← История

История · id 14329

المرآة

حمدان خوجة

Полный текст (260 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

جماعة تستعمل الخيل، فإن هناك من يأتي راجلا. أما الخيالة العرب الذين يستحقون الشهرة التي حصلوا عليا، فإنهم يقيمون بعيدا، في أطراف الإيالة؛ كما أن هؤلاء الأبطال أيضا، لم يتصلوا بأي أمر. وعلى هذا الأساس فإن الجيش الذي كان يحيط بهذا الآغا لم يكن مكونا إلا من سكان متيجة الذين لا يعرفون سوى بيع الحليب. لقد سمعت من يقول لهذا الأبله أن له تحت تصرفه خمسة آلاف سارق سيعملون ليلا على مفاجأة الفرنسيين في جميع الأنحاء ويجعلونهم يتحاربون فيما بينهم. أما العدد الضئيل من القبائل الذين كانوا يأتونه، فإنهم لم يحصلوا، بالنسبة لهم ولخيلهم، لا على مؤن ولا على ذخيرة، وبما أنهم لم يكونوا يستطيعون حتى شراء ذلك على نفقتهم الخاصة فإنهم كانوا يعودون من حيث أتوا ويتركونه وحده. وفي سيدي فرج لم تحضر المدفعية، ولم تحفر الخنادق ولم يكن هناك سوى اثني عشر مدفعا كان الآغا السابق قد نصبها في بداية إعلان الحرب. وفي اليوم الذي نزل فيه المارشال دويرمون مع جيشه لم يكن تحت تصرف الآغا سوى ٣٠٠ فارس؛ ولم يكن مع باي قسنطينة إلا عدد قليل جدا من الأجناد (٦)،لأنه لم يكن مستعدا لخوض المعركة. وكان باي التيطري (٧) في المدية

стр. 142

ولم يصل منها إلا بعد بضعة أيام ولقد سمعت أن نزول المارشال دوبرمون كان صدفة وأنه كان معرضا لأخطار جسام لأنه أنزل الرجال قبل المؤن والمدفعية. وظلت الأمور على هذه الحال ثلاث أيام بسبب الرياح المعاكسة التي كانت تبعد سفن النقل. وما من شك أن الجيش الفرنسي كان يمكن أن يهزم لو وقع نوع من التحضير لصد هذا النزول. هذا بالإضافة إلى أن جيش وهران كان غير بعيد عن سيدي فرج تحت قيادة خليفة باي تلك المقاطعة، كما أن باي التيطري كان قد أعلم الباشا بأنه يوجد تحت تصرفه ٢٠ ألف فارس نصفهم من حملة الرماح (لأجل ذلك سمي هذا الباي: بو مزراق، والمزراق هو الرمح). وباي التيطري هذا رجل وقح وذو شجاعة يغبط عليها لكنه عاجز عن قيادة جيش. وعندما وصل لم يكن معه أكثر من ألف فارس بدلا من العشرين ألف التي كان قد أخبر عنها. كل هؤلاء الفرسان تمركزوا في سطاولي (٨)، كما جاء إلى هذا المكان الآغا مع فرقته المشهورة المكونة من أهل متيجة والتي تكلمت عنها آنفا، وحضر، كذلك جنود من القبائل لكنهم سرعان ما انسحبوا إلى الدار البيضاء (٩) لعدم توفر المؤن والذخائر الحربية

стр. 143

وفي صباح كل يوم كان هؤلاء الأجناد يعودون إلى مراكزهم. لقد لاحظ باي قسنطينة على الآغا بأن تنظيم الجيش هذا لا يسمح بأي أمل في النجاح. وفي حالة ما إذا سار الجيش الفرنسي نحو مدينة الجزائر، فإن انسحابنا سيكون دليلا لها. وحسب رأيه، فإننا لن نكون قادرين على صده ولا على مقاومته. كما أشار، كذلك، إلى أنه ليس من السياسة في شيء أن تجمع قواتنا في نقطة واحدة، وإن من الواجب توزيعها بحيث يحمل جزء منها إلى غربي سيدي فرج، ومعنى ذلك أن الفرنسيين إذا لاحقونا، فإنهم سيبتعدون عن هدفهم الذي هو مدينة الجزائر، وسيكون ذلك لصالحنا، إذ نستطيع أن نبدأهم بالهجوم. وإذا قصد الفرنسيون الجزائر دون أن يهاجموننا، فإننا عندما سنكون أقوى وأقدر على الدفاع عن أنفسنا والانتصار عليهم. واقترح، أيضا، أن يتولى كل قائد الاعتناء بجزء من الجيش. وكان مقر القيادة الذي وقع عليه اختيارنا هو الدار البيضاء التي تفصلها عن سطاولي مسيرة أربع ساعات. وعن كل هذه الملاحظات كانت إجابة الآغا كالآتي: (إنكم لا تعرفون التكتيك الأوروبي، إنه يتعارض كل المعارضة مع تكتيك العرب). ورأى باي قسنطينة في هذه الإجابة البليدة إهانة له، لذلك التزم الصمت ولمي يسمح لنفسه بإبداء أية ملاحظة أخرى (١٠). كنت بنفسي عشية الاستيلاء على سطاولي، عند الآغا للتعرف على الأوضاع فتعشيت معه، ومع باي قسنطينة وباي التيطري، وخليفة باي

стр. 144

وهران، وخوجة الخيل: في تلك الليلة اقترب مني الآغا وأسر لي الخبر الهام الذي مفاده أن فلانا وفلانا (مع ذكر أسماء الأشخاص) قد ذهبوا إلى مركز الفرنسيين كأنصار لقضيتهم؛ يقدمون لهم تقارير كاذبة حول وضع البلاد ويطلبون منهم أن يرسلوا عن طريق البحر جزءا من جيوشهم إلى بعض الأماكن واعدين إياهم بأنخم سينضمون إليهم ويقودونهم إلى حصن الامبراطور لمخادعة الجزائريين. وأضاف الآغا قائلا: أعتقد بأن المخطط سينفذ غدا وعندما يجرون الجيش الفرنسي إلى طريق قاحل وصعب يقوم العرب بالهجوم من جهة، وأتولى الهجوم من الجهة الأخرى. وفي انتظار ذلك؛ وزعت على كل جندي عشرة خرتوشات. لم أدر ماذا أقول عندما رأيت هذا الآغا يهذي بذه الكيفية. ومع ذلك سألته ماذا يصنع الأجناد عندما يطلقون الخرتوشات العشرة، فأجابني بأن تلك الكمية كافية لقتل نصف الجيش الفرنسي وبعد ذلك لن يكون في حاجة إلى توزيع البارود. وعندما لاحظت له بأنه كان يجب أن يحفر الخنادق لحماية الجيش والدفاع عنه أجاب بنفس الثقة: نحن نشكل الخنادق الحقيقة ومن المؤسف ألا نعرف كيف نحمي أنفسنا. لكن، قلت له، لتكن هذه الخنادق على الأقل لتغطية المدفعية. إنها أمام مدفعية العدو ومن واجبكم حمايتها. على أثر هذه الملاحظة الأخيرة أعطى أمرا في الحين، بنشر إعلان في الجيش يطلب فيه من كل عربي غير مسلح أن يأتي للآغا قصد تزويده. ونتيجة لهذا الأمر، اجتمع عنده عدد كبير من الأجناد، وبدلا من الأسلحة أعطاهم الفؤوس لحفر الخنادق. وبالفعل لقد تم خلال تلك الليلة، حفر خندق لم يستعمل في الواقع لأي شيء.

стр. 145

لقد سلم حسين باشا لهذا الآغا مبالغ كبيرة من الدراهم لتوزع على المحاربين لكي يسرعوا في الأعمال وتشجيعا للجنود. غير أن هذا الآغا لم يعط شيئا لمن وجه الداي إليهم تلك المبالغ. ودائما لتشجيع المعركة وإثارة طمع القبائل، وعد حسين باشا بأنه يعطي مكافأة قدرها خمسمائة فرنك لكل من يحمل رأس أحد الأعداء. وكلف الآغا بحساب هذا المبلغ، وجميع الايصالات من أصحاببها بعد تقديم الأدلة المقنعة. وبدلا من أن ينفذ إرادة سيده ويدفع المكافأة الموعودة. فإنه كان يرد الجنود طالبا منهم أن يعودوا بعد المعركة لتقاضي ما لهم. ولا أدري ماذا كان مصير المبالغ الهائلة التي كانت في حوزة الآغا. وفي صباح الغد توجه الآغا وحاشيته والمرافقون إلى المكان المسمى: سيدي فرج، وبقي المركز شاغرا، ليس فيه على أكثر تقدير، إلا حوالي أربعين شخصا لحماية الأمتعة وكانوا بدون أسلحة ولا يملكون أية وسيلة دفاعية. عندئذ إقتنعت بنفسي أن قيادة الجيش أسندت لرجل لا يعرف الفن العسكري، واعتبرت الإيالة قد ضاعت ثم رجعت حزينا إلى الجزائر. فهل من التكتيك الدفاعي أن يترك معسكره خاليا؟ ألم يكن عليه أن يبقي فيه حوالي ثلث جيشه للاحتفاظ بجنود غير متعبين يستطيع أن يدعم بهم جيوشه المنتصرة أو يسهل بهم عملية الانسحاب؟ إن هذا التكتيك يخلق في الميدانين، المعنوي والمادي، نوعا من الثقة ويلهم الشجاعة، وإذا لم يكن كذلك وانسحب الجيش نحو خيمة فوجدما خاوية، فإنه لا يستطيع إلا أن يهرب وكله خيبة ويأس. ولأعطي فكرة دقيقة عن قصر نظره وعجزه، أذكر حادثة وقعت لي خلال المدة التي قضيتها عنده.

стр. 146

لقد كنت، ذات ليلة، في وسط معسكره، واحتجت إلى بعض الأشياء وبدلا من إرسال أحد الخدم توجهت بنفسي إلى خيمة. فقطعت المعسكر ودخلت إليه ثم أخذت ما جئت من أجله دون أن يشعر بي أحد لأن الجيش كله كان في نوم عميق، ولم ألآقي في طريقي أي حارس يسهر على حماية المعسكر من هجوم الأعداء. نرى من خلال كل ما تقدم فرقا كبيرا بينه وبين سابقه يحيى آغا من حيث الوسائل العسكرية والإدارية التي كانت لكل منهما. لقد تعودت كلما رجع يحيى آغا من الحرب أن أذهب للقائه في متيجة حيث أقضي معه يوما كاملا. وأتذكر، آنذاك على الرغم من أن الوقت كان سلما، فإن جيشه كان أحسن تجهيزا وأكثر تنظيما، كما أنه كان أكثر عددا من الجيش الذي نظمه إبراهيم آغا لمحاربة الفرنسيين. لقد كان من العادة أن يدرب مدفعيته يوميا، وأن يستعد للدفاع كما لو كان العدو سيهاجمه. لقد كانت مراكز معسكره في يقظة دائمة: فهناك مركز يكلف بحراسة المعسكر عامة وهناك آخر خاص بالسهر على دخول الخيل وخروجها، وأخيرا هناك ثالث يحيط بخيمته، ويتكون من ثمانية رجال في الخارج واثنين في الداخل وواحد عند الباب، وفي كل نصف ساعة كان حارس باب الخيمة يطلب من حارس الخارج أن يجيبه بالإشارة المتفق عليها، ثم يتوجه حارس الخارج بنفس الطريقة إلى حارس الخيل ثم إلى حارس المدفعية، فحارس المدفعية العام وهلم جرا، بحيث أن المعسكر كان محروسا كأحسن ما يكون. وعندما فقدت الإيالة يحيى آغا تنبأ كل عاقل بانهيار الجزائر، ولم يوافق أحد على الحادث وحتى لو كان مذنبا؛ فإنه ما كان ينبغي أن يستبدل بإبراهيم

стр. 147

آغا. إنها غلطة فادحة لا تغتفر، قد تكون هي الوحيدة التي يمكن أن يلام عليها حسين باشا خلال السنوات الثلاث عشرة التي دامها عهده. ولقد كان لهذه الغلطة تأثيرها الكبير خاصة وأنها وقعت في الوقت الذي كنا فيه في حرب مع فرنسا. وإن الذي ارتكبها أمير برهن على كثير من الاعتدال والعدل بحيث أننا لم نكن ننتظر منه مثل هذا العمل. وهكذا، إذن، كان إبراهيم آغا يريد محاربة الفرنسيين بدون جيش منظم ولا دخيرة حربية ولا مؤن، ولا شعير للخيل وبدون أن تكون له المقدرة الضرورية للقيام بالحرب. وعندما وقعت هزيمة سطاولي، غادر هذا الآغا المعسكر وكله يأس كما لو أنه فقد رأسه لقد ترك كل شيء: الخيم، فرق الموسيقى، الاعلام وجيشه بأكمله. ولو أن بورمون سير جيوشه في ذلك اليوم، إلى حصن الأمبراطور لما لاقى أية صعوبة. وبعد ذلك بيومين دعاني حسين باشا لمعرفة حقيقة الأمور فأجبته قائلا: إن الحرب حظ مخطر، ولا يحق للقائد أن ييأس، لأن يأسه يؤدي إلى الهزيمة النكراء , والقضية الظالمة يمكن أن تصبح عادلة، إذا توفرت لها المقاومة والصمود. عندئذ تكلمت له بكل صراحة عن سلوك صهره إبراهيم آغا المخزي، وهو ما لم يجرأ أحد على فعله قبلي، فكلفني بالذهاب إليه وتشجيعه. وإلزامه بجمع جيشه وبعدم التفكير في الماضي، وعندما وصلت إليه، لم أجد إلا بعض الجنود المشتتين هنا وهناك، وبعد بحث طويل تمكنت من العثور عليه في دار

стр. 148

ريفية كان يختفي فيها مع ثلاثة أو أربعة من خدمه. وبمجرد ما وجهت له الكلام علمت أنني لا أخاطب رجلا وإنما طفلا لما كان يبديه من ضعف وقنوط ويأس. ولذلك ضاعت كل محاولة مني لتحميسه ورأيتني مجبرا على الرجوع إلى الداي الذي قال لي عندما أعلمه بسيرة صهره وبالجهود التي بذلتها للعثور عليه: (إنكم ذهبتم يحدوكم الأمل، ورجعتم دون أن تنجح مساعيكم). عندئذ أجبته بأن الشعب ليس إلا قطيعا، ولا بد له من راع، وإن شعبكم بدون راع والعدو يتقدم. كان الجيش بدون قائد، والقبائل يجهلون في أي مكان يختبىء. وعليه، لم يبق إلا تسليم المدينة للفرنسيين. لم يكن الباشا يعرف أن الآغا رعديد وكان يظن أن له مقدرة أكبر من التي أظهرها. ولذلك طلب مني أن أرجع إليه وأرغمه على العودة إلى معسكره. وفعلا تبعني رغم أنفه، وجمعنا ما أمكننا من الجنود الذين كانوا مجهزين ومستعدين، وعلى الرغم من أنني كنت على يقين - مسبقا - من أننا لن نتمكن من فك حصار المدينة والدفاع عنها، فإنني بذلت كل ما في وسعي لأداء هذه المهمة. وعندما تحرك بورمون في سطاولي انهزم الآغا وجيشه لتوهما ولم يعرف أحد إلى أي مكان تم الانسحاب. وفي هذه الحالة دعا الباشا المفتي (١١) (شيخ الإسلام)، فسلمه سيفا وطلب

стр. 149

منه أن يجمع الشعب للدفاع عن البلاد. ولكن من سوء الحظ، كان الأوان قد فات، وعند الغروب كان الجيش الفرنسي قد اقترب من حصن الامبراطور. إن شيخ الإسلام رجل عادل، فاضل ولكنه بعيد عن أن يكون محاربا، وفي مثل هذه اللحظة الحرجة لم يكن من الممكن أن يقود جيشا ويصد عدوا. إن أعضاء الدواوين والفقهاء لا يهتمون إلا بالعلوم والقوانين، وهم أحسن لإعطاء النصائح من أن يقوموا بالأعمال، وبما أنني كنت على اتصال بهذه الشخصية فإنه دعاني، كتابة للتوجه إليه، وكان جوابي: أنه لم يبق أي أمل بالنسبة لهذه القضية. إن هلاكنا محقق ولا أريد أن أشهد مثل هذه الكارثة المفجعة. لم يكن المشاة منظمين، فما بالك بالمدفعية، ولا ندري كيف يمكن أن تأمل في تحقيق النجاح؟ ولقد كان ذلك ممكنا لو ثم تعيين رجل مجرب لقيادة الجيش ووضعت تحت تصرفه عشرة آلاف من القبائل مع الأمر بإعطاء كل واحد ١٠ بوجوات (١٨ فرنكا)، يوميا لتشجيعهم. عندئذ يوجه هؤلاء القبائل إلى مختلف النقاط لسد الطرق الرابطة بين سطاولي ومقر قيادة بورمون. وكان من الواجب أيضا أن يوضع تحت تصرفهم كل أنواع الذخائر التي يمكن أن يحتاجوا إليها. لقدكان النصر مرهونا فقط، بمثل هذه التدابير. ولكن الأميين الذين كانوا يحيطون بالمفتي لاحظوا بأن حمدان عميل للفرنسيين: سافر إلى بلدهم وأعجب بعاداتهم، وعليه يجب الاحتراس منه. وأخيرا قيل بأنه لو

стр. 150

تعيين، بينما نحن نكون أشد قوة ونشاطا لحماية أنفسنا وهزمهم وتضليلهم. ثم اقترح أحمد باي - أيضا - أن يأخذ كل قائد حصة كتيبته من الميرة ويلتزم بتموينها. وخاطب الآغا بقوله: إن مكان اجتماع القواد الذي اخترناه أن يكون بالحراش لبعيد عن مخيمنا ياسطوالي، وأن المسافة بين المكانين تستغرق أربع ساعات مشيا. وبعد كل هذه الملاحظات كان جواب الآغا ما يلي: (إنك لا تعرف الحيل الحربية للأوروبيين، فهي مخالفة - تماما - لحيل العرب). فتأثر الباي بهذا الجواب الغبي، وقرر أن لا يبدي أية ملاحظة أخرى في المستقبل، وفي الليلة التي استولى الفرنسيون على اسطوالي، كنت موجودا لدى الآغا؛ بقصد الاطلاع على أوضاع الأمور. وقد تعشينا جميعا مع باي قسنطينة وباي تيطري وملازم باي وهران وخوجة الخيل. وفي نفس هذه الليلة اقترب مني الآغا وسارني بخبر هام جديد. وهو أن فلانا وفلانا (وقد سمى لي هذين الشخصين) قد تقدما إلى معسكر الفرنسيين، متظاهرين بالانضمام إلى صفوفهم والعمل بجانبهم، وأنهما أتيا ليقدما إليهم تقاريرا عن حالة البلاد. ثم يحثانهم على إرسال قسم من جنودهم - عن طريق البحر - إلى المكان الفلاني الـ ... والمكان الفلاني ... وسيجدونهما في انتظارهم - عند نزولهم من المراكب - بالأماكن المحددة، ليسيرا بهم إلى (برج مولاي حسن)، ويوهمانهم بأن هذه الخطة سيخدعون بها يقظة الجزائريين. ثم تابع الآغا مساوئه بقوله: أعتقد أن هذه الخطة ستنفذ غدا، وعندما يميل الجيش الفرنسي بسيره إلى طريق وعر صعب، ينقض عليه العرب من ناحية وأنا (بجيشي) من ناحية أخرى. ومن أجل ذلك فإني قد زودت كل جندي من الجيش بعشر فشكات. وعندما رأيت هذا الآغا يهذي بهذا الشكل لم أجد ما أقول له؛ بيد أنني سألته: ماذا يصنع هؤلاء الجنود بعدما يستنفد كل منهم تلك الفشكات العشر؟! فأجابني: إن هذه الكمية لكافية لقتل نصف الجيش الفرنسي، ولست بحاجة إلى توزيع البارود على الجنود. ثم نبهته أنه كان من الواجب

стр. 151

عليه أن يأمر بحفر خنادق لحماية جيشه. فأجابني - بنفس الجرأة -: إننا -نحن - الخنادق الحقيقيون، وسنكون تعساء إذا عجزنا عن حماية جيشنا. فقلت له: ولكن هذه الخنادق ستحمي على الأقل عمل المدافع المواجهة لمدافع العدو. وبناء على هذه الملاحظة الأخيرة أمر - حالا - أن يذاع في صفوف الجيش أن الآغا يدعو جميع العرب الذين ليس لديهم سلاح أن يحضروا عنده، ليوزع عليهم السلاح. وبعد هذا الإعلان اجتمع لديه عدد كبير من الجنود، وبدل أن يوزع عليهم السلاح، أعطى كل واحد فأسا، وأمره أن يشرع في حفر الخندق. وقد أتموا حفر هذا الخندق في تلك الليلة، ولكنه قد فات أوانه، وأصبح عديم الجدوى. وكان حسين باشا قد وضع في يد هذا الآغا مبلغا ضخما من المال، ليوزعه على المحاربين بقصد الحث على القتال، وتشجيع الجنود، بيد أن هذا الآغا لم يدفع شيئا غلى هؤلاء الذين قد خصهم الداي بهذا المبلغ. ودائما من أجل الحث على القتال وتهييج الجشاعة في نفوس القبائل، قد وعد حسين باشا أيا من يأتي منهم برأس أحد الأعداء، سيكافئه بمبلغ قدره خمسمائة فرنك. وقد كلف الآغا بأن يقوم بإحصاء المبالغ التي يدفعها إلى المنتصرين بعدما يتسلم منهم أوصالا من لدى الداي، غير أن الآغا لم يطبق إرادة رئيسه، ولم يدفع حالا هذه المكافأة الموعود بها لمستحقيها، بل أخذ يسوف الجنود بقوله لهم: ستقدمون بعد انتهاء المعركة لأخذ نصيبكم. وأجهل تماما مصير كمية الأموال الضخمة التي كانت موجودة بيد الآغا. وفي صبيحة اليوم التالي (من استيلاء الفرنسيين على اسطوالي) توجه الآغا بأتباعه وأشياعه إلى مكان (سيدي فرج)، وتركوا المعسكر شاغرا، ما عدا أربعين شخصا - على الأكثر -، بقوا هناك يحرسون الأمتعة بدون سلاح وبدون أية وسيلة تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم. ومن ذلك الحين اقتنعت وتأكدت بأن تسيير الجيش قد أسند إلى رجل ليس له أية معرفة بالنظام العسكري، فعندئذ عدت إلى مدينة الجزائر حزينا، متيقنا بأن الإيالة قد ضاعت (من أيدي أهلها).

стр. 152

وهل من الحيل الحربية أن يهمل (هذا الآغا) معسكره؟ أليس من واجبه أن يترك هناك زهاء الثلث من جيشه، ويبقي فصائل مرتاحين ليتمكن بهم من تعزيز جيشه المنتصر، أو على الأقل يدعم بهم جيشه عند تقهقره؟! وأقولها - بالقلب والقالب -: إن هذه الحيلة الحربية لتمنح الثقة وتوحي بالشجاعة. وفي حالة انعكاس القضية، أي: إذا تقهقر الجيش عائدا إلى معسكره ووجد هناك جميع الخيام فارغة، فلم تبق له أية وسيلة، سوى الفرار واليأس، ومن أجل إعطاء فكرة مضبوطة عن غفلة هذا الآغا وعدم كفاءته، فإني سأقص حادثا وقع لي في غضون الأيام التي قضيتها بجانبه: ففي إحدى الليالي قد وجدتني في سرة معسكره. فاحتجت إلى شيء في خيمته، وبدل أن أرسل الخادم في طلب ذلك الشيء ذهبت أنا بنفسي، فاخترقت المعسكر ثم دخلت الخيمة وأخذت الشيء الذي أتيت من أجله، دون أن ينتبه إلي أي شخص، وكان الجيش كله في سبات عميق، ولم أصادف في طريقي حارسا واحدا يراقب هجوم العدو. وبناء على ما تقدم نلاحظ أن بين هذا الآغا وبين سابقه: يحيى بونا شاسعا، من حيث كفاءة كل منهما؛ سواء في الميدان العسكري أو التنظيم الإداري. وكان من عادتي أن أذهب إلى لقاء يحيى آغا بمتيجة، عند عودته من الحرب، وهناك أقضي معه يوما. وإني أتذكر حينذاك - رغم وقت السلم - أن جيشه قد كان مجهزا أفضل تجهيز، ومنظما تنظيما أحسن من جيش إبراهيم آغا المهيء لقتال الفرنسيين. وكان من عادات يحيى آغا أن يقوم كل يوم في جيشه بغارات وهمية، وتحركات تدريبية لجنوده، فيضعهم في حالة الدفاع، ويجعلهم يفترضون أن العدو يوشك أن يباغتهم بالهجوم. وكانت مراكز الحراسة لمعسكره دائما يقظة حذرة. فأحد هذه المراكز مكلف بحراسة المعسكر كله، وآخر خاص بحراصة الخيل، من حيث دخولها وخروجها، وآخر

стр. 153

[صفحة مكررة]

стр. 154

فيما مضى. فذهبت إليه، فلم أجده. بل وجدت جنوده مشتتين يمينا وشمالا، ولكن - بعد الطويل - استطعت أن أعثر عليه في أحد منازل الريف، مختفيا مع أربعة أو خمسة أفراد من خدامه، وعندما كلمته تبين لي أنني لم أكلم رجلا، وإنما أكلم صبيا. كثيرا ما أظهر الفشل والقنوط. فمن العبث - إذن -أن أبذل ما في وسعي من أجل إلهامه إلى الشهامة، وحثه على العزم، ورأيت من الأفضل أن أعود أدراجي إلى الداي. وبعدما اطلع هذا الأخير على سلوك صهره وتصرفه قال لي: (لقد ذهبت منتعشا بالأمل، وعدت دون أن تحقق أقل نجاح لمساعيك). فعندئذ أجبته: (إن الرعية بمثابة القطيع، والقطيع لا بد له من راع وها هي رعيتك بدون راع. وها هو العدو يتقدم). فقد أصبح الجيش بدون قائد، وأمسى القبائل يجهلون المكان الذي يختفي فيه هذا القائد. فلم يبق - إذن - سوى تسليم المدينة إلى الفرنسيين. والباشا لم يكن يعرف أن الجبن من شيم هذا الآغا، بل كان يعتقد فيه أكثر مما يستحقه، ولهذا أمرني أن أعود إليه - مرة ثانية - وأبذل وسعي حتى يعود إلى معسكره. فعدت إلى الآغا الذي امتثل أمري على مضض، وجمعنا ما ستطعنا جمعه من الجنود القليلين الذين كانوا حاضرين مجهزين. ورغم أني كنت متأكدا - مسبقا - بأننا لا نستطيع فك الحصار ولا حماية المدينة، ومع ذلك فإني بذلت جميع في ما وسعي من أجل أداء هذه المهمة. وبعد تحرك جيش (بورمون) باسطوالي أصبح الآغا وجنوده تقريبا مشتتين، ولم يعلم أي شخص أين انسحبوا، وفي هذا الوقت دعا الباشا المفتي: شيخ الإسلام، وأعطاه سيفا وأمره أن يجمع الرعية من أجل الدفاع عن حوزة الوطن، ولكن فيا للأسف! فقد فات الأوان. وأصبح الجيش الفرنسي على مقربة من (برج مولاي حسن) وقت الغروب من هذا اليوم. إن شيخ الاسلام رجل عادل وذو جدارة واستحقاق. ولكنه بعيد عن أن يكون رجل حرب. فيصعب عليه أن يقود جيش في وقت حرج. كما لا يستطيع أن يرد العدو.

стр. 155

إن رجال العلم وأعضاء القضاء لا يهتمون سوى بالعلوم والقوانين، فهم في ميدان الاستشارة والنصائح أفضل منهم في ميدان العمل الحربي. وبما أنني كنت مرتبطا بهذه الشخصية (شيخ الاسلام) استدعاني بواسطة بطاقة كي أحضر لديه. فكان جوابي له: (لم يبق أمل في هذه القضية. فخسارتنا لا مفر منها، وأنا لا أريد أن أكون شاهد عيان لكارثة مفزعة). فالعساكر المشاء لم يكونوا منظمين. والمدفعيون أقل منهم تنظيما - إذن فكيف يؤمل في بعض النجاح؟ بل بالعكس. فكان من الواجب أن يعين لقيادة الجيش رجل ذو خبرة وحنكة. وتوضع تحت تصرفه عشرة آلاف من رجال القبائل، فيدفع لكل جندي منهم عشرة (بودجوات) (ثمانية عشر فرنكا) في اليوم، بقصد تشجيعهم وحثهم على القتال. ثم تتوجه تلك القبائل إلى مختلف الأماكن (الاستراتيجية) ليقطعوا الطريق الرابطة بين اسطوالي وبين معسكر القائد (بورمون). وكان من الواجب - أيضا - أن يوضع تحت تصرف الجيش الجزائري جميع أنواع الأسلحة الممكن احتياجهم إليها. فبغير أمثال هذه الخطة لا يمكن أن يتحقق النجاح. وكان الأشخاص الجهلاء الموجودون في حوزة هذا المفتي، قد لاحظوا: (أن حمدان أصبح رجل الفرنسيين، لأنه سافر إلى بلادهم وأعجب بنظامهم، وعلى هذا الأساس يجب الاحتراس منه). ثم ختموا كلامهم بقولهم: (إذا قطعت الطرق على الفرنسيين المغتاضين، فإنهم سيعملون على إرهاقنا ويحملون علينا حملة رجل واحد ; انتقاما لأنفسهم من أجل العراقيل التي وضعناها في سبيلهم). وفي الغد أدرك الباشا أن تخميني في إبراهيم آغا قد تحقق، وتبين له أن هذا الآغا لم يكن سوى رجل ساقط لا قيمة له. ثم عزل إبراهيم آغا وسمى باي تيطري آغا في منصبه. ولكن لا فائدة في استبدال هذا بذاك، فلو أن يحيي آغا نفسه الذي ذكرته أعلاه قد عاد في هذه الظروف وأسند إليه أمر الجيش، ما اتسطاع أن يغير شيئا في الأوضاع، لأن الحالة قد تأزمت والأفكار أصبحت مضطربة، فلم يبق اتساع في الوقت لإيجاد الوسائل التي يمكن بها

стр. 156

الدفاع عن الجزائر. ثم ان الآغا الجديد قد دخل منزله بهدوء واطمئنان ليجمع غنائمه. وقد بلغني أن نبوغ هذا المحارب (الآغا الجديد) كان محصورا في اختياره للبنادق الطويلة. ليستعملها - هو نفسه - في إطلاق الرصاص على الفرنسيين!! وفي هذه الحالة ظن حسين باشا أن من الواجب إرسال الخزناجي إلى (برج مولاي حسن)، وكمل ما كان يطمح إليه هذا الرجل هو أن يستطيع نسج دسيسة تمكنه من كسب جميع الإنكشارية وجعلهم تحت أمره، ثم الإطاحة بحسين باشا ليستولي على الحكم. وعلى هذا الأساس قد وضح مشروعا يهدف إلى إبرام صلح مع الفرنسيين بالشروط التي يريدون اشتراطها، كما أنه سيقف نشيطا بجانبهم، عندعا يتحرك جيشهم صوب (برج مولاي حسن). وحينما رأى (الخزناجي) هجوم الفرنسيين عليه، أضاع شجاعته، واستولى عليه الرعب إلى غاية أنه ذعر ونسي أن يغلق أبواب البرج. أما أتباعه فقد أصبحوا أكثر منه ذعرا، فراحوا يفتشون عن جميع الوسائل التي تمكنهم من الفرار بأنفسهم. ثم لما رأى الخزناجي أنه بقي - تقريبا - وحيدا في وسط هذا الخطر المهدد، هرع في الحين إلى ذر مادة البارود في خط يربط مكان وجوده بمستودع البارود، ثم أضرم النار في المادة فتسربت إلى المستودع، فانفجر ونسف البرج. وكان من حسن الحظ أن ينفجر المستودع الصغير، دون الكبير الموجود أسفله، إذ لو انفجر هذا المستودع لكانت المدينة تقاسي أكثر مما قاسته، بسبب احتوائه على أكبر كمية من البارود، وقبل هذه الحادثة كانت لحسين باشا فكرة سامية في هذا الخزناجي، إذ كان كثيرا ما يستشيره ويأخذ برأيه. وعندما دخل (بورمون) برج مولاي حسن) جمع حسين باشا جميع أمناء البلاد ووجهائها، ورجال التشريع الخ ... وشرح لهم الحالة الخطيرة التي توجد فيها مدينة الجزائر، ثم طلب منهم أن يبدوا نصائحهم، من أجل إيجاد وسيلة مفيدة لمعالجة الضرر. فقال لهم: (أصدقائي! لا جناح عليكم أن تعبروا - بصراحة - عن آرائكم: ففي مثل هذه الظروف قد

стр. 157

قد أصبح التشاور وتداول الآراء شيئا واجبا، بالنسبة إلى النظر في الوسائل الأكثر تأثيرا ونجوعا. ولست سوى واحد منكم، فماذا ترون؟ فهل يمكن لنا أن نقاوم الفرنسيين مدة طويلة، أو نسلم إليهم المدينة بعد إبرام معهم معهدة تعرف بـ (معاهدة التسليم)؟ فهذه الأسئلة قد أقعت أعيان المجلس في حيرة، لأنهم يجهلون ما يكنه هذا الباشا، أهو صريح معهم فيما فاه به؟ أم تكلم بذلك من أجل سبر أغوار آرائهم؟ وكذلك كانوا يخشون أن الباشا لا يريد بهذه الأسئلة سوى معرفة مدى تأثير النشرات التي أطلقها (بورمون) في صفوف الرعية بالجزائر (وسأتحدث - فيما بعد - عن جميع هذه النشرات) وكانوا يعتقدون أن من الواجب إخفاء آرائهم في مثل هذه الظروف. وأنهم يخشون بعض تأثيرات الداي وإغاظته؛ إذا هم أبدوا رغبتهم في السلم. ولذلك كان الجواب العام كما يلي: (إننا نقاتل حتى آخر شخص منا، بيد أنه إذا كان سموكم يفضل وسيلة أخرى، فلكم الكلمة العليا والأمر المطاع فيما ترونه ملائما، ونحن تحت أمركم وعند إرادتكم). ثم افترق المجلس بنية متابعة القتال. ومع ذلك، فيجب الاعتراف بأن انتشار النشرات باسم الدولة الفرنسية. التي عرفت بالشهامة والعدالة، قد ساهم كثيرا في استمالة الرعية، وجعل الأشخاص البصراء المعتدلين يفكرون في تفصيل الوسائل السلمية. وبعدما أمعنوا في التفكير قالوا فيما بينهم: (إننا دون أن نعرض حاكم البلاد للخطر، يجب علينا - في نفس الوقت - أن لا نجنح إلى أقصى التشديد المؤدي بالمدينة وسكانها إلى الخطر الكبير). وبعد هذأ التعقل يسهل علينا أن ندرك أن أعيان البلاد لم يكونوا يخشون أنهم سيصبحون رهن الظلم والسلب والتقتيل. ولو حشوا ذلك لقاتلوا الفرنسيين بكل ما يملكون من قوة وبسالة، بل لو كانوا يفكرون أنهم سيرون الفرنسيين يعاملوننا مثل معاملتهم إيانا الآن لضحوا بالكل في سبيل الكل، لأن منافع الحرب - كما أنبأنا المؤرخون - رهينة الاستبسال ووضع حياة النفوس في أكف الأخطار. فالحياة السعيدة - على هذه البسيطة - محفوفة بالمصائب

стр. 158

العظيمة؛ ومن أراد شراءها فعليه أن يدفع ثمنها من دمه الخاص. ولذلك يقول القدامى: (من لا يغامر لا ينال شيئا). وهكذا - إذن - أصبحت جميع قوانا - التي كان في إمكاننا أن نبليها - مشلولة، بسبب موجة هذه النشرات الكاذبة، التي لا دخل لها في الحيل الحربية، إذا كان المقصود منها إعطاء كلمة الشرف والتعبير عن النية الحسنة. وكانت هذه النشرات تضم مواعد حقيقية قطعية: نستطيع أن نجهر بأن الفرنسيين لم يوفوا بها. وذلك يعتبر ارتكابا لخطيئة سياسية. وفي نفس الليلة اجتمع عدد من أعيان الجزائر بـ (برج باب البحرية). وكان هؤلاء الأعيان يتألفون من تجار وأصحاب رؤوس أموال. فاتضح لهم أن خسران مدينة الجزائر شيء محتم لا مفر منه، وأن الفرنسيين متى دخلوا بالقوة واستولوا على المدينة عنوة، فإنهم لا يكفون عن السلب والنهب، وقتل جميع السكان، بما فيهم النساء والصبيان، دون مقاومة. فمن الأحسن أن نأخذ باقتراحات الداي السلمية التي ترمي إلى إبرام معاهدة تسليم البلاد بشروط نعقدها مع قائد الجيش الفرنسي. وفي اعتقادنا أن دولة (مثل فرنسا) ذات سيادة واحترام، لا تسمح لها مكانتها بمخالفة هذه الشروط أو خرق تلك المعامدة ; بل سوف نصبح تحت جناحها نتمتع بالحرية وننعم بالعدالة والإنصاف. ليحكمنا زيد أو عمر! أي منهما على السواء. فالمهم أن تكون شؤوننا مدبرة على أحسن ما يرام، وحسبما تقتضيه أسس الحكومة الفرنسية، ولكن هل يبقى ديننا محترما؟ إن الدين أمر معنوي يتعلق بالعقل والقلب، فلا يتجادل فيه. ثم إن الفرنسيين بشر مثلنا، والأخوة البشرية قد جمعتنا معهم. وإذا كانت المدنية قد أسست على حقوق الإنسان، إذن فلا شيء يخيفنا من حكومة متمدنة. وهكذا كانت انعكاسات أفكار هذا المجلس. التي انتهت بقرار يقضي بعدم مقاومتهم للجيش الفرنسي.

стр. 159

نعم. كان من واجبنا أن نفضل حكومة الأتراك؛ لأننا قد جمعنا وإياهم دين واحد؛ ولكن الظروف قد أجبرتنا أن نستبدل بها الحكومة الفرنسية، التي وعدتنا باحترام ديننا وعوائدنا وأرزاقنا. وإذا لم نفعل ذلك أصبحت حياتنا في خطر، ودماؤنا وديارنا وأرزاقنا مسلوبة، ونساؤنا وأطفالنا مقتولين. وكثرة هذه الاعتبارات قد جعلتنا نفضل إبرام معاهدة السلم، وقد تم ذلك بالفعل. ثم أرسل هذا المجلس - في الحين - وفدا إلى القصبة لإطلاع الداي على هذا المشروع، فكان جوابه لهم: أنه سينظر في القضية، وغدا سيجيبهم عن رغباتهم التي تقدموا بها إليه. وفي الغد أرسل - بالفعل - (المكتابجي) مرفوقا بالقنصل الانجليزي، كرسول صلح وسيدي (أحمد) أبي ضربة وولدي الحاج حسن. وهذان الأخيران أرسلهما كمترجمين، لأنهما يحسنان اللغة الفرنسية. (وكان إرسال هؤلاء الأشخاص الثلاث) من أجل أن يتقدموا إلى القائد العام ليدخل في المفاوضات مع الداي. وكان هذا المكتابجي شريكا مع الخزناجي في الدسيسة التي تحدثنا عنها أعلاه. ولذلك أراد أن يخدع الداي، ويستبد هو بالمفاوضة مع القائد العام، بنية رفع الخزناجي إلى منصب الداي، وبهذه المناسبة تجاسر على هذا القائد وعرض عليه أن يأتيه برأس حسين داي، ثم يوقع - هو - مع فرنسا معاهدة، حسبما تقتضيه رغباتها. فأجابه القائد (بورمون) بقوله: (ما أتيت من أجل تشجيع الاغتيالات، وإنما أتيت من أجل خوض الحرب نعم سأوافق على اقتراح حسين باشا الذي طلب إبرام معاهدة السلم وسأرحب بمشاعره الإنسانية، التي دفعت به أن يستعمل هذه الوسيلة، لكي يحقن كثيرا من الدماء). وهكذا تمت محادثة المعاهدة بنجاح؛ واتفق الطرفان على تحريرها بالنمط التالي: أولا: إن جميع حصون مدينة الجزائر بما فيها حصن القصبة، وكذلك ميناء هذه المدينة ستسلم إلى الجيش (الفرنسي) صباح هذا اليوم في الساعة العاشرة (بتوقيت فرنسا).

стр. 160

للاتصال بقائد الجنرالات والتفاوض معه. كان هذا المقطاجي على علم بمؤامرة الخزناجي التي أشرنا إليها أعلاه، ولذلك أراد بكل مكر أن يتفاهم مع قائد الجنرالات لرفع الخزناجي إلى مرتبة داي واقترح على قائد الحملة أنه يحمل إليه مقابل ذلك رأس حسين داي ثم يبرم مع فرنسا معاهدة تكون حسب رغبتها ولكن الجنرال بورمون أجابه قائلا: (إنني لم آت لتشجيع القتالين وإنما لأحارب. وإنني لا أرضى باقتراح حسين باشا الرامي إلى تحديد شروط الاستسلام. إنني مبتهج لهذه العواطف الإنسانية، لأنه بعمله هذا يمنع سفك كثير من الدماء). وهكذا إذن وقع النقاش حول الاستسلام، وتم الاتفاق عليه من الطرفين كما يلي: اتفاقية بين قائد جنرالات الجيش الفرنسي وسمو داي الجزائر: ١ - يسلم حصن القصبة وجميع الحصون الأخرى التابعة للجزائر وكذلك ميناء هذه المدينة إلى الجيوش الفرنسية، هذا الصباح على الساعة العاشرة (حسب توقيت فرنسا). ٢ - يتعهد قائد جنرالات الجيش الفرنسي بأنه يترك لسمو داي الجزائر حريته وكذلك جميع ثرواته الشخصية. ٣ - الداي حر في الانسحاب مع أسرته وثرواته الخاصة إلى المكان الذي يحدده، وسيكون هو وكامل أفراد أسرته تحت حماية قائد جنرالات الجيش الفرنسي، وذلك طيلة المدة التي يبقاها في الجزائر، وستقوم فرقة من الحرس بالسهر على أمنه وأمن أسرته. ٤ - يضمن قائد الجنرالات نفس المزايا ونفس الحماية لجميع جنود الميليشيا.

стр. 161

٥ - تبقى ممارسة الديانة المحمدية حرة، كما أنه لن يقع أي اعتداء على حرية السكان من جميع الطبقات ولا على دينهم وأملاكهم وتجارتهم وصناعتهم، ونساؤهم سيحترمن. إن قائد الجنرالات يتعهد بشرفه على تنفيذ كل ذلك. وأن تبادل هذه الاتفاقية سيتم قبل الساعة العاشرة من هذا الصباح، وبعد ذلك مباشرة تدخل الجيوش الفرنسية إلى القصبة ثم إلى جميع حصون المدينة والبحرية. في المسعكر المخيم أمام الجزائر، يوم ٥ جوليت سنة ثلاثين وثمانمائة وألف. إمضاء: كونت دوبرمون خاتم حسين باشا، داي الجزائر وعندا علم العرب والقبائل بدخول الجيش الفرنسي إلى الجزائر، ظنوا أنه فعل ذلك عنوة لا عن طريق المفاوضات، واعتقدوا، كذلك؛ أن المدينة نهبت، ولذلك قاموا بدورهم ينهبون ويخربون ديارنا في البادية حتى لا يستفيد منها الفرنسيون على حسابهم. وهكذا، أخذوا كل ما يمكن حمله: المواشي، الخيل، البغال، الخ ... وأشعلوا النيران في المخازن، وكسروا جرار الزيت والزبدة، ثم اصطحبوا معهم كل ما قدروا على نقله حتى لا يتركوا شيئا للفرنسيين، وبدورهم، قام هؤلاء الأخيرون باقتلاع سياجات الحديد، وتهديم الحمامات وحملوا إلى الأسواق ما تبقى من أشياء فباعوها أمام أعيننا، وبذلك يكون الفرنسيون قد اتبعوا طريقة البرابرة، بل إنهم كانوا أكثر فسادا، لأنهم هدموا ما كان مبنيا وخربوا ما كان موجودا.

стр. 162

لقد كان العرب والقبائل يعلمون أن متيجة كلها كانت ملكا لسكان الجزائر ولذلك نهبوا وخربوا كل ما كان في متناولهم. وسأعود، فيما بعد إلى الكلام عن هذا الحادث المؤلم.

стр. 163

الفصل الثالث عن تفاصيل دخول المارشال بورمون إلى الجزائر لقد قام كثير من الضباط الفرنسيين بوصف الظروف التي غادر فيها الداي وحاشيته القصبة، وغذ أوردوا ذلك في مؤلفاتهم، فإنهم كفوني مشقة وصف تلك الاحتفالات، وسوف لن أهتم إلا بالخاصيات التي وقعت، والتي ألمت. عندما غادر القصبة، لم يمس حسين باشا أي شيء مما هو تابع للخزينة العامة ولم يسمح لأحد بأن يفعل دلك. لقد كان يرى نفسه مسؤولا حسب شروط الاستسلام عن كل ما يمكن امتلاكه. وبذلك لم يؤخذ أي شيء من كنوز الجزائر، واستطاعت فرنسا أن نتسلمها كاملة. كان يوجد من القصبة صندوق مستفل يشتمل على حوالي ٢٠،٠٠٠ فرنك أداء النفقات اليومية التافهة، وكان صاحب هذا الصندوق يقيم حسابا جاريا كما سنرى ذلك فيما بعد. أن هذا المبلغ قد ضاع، على حد ما يقال، ولا ندري من الذي أخذه. أما المحفوظات حيث كانت الدفاتر والسجلات مودعة فإنها ظلت محترمة. وكان هناك مكان توجد فيه ورقات طائرة عليها

стр. 164

معلومات معدة لتيجيل في الدفاتر اليومية وفي دفتر المقطاجي كما بينا ذلك أعلاه. ولقد أخذت هذه الأوراق وشتتت. ومن الممكن أن الفرنسيين الذين أخذوها كانوا يظنون بأنها تشتمل على معلومات ذات قيمة؛ بينما لم تكن لها، في الحقيقة أية أهمية. وهكذا، ضاعت الأوراق على الأرض، ولقد مشيت بنفسي على بعضها في حي القصبة. لقد كانت هناك، في ذلك الحين، فوضى وعدم نظام لا مثيل لهما. كان قنصل السويد يملك ويسكن دارا للاستحمام. وكان ذلك المسكن محلى ومجهز بأفخر الأثاث وأواني الفضة وغيرها من الأشياء الثمينة. وعندما وصل الجنرال بورمون إلى أبي زريعة (١) طلب منه أن يخلي الدار ليفتح حيطانها على حد قوله، ويتمكن من مهاجمة حصن الأمبراطور. وبعد أن تشاور مع زملائه في هذا الشأن خضع القنصل لرغبة الجنرال، ولكنه حمله مسؤولية الخسائر التي قد تحدث من جراء هذا العمل العسكري. وقبل أن يخرج من داره؛ أخذ كل حذره، فجمع في بيت مستقل جميع الأشياء الثمينة ثم سد الأبواب. وعلى الرغم من هذه الاحتياطات، فقد أخذ كل شيء، وقطعت الأشجار، وقع تخريب لا مثيل له في جناحه. وظن القنصل المذكور أن من حقه أن يتقدم بطلب للمرشال بورمون قصد الحصول على قيمة الخسائر التي لحقت به ولما لم يتصل بأي جواب، اشتكى لحكومته التي أمرته بأن يتوجه إلى الحكومة الفرنسية، ولا أدري أين أصبحت القضية، وكل ما أستطيع قوله هو أن هذا القنصل كان رجلا فاضلا ونزيها، ويبدو أن ثروته كلها كانت مخزونة في جنان المسكن.

стр. 165

إن الجنرال بورمون لم يجب لا دعوات الخواص ولا طلبات من كانت لهم ديون في ذمة الدولة. ومع ذلك فإن الحق العام المعمول به في جميع البلدان يحتم على كل حكومة أو من يخلفها أن تدفع ديونها كما أنه يسمح لها بمطالبة المدينين بما لها عليهم. إن حكومة العودة (٢) قد دفعت ديون الإمبرطورية، كما أن الإمبراطورية وحكومة جوليت (٣) قد دفعت كل منهما ديون الحكومات السابقة. إن الدولة هي الأمة، فهي لا تتغير لأنها راسخة في الأرض، ولذلك فإن ديونها مقدسة. لقد طلبت بنفسي من بورمون أن يسدد لي قيمة كمية من الورق كان الداي قد أخذها مني لصناعة الخرتوش عندعا كان الجيش الفرنسي في سطاولي. وتقدر هذه القيمة بحوالي عشرة آلاف فرنك. ولكن المارشال بورمون لم يتفضل حتى بإجابتي. وكررت هذا الطلب لدى السيد كلوزيل (٤) فسلك مسلك

стр. 166

سابقه وأخيرا دعمت طلبي بوصل من الترجمان، وشهادة جماعة أعضاء البلاط مثل وكيل الحرج والسائجي، ومع ذلك فإنني لم أحصل على المبلغ الذي يمثل قيمة تلك المادة. ولقد سمعت أن فوجرو، المالي المستبد، المتدكتر على حقوق الغير، قد أشار على الحاكم بأن لا يدفع أي دين من ديون الدولة لأنه لو فتح هذا الباب ستتكاثر الطلبات التي يجب إرضاؤها. إن للسادة المسيرين مبادىء واسعة، وتتمطط إلى درجة أنهم يغيرونها كيفما شاؤوا. ولنرجع إلى أحداثنا دون مقارنة ولا تعليق لأن مؤلفنا سيطول لو فعلنا ذلك. إننا نقدمه محدودا في هذا الإطار، إلى عقول القراء وقوة تمييزهم دون أن ندخل، بأنفسنا، في تفاصيل الملاحظات التي يمكن القيام بها فيما يخص كثيرا من الموضوعات. عندما وجد الجنرال بورمون نفسه في القصبة وسط كنوز هامة كما لا يخفى على أحد، فإن جماعة من الحاضرين قد تكون، على ما يقال، أوردت نوادر مختلفة تتعلق بتلك المناسبة، ومفادها أن رئيس الجيش هذا لم ينج من بعض الأطماع وكذلك كثير من ضباطه المقربين. غير أن هذه ليست إلا إشاعات يؤمن بها الجميع، ولكن لا يريد أحد أن يشهد بها. لقد جرت العادة أن يعطي صائدو المرجان، سنويا، للدولة خمسة أرطال من النع الرفيع. وكان ذلك المرجان يجمع ثم يباع فيشكل جزءا من موارد الإيالة. وبعد دخول الفرنسيين جاءني أحد اليهود، وطلب مني أن أبعث، باسمي، إلى ليفورنة (٥) عددا من صناديق المرجان. ولما كنت أجهل الطريقة

стр. 167

التي كسبه بها، اشترطت عليه - قبل أن ألبي رغبته - بيانا يثبت بأن المرجان الموسوق ملك له حتى أكون في مأمن مما قد يقع. ولقد أجدت فعلا إذ اتخذت هذه الاحتياطات لأن السيد فوجرو، عندما اكتشف إرسال هذا المرجان، طلب مني بعض التوضيحات، فقدت له بيان اليهودي، وبعد ذلك لم أسمع شيئا عن هذه القضية، اللهم إلا أن الظواهر تدل على أنها سويت بالتراضي بين اليهودي والمالي الفرنسي. لقد تعود خالي، أمين الشركة، على غرار سابقيه أن يأخذ من الخزينة كميات موزونة من الفضة لتصنع منها النقود، وكانت تلك الفضة في صندوق بدار العملة تحت تصرف يهودي كان هو أمين صندوقه، يقدم له حسابات كل ما يدخل وما يخرج من هذه المادة. وكان ذلك الأمين مكلفا، أيضا، بصندوق آخر فيه مادة الذهب المعدة لصنع النقود. ومفتاح هذا الصندوق الأخير يوجد عند نفس الأمين الذي كان يدفع إلى الخزينة قطع النقود مقابل بعض المواد الأخرى وهكذا دواليك. ولقد كانت حسابات أمين السكة جاهزة على الدوام. وكان باستطاعة أمين السكة، كذلك أن يشتري الأشياء الذهبية القديمة من مختلف الأشخاص والهيئات فيودعها في الخزينة التي تأخذ القيمة بعين الاعتبار (٦). وفي العهد الأخير لحكومة الأتراك، كان لهذا الأمين في صندوقه حوالي

стр. 168

ستين رطلا من الذهب اشتراها بنفسه ليودعها في الخزينة ويأخذ مقابلها مالا وكان في الصندوق، أيضا، عشرة أرطال من ذهب الخزينة. وأثناء قنبلة المدينة، وبما أنه كان من الممكن أن تهدم القنابل دار العملة، فإنه نقل ذلك الصندوق إلى مكان أمين ووضعه تحت سلم متين في نفس المحل. وفي صندوق الفضة، كان هناك حوالي عشرة قناطير من تلك المادة تم صنعها وأصبحت جاهزة لتسك نقودا. وكان مفتاح الصندوق عند أمينها كما سبق أن أشرنا إلى ذلك أعلاه، ولكن عندما غادر الداي القصبة، تخلى أمين السكة، كذلك، عن منصبه. وعندما دخل الجنرال بورمون، استدعى خالي بواسطة السيد بكري الذي كان إذاك بمثابة خادم لذلك القائد. وبعد ذلك بثلاثة أو أربعة أيام دعانا السيد دوبرمون - خالي وأنا - للمثول بين يديه فتوجهنا إلى القصبة، ولكن بدلا من أن يستقبلنا الجنرال، أحالنا على السيد دوني بكيفية غير لائقة. لقد علمت فيما بعد أننا إنما استدعينا بنصيحة من بعضى المناورين الذين كانوا يحيطون بالجنرال. ولما طلب السيد دوني من خالي أن يخبره بما بقي عنده من أموال الخزينة، أجابه قائلا: (عندي عشرة أرطال من الذهب وحوالي خمسة قناطير من الفضة). من الممكن أن السيد دوني قد وجد ذلك مطابقا لكتابات الدفاتر. (أما عن الستين رطلا من الذهب التي اشتريتها. فإنها لي، لأنني لم أحصل على مقابلها، وهي موجودة في دار العملة، الخ ...) وتوقف الحديث عندما حضر السيد دوفال والسيد دوبينيوز (٧) الذي كان معه على ما أعتقد.

стр. 169

سلم السيد دوني إلى خالي مفتاح دار العملة وأذن له أن يذهب إليها صحبة أحد الضباط ليأخد ماله ويترك ما هو للخزينة. وعندما وصلنا إلى الدار وجدنا الأبواب مكسرة وصندوق الفضة محطما بينما لم نجد شيئا تحت السلم؛ ومعنى ذلك أن صندوق الذهب قد ضاع. عندئذ رجعنا إلى السيد دوني وأعلمناه بما جرى فأجاب: (إذن ذلك من عمل الجنود؛ ولكنني الآن، مشغول جدا، تشدني أمور جسيمة، وسأتولى التحقيق في ذلك فيما بعد، فاذهبا). في نهاية هذا المجلد سأتكلم عن كل ما له علاقة بخالي وعن طلبه الخاص بذهبه الذي يقدر بستين رطلا، والذي نهبه الأجناد. وحتى الآن، فإنه لم يحصل على أي شيء بهذا الصدد. أما عن الفضة المصنوعة والجاهزة لأن تسك، فإنها كانت بين أيدي الجنود، وقد اشتراها الصرافون بأسعار بخسة. وعندما غادر الداي القصبة ليكن داره الخاصة؛ وقعت أعمال نهب متنوعة لن أتكلم إلا بما سمعته عنها، لأنني لم أشاهد أي عمل منها. لقد كان المارشال بورمون يقول للسكان ويوهمهم بأن الجيش الفرنسي لن يبقى في الجزائر أكثر من ستة أشهر، وكان يقول أن تلك هي نية الحكومة، وعندما يشرع في الجلاء؛ فإنني أترك البلاد بين أيدي أعيانها وتحت تصرفهم، وكان يقول كذلك أن الجزائر كانت من ممتلكات الباب العالي. وبعد هذا البيان الذي كان يبدو إيجابيا، فإن كثيرا من السكان الذين كانوا يطمحون في الوصول إلى الحكم وفي أن يكونوا من جملة أولئك الذين سيسيرون الحكومة الجزائرية عحا قريب، قد أحاطوا بالمارشال وكونوا حاشية ملازمة له، وناوروا ليبعدوا عن ذلك القائد كل من كانت له كفاءة ومقدرة،

стр. 170

وكل من كان يمكن أن تكون نصائحه مفيدة لصالح سكان المدينة والإيالة. إن الهدف من هذه النشرة هو الكشف عن التجاوزات التي وقعت في الجزائر، والأخبار بأن انقسام سكان هذه المدينة، قد أضر كثيرا بمصالح الجميع، وأن جميع الأهواء المؤدية إلى التفكك، مثل الغيرة والطمع والحقد قد انتشرت، وكانت سببا في نفي بعض الأعيان وإخلاء المدينة، إن الشر هو المسيطر، والويل للمغلوبين ولقد كان الخلاف سائدا بين السكان وكل الأشخاص الذين استهوتهم تلك الغاية قد تقربوا من المارشال بورمون وأظهروا له إخلاصا لا حدود له لمواصلة مشاريعهم الجنونية آملين أنهم سيخلفون الفرنسيين فيما بعد. ولكن، لقد مضت أكثر من ثلاث سنوات وهؤلاء ما يزالون يحكمون، وما نشاهده من سيرة هؤلاء السادة يجسم تماما تلك المساوىء المشتركة عند الناس أي حب الذات والأنانية، والضعف والعمى والكبرياء ليس هذا هو الوقت الذي تثار فيه الأحقاد بمثل هذه الدنايا والتفاصيل الشخصية، ولذلك، فإنني أفضل تعميم الأحداث لأقترب، بذلك، أكثر فأكثر من أسلوب المؤرخ الحقيقي، لعل الأجيال المقبلة تستفيد من بعض ما أرويه هنا.

стр. 171

الفصل الرابع عن الاحتلال العسكري إن أعيان مدينة الجزائر وأعضاء الحاشية (٤) الذين لا يسكنون القصبة قد وضعوا مساكنهم تحت تصرف ضباط الجيش السامين ليسكنوها. فكانت لكل واحد حصته، وبهذا الصدد أقول أن الجنرال لوواردو، الذي كان يسكن دار الآغا إبراهيم، كان رجلا شريفا حقا ذا أخلاق كريمة في مستوى أمة عظيمة , لقد ملكوه بهذه الدار وما حوته، ونقول بسرعة إنها لم تصب بأي ضرر، ولم يضع منها شيء. فهو لم يكتف بعدم الإضرار بها، ولكنه منع الحاشية وغيرها من أن تفسد فيها وتعبث. وتستحق عنايته هذه كل تقدير، لأنه طلب، قبل مغادره المسكن، من السيد سان جوهن القنصل الإنكليزي ووكيل إبراهيم أن يدون كل ما وضع تحت تصرفه.

стр. 172

وإذا كانت مثل هذه الأفعال تستحق الذكر، فهناك أفعال أخرى، ولكن معاكسة يجب أن يشهر بها. إني أعرف حق المعرفة أنه كان يوجد في مسكن باي قسنطينة، بالجزائر ملابس وأشياء أخرى تقدر قيمتها بأكثر من مليون فرنك. تتمثل هذه الأشياء في حياك وبرانس وأوان فضية، الخ ... ويبدو أن الضابط السامي الذي أعطي له هذا المسكن، كان يعتقد بأن له الحق في التمتع بكل ما اشتملت عليه. فيقال أنه باع كل شيء بمبلغ ٢،٢٠٠ فرنك لأنه لم يكن يعرف القيمة الحقيقية لتلك الأشياء وقد استفاد من هذا النهب أحد اليهود المحيطين به، اسمه ابن دران، الذي اشترى منه كمية هائلة من الملابس تطلب نقلها سبعة أيام. هناك ديار أخرى كان لها نفس المصير، وجد اليهود في ذلك تجارة رابحة. ولقد استطاع كثير منهم أن يحملوا، بواسطة التخويف بعض السكان الأثرياء على بيع أثاثهم وأمتعتهم قبل أن يأتي الفرنسيون للاستيلاء عليها. وكدليل على ما أقول أذكر الحادث التالي: لقد حمل اليهودي بكري وكيل الحرج على أن يبيع له أثاثه الثمين وأنواعا مختلفة من أمتعة الزينة، تقدر قيمتها بحوالي خمسين ألف فرنك بمبلغ أربعة آلاف فرنك. ولم يدفع له ذلك نقدا، وإنما وقع له سندا لأجل معلوم. ثم نفي وكيل الحرج هذا، وبقيت القيمة عند بكري، وبما أن هذا الأخير أصبح الآن غير قادر على الدفع، فإنه لا يملك إرغامه على تأدية ما عليه. وهناك ألف قضية أخرى تشبه هذه، وهي حقيقة على الرغم من أنها تبدو مستبعدة، وإنني لا أكاد أصدق أعيني، بالرغم من أن الأمور كانت تقع بمحضري.

стр. 173

ومن جملة المؤلفات التي نشرت حول أحداث الجزائر، لا شك أن بعضها قد تكلم عن كل هذه الخاصيت. وإذا أهمل ذكرها، فإنه ينبغي أن نفترض بأن المصلحة الشخصية هي السبب في ذلك.

стр. 174

الفصل الخامس عن البيانات منذ أن وقع الغزو الفرنسي بعد أن تم التوقيع على معاهدة الاستسلام، توجه خليفة باي وهران مع كل من كان معه إلى مقاطعته وبما أنه أسرع في سيره، فإنه كان أول من نقل خبر كارثة الجزائر إلى سكان تلك المقاطعة. لقد كانت الطرق ما تزال هادئة ولو لم يكن كذلك لعرقل الأعراب مسيرته. وفي نواحي وهران التقى بالباي وأخبره بالحادث. كان هذا الباي عاعنا في السن، ولم يكن له أطفال. وبما أنه لم يكن يأمل الاحتفاظ بمنصبه بعد سقوط الجزائر، فإنه رجع إلى وهران ينتظر نتائج تلك الظروف الحرجة. وعندما علم العرب بأن الفرنسيين دخلوا إلى الجزائر، رفضوا أن يواصلوا الاعتراف بسلطة الباي وشقوا عصا الطاعة. وزيادة على ذلك نهبوا المزارع التابعة لباي وهران، واستولوا على كل ماشيته كالدواب والخيل الخ ...

стр. 175

إنهم كانوا يعتقدون أن الفرنسيين يريدون غزو كامل الإيالة، وعليه قاموا بنهب كل ما كانوا يلاقونه للاستفادة منه بدلا عن تركه لهم. وحتى لو أراد حسن، باي وهران، أن يتفاهم معهم مثل ما فعل باي التيطري، لما استطاع ذلك لأنه لم يكن محبوبا. كان حسن شيخا قد مل الحكم، ولذلك لم يكن يطمح إلا في حياة هادئة. وكان يأمل أن الفرنسيين سيحترمون راحته إذا ما أظهر أنه لا يضمر لهم العداوة. وعلى العكس، فإن باي التيطري الذي كان يدفعه الطموح قد جمع سائر الأتراك الذين أرادوا أن يتبوه، واقترب من الجزائر رغبة في الاتصال بالفرنسيين، واستطاع بفضل نفوذ صديقه بكري أن يحصل على مرتبة آغا بتعيين من المارشال بورمون. ولكن هذه الأوضاع ستعكر، فيما بعد، بسبب إحدى المناورات، فيعزل بدون ما سبب ويستبدل في منصبه كآغا العرب بحمدان بن أمين السكة (١)، وعندما حان الوقت، الذي فقد فيه بورمون كل سلطة بالجزائر قدم باي التيطري هبات كثيرة للتمكن من الرجوع إلى المدية، ومواصلة تسيير للبايلك كما كان في السابق وسأقص كل هذه المغارات فيما بعد. أما باي قسنطينة، فإنه رجع إلى مقاطته متبعا الساحل حيث وجد كثيرا

стр. 176

من المدافع والذخيرة الحربية. وقد تمركز مدة ثلاثة أيام في نواحي الدار البيضاء ليجمع الخيل والبغال التي كانت للدولة، وكذلك كل ما استطاع أن يعثر عليه في مزارع الدولة وضيعها. فجمع حوله ثلاثة آلاف تركي وعددا كبيرا من أسر مدينة الجزائر التي تركت المدينة لأن بعضها لم يعد مطمئنا لها بينما هرب البعض الآخر خوفا من الظلم. لقد أخذ باي قسنطينة، إذن، كل هذا العدد الكبير من الناس تحت حمايته. وكان يوجد ضمن هذا العدد حوالي خمسمائة امرأة، ولم تؤخذ المؤن لمجابهة أتعاب الطريق لأنه لم تكن هناك استعددات لهذه الرحلة. غير أن باي قسنطينة، قد برهن، في هذه الظروف الطارئة، على كثير من الإنسانية والبطولة، وأن أعماله لكفيلة بأن تمجد، إذ تولى بنفسه إشباع جميع الحاجات الضرورية لهذه الهجرة، وثم اتخاذ كل ما يمكن من الإجراءات. ثم سار بقافلته نحو قسنطينة، ووعد الأتراك بنصف أجورهم. وقد وصل الجميع إلى أبواب تلك المدينة دون أن يمسهم البرابر بأذى. عندئذ وسوس الشيطان لذلك العدد العديد من الأتراك وأوحى لهم ذلك المشروع الفظيع الرامي إلى عزل القائد الذي أوصلهم إلى هناك. إن الحاج أحمد باي قسنطينة، لم يعدهم إلا بنصف الأجر، ولكي يحصلوا على الأجر كله فكروا في عزله من منصبه واستبداله بابن شاكر باي (٢) وقد كان شاكر هذا بايا على قسنطينة. ولكن الابن كان شريرا وسكيرا.

стр. 177

غير أنه وعد، وقبلت الشروط ثم وقع الاتفاق. وبالفعل، ففي اليوم المحدد لدخولهم إلى قسنطينة ترك الجنود أبواب المدينة وابتعدوا بحوالي ميلين: هناك كان رئيسهم الجديد في انتظارهم. وبعد ذلك بقليل أخبروا الحاج أحمد بنواياهم، وصرحوا له بأنه ينبغي أن يعتبر نفسه معزولا. ولم يضيع هذا الباي لحظة واحدة في إخبار سكان قسنطنية بتلك الإجراءات الغادرة، وقال لهم أنه لا يريد أن يكون سببا في نشوب حرب أهلية، وإذا كانت لهم نفس نوايا المتمردين، فإنه يرجوهم أن يخرجوا من المدينة كامل أفراد أسرته، وإنه بعد ذلك سينسحب إلى الصحراء عند أهله (٣)، إنه كان يفضل أن يتصرف كذلك بدلا من أن يسفك دماء مواطنيه. بعد أن وصلت هذه المعلومات إلى أعيان المدينة والفقهاء، اجتمعوا للتشاور حول الحزب الذي يجب أن يختاروه، وقد تقرر ما يلي: إن الحاج أحمد باي قد عين من طرف حسين باشا، وكان هذا الأخير وكيلا للسلطان. ولذلك لا نعترف إلا بسلطة السلطان. وأن السلطان ما يزال موجودا وإذا كان ممثله في الجزائر لم يعد موجودا سياسيا، فإن ما قام به هذا الأخير قد تم بموافقة الباب العالي وعليه يجب أن يكون الحاج أحمد هو رئيسنا، وهو صالح لنا فعلا. ولا نستطيع تغيير هذه الأمور دون أن تكون هناك تعليمات جديدة من الباب العالي. ونظرا إلى المسافة الفاصلة بين البلدين، وفي حالة وفاته فإنه يمكننا أن نختار، دائما بموافقة السلطان، من يصلح بنا لحماية الأمن والسهر

стр. 178

على هدوء البلاد وفي جميع الحالات، فإن ابن شاكر مغامر، ولا يمكن أن يكون تعيينه شرعيا. وهكذا، إذن، فإننا لن نواصل اعترافنا بسلطان الحاج أحمد باي فقط، وإنما ينبغي أيضا أن نعترف به كباشا ليتمكن من تهدئة القبائل والعرب، إنه سيخلف باشا السلطان، وبعد ذلك نطلب رأي السلطان فيوافق أو لا يوافق على هذا الإجراء. وفي الحين أرسل هذا القرار إلى الحاج أحمد، وأخبر بأن جميع السكان مستعدون لحمايته ضد أعدائه لأنهم يعتبرونه كباشا، وعندئذ توجه لمحاربة المتمردين وهزمهم. وليبرهن هؤلاء الأخيرون على خضوعهم، أرسلوا له رأس قائدهم. وزيادة على ذلك اشترط الحاج أحمد أن يسلم إليه المحركون الرئيسيون لهذه الثورة وعددهم عشرون، فينفيهم إلى تونس. غير أن عددا منهم قد هرب وتفرق في أوساط القبائل والعرب. وبعد ذلك دخل الحاج أحمد منتصرا إلى قسنطينة. وبعد هذا الحادث، أرسل باي قسنطينة قرار أعيان هذه المقاطعة إلى باقي سكان الإيالة ودعاهم إلى طاعته ففعلوا. ثم طلب من سكان عنابة أن يرسلوا له كمية من الذخائر الحربية، وولى عليهم المسمى الحاج عمار الذي كان وكيلا له في تونس. ولكن الحاج عمار هذا كان يحظى بسمعة سيئة في عنابة، وكان يعتبر حاكما عاجزا، وبما أنه كان قد شغل هذا المنصب في نفس المنطقة، فإن السكان أصبحوا يقدرونه حق قدره. وعلى هذا الأساس شق سكان عنابة عصا الطاعة؛ فلم يمتثلوا لأوامر الحاج أحمد باي ورفضوا أن يرسلوا له ما طلبه من ذخيرة، ولما أحس الباي

стр. 179

وعليه فقد آن الأوان لتتسلحوا ضد الفرنسيين، ولتتحدوا قصد طردهم. وهكذا، إذن، اتحدوا فيما بينهم، وأمنوا الطرقات. لقد توقعوا أن يقوم الفرنسيون بنهب الجزائريين، ولذلك سارعوا إلى الاستيلاء على ممتلكات سكان مدينة الجزائر في متيحة، إنهم لم يتركوا ماشية ولا حبوبا.

стр. 180

الفصل السادس عن إدارة المارشال بورمون عندما نزل المارشال بورمون بأرض الجزائر، نشر، باسم الأمة الفرنسية، بيانا ذكر فيه بأنه سيقضي على نظام اظلم السائد في الجزائر. وتنص معاهدة الاستسلام على أن الأتراك يعتبرون من سكان المدينة. ولكن، بعد استسلام المدينة بفترة وجيزة، قام بورمون بنفيهم واختطافهم. ففصلوا عن نسائهم وأطفالهم دون أن يقترفدا أي ذنب. وكانوا يقادون إلى السفن قبل ساعة الإبحار بأيام عديدة. وأشيع أمام الرأي العام بأنه ثبت أنهم ينوون التآمر ضد الفرنسيين، وهي جريمة مزعومة لا أساس لها من الصحة. ألم يكن من حق رجل كالسيد دوبرمون، المكلف بمهام سامية والمتمثل لأمة متحضرة، أن ينظر في المسألة ليتأكد من صحة أو عدم صحة الاتهام؟ وهل يمكن أن يكون لذلك أساس؟ .. أن قلة عددهم وكذلك ضعفهم لا يسمحان لهم بتدبير أية مؤامرة. وقد كان عليه قبل أن يتصرف بهذه الكيفية،
следующие страницы →