Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
عباس قال: رأيتُ النبى ﷺ فذكره مرفوعا ورواه أبو داود الطيالسى والدارمى وابن خزيمة وأبو بكر البزار وأبو على بن السكن والبيهقى من حديث جعفر بن عبد اللَّه قال ابن السكن: رجل من بنى حميد من قريش حميدى، وقال البزار: مخزومى وقال الحاكم: هو ابن الحكم عن محمد بن عباد بن جعفر قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب يقبله ويسجد عليه. ثم قال رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل. وهذا هو لفظ الحاكم ووهم فى قوله: إن جعفر ابن عبد اللَّه هو ابن الحكم فقد نص العقيلى على أنه غيره وقال فى هذا: فى حديثه وهم واضطراب اهـ وقول الصنعانى فى سبل السلام: وحديث عمر فى صحيح مسلم أنه قبَّل الحجر والتزمه وقال: رأيت رسول اللَّه ﷺ بك حفيا" يؤيد هذا فيه نظر لأنه لا يلزم من التزام الحجر الأسود السجود عليه، بل المراد من التزامه أنه قبله وأطال فى تقبيله وقرب صدوه منه كأنه اعتنقه. لا أنه وضع جبهته عليه. على أن مسلما ﵀ قال بعد أن أخرجه: وحدثنيه محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بهذا الإسناد قال: "ولكنى رأيت أبا القاسم ﷺ بك حفيًا ولم يقل: والتزمه، على أن تقبيل الحجر الأسود دون زيادة فى ذلك هو السنة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ وخلفائه الراشدين وبالأخص عمر بن
стр. 1507
الخطاب رضى اللَّه عنه فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قبل الحجر وقال: لولا أنى رأيت رسول اللَّه قبَّلَكَ ما قَبَّلْتُك. وفى لفظ للبخارى من حديث عابس بن ربيعة عن عمر رضى اللَّه عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقَبَّله فقال: إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك ما قبَّلْتُك. كما روى مسلم من حديث سالم أن أباه حدثه قال: قبَّل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: أما واللَّه لقد علمت أنك حجر ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك ما قبلتك. وفى لفظ لمسلم من حديث نافع عن ابن عمر أن عمر قبَّل الحجر وقال: إنى لأقبِّلك وإنى لأعلم أنك حجر، ولكنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك" وفى لفظ لمسلم من حديث عبد اللَّه بن سَرجِسَ قال: رأيت الأصبع (يعنى عمر بن الخطاب) يقبل الحجر الأسود ويقول: واللَّه إنى لأقبلك، وإنى أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ قبَّلك ما قبلتك. وفى لفظ لمسلم من حديث عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إنى لأقبلك، وأعلم أنك حجر، ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك لم أقبِّلْك.
قال الحافظ فى فتح البارى: (فائدة) فى البيت أربعة أركان. الأول له فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد
стр. 1508
إبراهيم. وللثانى (يعنى به الركن اليمانى) الثانية فقط. وليس للآخرين شئ منهما. فلذلك يقبل الأول ويستلم الثانى فقط. ولا يقبل الآخران ولا يستلمان اهـ والاستلام المسح باليد والتقبيل بالفم.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب استلام الحجر الأسود وتقبيله.
٢ - استحباب استلام الركن اليمانى دون تقبيله.
٣ - لا ينبغى استلام الركنين الآخرين ولا تقبيلهما.
стр. 1509
٧ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: أمرهم النبى ﷺ أن يرْمُلُوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعا ما بين الركنين" متفق عليه.
[المفردات]
وعنه: أى وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما.
أمرهم: أى أمر أصحابه الذين قدموا معه مكة فى عمرة القضاء.
أن يرملوا: أى أن يُهَروِلوا ويسرعوا، وأصله أن يحرك الماشى منكبيه فى مشيه.
أشواط: جمع شوط وهو الجرى مرة إلى الغاية والمراد هنا الطوفة حول الكعبة.
أربعا: أى أربعة أشواط.
стр. 1510
ما بين الركنين: أى الركن اليمانى والركن الذى فيه الحجر الأسود.
[البحث]
لم أجد فى البخارى ومسلم هذا الحديث بهذا اللفظ عن ابن عباس ولا عن غيره رضى اللَّه عنهم، وما رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما فلفظه: فأمرهم النبى ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين" فقوله فى حديث الباب "ويمشوا أربعا ما بين الركنين" وهم ظاهر. لأنَّ المراد من الحديث أنهم يرملون فى الأشواط الثلاثة الأول من الحجر الأسود إلى الركن اليمانى لأنهم يكونون فى مقابلة المشركين الذين ينظرونهم من هذه الناحية إلى جهة قعيقعان. فإذا صاروا بين الركنين اليمانيين غابوا عن أعين المشركين فأمرهم أن يمشوا ما بين الركنين بدون هرولة. أما الأشواط الأربعة الباقية فكانوا يمشون فيها من الحَجَر إلى الحَجَر. وقد قال الحافظ فى تلخيص الجبير عن هذا الحديث، عند البخارى ومسلم: ولفظهما: قدم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قومهم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شدة، فجلسوا بما يلى الحِجر، وأمرهم النبى ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. اهـ وقد عنون له البخارى فقال: باب كيف كان بدء الرَّمَل ثم ساق بسنده إلى ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قدم رسول اللَّه
стр. 1511
صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه، فقال المشركون إنه يقْدَم عليكم وقد وهَنَهم حمَّى يثرب، فأمرهم النبى ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" أما مسلم فقد رواه عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما بلفظ: قال: قدم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى ولقُوا منها شدة فجلسوا مما صلى الحِجر، وأمرهم النبى ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهُم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجْلَد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" وبهذا كله يتضح أن عبارة "ويمشوا أربعا" فى حديث الباب وهم كما ذكرت، ولاشك أنه قد ثبت أن ذلك كان فى عمرة القضية وأن رسول اللَّه ﷺ أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين حيث لا تقع عليهم أعين المشركين فإنهم ما كانوا فى تلك الجهة رفقا بالمسلمين، غير أن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه قد رملوا بعد ذلك فى حجة الوداع من الحجر إلى الحجر فى الأشواط الثلاثة الأول والمسلمون يومئذ أقوياء قادرون فكان هذا نسخا لحديث ابن عباس هذا فى المشى بين الركنين. كما سيجئ فى بحث حديث ابن عمر الذى يلى هذا الحديث.
стр. 1512
٨ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما "أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خَبَّ ثلاثًا ومشى أربعا" وفى رواية: رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا طاف فى الحج أو العمرة أوَّل ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشى أربعة" متفق عليه.
[المفردات]
أنه: أى ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
الطواف الأول: أى طواف القدوم أو طواف العمرة.
خب: أى أسرع وهرول ورمل.
ثلاثًا: أى فى الثلاثة الأشواط الأول.
ومشى أربعا: أى ولم يرمل فى الأشواط الأربعة الباقية.
أول ما يقدم: أى طواف القدوم فى الحج أو طواف العمرة.
يسعى ثلاثة أطواف: أى يهرول فى الثلاثة الأشواط الأول.
ويمشى أربعة: أى ولا يهرول فى الأشواط الأربعة الباقية.
[البحث]
روى البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خَبَّ ثلاثًا ومشى أربعا، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة وكان ابن عمر يفعل ذلك. كما روى البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما
стр. 1513
أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا طاف فى الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشى أربعة ثم يصلى سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة. كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف حين يَقْدَمُ يَخبُّ ثلاثة أطواف من السبع ولم يستثن فى هذه الروايات ما بين الركنين من الهرولة، وقد جاء التصريح بعدم استثناء شئ من الهرولة فى الأشواط الثلاثة الأول فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: رمل رسول اللَّه ﷺ من الحَجَر إلى الحَجَر ثلاثًا ومشى أربعا. وفى لفظ لمسلم عن نافع أن ابن عمر رمل من الحَجَر إلى الحجر، وذكر أن رسول اللَّه ﷺ فعله، كما روى مسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أنه قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف. وفى لفظ لمسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر. والقاعدة أنه يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول اللَّه ﷺ فتكون هذه الأحاديث دالة على نسخ المشى بين الركنين فى الأشواط الثلاثة الأول كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فى حديث ابن عباس المتقدم لأنَّ حديث ابن عباس كان عن أمر رسول اللَّه ﷺ فى عمرة القضاء
стр. 1514
وهذه الأحاديث كانت فى حجة الوداع التى حجها رسول اللَّه ﷺ لأنه لم يحج بعد فرض الحج غيرها.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الرمل فى الأشواط الثلاثة الأول فى طواف القدوم وطواف العمرة.
٢ - أن السنة استيعاب الرمل لجميع هذه الأشواط الثلاثة.
٣ - نسخ ما ثبت فى حديث ابن عباس من المشى بين الركنين دون هرولة الذى كان رسول اللَّه ﷺ أمرهم به فى عمرة القضاء.
٤ - ينبغى اتباع رسول اللَّه ﷺ فى أفعاله وإن لم تعلم حكمة الفعل.
стр. 1515
٩ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: لم أر رسول اللَّه ﷺ يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين" رواه مسلم.
[المفردات]
وعنه: أى وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما لأنه المذكور فى الحديث السابق. وقد أرجع الصنعانى فى سبل السلام الضمير هنا لابن عباس مع أنه لم يتقدم له ذكر فى الحديث السابق.
стр. 1516
يستلم: أى يمسح بيده.
من البيت: أى من الكعبة المشرفة.
الركنين اليمانيين: أى ركن الحجر الأسود والركن اليمانى. وهما يمانيان لأنهما إلى جهة اليمن وهى جهة الجنوب.
[البحث]
لفظ هذا الحديث بتمامه فى صحيح البخارى ومسلم من طريق عبيد بن جريج أنه قال لعبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها؟ قال: ما هُنَّ يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السِّبْتِيَّة، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تُهْلِلْ أنت حتى يكون يوم التروية. فقال عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما: أمَّا الأركان فإنى لم أر رسول اللَّه ﷺ يمَسُّ إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية فإنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يلبس النعال التى ليس فيها شَعَرٌ ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها، وأما الصفرة فإنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها، وأما الإهلال فإنى لم أر رسول اللَّه ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته. وقد روى مسلم. من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال: لم أر رسول اللَّه ﷺ يستلم غير الركنين اليمانيين.
هذا وصنيع المصنف يوهم أن مسلم ﵀ انفرد بإخراج حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما مع أنه قد إخرجه البخارى ﵀ من طريق
стр. 1517
سالم بن عبد اللَّه عن أبيه رضى اللَّه عنهما قال: لم أر النبى ﷺ يستلم من البيت إلا الركنيين اليمانيين" وقد ساقه مسلم ﵀ بلفظ من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه قال: "لم أر رسول اللَّه ﷺ يمسح من البيت إلا الركنيين اليمانيين" وفى لفظ: لم يكن رسول اللَّه ﷺ يستلم من أركان البيت إلا الركن الأسود والذى يليه من مخبر دور الجُمَحِيِّين. وفى لفظ: ذَكَر أن رسول اللَّه ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليمانى. وقد تقدم مزيد بحث يتعلق بهذا الحديث عند الكلام على الحديث السادس من أحاديث هذا الباب.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن السنة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ أنه لا يستلم من البيت عند الطواف غير الركنين اليمانيين.
٢ - أنه ينبغى التأسى برسول اللَّه ﷺ فلا يفعل فى الطواف إلا ما فعل ﷺ .
стр. 1518
١٠ - وعن عمر رضى اللَّه عنه: أنه قَبَّل الحجر الأسود وقال: إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ" متفق عليه.
[المفردات]
قبل الحجر الأسود: أى وضع فمه عليه.
стр. 1519
لا تضر ولا تنفع: أى لا تؤثر بذاتك فى دفع ضر أَوْ جلب نفع، لأن ذلك للَّه وحده جل وعلا.
[البحث]
قد تقدم فى بحث الحديث السادس من هذا الباب ألفاظ هذا الحديث الثابت عن عمر رضى اللَّه عنه عند البخارى ومسلم، وقد روى البخارى من طريق الزبير بن عربى قال: سأل رجل ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن استلام الحجر فقال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يستلمه ويقبله قال: قلت: أرأيتَ ان زُحمْتُ؟ أرأيت إن غُلِبْتُ؟ قال: اجعل أرأيتَ باليمن، رأيت رسول اللَّه ﷺ يستلمه ويقبله" فالحجر الأسود يستلم ويقبل والركن اليمانى يستلم ولا يقَبَّل كما تقدم. وقول عمر رضى اللَّه عنه فى حديث الباب: إنك حجر لا تضر ولا تنفع. أراد رضى اللَّه عنه دفع ما قد يخطر من الخواطر الشيطانية بأن هذا التقبيل عبادة للحجر كما كان يفعل أهل الجاهلية، فبيَّن الفرق رضى اللَّه عنه بين ما كان يفعله أهل الجاهلية من اعتقادهم فى أن هذه الأحجار التى يعبدونها تنفعهم وتضرهم، وبين ما يفعله المسلمون من اتباع رسول اللَّه ﷺ فى تقبيل الحجر الأسود وهم يعتقدون أنه لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا لذاته. وأمَّا ما رواه البيهقى فى شعب الإيمان بأن عليا قال لعمر رضى اللَّه عنهما: بلى يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع قال: وأين ذلك؟ قال فى كتاب اللَّه؟ قال: وأين ذلك
стр. 1520
من كتاب اللَّه ؟ قال: قال اللَّه ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قال: فلما خلق اللَّه آدم مسح على ظهره فأخرج ذريته من صلبه فقررهم أنه الرب وهم العبيد ثم كتب ميثاقهم فى رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال له: افتح فاك، فألقمه ذلك الرق، وجعله فى هذا الموضع وقال: تشهد لمن وافاك بالإِيمان يوم القيامة فقال عمر: أعوذ باللَّه أن أعيش فى قوم لستَ فيهم يا أبا الحسن" فإن أمارات الوضع ظاهرة عليه، وهو دس من بعض أهل الأهواء وقد ضعف هذا الأثر البيهقى، وذكره الحاكم من حديث أبى سعيد وفى سنده أبو هارون العبدى. قال الذهبى: ساقط وقال الحافظ ابن حجر فى تلخيص الحبير: حديث عمر أنه قال وهو يطوف بالركن: إنما أنت حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك ما قبَّلتك ثم تقدم فقبله" متفق عليه من حديثه واللفظ لمسلم دون قوله فى آخره: ثم تقدم فقبَّله، وله عندهما طرق. والزيادة وهى قوله ثم تقدم فقبَّله رواها الحاكم من حديث أبى سعيد الخدرى عن عمر فى هذا الحديث مطولا، وفيه قصة لعلى، وفى إسناده أبو هارون العبدى وهو ضعيف جدًا اهـ وقد قال أحمد فى أبى هارون العبدى: ليس بشئ، وقال النسائى: ليس بثقة، وقال
стр. 1521
الجوزجانى: كذاب مفتر.
وأما ما يحصل بسبب تقبيل الحجر من الثواب وهو نفع وتكفير السيئات وهو دفع ضرر فليس لذات الحجر بل للامتثال واتباع رسول اللَّه ﷺ ، وأما قول ملا على القارى: إنه لا يظن بأرباب العقول ولو كانوا كفارا أن يعتقدوا أن الحجر ينفع ويضر بالذات، إنما هم يعبدون الأحجار معللين بأن هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه، والفرق بيننا وبينهم أنهم كانوا يفعلون الأشياء من تلقاء أنفسهم ما أنزل اللَّه بها من سلطان بخلاف المسلمين فإنه يصلون إلى الكعبة بناء على ما أمر اللَّه ويقبِّلون الحجر بناء على متابعة رسول اللَّه ﷺ . أقول: إن قوله: لا يظن بأرباب العقول ولو كان كفارا أن يعتقدوا أن الحجر ينفع ويضر بالذات قول غير سديد فإن المفهوم الظاهر من سياق القرآن أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن هذه الأحجار تنفع وتضر لذاتها بل كانوا يعلقون تمام ويعتقدون أنها تدفع عنهم الشر، فلله در أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه وهو المحدِّث الملهم بشهادة رسول اللَّه ﷺ ، ونحن قد نرى ممن ينتسبون للإسلام من الجهلة من يتمسحون بأحجار بعض البنايات التى بنيت على قبور بعض المنتسبين للصلاح بل يطوفون حولها كما يطوف المسلم بالبيت العتيق، مع إجماع علماء الإسلام على أنه لا يجوز الطواف إلا حول الكعبة المشرفة فإن الطواف من خصائصها ولذلك قدمه اللَّه على الصلاة
стр. 1522
والاعتكاف فى المسجد الحرام فقال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وكما قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن المقصود من تقبيل الحجر الأسود هو الاتباع لرسول اللَّه ﷺ .
٢ - يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الحجر لا يضر ولا ينفع.
٣ - أنه لا يجوز تقبيل أى حجر سوى الحجر الأسود.
٤ - أنه ينبغى لأهل العلم أن يوضحوا للناس ما قد يحدث لهم من شبهات.
٥ - أنه قد يخشى على المسلم أن يقع فى أعمال أهل الجاهلية ولا يعصمه من ذلك إلا اتباع رسول اللَّه ﷺ .
стр. 1523
١١ - وعن أبى الطُّفيل رضى اللَّه عنه قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمِحْجَنِ معه، ويُقَبِّل المحجن" رواه مسلم.
[المفردات]
أبو الطفيل: هو عامر بن واثلة بن عبد اللَّه بن عمير بن جابر ابن حُميس بن جَزْء بن سعد بن ليث الليثى الكنانى.
стр. 1524
أدرك ثمانى سنين من حياة رسول اللَّه ﷺ وقد ولد عام أحُد ورأى النبى ﷺ ، ونزل الكوفة وشهد مع على رضى اللَّه عنه مشاهده كلها فلما استشهد على رضى اللَّه عنه عاد إلى مكة فأقام بها إلى أن مات سنة مائة أو سنة عشر ومائة وهو آخر من مات من الصحابة على الاطلاق رضى اللَّه عنه.
الركن: أى الحجر الأسود.
بمحجن: هو عصا معوجة الرأس يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحول بطرفها بعيره، ويحركه للمشى.
ويُقَبِّل المحجن: أى ويضع فمه على المحجن يعنى فى المكان الذى مس الحجر الأسود منه.
[البحث]
أخرج البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: طاف النبى ﷺ فى حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ورواه مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه بلفظ: طاف رسول اللَّه ﷺ بالبيت فى حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس، ولِيُشْرِفَ وليسألوه، فإن الناس غَشُوهُ.
стр. 1525
كما روى مسلم من طريق نافع قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قال يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعله. كما روى البخارى من حديث عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما قال: طاف النبى ﷺ بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشئ كان عنده وكبَّر.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن السنة أن يستلم الطائف الحجر بيده ويقبله.
٢ - فإن لم يتمكن من تقبيله استلمه بيده وقبل يده.
٣ - فإن لم يتمكن من استلامه بيده استلمه بعصا أو نحوها وقبَّل ما استلمه به.
٤ - فإن لم يتمكن من استلامه بعصا أو نحوها أشار إليه وكبَّر ولا يُقبِّل ما يشير إليه به.
стр. 1526
١٢ - وعن يعلى بن أمية رضى اللَّه عنه قال: طاف رسول اللَّه ﷺ مُضْطَبعًا بِبُرْدٍ أخْضَرَ" رواه الخمسة إلا النسائى وصححه الترمذى.
[المفردات]
يعلى بن أمية: هو يعلى بن أمية بن أبى بن عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة
стр. 1527
ابن تميم وأمه منية بنت جابر من بنى عوف بن مازن بن منصور وكان يقال له يعلى بن منية كذلك. روى عنه ابنه صفوان أنه غزا جيش العسرة مع رسول اللَّه ﷺ وكان حليفا لبنى نوفل بن عبد مناف.
مضطبعا: الاضطباع هو أن يأخذ الرداء فيجعله تحت إبطه الأيمن ويلقى طرفيه على كتفه الأيسر من جهتَى صدره وظهره، ويكشف كتفه الأيمن.
برد: هو نوع من الثياب.
[البحث]
قال أبو داود: باب الاضطباع فى الطواف. حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن ابن جريج عن ابن يعلى عن يعلى قال: طاف النبى ﷺ مضطعا ببرد أخضر، حدثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُثَيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم السرى" والاضطباع فى الطواف إنما هو من سنن طواف القدوم وطواف العمرة كالرمل إلا أن الرمل يكون فى الأشواط الثلاثة منه بخلاف الاضطباع فإنه يكون فى الأشواط السبعة. ثم إذا انتهى من هذا الطواف جعل الرداء على كتفيه جميعا
стр. 1528
قبل أن يصلى ركعتى الطواف. هذا ولا ينبغى الاضطباع بالرداء قبل دخول المسجد الحرام لطواف القدوم أو العمرة.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الاضطباع بالرداء فى جميع أشواط طواف القدوم أو العمرة.
٢ - جواز لبس البرد الأخضر للرجال.
стр. 1529
١٣ - وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: كان يُهِلُّ منا المهل فلا يُنكَر عليه ويكبِّر المكبر فلا يُنكرُ عليه" متفق عليه.
[المفردات]
يهل منا المهل: أى يلبى منا الملبى ويرفع صوته بالتلبية.
فلا ينكر عليه: أى فلا يعيب أحد عليه.
ويكبر: أى يقول: اللَّه أكبر يعنى بدل التلبية أحيانا.
[البحث]
ساق البخارى هذا الحديث فى باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة، لرد على من زعم أن المحرم يقطع التلبية إذا راح إلى عرفة. وقد أخرجه هو ومسلم من طريق محمد بن أبى بكر الثقفى أنه سأل أنس بن مالك رضى اللَّه عنه وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون فى هذا اليوم مع رسول اللَّه
стр. 1530
صلى اللَّه عليه وسلم؟ فقال: "كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا يُنكَر عليه" كما روى مسلم من طريق محمد ابن أبى بكر يعنى الثقفى قال: قلت لأنس بن مالك غداة عرفة ما تقول فى التلبية هذا اليوم؟ قال: "سرتُ هذا المسير مع النبى ﷺ وأصحابه فمنا المكبر ومنا المهلل ولا يعيب أحدنا على صاحبه" وليس المراد من "المهلل" هو من يقول لا إله إلا اللَّه حيث إن التهليل هو قول لا إله إلا اللَّه، بل المراد من المهلل هو المهل أى من يرفع صوته بالتلبية كما جاء فى الرواية السابقة المتفق عليها، كما روى مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: غدونا مع رسول اللَّه ﷺ من منى إلى عرفات، منا الملبى ومنا المكبر وفى لفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ فى غداة عرفة فمنا المكبر ومنا المهلل" وقد روى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ أردف الفضل فأخبر الفضلُ أنه لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة. ويبدو أن أكثر الناس كانوا يكبرون ليلة بزدلفة حتى فهم بعض العامة أن التلبية تنتهى إذا دفع من عرفة وصار بعضهم ينكر على من يلبى ليلة مزدلفة فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عبد الرحمن بن يزيد أن عبد اللَّه (يعنى ابن مسعود) لَبَّى حين أفاض من جمع فقيل: أعرابى هذا؟ فقال عبد اللَّه: أنَسِيَ الناسُ أم ضَلُّوا: سمعت الذى أنزلت عليه
стр. 1531
سورة البقرة يقول فى هذا المكان: "لبيك اللهم لبيك" وفى لفظ لمسلم من حديث عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبد اللَّه بن مسعود يقول بِجُمْع: سمعت الذى أنزلت عليه سورة البقرة ههنا يقول: "لبيك اللهم لبيك" ثم لَبَّى ولَبَّيْنا معه.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب التلبية يوم عرفة.
٢ - لا بأس على من كبَّر يوم عرفة أحيانا.
٣ - أن التلبية تستمر إلى رمى جمرة العقبة.
стр. 1532
١٤ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: بعثنى النبى ﷺ فى الثَّقَل أَوْ قال فى الضَّعَفَةٍ من جُمع بِلَيلٍ".
[المفردات]
الثَّقَل: بفتح الثاء والقاف هو فى الأصل متاع المسافر وأريد به هنا الضَّعَفَةً من النساء والصبيان والمرضى ونحوهم.
الضَّعَفَة: أى ضعفة أهله ﷺ من النساء والصبيان ونحوهم، والضعفة جمع ضعيف، وجمعُ ضعيف على ضعفة نادر. قيل: ومثله: خبيث وخَبَيثَة ولا يكاد يوجد لهما ثالث.
стр. 1533
من جمع: أى من مزدلفة.
بليال: أى قبل الفجر.
[البحث]
هذا الحديث رواه البخارى بألفاظ منها: بعثنى رسول اللَّه ﷺ من جُمع بليل، ومنها: أنا ممن قدَّم النبى ﷺ ليلة المزدلفة فى ضَعَفَة أهله. ومنها: بعثنى أَوْ قدِّمنى النبى ﷺ فى الثَّقَل من جمع بليل" أما مسلم فرواه باللفظ الذى أورده المصنف هنا ثم أورده بلفظ: أنا ممن قدَّم رسول اللَّه ﷺ فى ضعفة أهله. ثم أورده بلفظ: قال: كنت فيمن قدَّم رسول اللَّه ﷺ فى ضعفة أهله. ثم أخرجه بلفظ: قال: بعث بى رسول اللَّه ﷺ بِسَحَر من جَمْع فى ثَقَل نبى اللَّه ﷺ ".
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز الإفاضة من مزدلفة بليل للضعفة من النساء والصبيان والمرضى ونحوهم.
٢ - لا ينبغى لغير الضعفة الإفاضة من مزدلفة قبل صلاة الفجر والوقوف بالمشعر الحرام.
стр. 1534
١٥ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها: استأذنت سودةُ رسول اللَّه ﷺ ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وكانت ثَبْطَةً
стр. 1535
(تعنى ثقيلة) فأذن لها" متفق عليهما.
[المفردات]
استأذنت سودة رسول اللَّه ﷺ : أى طلبت سودة بنت زمعة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها من رسول اللَّه ﷺ أن يرخص لها فى الدفع من مزدلفة قبل الفجر.
أن تدفع قبله: أى أن تفيض من مزدلفة قبل رسول اللَّه ﷺ .
ثبطة: بفتح التاء وسكون الباء أو كسرها أى بطيئة الحركة كأنها تثبط بالأرض أى تشبث بها.
ثقيلة: أى من عظم جسمها رضى اللَّه عنها.
فأذن لها: أى فرخص لها رسول اللَّه ﷺ فى ذلك.
متفق عليهما: أى على حديث ابن عباس رقم ١٤ وحديث عائشة هذا رقم ١٥.
[البحث]
أورد البخارى هذا الحديث بلفظ عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: استأذنت سودة النبى ﷺ ليلة جَمع وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها" ثم أورده بلفظ عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبىَّ ﷺ سودةُ أن تدفع قبل حَطْمَةِ الناس، وكانت امرأة بطيئة فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون
стр. 1536
استأذنت رسول اللَّه ﷺ كما استأذنت سودة أحبُّ إلىَّ من مفروحٍ به.
أما مسلم فقد أورد هذا الحديث أيضًا بألفاظ منها عن القاسم: عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: استأذنت سودةُ رسول اللَّه ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة (يقول القاسم والثبطة الثقيلة) فأذن لها فخرجت قبل دفعه، وحَبَسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه، ولَأن أكون استأذنت رسول اللَّه ﷺ كما استأذنته سودة فأكون أدفع بإذنه أحبُّ إليَّ من مفروح به. وفى لفظ عن القاسم عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول اللَّه ﷺ أن تُفيض من جمع بليل فأذن لها فقالت عائشة فَلَيْتَنَى كنت استأذنت رسول اللَّه ﷺ كما استأذنته سودة، وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام. وفى لفظ عن القاسم عن عائشة قالت: وَدِدت أنى كنت استأذنت رسول اللَّه ﷺ كما استأذنته سودة فأصلى الصبح بمنى فأرمى الجمرة قبل أن يأتى الناس. فقيل لعائشة: فكانت سودة استأذنته؟ قالت: نعم، إنها كانت امرأة ثقيلة ثبطة فاستأذنت رسول اللَّه ﷺ فأذن لها. كما روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث عبد اللَّه مولى أسماء عن أسماء رضى اللَّه عنها أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلى، فصلت ساعة، ثم قالت: يَابُنَىَّ: هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم: قالت: فارتَحِلوا،
стр. 1537
فارتَحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح فى منزلها، فقلت لها: يا هَنْتَاه: ما أُرانا إلا قد غَلَّسْنا، قالت: يا بُنيّ إن رسول اللَّه ﷺ أَذِنَ للظُّعْن والظعن النساء جمع ظعينة وهى المرأة فى الهودج، وقوله لها: يا هنتاه بسكون النون وفتحها وفى آخره هاء ساكنة وقد تضم أى يا هذه. وقد تستعمل بمعنى يا مغفلة أَوْ يا بَلْهَاء ولكن هذا ليس مرادا هنا بل المراد المعنى الأول أنها بمعنى يا هذه. كما روى مسلم من طريق عطاء أن ابن شوَّال أخبره أنه دخل على أم حبيبة فأخبرته أن النبى ﷺ بعث بها من جمع بليل. وفى لفظ لمسلم من طريق عمرو بن دينار عن سالم بن شوال عن أم حبيبة قالت: كنا نفعله على عهد النبى ﷺ نُغَلِّسُ من جمع إلى منى.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز الإفاضة من مزدلفة بليل للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم.
٢ - جواز رمى جمرة العقبة لهؤلاء قبل صلاة الفجر.
стр. 1538
١٦ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" رواه الخمسة إلا النسائى وفيه انقطاع.
[المفردات]
لنا: أى للذين قدِّمهم رسول اللَّه ﷺ ليلة المزدلفة إلى
стр. 1539
منى من ثَقله ﷺ .
الجمرة: يعنى جمرة العقبة يوم النحر.
[البحث]
هذا الحديث من رواية الحسن العرنى بضم العين وفتح الراء بعدها نون عن ابن عباس. والحسن هو ابن عبد اللَّه العرنى نسبة إلى عرينة بطن من بجيلة وهو كوفى ثقة وهو من رجال البخارى ومسلم وإن كان البخارى لا يروى عنه إلا مقرونا بغيره. لكن قال يحيى بن معين: يقال: لم يسمع من ابن عباس. وقال أحمد بن حنبل: لم يسمع من ابن عباس شيئًا وقال أبو حاتم: ولم يدركه ولذلك قال المصنف هنا: وفيه انقطاع. والعجيب أن الحافظ وصفه هنا بهذا الوصف وقال: رواه الخمسة إلا النسائى مع أنه قال فى الفتح عند كلامه على حديث أسماء رضى اللَّه عنها الذى تقدم فى بحث الحديث السابق: وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائى والطحاوى وابن حبان من طريق الحسن العرنى، وهو بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون عن ابن عباس، وأخرجه الترمذى والطحاوى من طرق عن الحكم عن مقسم عنه، وأخرجه أبو داود من طريق حبيب عن عطاء وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا ومن ثَمَّ صححه الترمذى وابن حبان اهـ.
وعلى كل حال فإن مثل هذا الحديث لا يقوى على معارضة حديث أسماء رضى اللَّه عنها المتفق عليه المصرح بأنها رمت قبل
стр. 1540
صلاة الفجر وبينت أن النبى ﷺ أذن بذلك، وما جاء فى لفظ مسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها: وددت أنى كنت استأذنت رسول اللَّه ﷺ كما استأذنه سودة فأصلى الصبح بمنى فأرمى الجمرة قبل أن يأتى الناس" ولما سيأتى فى الحديث الذى يلى هذا الحديث، واللَّه أعلم.
стр. 1541
١٧ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: أرسل النبى ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت. رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم.
[المفردات]
ثم مضت: أى ثم سارت إلى البيت الحرام.
فأفاضات: أى طافت طواف الإفاضة.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد اللَّه، ثنا ابن أبى فُدَيك عن الضحاك يعنى ابن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت: أرسل النبى ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذى يكون رسول اللَّه ﷺ تعنى عندها اهـ وقد أشار الحافظ فى التلخيص إلى أنه قد رواه كذلك الحاكم والبيهقى
стр. 1542
من حديث الضحاك بن عفان عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها. قال الحافظ: ورواه الشافعى: أنا داود بن عبد الرحمن والدراوردى عن هشام عن أبيه مرسلا، قال: وأخبرنى من أثق به مثله اهـ. ولا شك أن رجال حديث الباب كلهم من رجال مسلم وأكثرهم من رجال الشيخين، والضحاك بن عثمان وثقه أئمة كثيرون، وإن كان ابن عبد البر قال فيه: كان كثير الخطأ ليس بحجة. وعلى كل حال فهو من رجال مسلم كما ذكرت. وهذا الحديث يؤكده حديث سودة وأسماء وكلام عائشة رضى اللَّه عنهن المتقدم، وكلها أقوى من حديث ابن عباس رقم ١٦. واللَّه أعلم.
стр. 1543
١٨ - وعن عروة بن مُضَرِّس رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه (يعنى بالمزدلفة) فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجُّه، وقضى تَفثه" رواه الخمسة وصححه الترمذى وابن خزيمة.
[المفردات]
عُرْوَةُ بن مُضَرِّس: هو عروة بن مضرس بن أوسٍ بن حارثة ابن لام الطائى، أسلم وصحب النبى ﷺ ،
стр. 1544
وهو الذى بعث معه خالد بن الوليد بعيينة بن حصن لما أسره يوم البطاح مرتدا إلى أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه. يعد فى الكوفيين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ .
شهد صلاتنا هذه: أى حضر صلاة الفجر بمزدلفة.
فوقف معنا: أى بالمشعر الحرام بعد صلاة الصبح بمزدلفة.
حتى ندفع: أى حتى نفيض من مزدلفة إلى منى.
تم حجه: أى كمل حجه.
وقضى تَفثه: أى أدَّى ما عليه وأزال أدراته وأذهب شعثه وحل له أن يأخذ عن شاربه وأظفاره وشعر إبطه وعانته. فالتفث ما يفعله المحرم بالحج إذا حل كقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، وأصل التفث الوسخ والأدران.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا مسدد ثنا يحيى عن إسماعيل ثنا عامر أخبرنى عروة بن مضرس الطائى قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ بالموقف يعنى بجمع قلت: جئت يا رسول اللَّه من جبل طئ أكْلَلْتُ مطِيتى وأتعبت نفسى واللَّه ما تركت من حبْل إلا وقفت عليه فهل لى من حج؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارًا فقد تَم حجه وقضى تفثه
стр. 1545
قال الحافظ فى التلخيص: وصحح هذا الحديث الدارقطنى والحاكم والقاضى أبو بكر بن العربى على شرطهما. وقال فى فتح البارى وحديث عروة أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والدارقطنى والحاكم اهـ، ولا نزاع عند أهل العلم أن الوقوف بعرفة فى وقته ركن من أركان الحج، وقد أشار حديث عروة بن مضرس هذا إلى أن وقت عرفة يمتد إلى فجر يوم النحر، وقول اللَّه ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ أمر إرشاد واستحباب لا أمر إيجاب لإِجماع أهل العلم على أن من وقف عند المشعر الحرام من غير ذكر فحجه تام، وإذا كان الذكر المذكور فى الكتاب ليس من صلب الحج فالموطن الذى يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضا، كما أجمع أهل العلم على أنه لو بات بالمزدلفة ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام. وقد نقل هذا الإجماع الطحاوى وابن قدامة كما ذكر الحافظ فى الفتح. وقد شذ بعض الناس فزعم أن من فاتته صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته وكذلك شذ بعضهم فزعم أن الوقوف بمزدلفة ركن من أركان الحج، وقد استدل هؤلاء بحديث عروة بن مضرس هذا وبأنه قد جاء فى لفظ له عند أبى يعلى فى مسنده: ومن لم يدرك جمعا فلا حج له" قال الحافظ فى الفتح: وقد صنف أبو جعفر العقيلى جزءا فى إنكار هذه الزيادة، وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبى عن عروة، وأن مطرفا كان يَهِم فى
следующие страницы →