وقطعت الآذان للاستيلاء على الأقراط المعلقة بها؛ ولم يكن الهدف من كل تلك الجرائم إلا الجشع والنهب. ومثل تلك الاعمال الوحشية تسيل دعوعا من الدم. وهكذا، إذن، ثم تنصيب علي باي كبباشا لتونس، وأبرمت معه معاهدة مخزية له، من جملة شروطها ألا يسلح حصن الكاف الذي هـ عبارة عن ممر ضيق منيع يقع في الحدود الفاصلة بين المملكتين. ومن الشروط، أيضا أن العلم الوطني عندما يرفع، لا ينبغي أن يكون إلا في وسط الصاري. وعندما يصل أحد مراكب الدولة الجزائرية إلى ميناء تونس، فإن قائد ذلك المركب هو الذي يتولى قيادة الميناء طوال المدة التي يقيمها فيه، أما وكيل الجزائر أو المكلف بشؤونها ووكيل باي قسنطينة فإنهما يحترمان كما يحترم سفراء البلاطات الأوروبية. وزيادة على ذلك، فقد تعهدت إيالة تونس بأن ترسل كضريبة سنوية حمولة سفينة من الزيت وعددا كبيرا آخر من الهدايا التي تصنعها أو تستوردها (٣). وعاد ذلك الجيش المنتصر إلى الجزائر محملا بكنوز ثمينة. ومنذ ذلك الحين، صارت تونس تعتبر تابعة للجزائر، وقد احترق التونسيون

стр. 117

غيظا من سلوك الجيوش الجزائرية تماما كما يفعل الجزائريون اليوم من سلوك الجيوش الفرنسية. لم يكن باي تونس إلا شبه ملك؛ وكان باشا الجزائر هو الذي يحكم البلاد والشعب حسب رغبته وكما يحلو له. ولذلك فإن وكيل الجزائر أو القائم بأعمالها، ووكيل قسنطينة التي هي أقرب محطة لإيالة تونس (وقايدان) القراصنة، كانوا يقومون بتجاوزات دون أن يعاقبوا عليها أبدا. وإن كل إنسان يريد التخلي عن سمعته ليجمع المال ويلعب الأدوار، ما علبه إلا أن يقدم الهدايا لأهم الشخصيات في بلاط الجزائر ليعين وكيلا في تونس وبأبسط الأسباب، كان (قايدان) القراصنة يدخل إلى الميناء ويعيث فيه فسادا ولشدة ما كانت تتكرر هذه الإهانات المتعدةة، اغتاظ التونسيون، واشتعلت نيران الفتنة بين الشعبين وعلى الرغم من أن الأشراف الذين يشكلون الأغلبية في الجزائر كانوا دائما يستنكرون مثل ذلك السلوك، فإنهم لم يستطيعوا إصلاح ما وقع من ضرر. أعتقد أن الأمر سيكون كذلك بالنسبة لجميع الفرنسيين الحقيقيين عندما يطلعون على السلوك الاستبدادي المتبع في الجزائر إزاء جميع سكانها. إنهم سياسيون لتعاستنا، ولقد رأيت منهم من كانوا يبكون عندما يحاطون علما بما نقاسيه من آلام ويحتجون أمام الملأ ضد تلك الأعمال التي لم يكن في استطاعتهم أن يمنعوها. ولقد استمر هذا الوضع مدة طويلة في تونس، لأن مبدأ هذه التجاوزات يرجع إلى سنة ١٧٩١ وهي الفترة التي كان منصب الباي فيها لا يعطى إلا بالمحسوبية كما سبق أن ذكرنا. وبما أن هؤلاء البايات كانوا يعلمون أن حكمهم

стр. 118

لا يطول، فإنهم كانوا يهتمون فقط بمضاعفة ثروتهم في أقرب وقت ممكن، وذلك على حساب الشعب، وهو أسلوب جائر يؤدي إلى إنزال الشعب إلى آخر دركة من دركات البؤس، أو إلى حمله على إشعال الثورات. عندما توفي علي، باي تونس الذي نصبه الجزائريون سنة ١٧٥٤، خلفه ابنه حمودة، وعلى الرغم من أن هذا الباي الجديد كان شابا، فقد برهن على أنه يحسن التدبير عندما اتبع بالتدقيق سياسة والده. ولقد إزدهرت تونس في عهده. وبعد سنوات من توليه الحكم، وعندما لاحظ الفوضى المستولية على حكومة الجزائر والفساد المنتشر في بلاطها؛ رأى حمودة من واجبه أن يتحلل من المعاهدات المخزية التي ظلت تثقل كاهل بلاده منذ سنوات عديدة، وذلك للتلخص من سيطرة الجزائريين. وفي سنة ١٨٠١ كنت عائدا من القسطنطينية صحبة خالي؛ فأرسينا بتونس وأقمنا فيها أسبوعا. وقد قام باي تونس المسمى يوسف خوجة وهو رجل فاضل بدعوتنا إلى بيته. وأثناء الحديث اشتكى بشدة من التجاوزات التي يقوم بها في تونس وكيل الجزائر ووكيل قسنطينة والرجال المحيطون بهما (٤) ولاحظ لنا بأنه يخشى أن تؤدي تلك التجاوزات وتهاون حكومة الجزائر وقلة مراعاتها لتونس إلى ثورة تشتعل حتما بسبب الخلاف الذي كان قائما بين الحكومتين. وعلى الرغم من أن خالي كان في خدمة الدولة، فإنه وجد ملاحظاته عادلة

стр. 119

وأكد له بأن تلك التصرفات تتنافى مع شعور الجزائريين الذين يحبون الأمن والعدالة. وبعد ذلك قدمنا إلى حمودة باشا باي تونس الذي استقبلنا بكل رعاية وحفاوة. وبما أن العادة الجارية في الشرق تقضي بأن الأجنبي الذي يأتي إلى البلاط يقدم كدكيل على الاحترام، بعض الهدايا، وبعض الأشياء من بلاده مقابل هدية يقدمها له. وتكون دائما أثمن بكثير مما جاء به، فإن حمودة باشا كان يعتقد أننا سنقوم نحوه بتلك اللياقة، ولذلك أعد لنا هدايا نفيسة كان المقصود منها؛ أيضا، أنها ستجعلنا ندافع، بطريقة غير مباشرة، عن شكاياته لدى حكومة الجزائر. ولكننا لم نقدم له شيئا لأنه لم يكن من اللائق بنا أن نقبل مثل تلك الهدايا، واصلتنا بقنا إلى الجزائر. وبعد ذلك بمدة قصيرة أحجم باي تونس عن إرسال شحنة الزيت التي تعود بعثها إلى الجزائر. وقد فعل دلك ليعلن عن بداية اللامبالاة، والإرادة السيئة. وبمجرد ما ورد النبأ إلى الجزائر اغتاظ الداي أحمد باشا غيظا شديدا لذلك السلوك الذي كان نوعا من القطيعة وخروجا عن الطاعة. والجدير بالذكر أن باي قسنطينة (٥) في تلك الفترة كان شابا بدون تجربة وأن الأتراك لم يكونوا متفقين أتم الاتفاق فيما بينهم.

стр. 120

ولذلك أراد حمودة باشا أن يغتنم تلك الفرصة، فأرسل جيشا هاما إلى قسنطينة حاصرها مدة سبعة عشر يوما. وهوجمت المدينة، بالمدفعية والقنابل، ولكن سكانها أبدوا مقاومة مستميتة إلى أن جاءتهم النجدة من مدينة الجزائر لأنهم كانوا يعرفون حق المعرفة كيف كان تصرفهم في السابق مع تونس ومتأكدين من أن هؤلاء الأخيرين لن يعاملوهم بالحسنى لو انتصروا عليهم. وبالفعل لم يلبث الآغا أن اقترب على رأس أحد الجيوش وهزم الجيش التونسي، ثم رجع إلى الجزائر ومعه خمسمائة أسير من الونسيين. وكان أحمد باشا عبدا لهواه وقاسيا، فأمر بخنق ذلك الآغا الذي عاد منتصرا واستولى على ثرواته. وعين بعدها ابن أخيه ليخلف من أقدم على التضحية به؛ ثم نظم جيشا آخر ضد تونس وأرسل مبلغا هاما من المال إلى قسنطينة لسد حاجيات الحرب. عند ذلك قام الأتراك المكونون لحامية قسنطينة بثورة، وقتلوا باي تلك المقاطعة وكذلك الآغا الجديد الذي هو ابن أخ الباشا. ولما رجعوا إلى الجزائر أشعلوا ثورة أخرى فقتل أحمد باشا وجيء بعلي باشا في مكانه (٦). ولم يلبث هذا الباشا الجديد أن سير جيوشا برية وبحرية ضد تونس، ولكنه كان دائما يفشل في خططه، وكانت محاولاته في ذلك الميدان بدون جدوى. ولكي يكون المشروع صالحا وقابلا للتنفيذ يجب أن يسير كما ينبغي وأن يكون أساسه العدل والإنصاف. ولقد كان الجزائريون، أثناء غزوتهم الأخيرة لتونس، قد ارتكبوا، كما ذكرنا، أعمالا تعسفية وإجرامية كثيرة بحيث أنها لم تنمح من

стр. 121

أذهان التونسيين الذين - بدلا من أن يستسلموا - أعلنوا أنهم يفضلون الموت عن آخرهم. ومؤخرا، لقد أصدر التونسيون نفس الجواب عندما أرادت سردينيا أن تغزو بلادهم. وأذكر في هذا الصدد رسالة كتبت في تونس ونشرت في جريدة (لاتريبين) يوم ٢١ ماي ١٨٣٣ وكانت كالآتي: (إن جميع الأفريقيين، الذين يسكنون نفس القارة، من بدو وقبائل قد شاهدوا ما جرى أخيرا، في الجزائر، ورأوا ما قام به الولاة الفرنسيون من تجاوزات، ولذلك؛ وبدلا من أن ينخدعوا بالكلام المعسول، فإنهم يفضلون الحرب إلى أن يموتوا عن آخرهم). وهكذا، أيضا، عقد التونسيون العزم على أن يدافعوا عن أنفسهم ضد الجزائريين. ومن أكبر التجاوزات التي وقعت في عهد حكومة الأتراك بالجزائر هو إعطاء منصب الباي لأشخاص بلا مروءة ولا كفاءة. وهكذا عين المسمى مصطفى بايا على وهران، وكان حظيا للخزناجي ومن صنائعه. وللحصول على ذلك المنصب كان قد وعد بتقديم مبالغ ضخمة من المال. ولم يكن لذلك الرجل أية علاقة بالمشائخ كما أنه لم يكن يعرف أنحاء تلك المقاطعة. وميزته الوحيدة تتمثل في نهب الشعب، وإرسال أسلابه لمجيره. وعلى أثر هذه الأوضاع السيئة غضب الشعب وثار، وكان على رأس الثورة المسمى، درغاوي، وقد استولى الثوار على معسكر بعد حصار قصير، ثم ساروا ضد وهران وحاصروها. وعندما رأى مصطفى باي استحالة صد ذلك الجمهور من الناس ومحاربته،

стр. 122

سدم أبواب المدينة وركز قواته وراء الحيطان، ثم أخبر الجزائر بالحادث عن طريق البحر. وضبطت الحكومة أمرها لاسترجاع السلطة وإقرارها، فأخمدت الثورة، لا بالقوة وإنما بالاعتدال. وعينت بايا آخر قوي النفوذ في أوساط الشعب وله علاقات ودية وروابط قرابة مع مختلف المشائخ. وبالإضافة إلى ذلك، كان ابنا لابن قاره محمد الذي انتزع وهران من الإسبانيين. ولكن الطرق بين الجزائر ووهران كانت مقطوعة، فاضطر الباي الجديد إلى المجيء لوهران عن طريق البحر. وبمجرد ما وصل فتح أبواب المدينة وخرج إلى الدرغاوي بنفسه على رأس الجيش؛ ولما انضم إليه أنصاره هزم المتمردون ووقع تشتيتهم. كان هذا الباي الذي خلص وهران من المتمردين ذا كفاءة ومروءة. وقد ساعد وجوده في تلك المقاطعة على تحقيق الأمن العمومي. وعلى الرغم من ذلك فإنه عزل بعد سنوات قليلة، وقتل ليخلفه نفس مصطفى الذي كان بايا قبله، والذي لم يكن له من فضل إلا رعاية الخزناجي له كما سبق أن ذكرنا. ذلك. وبعد ذلك بمدة قصيرة عين مصطفى خزناجيا، وخلفه في تلك المقاطعة ديلي باي شقيق قاره محمد باي. ونفس هذه الأعمال قد تعرض لها بايات قسنطينة. ومن جملة ما نتح عنها ظهور أحد المغامرين على رأس حزب من المتمردين، يسمى ذلك المغامر:

стр. 123

ابن الأحرش (٧)، وقد أقام مقر قيادته في نواحي بجاية ليتمكن من التحصن في الجبال المجاورة لتلك المنطقة. كان باي قسنطينة، في ذلك الحين، هو عثمان بن قاره محمد. ولما أراد هذا الباي أن يطبق أحد مبادىء السياسة القائل بأن الجسم لا ينتصر عليه إلا عضو من أعضائه أو جزء من أجزائه، فإنه عمل على الاتفاق مع قادة القبائل، فوعدهم بهبات كبيرة لو أنهم وافقوا على التخلي عن رئيس المشوشين وخانوا قضيته. ولكنه فشل في محاولاته وذهبت مجهوداته أدراج الرياح. لم يكن عثمان باي من صنيعة الخزناجي، ولذلك وسوس هذا الأخير للداي بأن سبب الثورة هو ذلك الباي الذي لم يخمدها لأنه كان متفقا مع المتمردين. وقد نتج عن هذا التدخل أن أرسل الداي للباي برقيات شديدة اللهجة ووليدة الغضب، يسأله فيها أن يعترف بعجزه أو أن يبعث له برأس الفتنة. ولم يكن باي قسنطينة قد تعود على سماع مثل هذه اللهجة، ولذلك فهم بأن روحا شريرة قد تدخلت في الموضوع، وأن تلك الروح هي خصمه الخزناجي. وعلى أثر ذلك الأمر الملح والمهدد، خرج الباي من قسنطينة كاليائس على رأس كل ما استطاع أن يجمعه من جيوش، وهاجم بعنف تلك

стр. 124

الجموع المكونة من القبائل. ولكنه عندما وصل إلى ممر جبلي ضيق جدا، تعرضت له القبائل وصدته بنجاح؛ وقد كانت الطلقة الأولى موجهة إليه فأصابته. ثم هزم جيشه هزيمة نكراء بعد أن لاذ بالفرار. وسقط المعسكر، فتقاسم المنتصرون ما كان فيه من غنائم. وقد أسر، في تلك الظروف، كثير من الأتراك، مضى زمن طويل قبل أن يتمكنوا من الفرار أو من أن يطلق سراحهم. وعندما تولى الحكم الحاج علي باشا (٨)، كانت مقاطعة قسنطينة في بؤس شديد، وكانت الزراعة تكاد تكون معدمة. وهذا الوضع هو عكس ما كان موجودا في غربي البلاد. ففي تلك الأثناء، أراد ذلك الباي أن بغزو تونس؛ وعين لرئاسة الجيش دالي، باي وهران، لا لأنه كان يعتمد على قوته، ولأن جيشه كان منظما كما ينبغي وعلى أحسن ما يرام فحسب، ولكن لأن ذلك الباي كان رجلا يعترف الجميع بكفاءته. ولكن، بما أن دالي باي كان يعرف جيدا مصدر الحقد الموجود بين الشعبين، وان التونسيين يفضلون الموت عن آخرهم بدلا من الاستسلام للجزائريين، وبما أنه كان يخشى، كذلك، أن تحدث الاضطرابات في مقاطعة وهران بعد أن يغادرها، فإنه رفض - لكل هذه الأسباب - قبول القيادة التي عرضت عليه. ولم يكن الحاج علي باشا ليتفهم مثل هذه الأسباب، وعلى العكس، فقد ألح بشدة على أن يسير الباي ضد تونس واعدا إياه بأنه سيترك له كنوز تلك الإيالة، وبأنه سيحظى بشرف النصر. وليثير نعرته كتب إليه الداي قائلا:

стр. 125

(إنك كرغلي، وباي تونس أيضا كرغلي؛ فأنت، إذن، لا تريد أن تلحق الضرر بأخيك. إنك تفضل عصياني على أن تحاربه). ولما رأى ذلك الباي استحالة السير ضد تونس، وتأكد من أن الداي سيعاقب عصيانه، عقد العزم على إعلان الثورة؛ وليحصل على السلم شوش ومنع جميع الطرق التي تصله بالجزائر. ولكي ينتقم، سير الحاج علي باشا جيشا، ضد وهران، تحت قيادة عمر آغا (٩). وقد تحققت رغبة ذلك الطاغية بكل نجاح، واضطر الباي المسكين إلى الاستسلام للجيش فحكم عليه بالإعدام. كما أن زوجته وأطفاله قد تعرضوا لمعاملة سيئة، ثم حملت جميع ثرواته إلى الجزائر وعين باي آخر في مكانه. لقد تكررت مثل تلك التعيينات إلى أن تولى حسن باي الذي سلم وهران للفرنسيين. وكان حسن باي هذا صهرا لباي وهران القديم: دالي باي. وقد ساهمت هذه القرابة مساهمة كبيرة في ازدهار تلك المقاطعة. واستطاع حسن، على وجه الخصوص، أن يطبع إدارته بالاعتدال طوال الأربعة عشر عاما التي دامها حكمه. كان ذلك الباي يحكم بعطف أبوي، فلا يفرض على الشعب إلا ضرائب قليلة ولا يستعمل العنف ضده أبدا. ولأجل ذلك ازدهرت المقاطعة إزدهارا كبيرا وكان السكان يعترفون له بالجميل.

стр. 126

وعلى الرغم من أننا ذكرنا بأن الأتراك كانوا قد قرروا أل يرفعوا واحدا من الكراغلة إلى رتبة باي، فإن الضرورة، وحب الحرية والاعتدال الذي يميز حسين داي قد جعلاه يعين الحاج أحمد على قسنطينة، وهو ما يزال، إلى يومنا هذا يشغل ذلك المنصب. وقبل أن يكون بايا; كانت مقاطعته فقيرة؛ والأراضي مهملة إلى درجة أن السكان لم يكونوا قادرين على تسديد الضرائب القليلة التي لا تدفع، مع ذلك، إلا كل ثلاث سنوات. وإنني أذكر، عندما قدم باي قسنطينة بنفسه إلى الجزائر، أن الباشا كان - لكي يخفي فقر تلك المقاطعة - قد أرسل له سرا ومسبقا مبلغا من المال ليتمكن، عند وصوله، من أن يحضر كما جرت العادة وبكيفية مشرفة. وهكذا، إذن، فإن الحاج أحمد باي قد عين في قسنطينة لأجل كفاءته واستحقاقه، والدليل على ذلك أنه عرف كيف يبقى حتى بعد سقوط الحكومة التركية، كما أنه عرف كيف يكون لنفسه ثروات طائلة بفضل ارتباطاته مع مختلف القبائل. وسأعطي، حول ذلك، تفاصيل أكثر دقة عندما أتكلم، فيما بعد، عن الرحلتين اللتين قمت بهما إلى قسنطينة. لقد بدأت تجاوزات الأتراك والفوضى الناتجة عن عزل البايات سنة ١٧٩١، واستمرت إلى غاية ١٨١٨ وهي السنة التي وصل فيها حسين باشا إلى الحكم. وحسن باشا هو آخر داي تركي في الجزائر. وينتمي هذا الرجل الفاضل إلى أسرة كريمة، كما يتمتع بثقافة واسعة. وقد خدم الإيالة أكثر من ثلاثين سنة.

стр. 127

وبما أنني أعرف طبعه؛ فإنني أستطيع القول بأنه من ذلك الأصل التركي العريق، أي أنه شريف النفس كريمها. ولا أعتقد أن هناك من يستطيع إتهامه بالطمع. فقد حرص دائما على عدم إراقة الدم البشري، ووفاؤه فيما يخص القيام بالالتزامات معروف في كامل أنحاء أوربا. ولما أنه لا يوجد بلاط واحد اشتكى من أن حسين باشا قد خرق المعاهدات التي أبرمها سواء مع القوي أو مع الضعيف، فإنني متيقن من أنه، بهذا الصدد، سينصف كما ينبغي. أما عن تلك الحرب المشؤومة التي أجبرته على ترك الحكم، فإننا سنرى فيما بعد وبالتفصيل أن الحظ إنما خانه بسبب أخطاء وكلائه والميليشيا. كما أن حاشيته كانت تشتمل على كثير من الأشخاص ممن ليس لهم مبادىء ولا تجربة ولا شجاعة. ولقد كان، أثناء ولايته، ينوي أن يعيد الأمن والانضباط إلى نصابيهما، لأنه، عندما تولى، كان قد وجد الحكومة تتخبط في فوضى يصعب وصفها. وكانت هناك تجاوزات قديمة، وجدت منذ سنوات عديدة. وللتمكن من القضاء على الشر، ولتطهير حكومة الإيالة، كان لا بد أن يتدخل الحظ، وأن تدوم ولايته مدة أطول. وإذا كان هناك ما يلام عليه، فيما يخص حكومته، فهو أنه لم يسترجع الديوان القديم ليتمكن من المداولة حول أهم القضايا، والإفادة من النصائح التي يمكن أن تصدر عن تجربة القدماء ومعرفتهم لتكون نبراسا يهتدى به. ويجب، كذلك، ان يسند إليه خطأ كونه لم يستعمل جميع الوسائل الممكنة لمنع الحرب التي وقعت مع فرنسا. ـ[انتهى الكتاب الأول]ـ

стр. 128

الكتاب الثاني

стр. 129

الفصل الأول الحرب وأسبابها إن الأصل أو الأسباب الأولى لهذه الحرب المشؤومة التي سببت بؤس جميع الجزائريين سيجعل الأجيال المقبلة تدين الفرنسيين لأنهم سمحوا بوقوع جميع الأهوال التي أصبحت الجزائر مسرحا لها، لكي لا نقول: التي سلطوها عليها. لقد كنا نعتقد أن الأفكار التعصبية الضيقة قد نسبت في القرن التاسع عشر، وإن عصر تحرر الشعوب قد حان، وإنه أصبح من المحتوم اعتبار جميع سكان المعمورة كأسرة واحدة. نقول إذن، إن أحد الأسباب الأولى لهذه الحرب هو المطالبة التي تقدم بها بكري (١) للحكومة الفرنسية فيما يخص ديون يرجع تاريخها إلى الثورة،

стр. 130

قبل عهد الامبراطورية، ترتبت عن تزويدات في مادة الحبوب كنا قد تكلمنا عنها. ولقد حددت الحكومة الفرنسية، بقرار، ثمن هذه التزويدات بسبعة ملايين من الفرنكات (٢). ولكن التسديد طال كثيرا وبقي سنوات متعددة. وكان الاعتراف باسم بكري وشريكه ميكائيل بو جناح (٣). وبما أن بكري كان مدينا لخزينة الجزائر بمبالغ هامة تمثل قيمة كميات من الصوف اشتراها من الدولة، فإنه كان يعتمد على التصفية لدفع هذا الدين وغيره من الديون التي ترتبت عليه في فرنسا. وتقدم عدد كبير من دائني بكري إلى الخزينة معترضين على الدفع وقد تعقدت التصفية نتيجة لهذه الاعتراضات. ولما رأى هؤلاء اليهود أن تسوية القضية ما زال بعيدة، شرعوا في

стр. 131

مفاوضات مهلكة. فوقعوا سندات بمائة ألف فرنك وتنازلوا عنها بعشرين ألف لأن المهم عند هؤلاء اليهود هو أن يحصلوا على الدراهم. وفي هذه الأثناء تقرب بكري من قنصل فرنسا السيد دوفال ووعده بمبلغ هام إن هو عمل على إسراع التصفية ف باريس. ويزعم البعض أنه أعطى الدراهم نقدا إلى القنصل المذكور، ويقول آخرون بأن القنصل لم يحصل إلا على الوعود. وفيما يخصني، فإنني لا أعرف شيئا إيجابيا عن هذا الموضوع، وعليه فإنني أكتفي، هنا بترديد ما سمعه من الناس. ولكنني أعرف أن كثيرا من المناورات وقعت بشأن هذه القضية حتى أن حسين باشا قرر أن يرسل بنفسه إلى الحكومة الفرنسية للإسراع بالتصفية دون أن يعلم بأن أعمال غير لائقة قد تمت في هذا الموضوع وأن السبب الوحيد الذي جعله يقبل التدخل في الأمر هو أن بكري كان جزائريا، ومدينا لخزينة الإيالة: فكان الباشا يأمل، بعمله هذا، أن يسترجع أموال الدولة. يقال، أيضا، أن نفس السيد دوفال قد ساهم، لفائدته الخاصة ولكن باسم جماعة من أصدقائه، في بعض تلك المفاوضات التي أهلكت بكري، وأنه استغل احتياج هذا اليهودي وشريكه. ويقال كذلك، أنه كان ينوي أن يستولي مع أصدقائه على مجموع ذلك المبلغ الهام الذي كانت الحكومة الفرنسية مدينة به لبكري. وبالفعل، فإن أحدا لم يستفد من الدين غير السيد دوفال وأصدقائه. ولتسهيل التصفية في باريس، ولكي تدفع الحكومة الفرنسية ذلك المبلغ احتراما للداي فإن السيد دوفال قد وعد بأنه سيحضر للعاهل المذكور المبلغ المترتب على بكري لفائدة الخزينة (الجزائرية). وعلى الرغم من أن الداي

стр. 132

سلم لدوفال البرقية التي طلبها منه، فإن شيئا لم يتم من وعود القنصل وواصل الداي بدون جدوى إرسال برقيات أخرى إلى الحكومة الفرنسية مستعملا لذلك طرقا مختلفة وبالطبع، عال صبر الداي لعدم تلقيه أجوبة من الحكومة الفرنسية جاهلا أن هذه الأخيرة لم تطلع على أي واحد من مطالبه المختلفة. لقد جرت العادة أن تقوم قناصل الدول الأوروبية المعتمدين لدى الجزائر بزيارة إكرام إلى الداي بمناسبة اليوم الأول من البيرم (٤)، وكان القنصل الإنكليزي والقنصل الفرنسي يتنافسان الصدارة في هذه المناسبات. ولذلك، ولتجنب كل مناقشة قرر الداي أنه يستقبل الواحد عشية الاحتفال والآخر في يوم العيد نفسه. وعلى هذا الأساس جاء السيد دوفال عشية عيد البيرم ليؤدي زيارته للداي بمحضر جميع أعضاء الديون. وكان هذا القنصل لا يجيد التركية إلا كما أتكلم أنا اللغة الفرنسيةء فلا يعرف معانيها ولا عبقريتها. وبعد الحفل، سأل الباشا القنصل لماذا لم تجبه حكومته عن برقياته العديدة الخاصة بمطالب بكري. فكان جواب السيد دوفال في منتهى الوقاحة إذ جاء كالآتي: (إن حكومتي لا تتنازل لإجابة رجل مثلكم). نستطيع لصالح السيد دوفال أن نقول بأن إجابته هذه كانت بسبب جهله للغة، لأن الفرنسي الأصيل لا يتلفظ بكلام بذىء مع إنسان عادي، ناهيك إذا كان ذلك الإنسان رئيس إيالة. ومما لا شك فيه أن الداي كان يمكن أن يعذر السيد دوفال لو وقع ذلك بمناسبة أخرى، ولكن هذه الكلمات، أمام ديوانه، قد مست كرامته إلى درجة أنه لم يتمالك نفسه من الغضب وضربه بالمروحة ضربة واحدة. (هذه المروحة مصنوعة من سعف النخيل). إن حسين باشا

стр. 133

أبعد من أن يكون رجلا فظا. وكل إنسان يعرفه لا يمكن أن يتهمه بالخشونة. وإنني لأحكم؛ في ذلك، جميع القناصل الأجانب. وعلى ما يقال، فإن القنصل قد أفاد من الظروف، ولتغطية سلوكه وإسدال ستار النسيان على عباراته الوقحة، عرض ضربة المروحة بكيفية غير مؤاتية للداي. ولما علم الداي أن لجوزيف بكري، أحد قادة المؤسسة اليهودية، ديونا في ذمة البلاط الإسباني؛ وأن تلك الحكومة كانت مدينة له بمبلغ هام زيادة على الفائدة المتراكمة منذ حوالي عشرين سنة (كان بكري يزعم أن ماله من دين على الحكومة الإسبانية يبلغ خمسة ملايين من الفرنكات)، فإنه طلب من قنصل هذه الأمة أن يكتب لحكومته ملزما إياها بتصفية هذا الدين وبتسديده إلى خزينة الجزائر وعلى أثر مناقشة حادة جرت في هذا الموضوع بين الداي وقنصل إسبانية، غادر هذا الأخير المدينة وركب سفينة من سفن بلاده. عندئذ، دعاه الداي إلى الهبوط، وجلب انتباهه إلى أنه لا يجب أن يخلق المشاكل، وبأنه لم يكن ينوي الإساءة إليه، وأن العبارات التي وجهها له لا تخص إلا الحكومة التي يمثلها. ولما رفض القنصل النزول إلى الأرض، قال له الداي بأنه يعتبر تماديه في الرفض قطيعة بين الحكومتين. وعلى الرغم من ذهاب القنصل، فإن الداي لم يتصرف بشدة، بل على العكس، فإنه اتجه بود إلى البلاط الإسباني مطالبا بحقوقه، ومقترحا على الحكومة الإسبانية للتفاهم بينها وبين بكري. وبما أن إسبانيا لم تكن موافقة، ولها الحق في ذلك، على دفع فائدة قدرها ثلاثون في المائة، كان بكري يطالب بها، فإن الداي اقترح عليها أن تدفع

стр. 134

له مليونا من الفرنكات مقابل أن يجعل حدا لادعاءات بكري وأن تسوى القضية تسوية نهائية. وزيادة على ذلك، طلب الداي بمبلغ ٥٠٠،٠٠٠ فرنك كتعويض لمصاريف الحرب. وقد كتب هذه البرقية الأخيرة بخط يده. ولما وافقت الحكومة الإسبانية على الاقتراح المعقول، فإن الصداقة قد عادت إلى ما كانت عليه في الحين. وعندما تم دفع المبلغ المذكور، وزع المليون بالتقسيط على من كانت لهم ديون في ذمة بكري ووقع ذلك بمحضر هذا الأخير، وعلى مشهد من الخزناجي للتأكد من السندات، أما الخمسمائة ألف فرنك، فإنها صبت في الخزية كتعويض لمصاريف الحرب كما سبق أن ذكرنا , وقد دفع الداي من هذا المبلع الأخير خمسين فرنكا لكل جندي بحيث لم يبق للخزينة إلا حوالي خمسين ألف فرنك. لقد رفض الداي تلك النسبة المرتفعة من الفائدة لأن القوانين الأوروبية لا تعرف سوى بخمسة في المائة، ولأن قوانيننا لا تسمح بالربى مهما كان نوعه. هذه هي الأحداث التي جرت في تلك الظروف وقد كنت عليها شاهد عيان. لقد كان للداي كرئيس دولة وكأب للشعب وولي للأيتام تعترف به القوانين، كل السلطة لتسوية هذه القضية. وكان لبكري شريك، هو أخوه، يوسف الذي هلك وترك ورثته، ولذلك كان من المحتوم عليه أن يضع حدا لهذه المسألة. وعندما دخل الجنرال دوبرمون إلى الجزائر ورأى بكري أنه كان يحسن

стр. 135

وفادته توجه إلى حسين باشا ومعه وثيقة رسمية تثبت أن بكري أودع في الخزينة مبلغ خمسمائة ألف فرنك، وطلب منه أن يوقعها له مقابل ١٢٥،٠٠٠ فرنكا. وقد كتب هذه الوثيقة بخط يد اليهودي نفسه أما الخمسمائة ألف فرنك، فإنه كان يريد الحصول عليها كبقية من حسابه مع إسبانية. وهكذا رجا من الداي أن يوقع هذا الاعتراف الذي كان ينوي أن يقدمه للقاضي والمفتي يصادقان عليه، وكان متأكدا على حد زعمه أنه سيحصل على المبلغ. وبعد أن تأمل الداي في هذه الوثائق رد بكري خائبا دون أن يوقع ولا أن يضع ختما. ومع ذلك فقد أبقى عنده تلك البيانات التي أعدت لارتشائه، وأجاب الراشي قائلا: إن شرفي يمنعني أن أقوم بمثل هذه الأعمال. ويقال إن الداي أعطى لهذا اليهودي، قبل أن يطرده، صدقة يتراوح قدرها ما بين ٧ و٨ آلاف فرنك، فدمها له من أمواله الخاصة لمساعدته وإعالة أبنائه، وذلك لأن بكري كان آنذاك، في وضع مادي يرثى له. يقال أن بكري طلب من الحكومة الفرنسية أن تدفع له الخمسمائة ألف فرنك. لست أدري كيف يمكن أن يبرر طلبه هذا، وكل ما أستطيع قوله هو أن ما ذكرته الآن، عن وعي، وقع كله بمحضر مني. وفيما، يخص طلقات المدفعية المشؤومة التي وجهت للسفينة والبروفانس) (٥)

стр. 136

والتي ضاعفت من الأسباب وجعلت فرنسا تقرر الحرب وعجلت بؤسنا وخرابنا، فإنني أستطيع التأكيد بأن حسين باشا (٦) لم يكن على علم بها ولكننا نقول باللغة العربية. إن السيد مسؤول على أخطاء عبده). فلو أن الداي كان قد عين في وزارة البحرية رجلا أهلا للمنصب لما وقعت الحرب ولما انتهت الحصانة البرلمانية (إن عزل هذا الوزير؛ وإبعاد رئيس المدفعيين الذي أمر بإطلاق النيران لم تكن لها أية نتيجة بالنسبة إلينا) وفي الحين، توجهت بنفسي إلى الآغا وطلبت منه أن يخبر الباشا أنني أعتقد: حسب رأيي، بأن ما وقع سيعتبر خيانة، وهو مناف لشريعتنا ولقوانين المجتمعات والحضارة. ولغسل هذا العار الذي أصابنا كان يجب على الباشا أن يرسل، حينا، سفيرا إلى فرنسا يعرض الأحداث، ويعترف أمام الملأ بأخطائنا، ويخبر بعزل الوزير وإبعاد رئيس المدفعيين. وفي حالة ما إذا طلبت الحكومة الفرنسية من السفير تفسيرات حول مبدأ الحرب يقتصر على الإجابة بقوله: إن مهمتي خاصة وهي ترمي إلى الاعتراف بأخطائنا وتقديم توضيحات حولها، أما عن مسألة الحرب، فنعتقد أننا على صواب. ومن حقكم أن توفدوا رسولا إلى الداي وأن تتخذوا عدلنا كمثال تقتدون به. ثم ينهي الرسول كلامه قائلا: إن الداي متأكد من أن الحكومة الفرنسية سترضى بالاعتذار الذي كلف بتقديمه، وأنه يأمل أن يقع التوصل إلى الاتفاق حول القضية الرئيسية التي زاد

стр. 137

في تعقيدها السيد دوفال (٧) عندما لوث شرف حكومته بأعمال الرشوة، وباحتجاز برقيات الداي. ولو تم الأمر على هذا النحو، لكان من الممكن ; بعد هذه التوضيحات، أن تعود المياه إلى مجاريها بين الجزائر وفرنسا، وأن يتجنب كثير من الشرور.

стр. 138

الفصل الثاني قصة وصول الجيش إلى سيدي فرج لقد كتب حسين باشا إلى القبائل والعرب يخبرهم بالنوايا العدوانية التي يضمرها لهم الفرنسيون، ويأمرهم بأن يسعدوا ويكونوا رهن الإشارة. فأجابوه بأنهم مستعدون وبأنهم لا ينتظرون سوى أوامر الباشا ليسارعوا إلى نصرته. كما أن حسين باشا كتب إلى باي وهران (١) وأوصاه بتحصين مدينته وباليقظة وأمر باي قسنطينة (٢) بتحصين ميناء عنابة (٣): وبما أن هذا الأخير لم يأت إلى الجزائر منذ ثلاث سنوات، فإنه أمره بالمجيء وفقا لما جرت عليه العادة، ودون أن يزعج القبائل.

стр. 139

وأمر الباشا، كذلك بإحصاء العمال في مدينة الجزائر، وبأن يرسل إلى الحصون للمساهمة في مناورات المدفعية، جميع القادرين، وبأن يعين قائد على رأس كل فيلق. لقد كان الآغا إبراهيم صهرا للباشا، لكنه لم يكن قائدا ممتازا في يوم من الأيام، ولم يكن يعرف الشيء الكثير من التكتيك العسكري ; وكان سابقه يحيى آغا (٤) قد شغل هذا المنصب مدة اثنتي عشرة سنة في عهد حسين باشا , فشاهد كثيرا من المعارك التي جرت بين العرب والقبائل ; وكان مدة ما بقيت، لا يعرف الركود على الإطلاق. لقد كان شديد الطموح، صائبا في منطقه ويعرف كيف يحبب نفسه خاصة إلى العرب والقبائل، ولو أنه ظل في هذا المنصب مدة أطول لاستفادت الجزائر منه أشياء كثيرة على ما أعتقد. ولكن الحسد والغيرة اللذين أثارهما في نفس الخزناجي، نتيجة مكانته عند الباشا وعمل هذا الأخير بنصائحه، قد جعلا الخزناجي يتآمر ضده. وقد تمت الدسيسة بواسطة تقارير كاذبة وشهود زور كان وعدهم بمناصب عندما تنجح الخطة. وبهذه الطريقة عزل يحيى آغا، ثم نفاه الباشا إلى البليدة واستبدله بصهره إبراهيم وهو رجل لا منطق له ولا كفاءة كما سبق أن ذكرنا. وخشي المتآمرون أن تنكشف أفعالهم، وأن يعود منافسهم إلى الحكم فحاكوا خيوطا جديدة واتهموه بأنه يتفاهم مع مختلف رؤساء العرب والقبائل،

стр. 140

وأن هؤلاء الرؤساء كانوا يزورونه ليلا، وأنه كان يعقد الاجتماعات في بيته لمهاجمة الجزائر وللاستيلاء على الحكومة وتعيين نفسه على رأسها، وبالاعتماد على هذه المزاعم، قدمت وثائق مزيفة تشبه الحقيقة وتم إقناع الباشا بأن الآغا السابق يحيى خائن، فأمر بإعدامه. من السهل أن ندرك، بعد هذه التفاصيل، بأنه لو كان يحيى، أثناء هذه الحرب الأخيرة، على رأس الجيوش الجزائرية لكان سير الأمور أحسن، لأن التجربة التي حصل عليها في البر والبحر وشجاعته في جميع الحالات، كلها كان يمكن أن تشكل ضمانا بالنسبة للجندي الذي يحارب تحت إمرته. وبما أن إبراهيم قد عين آغا خلفا ليحيى، بعد حادثة (البروفانس) المشؤومة، فقد أرسل له مخطط الفرنسيين، وأخبر بالمكان الذي كانوا ينوون النزول فيه، كما أحيط علما بالعدد الصحيح فيما يخص مكونات الجيش من سفن وجنود (٥): وعلى الرغم من هذه المعلومات المنجية، فإنه لم يعد أي شيء ولم يتخذ أي نوع من التدابير ولم يعط أي أمر، بل كان يزعم أنه عندما تطأ أقدام الفرنسيين الأرض، سيطوقهم بالقبائل الذين لم يكونوا تحت تصرفه، لأنه كان يجب أن يعطي الأوامر مسبقا، لكي يتسنى لهم أن ينتقلوا إلى الأماكن المعلومة بدون تعب ولكي يتمكنووا من صد الأعداء. وبالفعل، فإن قدوم البعض يتطلب أسبوعا بينما يقتضي مجيء غيرهم أكثر من ذلك. وإذا كانت

стр. 141

جماعة تستعمل الخيل، فإن هناك من يأتي راجلا. أما الخيالة العرب الذين يستحقون الشهرة التي حصلوا عليا، فإنهم يقيمون بعيدا، في أطراف الإيالة؛ كما أن هؤلاء الأبطال أيضا، لم يتصلوا بأي أمر. وعلى هذا الأساس فإن الجيش الذي كان يحيط بهذا الآغا لم يكن مكونا إلا من سكان متيجة الذين لا يعرفون سوى بيع الحليب. لقد سمعت من يقول لهذا الأبله أن له تحت تصرفه خمسة آلاف سارق سيعملون ليلا على مفاجأة الفرنسيين في جميع الأنحاء ويجعلونهم يتحاربون فيما بينهم. أما العدد الضئيل من القبائل الذين كانوا يأتونه، فإنهم لم يحصلوا، بالنسبة لهم ولخيلهم، لا على مؤن ولا على ذخيرة، وبما أنهم لم يكونوا يستطيعون حتى شراء ذلك على نفقتهم الخاصة فإنهم كانوا يعودون من حيث أتوا ويتركونه وحده. وفي سيدي فرج لم تحضر المدفعية، ولم تحفر الخنادق ولم يكن هناك سوى اثني عشر مدفعا كان الآغا السابق قد نصبها في بداية إعلان الحرب. وفي اليوم الذي نزل فيه المارشال دويرمون مع جيشه لم يكن تحت تصرف الآغا سوى ٣٠٠ فارس؛ ولم يكن مع باي قسنطينة إلا عدد قليل جدا من الأجناد (٦)،لأنه لم يكن مستعدا لخوض المعركة. وكان باي التيطري (٧) في المدية

стр. 142

ولم يصل منها إلا بعد بضعة أيام ولقد سمعت أن نزول المارشال دوبرمون كان صدفة وأنه كان معرضا لأخطار جسام لأنه أنزل الرجال قبل المؤن والمدفعية. وظلت الأمور على هذه الحال ثلاث أيام بسبب الرياح المعاكسة التي كانت تبعد سفن النقل. وما من شك أن الجيش الفرنسي كان يمكن أن يهزم لو وقع نوع من التحضير لصد هذا النزول. هذا بالإضافة إلى أن جيش وهران كان غير بعيد عن سيدي فرج تحت قيادة خليفة باي تلك المقاطعة، كما أن باي التيطري كان قد أعلم الباشا بأنه يوجد تحت تصرفه ٢٠ ألف فارس نصفهم من حملة الرماح (لأجل ذلك سمي هذا الباي: بو مزراق، والمزراق هو الرمح). وباي التيطري هذا رجل وقح وذو شجاعة يغبط عليها لكنه عاجز عن قيادة جيش. وعندما وصل لم يكن معه أكثر من ألف فارس بدلا من العشرين ألف التي كان قد أخبر عنها. كل هؤلاء الفرسان تمركزوا في سطاولي (٨)، كما جاء إلى هذا المكان الآغا مع فرقته المشهورة المكونة من أهل متيجة والتي تكلمت عنها آنفا، وحضر، كذلك جنود من القبائل لكنهم سرعان ما انسحبوا إلى الدار البيضاء (٩) لعدم توفر المؤن والذخائر الحربية

стр. 143

وفي صباح كل يوم كان هؤلاء الأجناد يعودون إلى مراكزهم. لقد لاحظ باي قسنطينة على الآغا بأن تنظيم الجيش هذا لا يسمح بأي أمل في النجاح. وفي حالة ما إذا سار الجيش الفرنسي نحو مدينة الجزائر، فإن انسحابنا سيكون دليلا لها. وحسب رأيه، فإننا لن نكون قادرين على صده ولا على مقاومته. كما أشار، كذلك، إلى أنه ليس من السياسة في شيء أن تجمع قواتنا في نقطة واحدة، وإن من الواجب توزيعها بحيث يحمل جزء منها إلى غربي سيدي فرج، ومعنى ذلك أن الفرنسيين إذا لاحقونا، فإنهم سيبتعدون عن هدفهم الذي هو مدينة الجزائر، وسيكون ذلك لصالحنا، إذ نستطيع أن نبدأهم بالهجوم. وإذا قصد الفرنسيون الجزائر دون أن يهاجموننا، فإننا عندما سنكون أقوى وأقدر على الدفاع عن أنفسنا والانتصار عليهم. واقترح، أيضا، أن يتولى كل قائد الاعتناء بجزء من الجيش. وكان مقر القيادة الذي وقع عليه اختيارنا هو الدار البيضاء التي تفصلها عن سطاولي مسيرة أربع ساعات. وعن كل هذه الملاحظات كانت إجابة الآغا كالآتي: (إنكم لا تعرفون التكتيك الأوروبي، إنه يتعارض كل المعارضة مع تكتيك العرب). ورأى باي قسنطينة في هذه الإجابة البليدة إهانة له، لذلك التزم الصمت ولمي يسمح لنفسه بإبداء أية ملاحظة أخرى (١٠). كنت بنفسي عشية الاستيلاء على سطاولي، عند الآغا للتعرف على الأوضاع فتعشيت معه، ومع باي قسنطينة وباي التيطري، وخليفة باي

стр. 144

وهران، وخوجة الخيل: في تلك الليلة اقترب مني الآغا وأسر لي الخبر الهام الذي مفاده أن فلانا وفلانا (مع ذكر أسماء الأشخاص) قد ذهبوا إلى مركز الفرنسيين كأنصار لقضيتهم؛ يقدمون لهم تقارير كاذبة حول وضع البلاد ويطلبون منهم أن يرسلوا عن طريق البحر جزءا من جيوشهم إلى بعض الأماكن واعدين إياهم بأنخم سينضمون إليهم ويقودونهم إلى حصن الامبراطور لمخادعة الجزائريين. وأضاف الآغا قائلا: أعتقد بأن المخطط سينفذ غدا وعندما يجرون الجيش الفرنسي إلى طريق قاحل وصعب يقوم العرب بالهجوم من جهة، وأتولى الهجوم من الجهة الأخرى. وفي انتظار ذلك؛ وزعت على كل جندي عشرة خرتوشات. لم أدر ماذا أقول عندما رأيت هذا الآغا يهذي بذه الكيفية. ومع ذلك سألته ماذا يصنع الأجناد عندما يطلقون الخرتوشات العشرة، فأجابني بأن تلك الكمية كافية لقتل نصف الجيش الفرنسي وبعد ذلك لن يكون في حاجة إلى توزيع البارود. وعندما لاحظت له بأنه كان يجب أن يحفر الخنادق لحماية الجيش والدفاع عنه أجاب بنفس الثقة: نحن نشكل الخنادق الحقيقة ومن المؤسف ألا نعرف كيف نحمي أنفسنا. لكن، قلت له، لتكن هذه الخنادق على الأقل لتغطية المدفعية. إنها أمام مدفعية العدو ومن واجبكم حمايتها. على أثر هذه الملاحظة الأخيرة أعطى أمرا في الحين، بنشر إعلان في الجيش يطلب فيه من كل عربي غير مسلح أن يأتي للآغا قصد تزويده. ونتيجة لهذا الأمر، اجتمع عنده عدد كبير من الأجناد، وبدلا من الأسلحة أعطاهم الفؤوس لحفر الخنادق. وبالفعل لقد تم خلال تلك الليلة، حفر خندق لم يستعمل في الواقع لأي شيء.

стр. 145

لقد سلم حسين باشا لهذا الآغا مبالغ كبيرة من الدراهم لتوزع على المحاربين لكي يسرعوا في الأعمال وتشجيعا للجنود. غير أن هذا الآغا لم يعط شيئا لمن وجه الداي إليهم تلك المبالغ. ودائما لتشجيع المعركة وإثارة طمع القبائل، وعد حسين باشا بأنه يعطي مكافأة قدرها خمسمائة فرنك لكل من يحمل رأس أحد الأعداء. وكلف الآغا بحساب هذا المبلغ، وجميع الايصالات من أصحاببها بعد تقديم الأدلة المقنعة. وبدلا من أن ينفذ إرادة سيده ويدفع المكافأة الموعودة. فإنه كان يرد الجنود طالبا منهم أن يعودوا بعد المعركة لتقاضي ما لهم. ولا أدري ماذا كان مصير المبالغ الهائلة التي كانت في حوزة الآغا. وفي صباح الغد توجه الآغا وحاشيته والمرافقون إلى المكان المسمى: سيدي فرج، وبقي المركز شاغرا، ليس فيه على أكثر تقدير، إلا حوالي أربعين شخصا لحماية الأمتعة وكانوا بدون أسلحة ولا يملكون أية وسيلة دفاعية. عندئذ إقتنعت بنفسي أن قيادة الجيش أسندت لرجل لا يعرف الفن العسكري، واعتبرت الإيالة قد ضاعت ثم رجعت حزينا إلى الجزائر. فهل من التكتيك الدفاعي أن يترك معسكره خاليا؟ ألم يكن عليه أن يبقي فيه حوالي ثلث جيشه للاحتفاظ بجنود غير متعبين يستطيع أن يدعم بهم جيوشه المنتصرة أو يسهل بهم عملية الانسحاب؟ إن هذا التكتيك يخلق في الميدانين، المعنوي والمادي، نوعا من الثقة ويلهم الشجاعة، وإذا لم يكن كذلك وانسحب الجيش نحو خيمة فوجدما خاوية، فإنه لا يستطيع إلا أن يهرب وكله خيبة ويأس. ولأعطي فكرة دقيقة عن قصر نظره وعجزه، أذكر حادثة وقعت لي خلال المدة التي قضيتها عنده.
следующие страницы →