Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
١٧ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: أرسل النبى ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت. رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم.
[المفردات]
ثم مضت: أى ثم سارت إلى البيت الحرام.
فأفاضات: أى طافت طواف الإفاضة.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد اللَّه، ثنا ابن أبى فُدَيك عن الضحاك يعنى ابن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت: أرسل النبى ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذى يكون رسول اللَّه ﷺ تعنى عندها اهـ وقد أشار الحافظ فى التلخيص إلى أنه قد رواه كذلك الحاكم والبيهقى
стр. 1542
من حديث الضحاك بن عفان عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها. قال الحافظ: ورواه الشافعى: أنا داود بن عبد الرحمن والدراوردى عن هشام عن أبيه مرسلا، قال: وأخبرنى من أثق به مثله اهـ. ولا شك أن رجال حديث الباب كلهم من رجال مسلم وأكثرهم من رجال الشيخين، والضحاك بن عثمان وثقه أئمة كثيرون، وإن كان ابن عبد البر قال فيه: كان كثير الخطأ ليس بحجة. وعلى كل حال فهو من رجال مسلم كما ذكرت. وهذا الحديث يؤكده حديث سودة وأسماء وكلام عائشة رضى اللَّه عنهن المتقدم، وكلها أقوى من حديث ابن عباس رقم ١٦. واللَّه أعلم.
стр. 1543
١٨ - وعن عروة بن مُضَرِّس رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه (يعنى بالمزدلفة) فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجُّه، وقضى تَفثه" رواه الخمسة وصححه الترمذى وابن خزيمة.
[المفردات]
عُرْوَةُ بن مُضَرِّس: هو عروة بن مضرس بن أوسٍ بن حارثة ابن لام الطائى، أسلم وصحب النبى ﷺ ،
стр. 1544
وهو الذى بعث معه خالد بن الوليد بعيينة بن حصن لما أسره يوم البطاح مرتدا إلى أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه. يعد فى الكوفيين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ .
شهد صلاتنا هذه: أى حضر صلاة الفجر بمزدلفة.
فوقف معنا: أى بالمشعر الحرام بعد صلاة الصبح بمزدلفة.
حتى ندفع: أى حتى نفيض من مزدلفة إلى منى.
تم حجه: أى كمل حجه.
وقضى تَفثه: أى أدَّى ما عليه وأزال أدراته وأذهب شعثه وحل له أن يأخذ عن شاربه وأظفاره وشعر إبطه وعانته. فالتفث ما يفعله المحرم بالحج إذا حل كقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، وأصل التفث الوسخ والأدران.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا مسدد ثنا يحيى عن إسماعيل ثنا عامر أخبرنى عروة بن مضرس الطائى قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ بالموقف يعنى بجمع قلت: جئت يا رسول اللَّه من جبل طئ أكْلَلْتُ مطِيتى وأتعبت نفسى واللَّه ما تركت من حبْل إلا وقفت عليه فهل لى من حج؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارًا فقد تَم حجه وقضى تفثه
стр. 1545
قال الحافظ فى التلخيص: وصحح هذا الحديث الدارقطنى والحاكم والقاضى أبو بكر بن العربى على شرطهما. وقال فى فتح البارى وحديث عروة أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والدارقطنى والحاكم اهـ، ولا نزاع عند أهل العلم أن الوقوف بعرفة فى وقته ركن من أركان الحج، وقد أشار حديث عروة بن مضرس هذا إلى أن وقت عرفة يمتد إلى فجر يوم النحر، وقول اللَّه ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ أمر إرشاد واستحباب لا أمر إيجاب لإِجماع أهل العلم على أن من وقف عند المشعر الحرام من غير ذكر فحجه تام، وإذا كان الذكر المذكور فى الكتاب ليس من صلب الحج فالموطن الذى يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضا، كما أجمع أهل العلم على أنه لو بات بالمزدلفة ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام. وقد نقل هذا الإجماع الطحاوى وابن قدامة كما ذكر الحافظ فى الفتح. وقد شذ بعض الناس فزعم أن من فاتته صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته وكذلك شذ بعضهم فزعم أن الوقوف بمزدلفة ركن من أركان الحج، وقد استدل هؤلاء بحديث عروة بن مضرس هذا وبأنه قد جاء فى لفظ له عند أبى يعلى فى مسنده: ومن لم يدرك جمعا فلا حج له" قال الحافظ فى الفتح: وقد صنف أبو جعفر العقيلى جزءا فى إنكار هذه الزيادة، وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبى عن عروة، وأن مطرفا كان يَهِم فى
стр. 1546
المتون اهـ. كما ذكر الحافظ نحو هذا الكلام فى تلخيص الحبير.
стр. 1547
١٩ - وعن عمر رضى اللَّه عنه قال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشْرِقْ ثَبِيرُ، وإن النبى ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس" رواه البخارى.
[المفردات]
لا يفيضون: أى لا يدفعون من مزدلفة.
أشرق ثبير: أى لتطلع الشمس على ثبير -وهو بفتح الثاء- وكسر الباء بعدها ياء ثم راء جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب من مزدلفة إلى منى وهو أعظم جبال مكة. قيل: إنه عرف باسم رجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه.
خالفهم: أى خالف رسول اللَّه ﷺ المشركين الذين لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس فأفاض قبل أن تطلع الشمس.
ثم أفاض: يحتمل أن فاعله هو عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه ويحتمل أنه رسول اللَّه ﷺ .
[البحث]
أورد البخارى هذا الحديث فى باب مَن يَدْفَعُ من جمع من طريق شعبة عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون رحمه اللَّه تعالى
стр. 1548
قال: شهدت عمر رضى اللَّه عنه صلى بجمع الصبحَ ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس. ويقولون: أشرقْ ثبير، وإن النبى ﷺ خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس. وأورده فى أيام الجاهلية من رواية سفيان الثورى عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر: إن المشركين كانوا لا يفيضون. الحديث. وقد تقدم فى الحديث الأول من أحاديث هذا الباب لفظ حديث جابر رضى اللَّه عنه عند مسلم: ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه، وكبَّره، وهلَّله، ووحَّده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس" وقد أورد البخارى فى باب متى يصلى الفجر بجمع من حديث عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه: ثم وقف حتى أسفر ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة، فما أدرى: أقَولُهُ كان أسرعَ أم دفع عثمان رضى اللَّه عنه فلم يزل يُلَبِّى حتى رمى جمرة العقبة. وهذا يدل على أن الإِسفار بالمشعر الحرام والإِفاضة قبل طلوع الشمس كان هدى رسول اللَّه ﷺ وخلفائه الراشدين رضى اللَّه عنهم، قال الحافظ فى الفتح: ونقل الطبرى الإِجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فاته الوقوف.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الدفع من مزدلفة عند الإِسفار.
стр. 1549
٢ - أن من لم يقف بالمشعر الحرام إلا بعد طلوع الشمس أنه لم يدرك فضل هذا الوقوف.
٣ - ينبغى مخالفة أعمال أهل الجاهلية.
стр. 1550
٢٠ - وعن ابن عباس وأسامة بن زيد رضى اللَّه عنهم قالا: لم يزل النبى ﷺ يُلَبِّى حتى رمى جمرة العقبة. رواه البخارى.
[المفردات]
لم يزل يلبى: أى استمر يلبِّى أى يقول: لبيك اللهم لبيك الخ. وذلك فى طريقه من عرفة ومزدلفة إلى منى.
[البحث]
هذا الحديث رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن أسامة رضى اللَّه عنه كان ردف النبى ﷺ من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى قال: فكلاهما قال: لم يزل النبى ﷺ يلبى حتى رمى جمرة العقبة. وقوله "فكلاهما" يعنى أسامة بن زيد والفضل بن العباس رضى اللَّه عنهم. كما روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة. وفى لفظ مسلم من طريق عيسى ابن يونس عن ابن جريج عن عطاء: فأخبرنى ابن عباس أن الفضل
стр. 1551
أخبره الخ الحديث. وقد استشكل بعض الناس أن أسامة لم يرافق رسول اللَّه ﷺ من مزدلفة إلى منى لما رواه مسلم من حديث غريب أنه سأل أسامة رضى اللَّه عنه قال: قلت: فكيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل بن عباس وانطلقت أنا فى سُبَّاق قريش على رجلىَّ. إذ ليس فى هذا ما يمنع أن يكون أسامة قد حضر رسول اللَّه ﷺ قبل وصوله إلى الجمرة وشهده وهو يرميها وسمعه يلبى إلى أن رماها، ويؤكد ذلك ما رواه مسلم من حديث أم الحصين قالت: رأيت أسامة بن زيد وبلالا فى حجة الوداع وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبى ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وظاهر قول المصنف فى هذا الحديث: وعن ابن عباس وأسامة بن زيد رضى اللَّه عنهم قالا. يفهم منه أن ابن عباس يروى هذا عن رسول اللَّه ﷺ كما يرويه أسامة رضى اللَّه عنه. ولا شك أن عبد اللَّه بن عباس كان فى الضعفة الذين قدمهم رسول اللَّه ﷺ ليلة المزدلفة وإنه إنما يروى هذا عن رسول اللَّه ﷺ إما بواسطة الفضل أو بواسطة أسامة أو بواسطتهما جميعا. وما سقته فى صدر هذا الحديث يؤكد هذا. واللَّه أعلم. وقد تقدم مزيد بحث يتعلق بهذا الحديث عند الكلام على الحديث رقم ١٣ من أحاديث هذا الباب.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب استمرار التلبية إلى رمى جمرة العقبة.
стр. 1552
٢ - أن الصحابى إذا أضاف شيئًا إلى رسول اللَّه ﷺ قُبل منه ولو لم يعرف طريق تحمله عنه ﷺ هل كان بواسطة أو بغير واسطة؟ .
стр. 1553
٢١ - وعن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه أنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة" متفق عليه.
[المفردات]
الجمرة: أى جمرة العقبة وهى الجمرة الكبرى.
هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة: أى هنا قام رسول اللَّه ﷺ حين رمى جمرة العقبة فجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه، وكان فى بطن الوادى وكنَّى عن رسول اللَّه ﷺ بالذى أنزلت عليه سورة البقرة.
[البحث]
ساق المصنف ﵀ هذا الحديث بتصرف وقد رواه البخارى ومسلم بعدة ألفاظ وكلها من طريق عبد الرحمن بن يزيد النخعى ففى لفظ للبخارى عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد اللَّه من بطن الوادى فقلت: يا أبا عبد الرحمن: إن ناسا يرمونها
стр. 1554
من فوقها فقال: والذى لا إله غيره، هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ وفى لفظ للبخارى: عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورامى بسبع وقال: هكذا رمى الذى أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ . وفى لفظ للبخارى عن عبد الرحمن ابن يزيد أنه حج مع ابن مسعود رضى اللَّه عنه فرآه يرمى الجمرة الكبرى بسبع حصيات فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وفى لفظ للبخارى من حديث عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع ابن مسعود رضى اللَّه عنه حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادى حتى إذا حاذى بالشجرة اعتراضها فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم قال: من ههنا والذى لا إله غيره قام الذى أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ . أما مسلم فقد رواه من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد اللَّه بن مسعود جمرة العقبة من بطن الوادى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة قال: فقيل له: إن أناسا يرمونها من فوقها فقال عبد اللَّه بن مسعود: هذا والذى لا إله غيره مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وفى لفظ لمسلم عن عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع عبد اللَّه بن مسعود فأتى جمرة العقبة فاستبطن الوادى فاستعرضها فرماها من بطن الوادى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن: إن
стр. 1555
الناس يرمونها من فوقها فقال: هذا والذى لا إله غيره مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وفى لفظ لمسلم من حديث عبد الرحمن بن يزيد أنه حج مع عبد اللَّه قال: فرمى الجمرة بسبع حصيات. وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وقال: هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وفى لفظ لمسلم من حديث عبد الرحمن ابن يزيد قال: قيل لعبد اللَّه إن ناسا يرمون الجمرة من فوق العقبة قال: فرماها عبد اللَّه من بطن الوادى ثم قال: من ههنا والذى لا إله غيره رماها الذى أنزلت عليه سورة البقرة. قال الحافظ فى الفتح: قال ابن المنير: خص عبد اللَّه سورة البقرة بالذكر لأنها التى ذكر اللَّه فيها الرمى فأشار إلى أن فعله ﷺ مبين لمراد كتاب اللَّه تعالى، قلت: ولم أعرف موضع ذكر الرمى من سورة البقرة والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرا من أفعال الحج مذكور فيها فكأنه قال: هذا مقام الذى أنزلت عليه أحكام المناسك منبها بذلك على أن أفعال الحج توقيفية. وقيل: خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة. واللَّه أعلم اهـ وقول الحافظ ﵀: ولم أعرف موضع ذكر الرمى من سورة البقرة إرشاد إلى وقوفه عند منتهى علمه ﵀ وأعلى درجته. وإلا فإن ما قاله ابن المنير ﵀ من ذكر الرمى فى سورة البقرة واضح وهو قوله ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ
стр. 1556
تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فإنه يكاد يطبق أهل العلم على أن المراد بذكر اللَّه فى هذه الآية هو رمى الجمار. أما قول الحافظ ﵀: أو أشار بذلك إلى أنه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة فغير واضح، لما علم أن الوقوف إنما يستحب بعد رمى الجمرة الدنيا والوسطى ولا يستحب الوقوف بعد رمى جمرة العقبة ولذلك قال البخارى: باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف" قاله ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ ثم قال باب إذا رمى الجمرتين يقوم ويُسهل مستقبل القبلة ثم ساق بسنده إلى ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إِثْرِ كل حصاة ثم يتقدم حتى يُسْهِل ليقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمى الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيَسْتَهِلُّ ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا، ويدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادى ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبى ﷺ يفعله" وقوله: حتى يسهل أى حتى يصير فى السهل وقوله: فيستهل هو بمعناه هذا وقد نفل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن حديث ابن مسعود رضى اللَّه عنه هذا إنما هو فى أفضلية مكان رمى جرة العقبة وإنه يجوز رميها من أى مكان حولها سواء جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو
стр. 1557
أو وسطها.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب رمى جمرة العقبة من بطن الوادى.
٢ - استحباب التكبير مع كل حصاة.
٣ - استحباب الانصراف بعد رمى جمرة العقبة وعدم الوقوف.
٤ - يجوز أن يقال سورة البقرة.
стр. 1558
٢٢ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: رمى رسول اللَّه ﷺ الجمرة يوم النحر ضُحًى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس" رواه مسلم.
[المفردات]
ضحى: أى بعد طلوع الشمس وارتفاعها.
وأما بعد ذلك: الذى فى صحيح مسلم: وأما بعدُ: أى بعد يوم النحر فى أيام التشريق وليس فيه لفظ "ذلك".
فإذا زالت الشمس: أى لا يرمى إلا إذا زالت الشمس.
[البحث]
قال الحافظ فى الفتح: وتمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى وترمى من أسفلها استحبابا اهـ أما فى غير يوم النحر فتكون
стр. 1559
هى الأخيرة فى رمى الجمار.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الوقت المستحب لرمى جمرة العقبة هو بعد طلوع الشمس وارتفاعها يوم النحر.
٢ - أنه لا يجوز رمى الجمار بعد يوم النحر إلا بعد الزوال.
стр. 1560
٢٣ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم، ثم يسهل فيقوم فيستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو، ويرفع يديه ثم يرمى الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، فيسهل ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادى ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعله. رواه البخارى.
[المفردات]
الجمرة الدنيا: أى القريبة من مسجد الخيف وهى أوّل الجمرات التى ترمى من ثانى يوم النحر.
إثر كل حصاة: أى عند إطلاق كل حصاة من الحصى التى يرمى بها يكبر عقب رميها مباشرة.
ثم يتقدم: أى عن الجمرة.
ثم يسهل: أى يقصد السهل من الأرض الذى لا ارتفاع فيه
стр. 1561
بعيدا عن مرمى الحصى حتى لا يصيبه.
فيقوم: أى فيقف.
فيستقبل القبلة: أى ولا يستقبل الجمرة.
فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه: أى فيقف وقوفا طويلا قريبا من مقدار قراءة سورة البقرة يدعو اللَّه ويرفع يديه فى الدعاء.
ثم يرمى الوسطى: أى الجمرة الوسطى وهى التى بين الجمرة الدنيا وبين جمرة العقبة، ولذللك سميت الوسطى.
يأخذ ذات الشمال: أى يمشى إلى جهة شماله.
فيسهل: أى يقصد السهل من الأرض بعيدا عن مرمى الحصى حتى لا يصيبه.
جمرة ذات العقبة: أى الجمرة ذات العقبة يعنى الجمرة التى عند العقبة.
ولا يقف عندها: أى عقيب رميها بخلاف ما فعل بعد رمى الجمرة الدنيا والجمرة الوسطى.
ثم ينصرف: أى عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما.
هكذا: أى مثل ما فعلت فى رمى الجمار قد فعله رسول اللَّه ﷺ وقد رأيته وهو يفعل ذلك ﷺ .
[البحث]
ساق البخارى ﵀ حديث ابن عمر هذا بعدة ألفاظ قد
стр. 1562
تختلف عما ساقه المصنف هنا، ففى لفظ: أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمى الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل. الحديث. وفى لفظ: كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات، ثم يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة قياما طويلا فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمى الجمرة الوسطى كذلك فيأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا فيدعو ويرفع يديه ثم يرمى الجمرة ذات العقبة. الحديث. وفى لفظ يسنده إلى الزهرى عن الزهرى أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا رمى الجمرة التى تلى مسجد منى يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة. ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف. ثم يأتى الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى حصاة. ثم ينحدر ذات اليسار مما يلى الوادى فيقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو، ثم يأتى الجمرة التى عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر عند كل حصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها، قال الزهرى: سمعت سالم بن عبد اللَّه يحدث بمثل هذا عن أبيه عن النبى ﷺ . وكان ابن عمر يفعله. قال الحافظ فى الفتح عند كلامه على هذا المتن الأخير: ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايته أنه من تقديم المتن على
стр. 1563
بعض السند وإنما اختلفوا فى جواز ذلك، وأغرب الكرمانى فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهرى ولا يصير بما ذكره آخرا مسندا لأنه قال: يحدث بمثله لا بنفسه، كذا قال: وليس مراد المحدث بقوله فى هذا بمثله إلا نفسه وهو كما لو ساق المتن بإسناد ثم عقبه بإسناد آخر ولم يعد المتن بل قال: بمثله. ولا نزاع بين أهل الحديث فى الحكم بوصل مثل هذا. وكذا عند أكثرهم لو قال: بمعناه. خلافا لمن يمنع الرواية بالمعنى. وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيلى عن ابن ناجية عن محمد بن المثنى وغيره عن عثمان بن عمر وقال فى آخره: قال الزهرى: سمعت سالما يحدث بهذا عن أبيه عن النبى ﷺ . فعرف أن المراد بقوله: مثله. نفسه، وإذا تكلم المرء فى غير فنه أتى بهذه العجائب اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب الترتيب عند رمى حصى الجمار فى أيام التشريق فيبدأ بالجمرة الدنيا ثم الوسطى ثم جمرة العقبة.
٢ - مشروعية التكبير عند رمى كل حصاة.
٣ - استحباب استقبال القبلة بعد رمى الدنيا والوسطى والقيام طويلا للدعاء.
٤ - مشروعية رفع اليدين عند الدعاء.
٥ - استحباب التباعد من موضع الرمى عند القيام للدعاء حتى لا يصيبه الحصى عند رمى غيره.
стр. 1564
٦ - أن السنة ترك القيام بعد رمى جمرة العقبة.
٧ - وأن الرمى لابد وأن يكون بسبع حصيات. وأن تكون مثل حصى الخذف كما قيدته رواية جابر فى الحديث الأول من أحاديث هذا الباب.
стр. 1565
٢٤ - وعنه رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه! قال فى الثالثة: "والمقصرين" متفق عليه.
[المفردات]
وعنه: أى وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
المحلقين: أى الذين يحلقون رءوسهم عند التحلل من الحج أو العمرة.
قالوا: أى أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين سمعوا منه الدعاء للمحلقين.
والمقصرين يا رسول اللَّه: أى واشمل بدعائك المقصرين كذلك أى الذين يُقَصِّرُون من شعر رءوسهم عند التحلل من الحج أو العمرة ولا يحلقونها مكتفين بالتقصير منها.
قال فى الثالثة: أى فى دعائه للمحلقين للمرة الثالثة.
стр. 1566
والمقصرين: أى قال: اللهم ارحم المحلقين والمقصرين.
[البحث]
أشار البخارى ﵀ إلى أن قصة هذا الحديث وقعت فى حجة الوداع فقال: باب الحلق والتقصير عند الإحلال ثم ساق من حديث نافع قال: كان ابن عمر رضى اللَّه عنهما يقول: حلق رسول اللَّه ﷺ فى حجته ثم ساق من طريق ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال.: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: قال والمقصرين. وقال الليث حدثنى نافع: رحم اللَّه المحلقين مرة أو مرتين قال: وقال عبيد اللَّه حدثنى نافع: وقال فى الرابعة والمقصرين. ثم ساق البخارى من طريق أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: وللمقصرين؟ قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: وللمقصرين. قالها ثلاثا. قال: "وللمقصرين" كما أخرج البخارى من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: حلق فى حجة الوداع وأناس من أصحابه وقصَّر بعضهم، أما مسلم فقد روى حديث الدعاء للمحلقين من طريق نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما بنفس اللفظ الأول الذى أخرجه به البخارى ثم ساقه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما بلفظ: أن رسول اللَّه ﷺ قال: رحم
стр. 1567
اللَّه المحلقين "قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "رحم اللَّه المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "رحم اللَّه المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "والمقصرين" وجاء فى لفظ لمسلم: فلما كانت الرابعة قال: والمقصرين" أما حديث أبى هريرة فقد أخرجه مسلم بلفظ: قال: قال رسول اللَّه ﷺ "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول اللَّه وللمقصرين؟ قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول اللَّه وللمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول اللَّه وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين" ثم ساق مسلم من طريق أم الحصين رضى اللَّه عنها أنها سمعت النبى ﷺ فى حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة" وبذلك يتضح أن المصنف ﵀ قد ساق لفظ الحديث بتصرف. قال الحافظ فى الفتح: معظم الروايات عن مالك إعادة الدعاء للمحلقين مرتين وعطف المقصرين عليهم فى المرة الثالثة. ثم بين الحافظ أن كونها فى الرابعة -كما جاء فى بعض الروايات هو أن قوله: والمقصرين معطوف على مقدر تقديره: يرحم اللَّه المحلقين وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاث مرات صريحا فيكون دعاؤه للمقصرين فى الرابعة. قال: وقد رواه أبو عوانة فى مستخرجه من طريق الثورى عن عبيد اللَّه بلفظ: قال فى الثالثة: "والمقصرين" والجمع بينهما واضح بأن من قال فى الرابعة فعلى ما شرحناه ومن قال فى الثالثة أراد أن قوله:
стр. 1568
"والمقصرين" معطوف على الدعوة الثالثة أو أراد بالثالثة مسألة السائلين فى ذلك اهـ هذا وتفضيل الحلق على التقصير إنما هو للمفردين والقارنين والمتمتعين إذا أرادوا التحلل يوم النحر وكذلك للمعتمرين فى غير عمرة التمتع أما فى عمرة التمتع فالمستحب فيها التقصير حتى يبقى فى رأسه شعر يحلقه فى الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا. وقد قال البخارى: باب تقصير المتمتع بعد العمرة ثم ساق من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: لما قدم النبى ﷺ أمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحلوا ويحلقوا أو يقصروا".
هذا وليس على النساء حلق، فالمشروع فى حقهن التقصير بالإجماع، وقد نقل غير واحد من أهل العلم أنه يحرم على المرأة أن تحلق شعر رأسها. قال الحافظ فى الفتح: وللترمذى من حديث على: نهى أن تحلق المرأة رأسها. وقال فى تلخيص الحبير: حديث: ليس على النساء حلق وإنما يقصرن. أبو داود والدارقطنى والطبرانى من حديث ابن عباس وإسناده حسن.
وقواه أبو حاتم فى العلل، والبخارى فى التاريخ، وأعله ابن القطان، وردّ عليه ابن المواق فأصاب اهـ وسيجئ الكلام على هذا الحديث بعد ثلاثة أحاديث.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الحلق أفضل من التقصير فى التحلل من الإحرام.
стр. 1569
٢ - وأن التقصير يجزئ عن الحلق فى التحلل.
٣ - ينبغى أن يعم الحلق أو التقصير جميع الرأس.
٤ - مشروعية الدعاء لمن فعل الأفضل ولمن فعل المفضول.
٥ - استحباب تكرير الدعاء للمسارعين فى الخيرات.
стр. 1570
٢٥ - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ وقف فى حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح ولا حرج" فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى؟ قال: "ارم ولا حرج" فما سئل يومئذ عن شئ قُدَّم ولا أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج" متفق عليه.
[المفردات]
وقف فى حجة الوداع: أى بمنى يوم النحر على ناقته ﷺ عند جمرة العقبة بعد الزوال لتعليم بقية مناسك الحج.
فجعلوا: أى الحجاج الذين قدموا أو أخروا بعض أعمال يوم النحر على بعض.
يسألونه: أى يستفتونه فى تقديم بعض الأعمال يوم النحر على بعض.
لم أشعر: أى لم أفطن أن الذبح قبل الحلق.
стр. 1571
قبل أن أذبح: يعنى الهدى.
اذبح ولا حرج: أى لا إثم عليك فى تأخير الذبح عن الحلق فإذا ذبحت بعد الحلق فعملك صحيح.
فجاء آخر: أى فجاء رجل آخر يسأل النبى ﷺ .
لم أشعر: أى لم أفطن أن الرمى قبل النحر.
فنحرت قبل أن أرمى: أى ذبحت الهدى قبل أن أرمى جمرة العقبة.
ارم ولا حرج: أى ارم جمرة العقبة ولا إثم عليك فى تقديم الذبح على الرمى.
فما سئل يومئذ: أى فما سئل رسول اللَّه ﷺ فى موقفه فى ذلك اليوم.
عن شئ قدم ولا أخر: أى عن عمل من أعمال الحج فى يوم النحر قدم على غيره من هذه الأعمال ولا عن عمل أَخِّر على غيره من هذه الأعمال.
إلا قال: افعل ولا حرج: أى إلا أجاز التقديم أو التأخير وأنه لإ إثم على فاعله.
[البحث]
روى البخارى ومسلم حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما بعدة ألفاظ محصلها السؤال عن أربعة أشياء وهى الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمى والنحر قبل الرمى والإفاضة قبل الرمى ففى لفظ لهما: أن رسول اللَّه ﷺ وقف فى حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشعر الخ الحديث
стр. 1572
باللفظ الذى ساقه المصنف وفى لفظ للبخارى: رأيت النبى ﷺ عند الجمرة وهو يسأل فقال رجل يا رسول اللَّه: نحرت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج، قال آخر: يا رسول اللَّه: حلقت قبل أن أنحر قال: انحر ولا حرج" الحديث. وفى لفظ للبخارى: وقف رسول اللَّه ﷺ على ناقته. وفى لفظ لمسلم: وقف رسول اللَّه ﷺ على راحلته فطفق ناس فيقول القائل منهم يا رسول اللَّه إنى لم أكن أشعر أن الرمى قبل النحر فنحرت قبل الرمى فقال رسول اللَّه ﷺ فارم ولا حرج قال: وطفق آخر يقول: إنى لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر فيقول: انحر ولا حرج. قال فما سمعته يُسْأَلُ يومئذ عن أمر ما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال رسول اللَّه ﷺ : افعلوا ذلك ولا حرج" وفى لفظ لمسلم: قال سمعت رسول اللَّه ﷺ وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال يا رسول اللَّه إنى حلقت قبل أن أرمى فقال: "ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: إنى ذبحت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج، وأتاه آخر فقال: إنى أفضت إلى البيت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج" قال: فما رأيته سئل يومئذ عن شئ إلا قال: افعلوا ولا حرج" كما روى البخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال رجل للنبى ﷺ : زرت قبل أن أرمى قال: "لا حرج" قال: حلقت قبل أن أذبح قال: "لا حرج" قال: ذبحت قبل أن أرمى قال
стр. 1573
"لا حرج" وفى لفظ للبخارى ومسلم عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قيل له فى الذبح والحلق والرمى والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج" وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: سئل النبى ﷺ فقال: رميت بعد ما أمسيت فقال: لا حرج قال: حلقت قبل أن أنحر قال: لا حرج. وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: كان النبى ﷺ يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال: اذبح ولا حرج قال: رميت بعد ما أمسيت فقال: لا حرج. وقوله فى حديث ابن عباس رميت بعد ما أمسيت لا يفيد أن رميه كان بالليل لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام. وفى صدر هذا الحديث ما يفيد أن هذا السؤال كان يوم النحر بمنى، فيؤكد أن رمى هذا السائل لم يكن بالليل، وأن مراده بالمساء هو ما بعد الزوال. ولعل سبب كل هذه الأسئلة أنهم علموا أن رسول اللَّه ﷺ رمى أولا ثم نحر ثم حلق ثم أفاض إلى البيت وسمعوا: قوله: لتأخذوا عنى مناسككم فظنوا أن عملهم الذى خالفوا فيه ترتيب النبى ﷺ باطل فسألوا رسول اللَّه ﷺ فبين لهم أنه لا حرج عليهم فيما فعلوا مما يؤكد أن بعض أفعال رسول اللَّه ﷺ ليست للوجوب، لكن ينبغى لمن خالف ترتيبه ترتيب النبى ﷺ أن يسأل أهل العلم فى ذلك ليبينوا ما يجب وما
стр. 1574
لا يجب، وما يبطل العمل وما لا يبطله على حد قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وسيأتى مزيد بحث لهذه المسألة فى حديث المسور بن مخرمة الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى.
وظاهر قول رسول اللَّه ﷺ "لا حرج" يفيد رفع الإثم وإجزاء الفعل وإنه لا شئ عليه فى هذا العمل الذى عمل، وإن كان الأفضل له أن يرتب بترتيب رسول اللَّه ﷺ .
[ما يفيده الحديث]
١ - أن السنة تقديم الرمى ثم النحر -ممن عليه هدى- ثم الحلق ثم طواف الإِفاضة.
٢ - وأنه يجوز تقديم بعض هذه الأعمال على بعض.
٣ - وأنه لا يلزم من قدم بعض هذه الأعمال على بعض شئ.
٤ - وأن أفعال رسول اللَّه ﷺ قد تكون للإيجاب وقد تكون للاستحباب.
стр. 1575
٢٦ - وعن المسور بن مخرمة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك" رواه البخارى.
[المفردات]
المسور بن مخرمة: هو المسور بن مخرمة بن نوفل بن أُهيب ابن عبد مناف بن زهرة الزهرى القرشى
стр. 1576
أبو عبد الرحمن، له صحبة، وأمه عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، وقد ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين، وكان فقيها من أهل العلم والدين، ولم يزل مع خاله عبد الرحمن فى أمر الشورى، وكان هواه فيها مع على، وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان رضى اللَّه عنه ثم سار إلى مكة فلم يزل بها حتى توفى معاوية وكره بيعة يزيد، وأقام مع ابن الزبير بمكة حتى قدم الحصين بن نمير إلى مكة فى جيش من الشام ورمى بيت اللَّه بحجر المنجنيق فقتل المسور عندما أصابه حجر منجنيق وهو يصلى بالحِجر فى مستهل ربيع الأول من سنة أربع وستين وهو ابن اثنتين وستين سنة رضى اللَّه عنه. وقد كان يوم الحديبية ابن أربع سنوات إذ كانت الحديبية فى ذى القعدة من السنة السادسة للهجرة.
وأمر أصحابه بذلك: أى وأمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه أن ينحروا قبل أن يحلقوا.
[البحث]
هذا قطعة من حديث طويل جدا رواه البخارى فى
стр. 1577
كتاب الشروط فى باب الشروط فى الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط من طريق عبد اللَّه بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرنى الزهرى قال أخبرنى عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول اللَّه ﷺ زمن الحديبية. الحديث. وأورده البخارى فى باب النحر قبل الحلق فى الحصر مقتصرا على هذه القطعة التى أوردها المصنف هنا قال البخارى: حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عروة عن المسور رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك. وأورد البخارى فى باب ما يجوز من الشروط فى الإسلام والأحكام والمبايعة" فى أول كتاب الشروط من صحيحه بعض الحديث الطويل دون هذه القطعة التى ذكرها المصنف قال البخارى: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عُقَيْل عن ابن شهاب قال: أخبرنى عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضى اللَّه عنهما يخبران عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: لما كاتب سهيل ابن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبى ﷺ أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. الحديث. قال الحافظ فى الفتح عند كلامه على قطعة الحديث التى أوردها البخارى فى باب النحر قبل الحلق فى الحصر: هذا طرف من الحديث الطويل الذى أخرجه المصنف فى الشروط
стр. 1578
من الوجه المذكور هنا. ولفظه فى أواخر الحديث: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" فذكر بقية الحديث. وفيه قول أم سلمة للنبى ﷺ : اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، فخرج فنحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. وعرف بهذا أن المصنف أورد القدر المذكور هنا بالمعنى، وأشار بقوله فى الترجمة "فى الحصر" إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر اهـ وقال الحافظ فى الفتح عند كلامه على الحديث الطويل: هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة لأنه لا صحبة له وأما المسور فهى بالنسبة إليه أيضا مرسلة لأنه لم يحضر القصة، وقد تقدم فى أول الشروط من طريق أخرى عن الزهرى عن عروة أنه سمع المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ فذكر بعض الحديث، وقد سمع المسور ومروان من جماعة من الصحابة شهدوا هذه القصة كعمر وعثمان وعلى والمغيرة وأم سلمة وسهل بن حنيف، وغيرهم، ووقع فى نفس هذا الحديث شئ يدل على أنه عمر اهـ ولفظ الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول اللَّه ﷺ زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق قال النبى ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم فى خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فواللَّه ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بفترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبى ﷺ حتى
стр. 1579
إذا كان بالثنية التى يُهْبَطُ عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ، فقالوا: خَلأت القصواء، خلأت القصواء , فقال النبى ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: والذى نفسى بيده لا يسألونى خُطَّةً يُعَظِّمون فيها حُرُمات اللَّه إلا أعطتهم إياها" ثم زجرها فوثبت، قال: فَعَدَلَ عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليل الماء يَتَبَرَّضُهُ النّاس تَبَرُّضًا، فلم يُلَبِّثه الناسُ حتى نزحوه، وشُكِى إلى رسول اللَّه ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يَجيشُ لهم بالرِّىِّ حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيْل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول اللَّه ﷺ من أهل تهامة. فقال: إنى تركت كعب بن لؤى، وعامر ابن لؤى نزلوا أَعْدَاد مياه الحديبية ومعهم العُوذُ المطافيل، وهم مقاتلون وصَادُّوك عن البيت، فقال رسول اللَّه ﷺ : إِنَّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنَّا جئنا معتمرين. وإن قريشا قد نَهِكَتْهُمُ الْحَربُ وأضَرَّتْ بهم، فإن شاؤا مَادَدْتُهُم مُدَّة، ويُخَلُّوا بينى وبين الناس فإن أظْهر، فإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبوا فوالذى نفسى بيده لأقاتلنَّهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى، وَلَيُنَفِّذنَّ اللَّهُ أمره" فقال بديل: سَأبَلِّغُهُم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشا، قال إنا قد
стр. 1580
جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشئ، وقال ذوو الرأى منهم هاتِ ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبى ﷺ فقام عروة بن مسعود فقال: أى قَوم: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أوَلَستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تَتَّهِمُونى؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنى استنفرت أهل عكاظ فَلمَّا بَلَّحُوا عَلَىَّ جئتكم بأهلى وولَدى ومن أطاعنى؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطَّة رُشْد اقبلوها، ودعونى آتيه، قالوا ائته. فأتاه فجعل يكلم النبى ﷺ فقال النبى ﷺ نَحْوا من قوله لبُدَيل. فقال عروة عند ذلك: أى محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإنى واللَّه لأرى وجوها، وإنى لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويَدعُوك فقال له أبو بكر: امْصُصْ بِبَظْر اللات، أنحن نَفِرُّ عَنْهُ ونَدَعُهُ؟ فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذى نفسى بيده لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها، لأجبْتُك، قال: وجعل يُكَلِّم النبى ﷺ ، فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة ابن شعبة قائم على رأس النبى ﷺ ومعه السيف، وعليه المِغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبى ﷺ ضرب يده بِنَعْلِ السيف، وقال له: أخِّر يدك عن لحية رسول اللَّه ﷺ -
следующие страницы →