← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

النبى ﷺ وفى لفظ له من حديث أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما يُسْألُ عن المُهَلِّ فقال: سمعت: أحسبه رفع إلى النبى ﷺ فقال: مُهَلٌ أهل المدينة من ذى الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومُهَلُّ أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم" ومعنى قوله فى اللفظ الأول ثم انتهى أن أبا الزبير قال سمعت جابرا ثم انتهى أى وقف عن رفع الحديث إلى النبى ﷺ وقال: أُراه -بضم الهمزة- أى أظنه رفع الحديث كما قال فى الرواية الأخرى: أحسبه رفع إلى النبى ﷺ وهذا ظاهر فى أن أبا الزبير لم يجزم برفع الحديث إلى رسول اللَّه ﷺ . أما حديث ابن عباس عند أحمد وأبى داود والترمذى أن النبى ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق" فهو من طريق يزيد بن أبى زياد عن محمد بن على بن عبد اللَّه بن عباس عن ابن عباس فهو معلول لأن محمد بن على لا يعلم له سماع من جده كما قال مسلم فى الكنى. وفى حديث عمر رضى اللَّه عنه بتحديد ذات عرق لأهل العراق واجماع الصحابة رضى اللَّه عنهم على ذلك دليل على أنه إذا أحدثت طرق لا يمر أهلها بالمواقيت التى حددها رسول اللَّه ﷺ أو كان مجيئها يشق عليهم فإنهم يحرمون من مكان يحاذى أقرب المواقيت إلى طريقهم فيحرم القادم من نجد عن طريق الطائف -الهدا- من وادى محرم، ويحرم القادمون من طريق الساحل من الجنوب من السعدية لأنها أقرب الأماكن ليلملم

стр. 1402

وهى بحذائها من الطريق الجديد، وكما يحرم القادمون عن طريق رابغ منها دون الذهاب إلى الجحفة. [ما يفيده الحديث] ١ - أن ميقات أهل العراق هو ذات عرق. ٢ - وأن مَن مَرَّ بين ميقاتين فإحرامه مما يحاذى أقربهما له من جهة أهله. ٣ - أنه لا يلزم من لم يكن طريقه على أحد المواقيت التى حددها رسول اللَّه ﷺ أن يأتى هذه المواقيت.

стр. 1403

باب وجوه الإحرام وصفته

стр. 1404

١ - عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع، فَمِنَّا مَنْ أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهلَّ رسول اللَّه ﷺ بالحج، فأما من أهل بعمرة فَحَلَّ، وأما من أهل بحج وعمرة أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يومُ النحر" متفق عليه. [المفردات] وجوه الإحرام: أى أنواعه من الإفراد والقران والتمتع. وصفته: أى كيفيته التى يكون فاعلها بها محرمًا. خرجنا: أى من المدينة. وكان خروجهم يوم السبت لخمس بقين من ذى القعدة بعد صلاة الظهر بالمدينة أربعا وبعد أن خطبهم رسول اللَّه ﷺ خطبة علمهم فيها مناسك الحج وذلك سنة عشر من الهجرة. حجة الوداع: سميت حجة الوداع لأن النبى ﷺ ودَّع الناس فيها فقالوا هذه حجة الوداع كما جاء فى صحيح البخارى. وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر وهو يقول: "خذوا عنى مناسككم، لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه. وهذا ينبئ أن الناس فهموا من هذا أن رسول اللَّه

стр. 1405

صلى اللَّه عليه وسلم يُوَدِّعهم. فمنا: أى فمن أصحاب رسول اللَّه ﷺ . أهل بعمرة: أى لبى بالعمرة وحدها فقال: لبيك عمرة وأراد أن يكون متمتعا. والإهلال هنا هو رفع الصوت بالتلبية عند الدخول فى النسك، والمرأة لا ترفع صوتها بالتلبية. أهل بحج وعمرة: أى لبى بالحج والعمرة معا فقال: لبيك حجا وعمرة وصار قارنا. أهل بحج: أى لبى بالحج وحده فقال: لبيك حجا، وصار مفردا. فحل: أى فتحلل من إحرامه بعدما أدى مناسك العمرة من الطواف والسعى والحلق أو التقصير. فلم يحلوا: أى فلم يتحللوا. [البحث] قول عائشة رضى اللَّه عنها: وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر" محمول على من ساق الهدى من هؤلاء، أما من لم يسق الهدى منهم فقد أمره رسول اللَّه ﷺ بالتحلل، فقد روى البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها قالت: خرجنا مع النبى ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تَطَوَّفْنا بالبيت، فأمر النبى ﷺ من لم يكن ساق الهدى أن يحل

стр. 1406

فحل من لم يكن ساق الهدى، ونساؤه لم يَسُقْنَ فَأحْلَلْن" كما روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث حفصة رضى اللَّه عنها زوج النبى ﷺ أنها قالت: يا رسول اللَّه ما شأن الناس حَلُّوا بعمرة، ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك؟ قال: "إنى لَبَّدتُّ رأسى، وقَلَّدت هديى، فلا أحل حتى أنحر" كما روى البخارى ومسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه أنه حج مع النبى ﷺ يوم ساق البدن معه، وقد أهلُّوا بالحج مُفردًا، فقال لهم: "أحِلُّوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقَصِّروا، ثم أقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلُّوا بالحج، واجعلوا التى قدمتم بها متعة" فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينَا الحج؟ فقال: "افعلوا ما أمرتكم، فلولا أنى سُقْتُ الهدى لفعلت مثل الذى أمرتكم، ولكن لا يحل منى حرام حتى يبلغ الهدى محله" ففعلوا، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن الإنسان مخير بين أحد الانساك الثلاثة: الإفراد أو القران أو التمتع. وليس أمر رسول اللَّه ﷺ من لم يسق الهدى من المفردين والقارنين بالتحلل وجعلها عمرة دليلا على بطلان الإفراد أو القران ممن لم يسق الهدى، بل أراد رسول اللَّه ﷺ أن يبطل اعتقادا جاهليا إذ كانوا يعتقدون أن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: كانوا يرون أن العمرة فى أشهر الحج من

стр. 1407

أفجر الفجور فى الأرض، ويجعلون المحرم صَفَرًا. ويقولون: إذا بَرَأ الدَّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر، قدم النبى ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، قالوا: يا رسول اللَّه ﷺ أىُّ الحِلِّ؟ قال: "حلٌّ كُلُّه". [ما يفيده الحديث] ١ - جواز الإحرام بأحد الانساك الثلاثة من الإفراد أو التمتع أو القران. ٢ - أن من ساق الهدى من المفردين والقارنين لا يحل إلا يوم النحر. ٣ - أن من لم يسق الهدى من المفردين أو القارنين له أن يتحلل بعمرة.

стр. 1408

باب الإحرام وما يتعلق به

стр. 1409

١ - عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: ما أهَلَّ رسول اللَّه ﷺ إلا من عند المسجد" متفق عليه. [المفردات] الإحرام: هو الدخول فى النسك والاشتغال بأعماله قصدا يقال: أحرم إذا دخل فى النسك وحرم عليه بعض ما كان مباحا له كلبس المخيط أو المحيط بالنسبة للذكور وأخذ شئ من الشعر أو الأظفار أو مس الطيب بالنسبة للرجال أو النساء. وأبرز مظاهر الإحرام هى التلبية بعد التجرد من المخيط والمحيط لمن يجب عليه التجرد منهما، وهو شبيه بتكبيرة الإحرام فى الصلاة فإن بها يحرم بعض ما كان مباحا للإنسان قبلها، فلذلك ينبغى نصح العوام الذين يبدءون بالتلبية وهم فى طريقهم إلى الميقات قبل وصوله، أو يلبون وهم لا يقصدون الدخول فى النسك. ما أهل: أى ما أحرم ولبَّى. إلا من عند المسجد: أى مسجد ذى الحليفة. [البحث] سبب هذا الحديث أن بعض الصحابة رَوَوا أن رسول اللَّه ﷺ -

стр. 1410

أحرم من البيداء وهى المفازة التى تقع بعد ذى الحليفة من جهة مكة. وإنما روى ذلك من رواه لأنه لم يكن قد رأى رسول اللَّه ﷺ عند ما أحرم ولبى من عند المسجد فروى ما رأى، وابن عمر رضى اللَّه عنهما رآه عندما لبَّى عند المسجد، فأنكر على من قال: إنه أحرم من البيداء، ففى لفظ مسلم من حديث سالم بن عبد اللَّه أنه سمع أباه رضى اللَّه عنه يقول: بيداؤكم هذه التى تكذبون على رسول اللَّه ﷺ فيها، ما أهل رسول اللَّه ﷺ الإحرام من عند المسجد يعنى ذا الحليفة. وفى لفظ لمسلم من حديث سالم قال: كان ابن عمر رضى اللَّه عنهما إذا قيل له: الإحرام من البيداء قال: البيداء التى تكذبون فيها على رسول اللَّه ﷺ ، ما أهل رسول اللَّه ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره" ومعنى تكذبون فيها أى فى شأنها ونسبة الإحرام إليها بأنه كان من عندها وأنه ﷺ أحرم منها وهو لم يحرم منها وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذى الحليفة ومن عند الشجرة التى كانت هناك وكانت عند المسجد، وأفاد النووى بأن ابن عمر سماهم كاذبين لأنهم أخبروا بالشئ على خلاف ما هو عليه سواء تعمدوا ذلك أو غلطوا فيه أو سهوا، والعمدية إنما هو شرط لكونه إثما لا لكونه يسمى كذبا اهـ وقد روى أبو داود من طريق خصيف -وهو مختلف فيه عن سعيد بن جبير قال قلت لعبد اللَّه بن عباس يا أبا العباس: عجبت

стр. 1411

لاختلاف أصحاب رسول اللَّه ﷺ فى إهلال رسول اللَّه ﷺ حين أوجب. فقال: إنى لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول اللَّه ﷺ حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا. خرج رسول اللَّه ﷺ حاجًّا، فلما صلى فى مسجده بذى الحليفة ركعتيه أوجب فى مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظته عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتونه أرسالا. فسمعوه حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول اللَّه ﷺ ، فلما علا على شرف البيداء أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلَّ حين علا على شرف البيداء. وأيم اللَّه لقد أوجب فى مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء. قال سعيد: فمن أخذ بقول عبد اللَّه بن عباس أهلَّ فى مصلاه إذا فرغ من ركعتيه، وقد ذكرت لك أن هذا الحديث من طريق خصيف وهو مختلف فيه وقد روى البخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: أهلَّ النبى ﷺ حين استوت به راحلته قائمة" وفى لفظ لمسلم من حديث سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يُهِلُّ ملبِّدًا يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. لا يزيد على هؤلاء الكلمات، وإن عبد اللَّه

стр. 1412

ابن عمر رضى اللَّه عنهما كان يقول: كان رسول اللَّه ﷺ يركع بذى الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات. كما روى البخارى ومسلم من حديث أنس رضى اللَّه عنه قال: صلى رسول اللَّه ﷺ ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذى الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد اللَّه وسبَّح وكبَّر، ثم أهل بحج وعمرة. الحديث. وقد أشار البخارى إلى استحباب التلبية كلما هبط واديا فقال: باب التلبية إذا انحدر فى الوادى ثم ساق من طريق مجاهد قال: كنا عند ابن عباس رضى اللَّه عنهما. فذكروا الدجال أنه قال: مكتوب بين عينيه كافر فقال ابن عباس: لم أسمعه ولكنه قال: أما موسى كأنى أنظر إليه إذ انحدر فى الوادى يلبى. وقد رواه مسلم كذلك. [ما يفيده الحديث] ١ - أن الاحرام إنما يكون من الميقات. ٢ - استحباب الاحرام من مسجد ذى الحليفة. ٣ - استحباب التلبية إذا ركب المحرم. ٤ - استحباب التلبية إذا علا المحرم على شرف ونحوه.

стр. 1413

٢ - وعن خلاد بن السائب عن أبيه رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتانى جبريل فأمرنى أن آمر أصحابى أن يرفعوا

стр. 1414

أصواتهم بالإهلال" رواه الخمسة وصححه الترمذى وابن حبان. [المفردات] خلاد بن السائب: هو خلاد بن السائب بن خلاد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة من بنى الحارث بن الخزرج الأنصارى قال ابن سعد فى الطبقات: وكان خلاد ثقة قليل الحديث. وقد صاحب أبوه النبى ﷺ . بالإهلال: يعنى بالتلبية. [البحث] رفع الصوت بالتلبية عنون له البخارى فى صحيحه فقال: "باب رفع الصوت بالإهلال ثم ساق بسنده إلى أنس رضى اللَّه عنه قال: صلى النبى ﷺ بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذى الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعا" أى بالحج والعمرة وحديث الباب قد قال فيه الحافظ فى الفتح: رجاله ثقات إلا أنه اختلف على التابعى فى صحابيه اهـ وهو يشير بذلك إلى أن بعض رواته قال: عن خلاد بن السائب عن أبيه وقال بعضهم عن خلاد ابن السائب عن زيد بن خالد قال البيهقى: الأول هو الصحيح. وكذلك صحح الترمذى الطريق الأول. قال الحافظ فى الفتح وروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن بكر بن عبد اللَّه المزنى قال: كنت مع ابن عمر فلبَّى حتى أسمع ما بين الجبلين. وأخرج أيضا

стр. 1415

بإسناد صحيح من طريق المطلب بن عبد اللَّه قال: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم. اهـ ولا شك أنه ينبغى للمرأة أن لا ترفع صوتها بالتلبية أما حديث: أفضل الحج العج والثج. فإنه لا يصح، وقد استغربه الترمذى، والعج رفع الصوت بالتلبية. والثج نحر البدن. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب رفع الصوت بالتلبية. ٢ - لا بأس بالمبالغة فى رفع الصوت بالتلبية إذا لم يكن فى ذلك ضرر.

стр. 1416

٣ - وعن زيد بن ثابت رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل" رواه الترمذى وحسنه. [المفردات] تجرد: أى من المخيط والمحيط. لإهلاله: أى لإحرامه. [البحث] أشار الحافظ فى التلخيص إلى أن هذا الحديث أخرجه أيضا الدارقطنى والبيهقى والطبرانى وذكر أن العقيلى ضعفه، والتجرد من المخيط والمحيط لمن أراد الإحرام لا يختلف أهل العلم فى وجوبه

стр. 1417

على الرجال وقد تجرد رسول اللَّه ﷺ ولبس الإزار والرداء وهو فى المدينة قبل أن يتوجه إلى ذى الحليفة فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما قال: انطلق النبى ﷺ من المدينة بعد ما تَرَجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه. الحديث. وهذا التجرد ولبس الإزار والرداء من المدينة لا يجعل الإنسان محرما منها، فهذا العمل كالمتهئ للصلاة بالوضوء ولا يكون مصليا إلا إذا كبَّر تكبيرة التحريم للصلاة فكذلك التجرد ولبس الإزار والرداء لا يجعل الإنسان محرما، وإنما يكون محرما بالتلبية من الميقات. وأما الاغتسال للإحرام فأصح ما ورد فيه هو ما أخرجه مسلم فى صحيحه من طريق جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى" وكذلك ما أخرجه مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول اللَّه ﷺ على عائشة رضى اللَّه عنها فوجدها تبكى فقال: ما شأنك؟ قالت: شأنى أنى قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال: إن هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم فاغتسلى ثم أهلى بالحج ففعلت. الحديث. وليس اغتسالها هذا اغتسال طهارة، فهى لا تطهر من نفاسها به،

стр. 1418

وإنما هو غسل نظافة، وهذا يشعر بإستحباب الاغتسال للإحرام.

стр. 1419

٤ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ سئل: ما يَلْبَس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البَرَانِس، ولا الخِفَاف، إلا أحدٌ لا يجد النعلين فَلْيَلْبَس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسَّه الزَّعْفَرانُ ولا الوَرْس" متفق عليه. واللفظ لمسلم. [المفردات] أن رسول اللَّه سئل: لفظ مسلم: أن رجلا سأل رسول اللَّه ﷺ ، ولفظ البخارى: أن رجلا قال: يا رسول اللَّه. ما يلبس المحرم: أى ما يجوز للرجل المحرم أن يلبس؟ القُمص: جمع قميص والمراد به ما يلبس على قدر البدن من المخيط فيدخل فيه الجبة والقباء. العمائم: جمع عمامة وهى ما يلف على الرأس ويغطيه سواء كان مخيطا أو غيره. السراويلات: جمع سراويل وسراويل جمع سروالة وعلى هذا فالسراويلات جمع الجمع وقيل جمع سروالة وقيل فارسية معربة شلوار.

стр. 1420

البرانس: جمع برنس بضم الباء والنون وهو كل ثوب رأسه منه وقيل: هو قلنسوة طويلة وهو من البرس بكسر الباء وهو القطن وقيل إنه غير عربى. الخِفاف: جمع خف وهو ما يلبس فى الرجل من الأحذية إذا غطى موضع الوضوء منها واحدها خُف. أما خف البعير فجمعه أخفاف. إلا أحدٌ: أى إلا رجل أراد الإحرام. لا يجد النعلين: أى لا يكون عنده نعلان ولا يتمكن من الحصول عليهما، والنعل الحذاء الذى لا يغطى موضع الوضوء من الرجل. أسفل من الكعبين: أى حتى يكونا تحت الكعبين لينكشف الكعبان وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، وهذا هو المعروف لغة. ولا تلبسوا: النهى هنا للرجال والنساء. بخلاف ما تقدم فإنه خاص بالرجال. مسه الزعفران: أى أصابه الزعفران وصبغ به والزعفران زهر نبت يصبغ به ويوضع فى بعض الأشربة والأطعمة فيكسبها طعما لذيذا، وهو من أنواع الطب وثوب مزعفر أى مصبوغ بالزعفران. ولا الورس: بفتح الواو وسكون الراء وهو نبت أصفر

стр. 1421

طيب الريح يصبغ به. قال الحافظ فى الفتح: وقال ابن البيطار فى مفرداته: الورس يؤتى به من اليمن والهند والصين وليس بنبات بل يشبه زهر العصفر ونبته شئ يشبه البنفسج. [البحث] ورد هذا السؤال بصيغة: ما يلبس المحرم وورد جوابه من أفصح الخلق ﷺ : لا يلبس القمص الخ الحديث. قال الحافظ فى الفتح قال النووى. قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر فقال: لا يلبس كذا أى ويلبس ما سواه انتهى ثم قال الحافظ: وقال البيضاوى: سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر، وأحصر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض فى الإحرام المحتاج لبيانه إذ الجواز ثابت الأصل بالاستصحاب فكان الأليق بالسؤال عما لا يلبس. وقال غيره: هذا يشبه أسلوب الحكيم ويقرب منه قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية. فعدل عن جنس المنفق وهو المسئول عنه إلى ذكر المنفق عليه لأنه أهم، وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر فى الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو بتغيير أو

стр. 1422

زيادة ولا تشترط المطابقة اهـ وقوله ﷺ : لا يلبس القمص ولا العمائم، ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف" هو وإن سيق فى صيغة الخبر لكن المراد به النهى عن أن يلبس المحرم شيئا من ذلك وهو يشمل كل مخيط أو محيط فصل على البدن كله أو بعضه، قال الحافظ فى الفتح: أجمعوا على أن المراد به هنا الرجل ولا يلتحق به المرأة فى ذلك. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر وإنما تشترك مع الرجل فى منع الثوب الذى مسه الزعفران أو الورس اهـ ثم قال الحافظ: وقال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر فى هذا الحديث لا يلبسه المحرم وأنه نبه بالقمص والسراويل على كل محيط وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به مخيطا أو غيره وبالخفاف على كل ما يستر الرجل. انتهى. هذا ولو حمل شيئا على رأسه لحاجته لا لتغطيته فإنه لا يضر، وكذلك لو انغمس فى الماء، أو وضع يده على رأسه، فإنه لا يسمى لابسا فى شئ من ذلك. وليس للمرأة ثياب معينة للإحرام بل تلبس ما شاءت من اللباس ما دام لا يصف ولا يشف غير أنه لا يجوز لها أن تنتقب ولا أن تلبس القفازين، فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قام رجل فقال يا رسول اللَّه ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب فى الإحرام؟ فقال النبى ﷺ : "لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم ولا البرانس إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من

стр. 1423

الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس، ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" أما سدل المرأة خمارها على وجهها عند الرجال الأجانب فأنه لا يضر، قال الحافظ فى الفتح: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم لبس القمص ونحوها للمحرم من الرجال. ٢ - تحريم لبس العمائم والبرانس على المحرم من الرجال. ٣ - تحريم لبس السراويل ونحوها للمحرم من الرجال. ٤ - تحريم لبس الأحذية التى تغطى موضع الوضوء من الرِّجْل على المحرم من الرجال. ٥ - تحريم لبس الثياب التى مسها الورس أو الزعفران على المحرم من الرجال أو النساء. ٦ - تحريم التطيب لمن كان محرما.

стр. 1424

٥ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كنت أطيِّبُ رسول اللَّه ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت". متفق عليه.

стр. 1425

[المفردات] أطيب رسول اللَّه ﷺ : أى أضع الطيب عليه ﷺ . لإحرامه: أى لأجل تهيئته للإحرام. قبل أن يحرم: أى قبل أن يتلبس بالنسك ويصير محرما. ولحله: أى ولتحلله من الإحرام بعد رمى الجمرة والحلق. قبل أن يطوف بالبيت: أى قبل أن يطوف طواف الإفاضة بالبيت العتيق. [البحث] هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هنا هو لفظ مسلم أما لفظ البخارى فى باب الطيب عند الإحرام عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كنت أطيب رسول اللَّه ﷺ لإحرامه حين يحرم" الحديث. والمراد من قولها حين يحرم أى حين يريد الإحرام كما جاء فى لفظ للنسائى: حين أراد أن يحرم. وقد أخرج مسلم فى صحيحه هذا الحديث بعدة ألفاظ منها هذا اللفظ ومنها: قالت: طيبت رسول اللَّه ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت" وفى لفظ: قالت: طيبت رسول اللَّه ﷺ بيدى لحرمه حين أحرم ولحله حين أَحَلَّ قبل أن يطوف بالبيت. وفى لفظ: قالت: طيبت رسول اللَّه ﷺ لحله ولحرْمِه. وفى لفظ قالت: طيبت رسول اللَّه ﷺ بِيَدِى بِذَرِيرَةٍ فى حجة الوداع للحل والإحرام"

стр. 1426

وفى لفظ عن عروة قال: سألت عائشة رضى اللَّه عنها بأى شئ طَيَّبْتِ رسول اللَّه ﷺ عند حُرمه؟ قالت: بأطيب الطِّيب. وفى لفظ قالت: كنت أطيِّبُ رسول اللَّه ﷺ بَأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم. وفى لفظ قالت: طيبت رسول اللَّه ﷺ لحُرمه حين أحرم ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت. وقد أشارت الصديقة بنت الصديق رضى اللَّه عنهما فى رواية عند البخارى ومسلم قالت كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارق رسول اللَّه ﷺ وهو محرم" ووبيص الطيب هو بريقه وتلألؤه ولمعانه، ومعنى مفارقه أى المكان الذى يفترق فيه الشعر فى وسط الرأس. وفى لفظ لمسلم قالت: لكأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارق رسول اللَّه ﷺ وهو يهل، وفى لفظ: وهو يلبِّى. وفى لفظ: قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يحرم يتطيَّب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص الدُّهن فى رأسه ولحيته بعد ذلك. وهذه الروايات الصحيحة صريحة فى أن هذا الطيب الذى كان يتطيب به رسول اللَّه ﷺ كان يستمر أثره بعد الاحرام. ولا معارضة بين هذه الروايات الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ بتطيبه للإحرام، واستمرار أثر الطيب فيه بعد الإحرام وبين ما رواه البخارى ومسلم عن بن جريج عن عطاء من حديث صفوان ابن يعلى عن أبيه يعلى بن أمية أن يعلى قال لعمر رضى اللَّه عنه: أرنى النبى ﷺ حين يوحى إليه! قال: فبينما النبى ﷺ بالجعرانة

стр. 1427

ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل فقال: يا رسول اللَّه كيف ترى فى رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبى ﷺ ساعة فجاءه الوحى فأشار عمر رضى اللَّه عنه إلى يعلى، وعلى رسول اللَّه ﷺ ثوب قد أُظِلَّ به فأدخل رأسه فإذا رسول اللَّه ﷺ محمر الوجه، وهو يَغِطُّ، ثم سُرِّى عنه فقال: أين الذى سأل عن العمرة؟ فأتى برجل، فقال: "اغسل الطيب الذى بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع فى عمرتك كما تصنع فى حجتك" قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم" أقول لا معارضة بين هذا الحديث وحديث عائشة رضى اللَّه عنها لأن حديث يعلى كان بالجعرانة وهى فى سنة ثمان بلا خلاف، وحديث عائشة كان فى حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، والقاعدة عند أهل العلم من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ومن بعدهم أنه يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول اللَّه ﷺ ، على أنه قد جاء فى بعض ألفاظ حديث يعلى: عليه جبة عليها أثر خلوق" وفى بعض ألفاظه عند مسلم: اغسل عنك أثر الصفرة أو قال: أثر الخلوق" والخلوق بفتح الخاء نوع من الطيب مركب فيه زعفران فيكون المأمور بغسله فى قصة يعلى إنما هو الخلوف لا مطلق الطيب بسبب ما في الخلوق من الزعفران وقد تقدم أنه جرم على الرجل أن يتزعفر محرما أو غير محرم. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب الطيب عند الإحرام.

стр. 1428

٢ - استحباب الطيب بعد التحلل الأول قبل الطواف بالبيت لمن تحلل التحلل الأول بالرمى والحلق. ٣ - لا بأس بالطيب عند الإحرام وإن بقى أثره بعد الإحرام.

стр. 1429

٦ - وعن عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يَنكِح المحرم ولا ينُكح ولا يخطب. رواه مسلم. [المفردات] لا يَنْكِح: أى لا يتزوج. ولا يُنْكَح: بفتح الكاف أى لا يزوجه غيره وبكسرها أى لا يزوج غيره والمشهور أنها بفتح الكاف مع ضم الياء. ولا يخطب: أى خِطْبَة نكاح. [البحث] أورد مسلم فى صحيحه حديث عثمان هذا من طريق أبان بن عثمان بألفاظ منها هذا اللفظ الذى أورده المصنف ومنها: أن المحرم لا يَنْكِح ولا يُنْكَح. ومنها: المحرم لا ينكح ولا يخطب. ومنها لا يَنكِح المحرم، ثم أخرج مسلم من طريق ابن نمير عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى الشعثاء أن ابن عباس أخبره أن النبى ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. زاد ابن نمير: فحدثت به الزهرى فقال: أخبرنى يزيد بن الأصم أنه نكحها وهو حلال اهـ. ويزيد بن الأصم هو ابن أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية فأمه برزة بنت الحارث الهلالية كما أن ابن عباس رضى اللَّه تعالى عنهما هو ابن أختها

стр. 1430

رضى اللَّه عنها. ثم ساق مسلم من حديث يزيد بن الأصم قال: حدثتنى ميمونة بنت الحارث أن رسول اللَّه ﷺ تزوجها وهو حلال قال: وكانت خالتى وخالة ابن عباس رضى اللَّه عنهم وقد أخرج البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم" وزواج النبى ﷺ بميمونة كان فى عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة، ولا شك أن حديث ابن عباس متفق عليه وحديث أبان بن عثمان عن عثمان رضى اللَّه عنه انفرد به مسلم، والأصل أنه إذا تعارض حديث متفق عليه مع حديث انفرد بإخراجه أحد الشيخين فأنه يقدم المتفق عليه على ما انفرد به أحدهما قال الحافظ فى الفتح: وقد اختلف فى تزويج ميمونة فالمشهور عن ابن عباس أن النبى ﷺ تزوجها وهو محرم، وصح نحوه عن عائشة وأبى هريرة وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالا، وعن أبى رافع مثله وأنه كان الرسول إليها اهـ والمفروض أنه إذا تعارض حاظر ومبيح قُدِّم العمل بالحاظر، والأصل فى المحرم أنه قد حظر عليه الجماع ودواعيه، ومقدماته، فالأحوط العمل بحديث عثمان رضى اللَّه عنه والطعن على حديث عثمان بأنه من طريق أبان بن عثمان وأن أمه كانت حمقاء هو طعن لا يليق بمن ينتمى للعلم، وأبان بن عثمان من خيار التابعين ﵏، وقد وثقه ابن سعد وعده فى كبار التابعين المفتين بالمدينة مع سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن

стр. 1431

هشام، رحمهم اللَّه تعالى. هذا وقد قال الحافظ فى الفتح فى كتاب النكاح: قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأى شئ يدفع حديث ابن عباس -أى مع صحته- قال: فقال: اللَّه المستعان. ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول تزوجنى وهو حلال. ثم قال الحافظ: وقال ابن عبد البر: اختلفت الآثار فى هذا الحكم لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإِسناد ولكن الوهم إلى الواحد أقرب إلى الوهم من الجماعة فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح فى منع نكاح المحرم فهو المعتمد اهـ ثم قال الحافظ فى تأويل قول ابن عباس تزوج ميمونة وهو محرم. أى داخل الحرام أو فى الشهر الحرام قال الأعشى: قتلوا كسرى بليل محرما ... أى فى الشهر الحرام. وقال الآخر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما: أى فى البلد الحرام. وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان فجزم به فى صحيحه، وعارض حديث ابن عباس أيضا حديث يزيد بن الأصم اهـ وأما ما ذكره الحافظ ابن حجر من قوله: فالمشهور عن ابن عباس أن النبى ﷺ تزوج وهو محرم. وصح نحوه عن عائشة وأبى هريرة، فإن قوله: وصح نحوه عن عائشة وأبى هريرة فيه نظر فإن حديث عائشة معل بالإِرسال وحديث أبى هريرة فى إسناده كامل أبو العلاء

стр. 1432

وهو ضعيف وقد أشار الحافظ إلى ذلك فى الفتح فى باب عمرة القضاء فذكر أن حديث عائشة أخرجه النسائى وأعل بالإرسال. وأن حديث أبى هريرة أخرجه الدارقطنى وفى إسناده كامل أبو العلاء وفيه ضعف. قال الحافظ: وأما أثر ابن المسيب الذى أشار إليه أحمد فأخرجه أبو داود، وأخرج البيهقى من طريق الأوزاعى عن عطاء عن ابن عباس الحديث قال: وقال سعيد بن المسيب: ذهل ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها إلا بعد ما أحل. قال الطبرى: الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسد لصحة حديث عثمان، وأما قصة ميمونة فتعارضت الأخبار فيها. ثم ساق من طريق أيوب قال: أنبئت أن الاختلاف فى زواج ميمونة إنما وقع لأن النبى ﷺ كان بعث إلى العباس لينكحها إياه فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم النبى ﷺ ، وقال بعضهم: بعد ما أحرم، وقد ثبت أن عمر وعليا وغيرهما من الصحابة فرقوا بين محرم نكح وبين امرأته، ولا يكون هذا إلا عن ثبت. اهـ واللَّه أعلم. هذا وقد قال الصنعانى فى سبل السلام: قال القاضى عياض: لم يرو أنه تزوجها محرما إلا ابن عباس وحده حتى قال سعيد بن المسيب ذهل ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها رسول اللَّه ﷺ إلا بعد ما حل. ذكره البخارى اهـ. من سبل السلام. وفى قوله ذكره البخارى نظر ظاهر فإن البخارى لم يذكر أثر ابن المسيب هذا قط وإنما أخرجه أبو داود من طريق إسماعيل بن أمية عن

стр. 1433

رجل عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس فى تزويج ميمونة وهو محرم. وأخرجه البيهقى على الوجه الذى ذكرت. واللَّه أعلم.

стр. 1434

٧ - وعن أبى قتادة الأنصارى رضى اللَّه عنه فى قصة صيده الحمار الوحشى وهو غير محرم، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه وكانوا محرمين: "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشئ؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا ما بقى من لحمه" متفق عليه. [المفردات] وكانوا محرمين: كان ذلك فى عمرة الحديبية. أمره: أى أمر أبا قتادة بصيد الحمار الوحشى. أو أشار إليه: أى لفت انتباه أبى قتادة للحمار الوحشى ليصيده. [البحث] قصة أبى قتادة فى صيده الحمار الوحشى رواها البخارى ومسلم من حديث أبى قتادة رضى اللَّه عنه أن رسول ﷺ خرج حاجا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم، فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقى، فأخذوا ساحل البحر، فلما "انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمرَ

стр. 1435

وحش، فحمل أبو قتادة على الحُمُر فعقر منها أتانا، فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقى من لحم الأتان. فلما أتوا رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقى من لحمها قال: "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها؟ أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: "فكلوا ما بقى من لحمها" وقوله فى هذا الحديث "خرج حاجًّا" أراد الحج اللغوى وهو قصد البيت والإحرام على سبيل التوسع فى اللفظ لأنه لا شك أن هذه القصة كانت عام الحديبية كما جاء فى بعض ألفاظ الصحيحين، وكان النبى ﷺ قد خرج معتمرا، فإطلاق الحج على العمرة جاء على سبيل التوسع وهو صحيح فى اللغة. [ما يفيده الحديث] ١ - أنه يجوز للمحرم أكل صيد البر الذى صاده غير المحرم إذا كان المحرم لم يعن الحلال عليه بأمرأو إشارة أو نحوهما. ٢ - جواز اجتهاد أصحاب رسول اللَّه ﷺ فى عصر رسول اللَّه ﷺ إذا كانوا بعيدين عنه. ٣ - جواز تجاوز الميقات بدون إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة.

стр. 1436

٨ - وعن الصعب بن جثامة الليثى رضى اللَّه عنه أنه أهدى لرسول اللَّه ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء، أو بودَّان فرده عليه وقال ﷺ : إنا لم نردَّه عليك إلا أنا حُرُمٌ" متفق عليه. [المفردات] الصعب بن جثامة الليثى: هو الصعب بن جثَّامة واسمه يزيد بن قيس بن ربيعة بن عبد اللَّه بن يعمر الشداخ بن عوف ابن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبدمناة بن كنانة الكنانى الليثى وهو ابن أخت أبى سفيان بن حرب وكان النبى ﷺ آخى بينه وبين عوف بن مالك. وكان جثامة قد حالف قريشا، وكان الصعب ينزل وَدَّان والأبواء من أرض الحجاز وتوفى فى خلافة أبى بكر رضى اللَّه عنهما. الأبواء: قرية بين مكة والمدينة تقع شرقى قرية مستورة شمالى رابغ وهى على نحو منتصف الطريق بين مكة والمدينة وتسمى الآن "الخُرَيْبَة" وبينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلا. ودان: موضع بين الأبواء والجحفة يقع جنوبا من الأبواء وبينه وبين الجحفة ثمانية أميال فهو أقرب إلى الجحفة من الأبواء.

стр. 1437

فردَّه عليه: أى لم يقبله منه. لم نرده: أى لم نمتنع عن قبوله، قال فى الفتح: قال عياض: ضبطناه فى الروايات لم نردَّه بفتح الدال وأبى ذلك المحققون من أهل العربية وقالوا: الصواب أنه بضم الدال لأن المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التى توجبها له ضمة الهاء بعدها. قال: وليس الفتح بغلط بل ذكره ثعلب فى الفصيح اهـ وقال النووى: إن دال لم نرده مفتوحة فى رواية المحدثين والصواب ضمها عند محققى النحويين لكونه مضاعفا مجزوما اتصل به ضمير المذكر اهـ. حُرم: أى محرمون. [البحث] عنون البخارى ﵀ فى صحيحه لهذا الحديث فقال: باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل" وساق هذا الحديث وليس فى هذا الحديث أنه كان حيا، ولا شك أنه إذا أهداه حيا يكون أدعى لرده لأنه يكون قد صاده من أجله ولأن المحرم لا يذبحه، قال الشافعى فى الأم: إن كان الصعب أهدى له حمارا حيا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيا وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له، وقد أخرج مسلم حديث الصعب بن جثامة بعدة ألفاظ منها: عن ابن عباس عن

стр. 1438

الصعب بن جثامة الليثى أنه أهدى لرسول اللَّه ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول اللَّه ﷺ قال: فلما أن رأى رسول اللَّه ﷺ ما فى وجهى قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" وفى لفظ لمسلم عن الصعب: أهديت له من لحم حمار وحش" وفى لفظ: رِجل حمار وحش. وفى لفظ: عجز حمار وحش يقطر دما. وفى لفظ: شق حمار وحش. وقد يجمع بين اللفظ الذى يدل على أنه أهدى حمار وحش والألفاظ التى تدل على أنه أهدى بعض حمار وحش إما بأنه أهدى له حمار الوحش أولا فرده ثم أهدى إليه بعضه فرده أيضا؛ ولما رأى رسول اللَّه ﷺ تغير وجه الصعب بن جثامة رضى اللَّه عنه بسبب رد هديته أخبره أنه لم يقبله منه بسبب أنه محرم، والمحرم لا يصيد صيد البر ولا يأكل ما صيد له منه، وكونه أهدى الحمار أولا ظاهر فى أنه إنما صاده من أجله، فلما ذبحه وأهداه بعضه لم يقبله منه كذلك لأنه ذبحه له وإمساك بعضه وإهداء البعض الآخر لا يغير كونه صيد من أجله قال الحافظ فى الفتح نقلا عن القرطبى: قال: ويحتمل أنه أهداه له حيا، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه عنه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل. قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات اهـ وقد روى مسلم فى صحيحه من طريق معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمى عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن

стр. 1439

عبيد اللَّه ونحن حُرُم فأهْدِى له طير وطلحة راقد، فمنا من أكل ومنا من تورَّع فلما استيقظ طلحه وَفَّقَّ من أكله وقال: أكلناه مع رسول اللَّه ﷺ ، وحديث أبى قتادة السابق يؤكد ما ذكره طلحة بن عبيد اللَّه رضى اللَّه عنه من جواز أكل المحرم من الصيد الذى لم يصد له ولم يصده محرم. [ما يفيده الحديث] ١ - لا يجوز للمحرم أن يأكل من صيد البر إذا كان قد صيد له. ٢ - لا يجوز للمحرم أن يصيد صيد البر. ٣ - جواز رد الهدية لعلة شرعية. ٤ - يستحب لمن رد هدية شخص يتأثر برد هديته أن يبين له سبب ذلك. ٥ - حرص الإسلام على تطييب القلوب.

стр. 1440

٩ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : خمس من الدواب كُلُّهن فواسق، يُقْتَلْن فى الحل والحرم، العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور" متفق عليه. [المفردات] من الدواب: المراد بالدواب هنا ما يشمل الحيوانات والحشرات
следующие страницы →