Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب أى العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، وتواردوا على ذلك قال: فعلمنا أن ذكر ثور فى الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه قال: وهذه فائدة جليلة انتهى ثم قال الحافظ: وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبى فى شرحه: حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصرى أنه خرج رسولا إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل وكان يذكر له الأماكن والجبال قال: فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير فسألته عنه، فقالت هذا يسمى ثورا قال: فعلمت صحة الرواية اهـ قال الحافظ: قلت وكأن هذا كان مبدأ سؤاله عن ذلك. وذكر شيخنا أبو بكر بن حصين المراغى نزيل المدينة فى مختصره لأخبار المدينة أن خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سَلَفِهم أن خَلْف أُحُد من جهة الشمال جبلا صغرا إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورا. قال: وقد تحققته بالمشاهدة اهـ على إن إبهام البخارى له لا يضر فى ثبوته لأن البخارى لم ينفه بل كنى عنه وكأنه فعل ذلك احتياطا والعلم عند اللَّه . وقد حدد حديث على رضى اللَّه عنه حدود حرم المدينة من الشمال والجنوب ولم يتعرض لحدوده من الشرق والغرب وقد بيَّن حدوده من الشرق والغرب حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه الذى أخرجه البخارى ومسلم أن رسول اللَّه
стр. 1472
- ﷺ قال: "ما بين لابتيها حرام" واللابتان تثنية لابة وهى الحرة والمدينة يكتنفها من الشرق والغرب حرتان: الحرة الشرقية والحرة الغربية ومن العجيب قول الصنعانى فى سبل السلام: فحديث عير وثور يفسر اللابتين.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن المدينة حرم.
٢ - وأن حدود الحرم من الجنوب عير.
٣ - وأن حدود الحرم من الشمال ثور.
٤ - وأن حدود الحرم من الشرق الحرة الشرقية.
٥ - وأن حدود الحرم من الغرب الحرة الغربية.
٦ - وأن هذه الحدود داخلة فى المحدود.
стр. 1473
باب صفة الحج ودخول مكة
стр. 1474
١ - عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ حج، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، فقال: "اغتسلى واستثفرى بثوب، وأحرمى" وصلى رسول اللَّه ﷺ فى المسجد، ثم ركب القَصْواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهل بالتوحيد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" حتى إذا أتينا البيت استلم الرُّكن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا ثم أتى مقام إبراهيم فصلى، ثم رجع إلى الرُّكن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دَنَا من الصَّفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ "أبدَأ بما بَدَأ اللَّه به" فرقَى الصفا حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد اللَّه وكبَّره، وقال: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا اللَّه، أنْجَزَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انْصَبَّتْ قدماه فى بطن الوادى سعَى، حتى إذا صعد مشى إلى المروة، ففَعَل على المروة كما فعل على الصفا، فذكر الحديث وفيه: فلما كان يوم التروية توجه إلى منى، وركب رسول اللَّه ﷺ فصلى به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس فأجازَ حتى أتى
стр. 1475
جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، حتى أتى بطن مُحَسِّر،
عرفة، فوجد قُبةً قد ضربت له بنمِرة فنزَل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فَرُحِلتْ له، فأتَى بطنَ الوادى فخطب الناسَ، ثم أذَّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخرات، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرَة قليلا حتى غاب القُرصُ، ودفع، وقد شنق للقصواء الزِّمام حتى إن رأسها ليصيب مَورِك رَحْله، ويقول بيده اليمنى "أيها الناس السَّكينَةْ، السكينة" كلما أتى حبلا أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلقة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبيَّن له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا وكبَّر وهلَّل، فلم يزل واقفا حتى أسفر فحَرَّك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى، التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات -يكبر مع كل حصاة منها- مثل حَصَى الخَذْفِ رمى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنحر فَنَحَرَ، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. رواه مسلم مُطَوَّلًا.
стр. 1476
[المفردات]
صفة الحج ودخول مكة: أى بيان مناسك الحج مرتبة وبيان كيفية وقوعها، وأوقاتها، وماذا يفعل عندما يصل إلى البيت.
حجَّ: أى حجة الوداع.
ولدت أسماء بنت عميس: أى محمد بن أبى بكر رضى اللَّه عنهم.
واغتسلى: أى غسل نظافة لا غسل طهارة كما تقدم.
واستثفرى بثوب: الاستثفار هو أن تشد المرأة على وسطها شيئا ثم تأخذ خرقة عريضة تجعل فى محل الدم وتشد طرفيها من ورائها ومن قدامها إلى ذلك الذى شدته فى وسطها. والمقصود منه التحفظ من انتشار الدم.
فى المسجد: أى مسجد الشجرة بذى الحليفة.
القصواء: بفتح القاف وسكون الصاد هى ناقة النبى ﷺ ، لقبت بذلك.
البيداء: هى المفازة التى تقع بعد ذى الحليفة من الجنوب كما تقدم.
أهلَّ: أى لبَّى.
استلم الركن: أى مسح الحجر الأسود بيده المباركة ﷺ .
رمل ثلاثًا: أى أسرع فى المشى مع تقارب الخُطا. وهزَّ منكبيه
стр. 1477
صلى اللَّه عليه وسلم فى الأشواط الثلاثة الأول.
ومشى أربعا: أى بدون إسراع، فى الأشواط الأربعة الباقية.
مقام إبراهيم: أى الحجر الذى كان يقوم عليه إبراهيم الخليل ﵇ وهو ببنى البيت وقد أثَّرَتْ قدماه فيه فلا تزال باقية. آية من آيات اللَّه تعالى على حد قوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وفيه يقول أبو طالب فى لاميته:
وموطئ إبراهيم فى الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل
فصلى: أى ركعتين وهى سنة الطواف.
ثم رجع إلى الركن: أى بعد صلاة ركعتى الطواف عاد إلى الحجر الأسود فمسحه بيده ﷺ .
من الباب: أى باب بنى مخزوم الذى صار يسمى باب الصفا.
دنا من الصفا: أى اقترب منها. والمراد بالصفا الجبل المعروف بجوار البيت، والصفا جمع صفاة وهى الحجر الأملس.
بما بدأ اللَّه به: حيث قال ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فبدأ اللَّه بذكر الصفا قبل ذكر المروة والمروة هو الجبل المعروف بجوار البيت.
стр. 1478
فرقى الصفا: أى صعد على الصفا حتى رأى البيت.
فوحَّد اللَّه: أى قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له.
وكبَّره: أى عظَّمه.
أنجز وعده: أى حقق وعده لرسوله ﷺ بنصره وتأييده ودخوله البيت آمنا.
ونصر عبده: أى رسوله محمدا ﷺ .
وهزم الأحزاب: أى خذل الجماعات التى تحزبت ضد رسول اللَّه ﷺ ودمرهم.
دعا بين ذلك ثلاث مرات: أى كرر هذا الذكر ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة: أى انحدر من جبل الصفا متجها إلى جهة المروة.
انصبت قدماه فى بطن الوادى: أى انحدرتا فى بطن الوادى وهو المنخفض بين الصفا والمروة.
سعى: أى رمل وهرول، وقد وُضِع على أول مكان الهرولة ومنتهاه أعمدة خضر تحدد مكان بطن الوادى، لتحديد محل الهرولة.
حتى إذا صعد: أى حتى إذا خرج من بطن الوادى وبدأ يرتفع إلى المروة.
مشى: أى بدون هرولة.
ففعل على المروة كما فعل على الصفا: أى من استقباله القبلة
стр. 1479
وذكره اللَّه بما ذكره به على الصفا وتكرير ذلك ثلاث مرات.
فذكر الحديث: أى فأتم الحديث.
وفيه: أى وفى بقية الحديث الذى ذكره.
يوم التروية: هو اليوم الثامن من ذى الحجة. وسمى بذلك لما كانوا يتروون فيه، إذ لم يكن بعرفة ماء.
فأجاز حتى أتى عرفة: أى فسار من منى متجاوزا المزدلفة فلم يقف بها حتى وصل إلى عرفة أى بالقرب منها.
قبة: أى خيمة.
ضُرِبت له: أى نصبت له ﷺ .
بنمرة: هو موضع بجنب عرفات وليس من عرفات.
زاغت الشمس: أى زالت الشمس عن كبد السماء ودخل وقت صلاة الظهر.
فَرُحِلت له: أى جُعِلَ عليها رحلها ليخطب عليها ﷺ .
فأتى بطن الوادى: أى منخفض نمرة، وهو محل مسجد نمرة وبعض هذا المسجد بنمرة وبعضه بعرفة.
ثم أذَّن: أى أمر المؤذن فأذن لصلاتى الظهر والعصر.
ثم أقام: أى أمر المؤذن فأقام لصلاة الظهر.
ثم أقام: أى أمر المؤذن فأقام لصلاة العصر جمعا لها فى وقت الظهر.
стр. 1480
ولم يصل يينهما شيئا: أى ولم يتنفل بين صلاتى الظهر والعصر.
حتى أتى الموقف: أى عرفات أو المراد الموقف الذى عرف بموقف رسول اللَّه ﷺ من عرفات.
إلى الصخرات: هى صخرات سُودٌ مفترشات فى أسفل الجبل المعروف بجبل الرحمة من عرفات.
حبل المشاة بين يديه: أى مجتمع المشاة أو طريق الرجَّالة ويطلق الحبل كذلك على الجبل الصغير.
حتى غاب القرص: أى اختفى قرص الشمس. وهذا تأكيد لقوله: حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا.
ودفع: أى أفاض من عرفات ورحل منها.
وقد شنق للقصواء الزمام: أى لم يرخ لناقته العنان، بل كان يشد زمامها ويضيق عليها حتى لا تنطلق بسرعة.
مَوْرِكَ رَحله: المَورِك والمَوركَة هى المرفقة التى تكون عند قادمة الرَّحل ليضع الراكب رجله عليها ليستريح من وضع رجله فى الركاب. وإنما كان رأسها يصيب مورك رحله بسبب أنه ﷺ كان ييالغ فى جذب رأسها إليه ليكفها عن سرعة السير وقد كانت ناقته نشيطة.
ويقول بيده: أى ويشير بيده.
السكينة السكينة: أى الزموا الرفق والطمأنينة والوقار فى
стр. 1481
سيركم، وعدم المزاحمة.
كلما أتى حبلا أرخى لها: أى كلما واجهه فى طريقه جبل صغير أو مرتفع من الرمال أطلق لناقته العنان ليسهل عليها صعوده وتجاوزه.
المزدلفة: ويقال لها جمع، أما تسميتها بالمزدلفة فلأن الناس يزدلفون إلى اللَّه أى يتقربون إليه بالوقوف فيها وسميت جمعا لأن الناس يجتمعون بها. وفيها المشعر الحرام وقيل سميت المزدلفة لازدلاف آدم إلى حواء بها. كما قيل إنها سميت بجمع لأن آدم اجتمع مع حواء بها.
وإقامتين: أى إقامة للمغرب وإقامة للعشاء.
ولم يسبِّح بينهما شيئا: أى ولم يصل بينهما شيئا من النوافل.
حين تبيَّن له الصبح: فى نسخ بلوغ المرام: حتى تبين له الصبح والذى فى صحيح مسلم: حين تبين له الصبح. أى حين اتَّضح له الفجر وبزغ، والمراد أنه بادر بصلاة الصبح فى أول وقتها.
حتى أتى المشعر الحرام: أصل المشعر المعلَم وسمِّى هذا المكان الذى وقف عنده رسول اللَّه ﷺ المشعر لأن اللَّه تعالى جعله معلَما من معالم العبادة، ووصفه بالحرام لأنه من الحرم أو لحرمته. وهو جبيل
стр. 1482
بالمزدلفة كان يقال له فى الجاهلية قُزَح وكان يسمى الميقدة لأن الناس كانوا يوقدون عنده.
حتى أسفر جدا: أى إسفارا بليغا وظهر نور النهار ظهورا قويا واقترب طلوع الشمس.
حتى أتى بطن محسِّر: هو واد بين المزدلفة ومنى سمى بذلك لأن الفيل حسِر فيه أى كَلَّ وأعيا. ومحسر من منى.
فحرك قليلا: أى أسرع السير قليلا أى بمقدار رمية حجر.
الجمرة الكبرى: هى جرة العقبة. سميت الجمرة لاجتمار الناس أى اجتماعهم عندها يقال: أجمر بنو فلان إذا اجتمعوا.
الجمرة التى عند الشجرة: هى جمرة العقبة، وهى حد منى من جهة مكة.
حصى الخذف: أى حصى صغار بحيث يمكن أن يرمى بإصبعين، والخَذْف فى الأصل مصدر سُمِّى به يقال: خذفت الحصاة ونحوها خذفا من باب ضرب أى رميتها بطرَفَى الإبهام والسبابة، وقدر حصى الجمار مثل حبة الباقلاء تقريبا.
من بطن الوادى: هذا هو المسنون فى رمى جمرة العقبة وإذا كان الرامى فى بطن الوادى كانت مكة عن يساره ومنى عن يمينه.
стр. 1483
فأفاض إلى البيت: أى سار من منى إلى مكة فطاف طواف الإفاضة بالبيت العتيق. وهذا الطاف ركن من أركان الحج.
[البحث]
قال مسلم فى صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وإسحاق ابن إبراهيم جميعا عن حاتم قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدنى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه فسأل عن القوم حتى انتهى إلىَّ، فقلت: أنا محمد بن على ابن حسين فأهوى بيده إلى رأسى فنزع زِرِّى الأعلى ثم نزع زِرِّى الأسفل ثم وضع كفَّه بين ثَدْيَىَّ وأنا يومئذ غلام شابٌّ فقال: مرحبا بك يا ابن أخى سَلْ عما شئت فسألته -وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام فى نِساجةٍ مُلتَحِفًا بها، كلما وضعها على مَنْكِبِه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المِشجَب فصلى بنا- فقلت أخبرنى عن حَجَّة رسول اللَّه ﷺ ، فقال بيده فعقد تسعًا فقال: إن رسول اللَّه ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن فى الناس فى العاشرة أن رسول اللَّه ﷺ حاجٌّ، فقدم المدينة بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتَمَّ برسول اللَّه ﷺ ، ويعمل مثل عمَلِه، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلَتْ إلى رسول اللَّه ﷺ : كيف أصنع؟ قال: "اغتسلى، واستثفرى بثوب،
стр. 1484
وأحرمى" فصلى رسول اللَّه ﷺ فى المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نَظَرتُ إلى مد بصرى بين يديه من راكبٍ وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مِثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويلَه، وما عمل به من شئ عَمِلْنا بِه، فأهَلَّ بالتوحيد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" وأهل الناسُ بهذا الذى يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ رسول اللَّه ﷺ شيئا منه، ولزِم رسول اللَّه ﷺ تلبيته. قال جابر رضى اللَّه عنه: لَسنا نَنْوِى إلا الحجَّ، لَسْنَا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيتَ معه استلم الركن، فرَمَلَ ثلاثا، ومشَى أربعا، ثم نَفذَ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت "فكان أبى يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبى ﷺ "كان يقرأ فى الركعتين قل هو اللَّه أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا فرَقِىَ عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوَحَّد اللَّه، وكبَّره، وقال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده،
стр. 1485
ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصَبَّتْ قَدَمَاه فى بطن الوادى سَعى حتى إذا صَعدَتا مشَى حتى أتى المروة ففَعَل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخِر طوافِه على المروة فقال: "لو أنى استقبَلْتُ من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ فَليَحِلَّ ولْيَجْعَلْها عمرةً، فقام سراقة بن مالك بن جعْشُمٍ فقال: يا رسول اللَّه: ألِعَامِنَا هذا؟ أم لِأبَدٍ؟ فشَبَّك رسولا اللَّه ﷺ أصابعه واحدة فى الأخرى وقال: "دخلت العمرة فى الحج، مرتين، لا بل لِأبدٍ أبَدٍ" وقدم عليٌّ من اليمن ببُدْن النبى ﷺ فوجد فاطمة رضى اللَّه عنها ممَّن حَلَّ، ولبِسَتْ ثيابا صبِيغًا، واكتحَلَتْ فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبى أمرنى بهذا، قال: فكان على يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ مُحَرِّشًا على فاطمة للذى صَنَعَتْ مستَفْتِيًا لرسول اللَّه ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرتُ ذلك عليها، فقال: "صدقتْ صَدَقتْ، ماذا قلتَ حين فَرَضت الحج؟ "قال: "قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسولُك" قال "فإن معى الهدى فلا تحل" قال: فكان جماعة الهدى الذى قدم به على من اليمن، والذى أتَى به النبى ﷺ مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصَّروا إلا النبى ﷺ ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية توجَّهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب
стр. 1486
رسول اللَّه ﷺ فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمرَ بِقُبَّةٍ من شَعَرٍ تُضرَبُ له بِنَمِرَة، فسار رسول اللَّه ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية، فأجاز رسول اللَّه ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُرِبتْ له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له، فأتى بطن الوادى، فخطب الناس، وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قَدَمَىَّ موضوع، ودماء الجاهية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دَم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا فى بنى سعد فقتلته هُذَيْلٌ، ورِبَا الجاهلية موضوع، وأول رِبًا نضع ربانا رِبَا عباس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا اللَّه فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدا تكرهونه، فإن فَعَلنّ ذلك فاضْرِبُوهن ضربا غير مُبَرِّح، ولهنُّ عليكم رزقُهن وكِسوتهُن بالمعروف، وقد تركتُ فيكم ما لَن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه، وأنتم تُسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت، وأدَّيتَ، ونصحتَ، فقال بإصبعه السبَّابة ورفعها إلى السماء ويَنكتُها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشْهَدْ" ثلاث مرَّات،
стр. 1487
ثم أذَّن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول اللَّه ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول اللَّه ﷺ ، وقد شَنَقَ للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَورِك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة، كَلَّما أتى حَبْلا من الحبال أرخَى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسَبِّح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبَّره وهَلَّله ووَحَّدَه، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حَسَنَ الشَّعر، أبيض وسيما، فلما دفع رسول اللَّه ﷺ مَرَّتْ به ظُعْنٌ يَجْرِينَ، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول اللَّه ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشِّق الآخر ينظر فحول رسول اللَّه ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى
стр. 1488
الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذْف. رمى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنجر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليًّا فنَحَرَ ما غبر، وأشركه فى هديه، ثم أمر من كل بَدَنَة ببَضْعَة فجعلت فى قِدر، فَطُبِخَت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول اللَّه ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فنَاوَلُوه دَلْوًا فشرب منه" ولا شك أن هذا الحديث أصل عظيم من الأصول التى وصفت حجة رسول اللَّه ﷺ وإن كان قد ترك أشياء كصفة حلق رأسه ﷺ بعد النحر، وعودته إلى منى، وبقية أعمال أيام التشريق. قال النووى: هو حديث عظيم مشتمل على جُمَل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد. وقال القاضى عياض: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا أخرج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا. قال ولو تقصى لزيد على هذا العدد اهـ هذا وقد جاء فى هذا الحديث: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. وقد روى مسلم من حديث ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى" فحمل بعض أهل العلم
стр. 1489
حديث ابن عمر على أن رسول اللَّه ﷺ أعاد صلاة الظهر بمنى بعد أن صلاها بالمسجد الحرام. وفى هذا التأويل عدم رد أحد الحديثين وهما فى صحيح مسلم. وعلى كل حال فحديث جابر أشبه لفضل الصلاة فى المسجد الحرام.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الاغتسال للإحرام حتى للحائض والنفساء.
٢ - استحباب الإحرام بعد صلاة.
٣ - وجوب الإحرام من الميقات.
٤ - استحباب التلبية كلما ركب المحرم أو نزل أو علا جبلا أو هبط واديا.
٥ - استحباب استلام الحجر الأسود عند بدء الطواف.
٦ - استحباب الهرولة فى الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم أو العمرة.
٧ - استحباب المشى بدون هرولة فى الأشواط الأربعة الأخرى من هذا الطواف.
٨ - استحباب صلاة ركعتى الطواف خلف مقام إبراهيم.
٩ - استحباب الرجوع إلى الحجر الأسود واستلامه بعد صلاة ركعتى الطواف.
١٠ - استحباب الخروج إلى الصفا من باب بنى مخزوم الذى صار يسمى باب الصفا.
стр. 1490
١١ - استحباب الصعود على الصفا واستقبال القبلة ورؤية البيت وتكرير الدعاء بالمأثور عن رسول اللَّه ﷺ ثلاث مرات.
١٢ - وجوب البدء بالصفا فى السعى بين الصفا والمروة.
١٣ - استحباب الهرولة بين الميلين الأخضرين (فى بطن الوادى).
١٤ - استحباب الصعود على المروة إذا انتهى إليها، واستقبال القبلة ورؤية البيت وتكرير الدعاء بالمأثور عن رسول اللَّه ﷺ ثلاث مرات.
١٥ - استحباب التوجه إلى منى فى يوم التروية للمفردين والقارنين والمتمتعين.
١٦ - مشروعية الركوب فى التنقل للمشاعر.
١٧ - استحباب صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بمنى.
١٨ - استحباب التوجه من منى إلى عرفات بعد طلوع الشمس يوم عرفة.
١٩ - مشروعية ضرب الخيام فى المشاعر.
٢٠ - استحباب النزول بنمرة إلى وقت الزوال.
٢١ - خطبة الإمام بعد زوال الشمس وصلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا فى وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين.
٢٢ - عدم مشروعية التنفل بين صلاتى الظهر والعصر فى يوم عرفة.
стр. 1491
٢٣ - استحباب الوقوف عند الصخرات التى بأسفل جبل الرحمة.
٢٤ - استحباب استقبال القبلة عند الوقوف بعرفة.
٢٥ - وجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس ومغيب القرص.
٢٦ - استحباب الإِفاضة من عرفات بعد غروب الشمس.
٢٧ - استحباب عدم السرعة فى السير من عرفة إلى مزدلفة وأن يكون السير بسكينة ووقار.
٢٨ - استحباب انرفق بركوبة الإنسان ولا سيما فى الإفاضة من عرفات.
٢٩ - كراهية صلاة المغرب والعشاء قبل الوصول إلى مزدلفة.
٣٠ - الجمع بين صلاة المغرب والعشاء فى مزدلفة وقت الوصول إليها بأذان واحد وإقامتين.
٣١ - عدم مشروعية التنفل بين صلاتى المغرب والعشاء بمزدلفة.
٣٢ - استحباب الاضطجاع بعد صلاة العشاء بمزدلفة.
٣٣ - استحباب المبادرة بصلاة الفجر بمزدلفة فى أول وقتها بأذان وإقامة.
٣٤ - استحباب الوقوف عند المشعر الحرام بعد صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس.
стр. 1492
٣٥ - استحباب استقبال القبلة والدعاء والتكبير والتهليل عند الوقوف بالمشعر الحرام.
٣٦ - استحباب الإفاضة من مزدلفة إلى منى قيل طلوع الشمس.
٣٧ - استحباب الإسراع فى وادى محسر.
٣٨ - استحباب سلوك أيسر الطرق الموصلة إلى جمرة العقبة عند الوصول إلى منى.
٣٩ - وجوب رمى جمرة العقبة بسبع خصيات مثل حبة الباقلاء.
٤٠ - استحباب الرمى من بطن الوادى فتكون مكة عن يسار الرامى ومنى عن يمينه.
٤١ - استحباب التكبير عند رمى الجمرة.
٤٢ - استحباب النحر لمن عليه النحر بعد رمى الجمرة يوم النحر.
٤٣ - لا يجوز نحر الهدى للمتمتعين والقارنين قبل يوم النحر.
٤٤ - استحباب الإِفاضة إلى البيت العتيق يوم النحر.
٤٥ - وجوب طواف الإِفاضة وهو ركن من أركان الحج.
стр. 1493
٢ - وعن خزيمة بن ثابت رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ كان إذا فَرَغَ من تلبيته فى حج أو عمرة سأل اللَّه رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار" رواه الشافعى بإسناد ضعيف.
стр. 1494
[المفردات]
إذا فَرَغ من تلبيته: يحتمل أنه إذا انتهى من كل تلبية يلبيها، ويحتمل أنه إذا انتهى من وقت التلبية بأن وصل إلى جمرة العقبة فى الحج مثلا.
رضوانه: أى رضاه.
واستعاذ: استجار.
[البحث]
هذا الحديث قال عنه الحافظ فى تلخيص الحبير: وفيه صالح بن محمد بن أبى زائدة أبو داود الليثى وهو مدنى ضعيف. وأما إبراهيم ابن أبى يحيى الراوى عنه فلم ينفرد به بل تابعه عليه عبد اللَّه بن عبد اللَّه الأموى أخرجه البيهقى والدارقطنى اهـ.
стр. 1495
٣ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا فى رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههُنا وجَمْع كلها موقف" رواه مسلم.
[المفردات]
نحرت: أصل النحر يكون بذبح البعير من لبته بطعنه فيها بالسكين. والذبح يكون لغير الإبل ويكون بقطع
стр. 1496
الحلقوم والمرئ والودجين.
ههنا: يعنى المكان الذى نحر فيه ﷺ بُدْنه يوم النحر بمنى.
ومنى كلها منحر: أى ويجوز النحر فى سائر أمكنة منى يعنى ما لم يؤد إلى إيذاء المسلمين.
فى رحالكم: أى فى خيامكم ومنازلكم.
ووقفت ههنا: أى عند الصخرات التى بأسفل جبل الرحمة.
وعرفة كلها موقف: أى ويجوز الوقوف فى أى مكان من عرفات ولا يجوز الوقوف بِعُرَنَة وهى ليست من عرفات كما أن مسجد نمرة به جزء ليس من عرفة.
ووقفت ههنا: أى عند المشعر الحرام بالمزدلفة.
وجمع: أى المزدلفة.
كلها موقف: أى يجوز الوقوف للدعاء والتكبير بعد صلاة الصبح بمزدلفة فى أى مكان منها.
[البحث]
قد أجمع علماء المسلمين على أن من وقف فى أى جزء كان من عرفات فى وقت الوقوف فقد صح وقوفه وأدرك هذا الركن من أركان الحج وقد روى ابن ماجه من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة" قال الحافظ فى تلخيص الحبير:
стр. 1497
وفى إسناده القاسم بن عبد اللَّه بن عمر العمرى كَذَّبه أحمد، ورواه مالك فى الموطأ بلاغا بهذا اللفظ اهـ على أن الإجماع منعقد على أنه لا يجوز الوقوف ببطن عُرَنَة، ولا بوادى نمرة. فهما ليستا من عرفات، ونمرة يين طرف الحرم وطرف عرفة، وحديث الباب شاهد قوى على أن بعض أفعال رسول اللَّه ﷺ فى الحج وغيره ليست للوجوب، بل قد تكون لبيان الجواز وتكون للاستحباب، كما قد تكون للإيجاب.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه يجوز أن تنحر الهدايا فى أى مكان من منى. ولا يختص النحر بمنحر رسول اللَّه ﷺ .
٢ - أنه يجوز الوقوف فى أى جزء من عرفات، ولا يختص الوقوف بموقف رسول اللَّه ﷺ عند الصخرات.
٣ - أنه يجوز الوقوت بعد صلاة الصبح بالمزدلفة للدعاء والتكبير فى أى مكان منها، ولا يختص الوقوف بالمشعر الحرام.
٤ - أن بعض أفعال رسول اللَّه ﷺ ليست للوجوب.
стр. 1498
٤ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها" متفق عليه.
стр. 1499
[المفردات]
دخلها من أعلاها: أى من جهة كداء بفتح الكاف والدال الممدودة بعدها همزة. ويقال لها: الثنية العليا وهى التى تشرف على المعلاة والأبطح وهى التى يقال لها الحَجون بفتح الحاء وضم الجيم قال الحافظ فى الفتح: وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدى على ما ذكره الأزرقى. ثم سهل فى عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع ثم سهلت كلها فى زمن سلطان مصر الملك المؤيد فى حدود العشرين وثمانمائة. اهـ وقد سهلها أكثر ووسعها آل سعود فى عصر الملك فيصل بن عبد العزيز ﵀.
وخرج من أسفلها: أى من كُدًا بضم الكاف والقصر. ويقال لها: الثنية السفلى، وهى عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قُعَيقعَان. وفى مكة موضع آخر يقال له كُدَىَّ بضم الكاف وفتح الدال بعدها ياء على التصغير يخرج منه إلى جهة اليمن قال الحافظ فى الفتح: قال المحب الطبرى: حققه العذرى عن أهل المعرفة بمكة قال: وقد بنى عليها باب مكة الذى يدخل منه أهل اليمن اهـ.
стр. 1500
[البحث]
روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ دخل مكة بن كَدَاء من الثنية العليا التى بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى" وفى رواية للبخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه ﷺ دخل عام الفتح من كَدَاء من أعلى مكة. وقد قال البخارى: حدثنى محمود حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ دخل عام الفتح من كَدَاء ويخرج من كُدًا من أعلى مكة. قال الحافظ فى القتح: كذا رواه أبو أُسامة فقلبه والصواب ما رواه عمرو وحاتم عن هشام: دخل من كداء من أعلى مكة: ثم ظهر لى أن الوهم فيه ممن دون أبى أسامة. فقد رواه أحمد عن أبى أسامة على الصواب اهـ. وقد اختلف العلماء فى سبب اختيار رسول اللَّه ﷺ الدخول من أعلى مكة فقيل: لأنه ﷺ خرج منها مختفيا فى الهجرة فأراد أن يدخلها ظاهرا عليًّا. وقيل: إن أبا سفيان بن حرب قال للعباس رضى اللَّه عنه: لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء فقلت: ما هذا؟ قال: شئ طلع بقلبى، وإن اللَّه لا يطلع الخيل هناك أبدا. قال العباس: فذكَّرت أبا سفيان بذلك لما دخل. قال الحافظ فى الفتح:
стр. 1501
وللبيهقى من حديث ابن عمر قال: قال النبى ﷺ لأبى بكر: كيف قال حسان؟ فأنشده:
عدمت بُنَيَّتِى إِنْ لم تَرَوها ... تثِيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءُ
فتبسم وقال: "ادخلوها من حيث قال حسان".
وقد روى البخارى بسنده إلى هشام بن عروة قال: قال هشام: وكان عروة يدخل من كلتيهما من كداء وكُدًا وأكثر ما يدخل من كداء اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب دخول مكة من كَدَاء إن تيسر ذلك.
٢ - استحباب الخروج من مكة من كُدًا إن تيسر ذلك.
٣ - لا بأس بدخول مكة أو الخروج منها من أى جهة كانت.
стр. 1502
٥ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طُوًى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبى ﷺ " متفق عليه.
[المفردات]
بذى طُوًى: بضم الطاء وتفتح وتكسر أيضا. وهو واد بقرب مكة وهو المعروف بالزاهر وعنده بئر الزاهر.
стр. 1503
[البحث]
هذا الحديث أخرجه البخارى فى باب الاهلال مستقبل القبلة من طريق نافع قال: كان أبى عمر رضى اللَّه عنهما إذا صلى بالغداة بذى الحليفة أمر براحلته فَرُحِلَت، ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبى حتى يبلغ المحرم ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طُوًى بات به حتى يصبح فإذا صلى الغداة اغتسل. وزعم أن رسول اللَّه ﷺ فعل ذلك. ثم أخرجه البخارى فى باب الاغتسال عند دخول مكة من طريق نافع قال: كان ابن عمر رضى اللَّه عنهما إذا دخل أَدنَى الحرم أَمسك عن التلبية ثم يبيت بذى طوى ثم يصلى به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبى اللَّه ﷺ كان يفعل ذلك. وقد أخرجه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: بات النبى ﷺ بذى طوى حتى أصبح ثم دخل مكة. وكان ابن عمر رضى اللَّه عنهما يفعله. وفى لفظ لمسلم من طريق نافع أن ابن عمر رضى اللَّه عنهما كان لا يقْدَمُ مكة إلا بات بذى طوى حتى يصبح ويغتسل. ثم يدخل مكة نهارا ويَذْكُرُ عن النبى ﷺ أنه فعله وفى لفظ لمسلم عن نافع أن عبد اللَّه حَدَّثَهُ أن رسول اللَّه ﷺ كان ينزل بذى طوى ويبيت به حتى يصلى الصبح حين يَقْدَمُ مكة. ومُصَلَّى رسول اللَّه ﷺ ذلك على أكمة غليظة ليصر فى المسجد الَّذى بُنِىَ ثَمَّ، ولكن أسْفَلَ من ذلك على أكمة غليظة. وهذا ظاهر فى أن رسول اللَّه صلى اللَّه
стр. 1504
عليه وسلم كان يحرص على دخول مكة نهارا. قال الحافظ فى الفتح: وأما الدخول ليلا فلم يقع منه ﷺ إلا فى عمرة الجعرانة فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلا فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت. كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث مُحَرِّس الكعبى، وترجم عليه النسائى: دخول مكة ليلا اهـ وقد ترجم البخارى فقال: باب دخول مكة نهارا أَوْ ليلا" وساق حديث ابن عمر مع أنه لم يرد فيه الدخول ليلا.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب دخول مكة نهارا.
٢ - استحباب الاغتسال قبل دخول مكة.
стр. 1505
٦ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه كان يُقَبِّل الحجر الأسود ويسجد عليه. رواه الحاكم مرفوعا والبيهقى موقوفا.
[المفردات]
ويسجد عليه: أى يضع جبهته عليه.
[البحث]
أشار الحافظ فى تلخيص الحبير إلى أن الشافعى والبيهقى أخرجا هذا الحديث موقوفا قال: ورواه الحاكم والبيهقى من حديث ابن
стр. 1506
عباس قال: رأيتُ النبى ﷺ فذكره مرفوعا ورواه أبو داود الطيالسى والدارمى وابن خزيمة وأبو بكر البزار وأبو على بن السكن والبيهقى من حديث جعفر بن عبد اللَّه قال ابن السكن: رجل من بنى حميد من قريش حميدى، وقال البزار: مخزومى وقال الحاكم: هو ابن الحكم عن محمد بن عباد بن جعفر قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب يقبله ويسجد عليه. ثم قال رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل. وهذا هو لفظ الحاكم ووهم فى قوله: إن جعفر ابن عبد اللَّه هو ابن الحكم فقد نص العقيلى على أنه غيره وقال فى هذا: فى حديثه وهم واضطراب اهـ وقول الصنعانى فى سبل السلام: وحديث عمر فى صحيح مسلم أنه قبَّل الحجر والتزمه وقال: رأيت رسول اللَّه ﷺ بك حفيا" يؤيد هذا فيه نظر لأنه لا يلزم من التزام الحجر الأسود السجود عليه، بل المراد من التزامه أنه قبله وأطال فى تقبيله وقرب صدوه منه كأنه اعتنقه. لا أنه وضع جبهته عليه. على أن مسلما ﵀ قال بعد أن أخرجه: وحدثنيه محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بهذا الإسناد قال: "ولكنى رأيت أبا القاسم ﷺ بك حفيًا ولم يقل: والتزمه، على أن تقبيل الحجر الأسود دون زيادة فى ذلك هو السنة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ وخلفائه الراشدين وبالأخص عمر بن
стр. 1507
الخطاب رضى اللَّه عنه فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قبل الحجر وقال: لولا أنى رأيت رسول اللَّه قبَّلَكَ ما قَبَّلْتُك. وفى لفظ للبخارى من حديث عابس بن ربيعة عن عمر رضى اللَّه عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقَبَّله فقال: إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك ما قبَّلْتُك. كما روى مسلم من حديث سالم أن أباه حدثه قال: قبَّل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: أما واللَّه لقد علمت أنك حجر ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك ما قبلتك. وفى لفظ لمسلم من حديث نافع عن ابن عمر أن عمر قبَّل الحجر وقال: إنى لأقبِّلك وإنى لأعلم أنك حجر، ولكنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك" وفى لفظ لمسلم من حديث عبد اللَّه بن سَرجِسَ قال: رأيت الأصبع (يعنى عمر بن الخطاب) يقبل الحجر الأسود ويقول: واللَّه إنى لأقبلك، وإنى أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ قبَّلك ما قبلتك. وفى لفظ لمسلم من حديث عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إنى لأقبلك، وأعلم أنك حجر، ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك لم أقبِّلْك.
قال الحافظ فى فتح البارى: (فائدة) فى البيت أربعة أركان. الأول له فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد
стр. 1508
إبراهيم. وللثانى (يعنى به الركن اليمانى) الثانية فقط. وليس للآخرين شئ منهما. فلذلك يقبل الأول ويستلم الثانى فقط. ولا يقبل الآخران ولا يستلمان اهـ والاستلام المسح باليد والتقبيل بالفم.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب استلام الحجر الأسود وتقبيله.
٢ - استحباب استلام الركن اليمانى دون تقبيله.
٣ - لا ينبغى استلام الركنين الآخرين ولا تقبيلهما.
стр. 1509
٧ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: أمرهم النبى ﷺ أن يرْمُلُوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعا ما بين الركنين" متفق عليه.
[المفردات]
وعنه: أى وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما.
أمرهم: أى أمر أصحابه الذين قدموا معه مكة فى عمرة القضاء.
أن يرملوا: أى أن يُهَروِلوا ويسرعوا، وأصله أن يحرك الماشى منكبيه فى مشيه.
أشواط: جمع شوط وهو الجرى مرة إلى الغاية والمراد هنا الطوفة حول الكعبة.
أربعا: أى أربعة أشواط.
стр. 1510
ما بين الركنين: أى الركن اليمانى والركن الذى فيه الحجر الأسود.
[البحث]
لم أجد فى البخارى ومسلم هذا الحديث بهذا اللفظ عن ابن عباس ولا عن غيره رضى اللَّه عنهم، وما رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما فلفظه: فأمرهم النبى ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين" فقوله فى حديث الباب "ويمشوا أربعا ما بين الركنين" وهم ظاهر. لأنَّ المراد من الحديث أنهم يرملون فى الأشواط الثلاثة الأول من الحجر الأسود إلى الركن اليمانى لأنهم يكونون فى مقابلة المشركين الذين ينظرونهم من هذه الناحية إلى جهة قعيقعان. فإذا صاروا بين الركنين اليمانيين غابوا عن أعين المشركين فأمرهم أن يمشوا ما بين الركنين بدون هرولة. أما الأشواط الأربعة الباقية فكانوا يمشون فيها من الحَجَر إلى الحَجَر. وقد قال الحافظ فى تلخيص الجبير عن هذا الحديث، عند البخارى ومسلم: ولفظهما: قدم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قومهم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شدة، فجلسوا بما يلى الحِجر، وأمرهم النبى ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. اهـ وقد عنون له البخارى فقال: باب كيف كان بدء الرَّمَل ثم ساق بسنده إلى ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قدم رسول اللَّه
следующие страницы →