Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الليل، -فإمَّا أرسل إلىَّ، وإمَّا لقيته- فقال: ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلى، فصم وأفطر، وقم ونم، فإن عليك حظا، وإن لنفسك وأهلك عليك حظا" قال: إنى لأقوى لذلك، قال: فصم صيام داود ﵇" قال: وكيف؟ قال: كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى، قال: من لى بهذه يا نبى اللَّه! قال عطاء لا أدرى كيف ذكر صيام الأبد قال النبى ﷺ لا صام من صام الأبد "مرتين" وهذا لفظ البخارى أما لفظ مسلم: فقال النبى ﷺ لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد" ثم قال مسلم أبو العباس: السائب ابن فروخ من أهل مكة ثقة عدل اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب عدم ارهاق النفس.
٢ - كراهية صيام الدهر فعلا لما يخاف فيه من الانقطاع.
٣ - أن شريعة اللَّه مبناها التيسير.
٤ - كراهية التنطع فى الدين.
стр. 1332
باب الاعتكاف وقيام رمضان
стр. 1333
١ - عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
[المفردات]
الاعتكاف: هو الاحتباس والمراد به الاحتباس فى المسجد والمقام فيه للصلاة وتلاوة القرآن وذكر اللَّه .
قيام رمضان: أى صلاة التهجد والتراويح فى ليالى رمضان.
قام رمضان: أى قام فى لياليه مصليا.
إيمانا: أى تصديقا بوعد اللَّه بالثواب عليه.
واحتسابا: أى طلبا للأجر من اللَّه تعالى لا رياء ولا سمعة.
غفر اللَّه ما تقدم من ذنبه: أى تجاوز اللَّه تعالى له عما مضى من سيئاته.
[البحث]
جاء فى رواية لمسلم من طريق الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُرَغَّب فى قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فتوفى رسول اللَّه ﷺ والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك فى خلافة أبى بكر
стр. 1334
وصدرا من خلافة عمر على ذلك" وجاء فى رواية للبخارى من طريق ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" قال ابن شهاب: فتوفى رسول اللَّه ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك فى خلافة أبى بكر، وصدرا من خلافة عمر رضى اللَّه عنهما وعن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه ليلة فى رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلى الرجل لنفسه، ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط، فقال عمر: إنى أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أفضل، ثم عزم فجمعهم على أبى بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعم البدعة هذه. والتى ينامون عنها أفضل من التى يقومون. -يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوله.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب قيام رمضان.
٢ - أن قيام رمضان من أعظم أسباب مغفرة الذنوب.
٣ - ينبغى لمن صلى بالليل فى رمضان أن يحرص على إخلاص النية للَّه وأن يكون عمله طلبا للأجر من اللَّه.
стр. 1335
٢ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر: أى العشر الأخير من رمضان، شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" متفق عليه.
[المفردات]
شد مئزره: هو كناية عن اجتهاده فى العبادة، وانشغاله عن التلذذ بالزوجات.
وأحيا ليله: أى لم ينم أكثر ليله بسبب ما يقوم به من الصلاة وذكر اللَّه.
وأيقظ أهله: أى ونبه أهله وزوجاته إلى القيام للصلاة والعبادة.
[البحث]
قوله: أى العشر الأخير من رمضان" هذا ليس فى الصحيحين ولا فى واحد منهما، ويبدو أنه تفسير من المصنف، وكان عليه أن يشير إلى ذلك، وقد قال فى فتح البارى فى قوله: إذا دخل العشر أى الأخير" وصرح به فى حديث على عند ابن أبى شيبة والبيهقى من طريق عاصم بن ضمرة عنه اهـ واللفظ الذى ساقه هنا هو لفظ البخارى أما لفظ مسلم عنها رضى اللَّه عنها فقد قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشد المئزر" وليس فى قوله: شد المئزر" تحريم الرفث فى الليالى العشر وإنما هو كناية عن شدة الاشتغال عن النساء بذكر اللَّه فى ليالى العشر الأخير، وقد صرح القرآن الكريم
стр. 1336
بحلية ذلك فى ليلة الصيام ومنها ليالى العشر، وقد جرت العادة بأن المشغول بأمر هام يشد مئزره على حد قول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار
وقد روى مسلم فى صحيحه من حدثنا عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يجتهد فى العشر الأواخر ما لا يجتهد فى غيرها" وهذا الحديث وإن كان من رواية عبد الواحد بن زياد فقد صححه مسلم لشواهده على عادته ﵀ كما قال الحافظ فى الفتح. وإنما كان رسول اللَّه ﷺ يجتهد فى العشر الأخير من رمضان التماسا لليلة القدر.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب إحياء ليالى العشر الأخير من رمضان.
٢ - استحباب ايقاظ الأهل لإحياء العشر الأخير من رمضان.
стр. 1337
٣ - وعنها رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه ، ثم اعتكف أزواجه من بعده" متفق عليه.
[المفردات]
وعنها: أى وعن عائشة رضى اللَّه عنها.
стр. 1338
يعتكف: أى يلزم المسجد.
[البحث]
إنما كان يعتكف رسول اللَّه ﷺ فى فى رمضان التماسا لليلة القدر، ولقد كان يعتكف العشر الأول ثم اعتكف العشر الأوسط حتى أعلمه، اللَّه أن ليلة القدر فى العشر الأواخر من رمضان فاعتكف العشر الأواخر لذلك فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط فى قبة تركية على سُدَّتها حصير قال فأخذ الحصير بيده فنحاها فى ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: إنى اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط ثم أتيت فقيل لى: إنها فى العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف" فاعتكف الناس معه، قال: وإنى أريتها ليلة وتر، وأنى أسجد صبيحتها فى طين وماء فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء فوكف المسجد فأبصرت الطين والماء. ولفظ البخارى فى صحيحه من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه: أن رسول اللَّه ﷺ كان يعتكف فى العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهى الليلة التى يخرج من صبيحتها من اعتكافه قال: من كان اعتكف معى فليعتكف العشر الأواخر،
стр. 1339
وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتنى أسجد فى ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها فى العشر الأواخر، والتمسوها فى كل وتر فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فبصرت عيناى رسول اللَّه ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الاعتكاف فى المساجد فى العشر الأواخر من رمضان.
٢ - استحباب الحرص على التماس ليلة القدر.
٣ - جواز اعتكاف النساء فى المساجد إذا لم تحدث بسبب ذلك فتنة.
стр. 1340
٤ - وعنها رضى اللَّه عنها قالت: كان النبى ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه" متفق عليه.
[المفردات]
وعنها: أى وعن عائشة رضى اللَّه عنها.
إذا أراد أن يعتكف: أى إذا عزم على الاعتكاف.
صلى الفجر: أى الصبح.
ثم دخل معتكفه: أى دخل مكان اعتكافه من المسجد.
стр. 1341
[البحث]
لفظ البخارى عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يعتكف فى كل رمضان فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذى اعتكف فيه، وفى لفظ للبخارى من حديث عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان النبى ﷺ يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان فكنت أضرب له خباء فيصلى الصبح ثم يدخله" أما لفظ مسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه فضُرب: الحديث.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن للمعتكف أن يدخل المسجد بعد صلاة الفجر ويبدأ اعتكافه.
٢ - وأنه لا بأس باتخاذ مكان معين فى المسجد للاعتكاف فيه.
стр. 1342
٥ - وعنها رضى اللَّه عنها قالت: إن كان رسول اللَّه ﷺ ليُدخِلُ علىَّ رأسه وهو فى المسجد فَأرَجِّلُه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا" متفق عليه. واللفظ للبخارى.
[المفردات]
وعنها: أى وعن عائشة رضى اللَّه عنها.
فَأرَجِّلُه: أى أمشطه وأدهنه.
стр. 1343
لحاجة: أى للبول والغائط.
[البحث]
قال البخارى فى كتاب الاعتكاف من صحيحه: باب الحائض ترجل المعتكف ثم ساق بسنده إلى عائشة رضى اللَّه عنها قالت كان النبى ﷺ يصغى إلىَّ رأسه وهو مجاور فى المسجد فأرجله وأنا حائض" ثم قال البخارى: باب لا يدخل البيت إلا لحاجة ثم ساق حديث الباب، ثم قال: باب غَسل المعتكف وساق بسنده إلى عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان النبى ﷺ يباشرنى وأنا حائض، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وأنا حائض" أما مسلم فقد ساقه فى كتاب الحيض من صحيحه عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان النبى ﷺ إذا اعتكف يُدنى إلىَّ رأسه فأُرَجِّلُه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاحة الإِنسان" وقد فسر الزهرى حاجة الإنسان هنا بالبول والغائط وقد أجمع أهل العلم على أن المعتكف إذا خرج لهذه الحاجة لا يبطل اعتكافه.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز استعانة المعتكف بزوجته فى غسل رأسه وترجيله.
٢ - أن خروج بعض البدن كالرأس من المسجد لا يبطل الاعتكاف ما دامت رجلا المعتكف فى المسجد.
٣ - جواز خروج المعتكف للبول والغائط.
٤ - أنه لا يصح الاعتكاف إلا فى المسجد.
стр. 1344
٦ - وعنها رضى اللَّه عنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له منه. ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا فى مسجد جامع" رواه أبو داود، ولا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره.
[المفردات]
وعنها: أى وعن عائشة رضى اللَّه عنها.
السنة على المعتكف: أى المشروع فى حق المعتكف.
لما لا بدَّ له منه: أى للحاجة الضرورية التى لا يمكن استغناؤه عن الخروج لها.
[البحث]
أورد أبو داود هذا الأثر فى باب المعتكف يعود المريض قال: حدثنا وهب بن بقية، أخبرنا خالد، عن عبد الرحمن يعنى ابن إسحاق عن الزهرى عن عروة عن عائشة أنها قالت: السنة على المعتكف الخ الحديث. ثم قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: قالت: السنة. قال أبو داود: جعله قول عائشة اهـ قال الحافظ فى الفتح: وجزم الدارقطنى بأن القدر الذى من حديث عائشة قولها "لا يخرج إلا لحاجة" وما عداه ممن دونها اهـ.
стр. 1345
٧ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" رواه الدارقطنى والحاكم، والراجح وقفه أيضا.
[المفردات]
ليس على المعتكف صيام: أى ليس من شرط الاعتكاف أن يكون المعتكف صائما.
إلا أن يجعله على نفسه: أى إلا أن يلتزم به بنذر أو أن يتطوع به.
[البحث]
قال الدارقطنى: حدثنا محمد بن إسحاق السوسى من كتابه حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن نصر الرملى ثنا محمد بن يحيى بن أبى عمر ثنا عبد العزيز بن محمد عن أبى سهيل عم مالك بن أنس عن طاؤس عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" رفعه هذا الشيخ وغيره لا يرفعه اهـ لكن المجد ابن تيمية أخرجه فى المنتقى بلفظ هذا الحديث ثم قال: رواه الدارقطنى وقال: رفعه أبو بكر السوسى وغيره لا يرفعه اهـ وفى كتاب التعليق المغنى على الدارقطنى لأبى الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى: لكن فى التنقيح: والشيخ هو عبد اللَّه بن محمد الرملى اهـ ويظهر أن المجد ابن تيمية ذكر عبارة الدارقطنى بالمعنى مفسرا الشيخ بأنه أبو بكر السوسى شيخ الدارقطنى أما عبد اللَّه بن محمد الرملى فهو شيخ شيخه. وعلى كل حال فعبد اللَّه بن محمد
стр. 1346
ابن نصر الرملى قال ابن القطان: لا أعرفه، قال صاحب التعليق المغنى: وذكره ابن أبى حاتم فقال: يروى عن الوليد بن الموقرى روى عنه موسى بن سهل لم يزد على هذا. وروى أبو داود عن أبى أحمد عبد اللَّه بن محمد الرملى حدثنا الوليد فلا أدرى: أهم ثلاثة أم اثنان أم واحد: والحالة فى الثلاثة مجهولة انتهى، ثم قال: ورواه البيهقى وقال: تفرد به عبد اللَّه بن محمد الرملى، ثم قال أبو الطيب محمد شمس الحق: وصحح البيهقى وقفه وقال: رفعه وهم اهـ.
стр. 1347
٨ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رجالا من أصحاب النبى ﷺ أروا ليلة القدر فى المنام فى السبع الأواخر، فقال رسول اللَّه ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت فى السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها فى السبع الأواخر" متفق عليه.
[المفردات]
أروا ليلة القدر فى المنام فى السبع الأواخر: أى قيل لهم فى المنام إنها فى السبع الأواخر.
ليلة القدر: هى ليلة مباركة جعلها اللَّه تعالى لأمة محمد ﷺ خيرا من ألف شهر وفيها بَدأ نزول القرآن على رسول اللَّه ﷺ وفيها يفرق كل أمر حكيم ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
تواطأت: أى توافقت.
стр. 1348
فى السبع الأواخر: أى فى الليالى السبع الأواخر من رمضان.
متحريها: أى ملتمسها وطالبها بالعمل الصالح فيها والضراعة إلى اللَّه والتماس الخير عنده.
[البحث]
قصة تواطؤ رؤيا الصحابة ليلة القدر فى السبع الأواخر رواها البخارى فى كتاب صلاة التراوج من صحيحه باللفظ الذى أورده المصنف هنا وقد أخرجها البخارى فى كتاب التعبير من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن أناسا أروا ليلة القدر فى السبع الأواخر، وأن أناسا أروا أنها فى العشر الأواخر، فقال النبى ﷺ : التمسوها فى السبع الأواخر" وقد روى البخارى من حديث عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: التمسوها فى العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر: فى تاسعة تبقى، فى سابعة تبقى فى خامسة تبقى" وقد تقدم فى بحث الحديث الثالث من أحاديث هذا الباب ما رواه مسلم من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه وفيه: ثم أتيت فقيل: إنها فى العشر الأواخر" وفى لفظ البخارى هناك من حديث أبى سعيد: فالتمسوها فى العشر الأواخر، والتمسوها فى كل وتر" والواقع أنه لا معارضة بين التماسها فى السبع الأواخر والتماسها فى العشر الأواخر والتماسها فى بعض ليالى العشر الأواخر، فالبعض والسبع كلها داخلة فى جملة العشر الأواخر وهو الأظهر لما تقدم من حديث
стр. 1349
عائشة رضى اللَّه عنها أنه ﷺ كان إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. وما تقدم من حديثها أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه، وما رواه البخارى من حديثها رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه ﷺ قال: تحروا ليلة القدر فى الوتر من العشر الأواخر من رمضان وما رواه مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما بلفظ: من كان يلتمسها فليلتمسها فى العشر الأواخر" وفى لفظ آخر لمسلم من حديث ابن عمر: التمسوها فى العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقى" هذا وبعض العوام يعتقد أن ليلة القدر هى لحظة سريعة يستجاب فيها الدعاء وعندها يبرق نور فى السماء ويسمونها طاقة القدر" وهو تحريف للكلم من بعد مواضعه. فإن اللَّه تعالى أشار إلى أنها ليلة كاملة وأنها تستمر حتى مطلع الفجر.
[ما يفيده الحديث]
١ - التماس ليلة القدر فى العشر الأواخر من رمضان.
٢ - إذا ضعف الإنسان عن التماسها فى العشر الأواخر فلا ينبغى أن يضعف عن التماسها فى السبع.
٣ - ينبغى الحرص على قيام ليلة القدر وكثرة الدعاء فيها.
٤ - جواز الاستناد إلى الرؤيا فى الاستدلال على الأمور الوجودية إذا لم تخالف القواعد الشرعية.
стр. 1350
٩ - وعن معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ قال فى ليلة القدر "ليلة سبع وعشرين" رواه أبو داود والراجح وقفه، وقد اختلف فى تعيينها على أربعين قولا أوردتها فى فتح البارى.
[المفردات]
والراجح وقفه: أى على معاوية رضى اللَّه عنه.
على أربعين قولا أوردتها فى فتح البارى: الذى أورده المصنف فى الفتح البارى هو ستة وأربعون قولا.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ ثنا أبى، أخبرنا شعبة عن قتادة أنه سمع مطرفا عن معاوية بن أبى سفيان عن النبى ﷺ فى ليلة القدر قال: ليلة سبع وعشرين" وقد رجح الحافظ وقفه على معاوية رضى اللَّه عنه، وقد روى مسلم فى صحيحه ما يفيد أن أبى ابن كعب رضى اللَّه عنه كان يجزم أنها ليلة سبع وعشرين كذلك كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رجلا رأى ليلة القدر ليلة سبع وعشرين كما روى مسلم عن عبد اللَّه بن أنيس رضى اللَّه عنه يقول إنها ليلة ثلاث وعشرين وكل هذه الأخبار الموقوفة لا تؤكد أنها ليلة سبع وعشرين أو ثلاث وعشرين بخصوصها وقد أخفاها اللَّه كما أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة ليقع الجد والاجتهاد فى طلبها. واللَّه أعلم.
стр. 1351
١٠ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قلت: يا رسول اللَّه ﷺ أرأيت إن علمت أى ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولى اللهم إنك عفو تحب العفو فاعْفُ عنِّى" رواه الخمسة غير أبى داود وصححه الترمذى والحاكم.
[المفردات]
ما أقول فيها: أى أىُّ الدعاء أحَبُّ أن أدعو اللَّه به فيها.
العفو: الصفح والمغفرة.
[البحث]
قال الترمذى فى أبواب الدعوات من جامعه: حدثنا قتيبة بن سعيد نا جعفر بن سليمان الضبعى عن كهمس بن الحسن عن عبد اللَّه بن بريدة عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قلت يا رسول اللَّه أرأيت إلخ الحديث، ثم قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الحرص على تحرى ليلة القدر.
٢ - استحباب الدعاء بهذا المأثور فى ليلتها.
стр. 1352
١١ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى" متفق عليه.
стр. 1353
[المفردات]
لا تشد الرحال: أى لا تسافروا، فالرحال جمع رحل، والرحل للبعير كالسرج للفرس، وشد الرحال كناية عن السفر.
المسجد الحرام: هو البيت العتيق بمكة المكرمة ومسجده المحيط به. والحرام بمعنى المحرم.
ومسجدى هذا: يعنى المسجد النبوى بالمدينة المنورة.
والمسجد الأقصى: هو بيت المقدس بإيلياء بفلسطين. خلصه اللَّه تعالى من أسر اليهود لعنهم اللَّه وطهره من رجسهم وسمى الأقصى لأنه أبعد من مسجد المدينة المنورة عن مكة المكرمة
[البحث]
قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى: قوله لا تشد الرحال" بضم أوله بلفظ النفى والمراد: النهى عن السفر إلى غيرها قال الطيبى: هو أبلغ من صريح النهى كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به اهـ وقد جاء فى رواية لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه يخبر أن رسول اللَّه ﷺ قال: إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة ومسجدى ومسجد إيلياء" وقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى حكمة اختصاص هذه المساجد الثلاثة بجواز شد الرحال إليها بأنها تتضاعف
стр. 1354
الصلاة فيها فإن الصلاة فى مسجد مكة بمائة ألف صلاة وفى مسجد المدينة بألف صلاة وفى المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال: صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وروى الإمام أحمد من طريق عطاء عن عبد اللَّه بن الزبير قال قال رسول اللَّه ﷺ : صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فى هذا وقد صححه ابن حبان. وروى البزار والطبرانى من حديث أبى الدرداء رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ : الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة فى مسجدى بألف صلاة، والصلاة فى بيت المقدس بخمسمائة صلاة" قال البزار إسناده حسن قال الحافظ فى الفتح: وفى هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ثم قال: واختلف فى شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا، وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها فقال الشيخ أبو محمد الجوينى: يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضى حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة. ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبى بصرة الغفارى على أبى هريرة خروجه إلى الطور وقال له: لو أدركتك
стр. 1355
قبل أن تخرج ما خرجت، واستدل بهذا الحديث، فدل على أنّه يرى حمل الحديث على عمومه ووافقه. أبو هريرة اهـ.
أما السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم فغير داخلة فى هذا النهى بإجماع علماء المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ولقول رسول اللَّه ﷺ فيما رواه مسلم: ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل اللَّه له به طريقا إلى الجنة" وقد أوجب اللَّه تعالى على المختلفين فى شئ أن يرجعوا إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ حيث يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
стр. 1356
والرد إلى اللَّه تعالى هو الرجوع إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرجوع إليه فى حياته وإلى سنته بعد مماته ﷺ ، ولا سعادة ولا نجاة إلا باتباع هذين النورين فإن خير الحديث كتاب اللَّه وخير الهدى هدى محمد ﷺ وقد جاء فى لفظ لمسلم فى صحيحه من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة كما روى مسلم فى صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما قال: هجَّرت إلى رسول اللَّه ﷺ يوما، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا فى آية، فخرج علينا رسول اللَّه ﷺ يعرف فى وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم فى الكتاب" كما روى مسلم فى صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نبى بعثه اللَّه فى أمته قبلى، إلا كان له فى أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخْلُفُ من بعدهم خُلُوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" كما روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه
стр. 1357
بسند صحيح عن العرباض بن سارية رضى اللَّه عنه قال: "وعظنا رسول اللَّه ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: كأن هذه موعظة مُوَدِّع فأوصنا فقال: "أوصيكم بتقوى اللَّه، والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعَضَّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ولا شك أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم اللَّه تعالى لصحبة حبيبه ورسوله محمد ﷺ ولإقامة دينه، وكانوا أعرف الناس بما يقرب العبد إلى اللَّه تعالى، ولم ينقل بسند صحيح ولا حسن عن واحد منهم رضى اللَّه عنهم أنه شد الرحال لزيارة قبر نبى من الأنبياء أو قبر صالح من الصالحين، أو سافر للصلاة فى مسجد غير هذه المساجد الثلاثة التى وردت فى حديث هذا الباب، وحتى مسجد قباء الذى ورد فى فضل الصلاة فيه حديث صحيح عن رسول اللَّه ﷺ ينقل أن واحدا منهم رضى اللَّه عنهم سافر إليه من بلد بعيد للصلاة فيه، وإنما يذهب إليه من كان فى المدينة أو قريبا منها مما لا يحتاج إلى شد الرحال، وقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ كان يأتى قباء كل سبت راكبا
стр. 1358
وماشيا كما روى الترمذى وابن ماجه والبيهقى وقال الترمذى: حديث حسن من حديث أسيد بن ظهير الأنصارى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال "من تطهر فى بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان له كعمرة" ولا شك أن كل خير فى اتباع من سلف، وكل شر فى ابتداع من خلف ونسأل اللَّه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجنبنا الخطل، وأن يعصمنا من الزلل، وأن يختم لنا بخير. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبحمده تعالى انتهى الجزء الثالث من فقه الإسلام وكان الفراغ من تحريره بالمدينة المنورة فى ضحى الأحد ١٩ من شعبان ١٤٠١ هـ ويليه الجزء الرابع وأوله كتاب الحج إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 1359
فقه الإسلام
شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀
تأليف
عبد القادر شيبة الحمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوي الشريف
[الجزء الرابع]
стр. 1360
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحج
باب فضله وبيان من فُرضَ عليه
стр. 1361
١ - عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" متفق عليه.
[المفردات]
الحج: هو لغة القصد إلى شئ معظم، واصطلاحا: قصد بيت اللَّه الحرام لأداء مناسك مخصوصة بصفة مخصوصة فى زمن مخصوص. والحج بفتح الحاء وكسرها. وهو أحد أركان الإسلام الخمسة.
فضله: أى فضل الحج.
من فُرضَ عليه: أى لزمه ووجب عليه.
العمرة: هى لغة الزيارة، قال الحافظ فى الفتح: وقيل إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، واصطلاحا هى الاحرام من الميقات والطواف والسعى والحلق أو التقصير.
إلى العمرة: قيل: إن "إلى" هنا بمعنى مع، والمراد العمرة بعد العمرة.
لما بينهما: أى لما بين العمرتين.
المبرور: أى المؤدى على نهج رسول اللَّه ﷺ الخالى من الرفث والفسوق والجدال.
جزاء: أى ثواب وأجر ومكافأة.
[البحث]
عنون المصنف ﵀ بقوله: "باب فضله" يعنى فضل الحج
стр. 1362
وساق هذا الحديث وهو فى فضل العمرة والحج، ولا عيب فى مثل هذا الصنيع لأن المعيب أن يعنون لشئ ويأتى بأقل مما فى العنوان.
وقد أخبر رسول اللَّه ﷺ أن عمرة فى رمضان تعدل حجة معه ﷺ فقد روى البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من طرق عطاء قال: سمعت ابن عباس يحدثنا قال: قال رسول اللَّه ﷺ لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها: "ما منعك أن تحجى معنا؟ " قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان فحج أبو ولدها وابنها على ناضح وترك لنا ناضحا نَنْضِحُ عليه، قال: "فإذا جاء رمضان فاعتمرى فإن عمرة فيه تعدل حجة" وفى رواية للبخارى ومسلم واللفظ للبخارى من طريق عطاء عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: لما رجع النبى ﷺ من حجته قال لأم سنان الأنصارية: "ما منعك من الحج؟ " قالت: أبو فلان تعنى زوجها كان له ناضحان حج على أحدهما والأخر يسقى أرضًا لنا. قال فإن عمرة فى رمضان تقضى حجة أو حجة معى" وفى قوله ﷺ فى حديث الباب: "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" زيادة فضل للحج عن الفضل الثابت بقوله ﷺ فى الحديث الذى أخرجه الشيخان عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من حج للَّه فلم يَرفثْ ولم يفسُقْ رجع كيوم ولدته أمه".
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب كثرة الاعتمار.
٢ - جواز الاعتمار قبل الحج.
٣ - جواز الاعتمار فى أشهر الحج.
стр. 1363
٤ - وجوب الحرص على ترك الرفث والفسوق والجدال فى الحج.
стр. 1364
٢ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قلت: يا رسول اللَّه على النساء جهاد؟ قال: "نعم علين جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" رواه أحمد وابن ماجه واللفظ له، وإسناده صحيح، وأصله فى الصحيح.
[المفردات]
على النساء جهاد: أى هل على النساء قتال فى سبيل اللَّه؟ نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: أى عليهن عمل يعطيهن اللَّه تعالى عليه أجر المجاهدين ولا يتعرضن فيه للقتال، وفسره ﷺ بالحج والعمرة، وهذا الجواب النبوى هو الأسلوب البلاغى المعروف بأسلوب الحكيم، وسمى الحج والعمرة جهادا لما فيهما من مجاهدة النفس.
واللفظ له: أى لابن ماجه.
وأصله فى الصحيح: أى فى صحيح البخارى من حديث عائشة رضى اللَّه عنها.
[البحث]
أصل هذا الحديث الذى فى الصحيح هو ما رواه البخارى فى باب حج النساء من كتاب الحج من طريق مسدد: حدثنا عبد الواحد حدثنا حبيب بن أبى عمرة قال: حدثتنا عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها قالت:
стр. 1365
قلت: يا رسول اللَّه! ألا نغزو أو نجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجله الحج، حج مبرور" فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ " ورواه البخارى فى باب فضل الحج المبرور قال: حدثنا عبد الرحمن ابن المبارك حدثنا خالد أخبرنا حبيب بن أبى عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها أنها قالت: يا رسول اللَّه نرى الجهاد أفضل العمل، قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" قال الحافظ فى الفتح: اختلف فى ضبطه لكن فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة، قال القابسى: وهو الذى تميل إليه نفسى، وفى رواية الحموى: لكن بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك، والأول أكثر فائدة لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج وعلى جواب سؤالها عن الجهاد اهـ ولفظ الحديث الباب أخرجه ابن ماجه من طريق محمد بن فضيل عن حبيب، ببقية سند البخارى ولذلك قال المصنف: إسناده صحيح، وإطلاق لفظ الجهاد على غير القتال قد ثبت كذلك فى الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنه أن رجلا استأذن النبى ﷺ فى الجهاد فقال: "أحيّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد".
[ما يفيده الحديث]
١ - إن الحج والعمرة يقومان مقام القتال فى سبيل اللَّه بالنسبة للنساء.
стр. 1366
٢ - وأن النساء لا يجب عليهن القتال.
٣ - أن الحج والعمرة من الجهاد فى سبيل اللَّه.
стр. 1367
٣ - وعن جابر ابن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: أتى النبىَّ ﷺ أعرابى فقال: يا رسول اللَّه! أخبرنى عن العمرة أوَاجِبة هى؟ فقال: "لا. وأن تعتمر خير لك" رواه أحمد والترمذى، والراجح وقفه، وأخرجه ابن عَدِى من وجه آخر ضعيف عن جابر مرفوعا "الحج والعمرة فريضتان".
[المفردات]
أعرابى: هو أحد الأعراب وهم سكان البادية.
عن العمرة: أى عن حكمها الشرعى.
فقال: لا: أى أخبره أنها غير واجبة.
خير لك: أى إن عمل العمرة مستحب.
وقفه: أى على جابر رضى اللَّه عنه وليس من كلام رسول اللَّه ﷺ .
[البحث]
هذا الحديث عند أحمد والترمذى من رواية الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف. قال الحافظ فى التلخيص: قال البيهقى: المحفوظ عن جابر موقوف، كذا رواه ابن جريج وغيره، وروى عن جابر
стр. 1368
بخلاف ذلك مرفوعا، يعنى حديث ابن لهيعة، وكلاهما ضعيف، ثم أشار الحافظ إلى أنه قد نسب إلى الترمذى تصحيحه من هذا الوجه، وقد نبه صاحب الإمام إلى أنه لم يزد على قوله حسن. ثم قال: وفى تصحيحه نظر كثير من أجل الحجاج فإن الأكثر على تضعيفه والاتفاق على أنه مدلس، وقال النووى: ينبغى أن لا يغتر بكلام الترمذى فى تصحيحه فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه، وقد نقل الترمذى عن الشافعى أنه قال: ليس فى العمرة شئ ثابت، أنها تطوع، وأفرط ابن حزم فقال: إنه مكذوب باطل اهـ، والمراد بالوجه الآخر الضعيف الذى أخرجه ابن عدى من حديث جابر مرفوعا هو ما أخرجه ابن عدى من طريق ابن لهيعة، وهو ضعيف أيضا كما تقدم فى كلام الحافظ فى التلخيص، ثم قال الحافظ فى التلخيص: ورواه ابن عدى من طريق أبى عصمة عن ابن المنكدر أيضا، وأبو عصمة كذبوه اهـ.
هذا وقد قال البخارى فى صحيحه: باب وجوب العمرة وفضلها" وقال ابن عمر رضى اللَّه عنهما: ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة. وقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: إنها لقرينتها فى كتاب اللَّه -وأتموا الحج والعمرة للَّه- قال الحافظ فى الفتح: والضمير فى قوله: "لقرينتها" للفريضة، وكان أصل الكلام أن يقول: لقرينته" لأن المراد الحج اهـ.
стр. 1369
٤ - وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: قيل: يا رسول اللَّه ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة" رواه الدارقطنى وصححه الحاكم والراجح إرساله. وأخرجه الترمذى من حديث ابن عمر وفى إسناده ضعف.
[المفردات]
ما السبيل: أى الذى ذكره اللَّه حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ يعنى الشئ الذى يكون به الإنسان قادرا على الحج وأصل السبيل الطريق.
الزاد: أى نفقة طعامه وشرابه.
الراحلة: أى المركب الذى يركبه من حيوان أو غيره يعنى إذا كان بينه وبين مكة مسافة يحتاج فيها إلى الركوب.
[البحث]
أشار الحافظ فى تلخيص الحبير إلى أن هذا الحديث قد أخرجه الدارقطنى والحاكم والبيهقى ثم قال: قال البيهقى: الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلا يعنى الذى خرجه الدارقطنى، وسنده صحيح إلى الحسن ولا أرى الموصول إلا وهما، وقد رواه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضا إلا أن الراوى عن حماد هو أبو قتادة عبد اللَّه بن واقد الحرانى، وقد قال أبو حاتم:
стр. 1370
هو منكر الحديث، ورواه الشافعى، والترمذى، وابن ماجه، والدارقطنى من حديث ابن عمر وقال الترمذى: حسن، وهو من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزى وقد قال فيه أحمد والنسائى: متروك الحديث، ورواه ابن ماجه، والدراقطنى من حديث ابن عباس، وسنده ضعيف أيضا ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدراقطنى من حديث جابر، ومن حديث على بن أبى طالب، ومن حديث ابن مسعود ومن حديث عائشة ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطرقها كلها ضعيفة، وقد قال عبد الحق: إن طرقها كلها ضعيفة، وقال أبو بكر بن المنذر: لا يثبت الحديث فى ذلك مسندا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة اهـ.
следующие страницы →