Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
أبو عبد الرحمن، له صحبة، وأمه عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، وقد ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين، وكان فقيها من أهل العلم والدين، ولم يزل مع خاله عبد الرحمن فى أمر الشورى، وكان هواه فيها مع على، وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان رضى اللَّه عنه ثم سار إلى مكة فلم يزل بها حتى توفى معاوية وكره بيعة يزيد، وأقام مع ابن الزبير بمكة حتى قدم الحصين بن نمير إلى مكة فى جيش من الشام ورمى بيت اللَّه بحجر المنجنيق فقتل المسور عندما أصابه حجر منجنيق وهو يصلى بالحِجر فى مستهل ربيع الأول من سنة أربع وستين وهو ابن اثنتين وستين سنة رضى اللَّه عنه. وقد كان يوم الحديبية ابن أربع سنوات إذ كانت الحديبية فى ذى القعدة من السنة السادسة للهجرة.
وأمر أصحابه بذلك: أى وأمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه أن ينحروا قبل أن يحلقوا.
[البحث]
هذا قطعة من حديث طويل جدا رواه البخارى فى
стр. 1577
كتاب الشروط فى باب الشروط فى الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط من طريق عبد اللَّه بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرنى الزهرى قال أخبرنى عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول اللَّه ﷺ زمن الحديبية. الحديث. وأورده البخارى فى باب النحر قبل الحلق فى الحصر مقتصرا على هذه القطعة التى أوردها المصنف هنا قال البخارى: حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عروة عن المسور رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك. وأورد البخارى فى باب ما يجوز من الشروط فى الإسلام والأحكام والمبايعة" فى أول كتاب الشروط من صحيحه بعض الحديث الطويل دون هذه القطعة التى ذكرها المصنف قال البخارى: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عُقَيْل عن ابن شهاب قال: أخبرنى عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضى اللَّه عنهما يخبران عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: لما كاتب سهيل ابن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبى ﷺ أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. الحديث. قال الحافظ فى الفتح عند كلامه على قطعة الحديث التى أوردها البخارى فى باب النحر قبل الحلق فى الحصر: هذا طرف من الحديث الطويل الذى أخرجه المصنف فى الشروط
стр. 1578
من الوجه المذكور هنا. ولفظه فى أواخر الحديث: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" فذكر بقية الحديث. وفيه قول أم سلمة للنبى ﷺ : اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، فخرج فنحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. وعرف بهذا أن المصنف أورد القدر المذكور هنا بالمعنى، وأشار بقوله فى الترجمة "فى الحصر" إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر اهـ وقال الحافظ فى الفتح عند كلامه على الحديث الطويل: هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة لأنه لا صحبة له وأما المسور فهى بالنسبة إليه أيضا مرسلة لأنه لم يحضر القصة، وقد تقدم فى أول الشروط من طريق أخرى عن الزهرى عن عروة أنه سمع المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ فذكر بعض الحديث، وقد سمع المسور ومروان من جماعة من الصحابة شهدوا هذه القصة كعمر وعثمان وعلى والمغيرة وأم سلمة وسهل بن حنيف، وغيرهم، ووقع فى نفس هذا الحديث شئ يدل على أنه عمر اهـ ولفظ الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول اللَّه ﷺ زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق قال النبى ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم فى خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فواللَّه ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بفترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبى ﷺ حتى
стр. 1579
إذا كان بالثنية التى يُهْبَطُ عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ، فقالوا: خَلأت القصواء، خلأت القصواء , فقال النبى ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: والذى نفسى بيده لا يسألونى خُطَّةً يُعَظِّمون فيها حُرُمات اللَّه إلا أعطتهم إياها" ثم زجرها فوثبت، قال: فَعَدَلَ عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليل الماء يَتَبَرَّضُهُ النّاس تَبَرُّضًا، فلم يُلَبِّثه الناسُ حتى نزحوه، وشُكِى إلى رسول اللَّه ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يَجيشُ لهم بالرِّىِّ حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيْل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول اللَّه ﷺ من أهل تهامة. فقال: إنى تركت كعب بن لؤى، وعامر ابن لؤى نزلوا أَعْدَاد مياه الحديبية ومعهم العُوذُ المطافيل، وهم مقاتلون وصَادُّوك عن البيت، فقال رسول اللَّه ﷺ : إِنَّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنَّا جئنا معتمرين. وإن قريشا قد نَهِكَتْهُمُ الْحَربُ وأضَرَّتْ بهم، فإن شاؤا مَادَدْتُهُم مُدَّة، ويُخَلُّوا بينى وبين الناس فإن أظْهر، فإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبوا فوالذى نفسى بيده لأقاتلنَّهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى، وَلَيُنَفِّذنَّ اللَّهُ أمره" فقال بديل: سَأبَلِّغُهُم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشا، قال إنا قد
стр. 1580
جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشئ، وقال ذوو الرأى منهم هاتِ ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبى ﷺ فقام عروة بن مسعود فقال: أى قَوم: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أوَلَستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تَتَّهِمُونى؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنى استنفرت أهل عكاظ فَلمَّا بَلَّحُوا عَلَىَّ جئتكم بأهلى وولَدى ومن أطاعنى؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطَّة رُشْد اقبلوها، ودعونى آتيه، قالوا ائته. فأتاه فجعل يكلم النبى ﷺ فقال النبى ﷺ نَحْوا من قوله لبُدَيل. فقال عروة عند ذلك: أى محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإنى واللَّه لأرى وجوها، وإنى لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويَدعُوك فقال له أبو بكر: امْصُصْ بِبَظْر اللات، أنحن نَفِرُّ عَنْهُ ونَدَعُهُ؟ فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذى نفسى بيده لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها، لأجبْتُك، قال: وجعل يُكَلِّم النبى ﷺ ، فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة ابن شعبة قائم على رأس النبى ﷺ ومعه السيف، وعليه المِغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبى ﷺ ضرب يده بِنَعْلِ السيف، وقال له: أخِّر يدك عن لحية رسول اللَّه ﷺ -
стр. 1581
فرفع عروة رأسه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.
فقال: أى غُدَرُ، ألست أسعى فى غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما فى الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبى ﷺ : أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه فى شئ، ثم إن عروة جعل يرمُقُ أصحاب النبى ﷺ بعينيه، قال: فواللَّه ما تَنَخَّمَ رسول اللَّه ﷺ نُخَامَة إلا وقعت فى كف رجل منهم فَدَلَكَ بها وَجْهَهُ وجِلْدَهُ وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحِدُّون إليه النظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أى قوم: واللَّه لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشى، واللَّه إن رأيتُ ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا، واللَّه إن تنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فَدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بنى كنانة: دَعُونى آتيه، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبى ﷺ وأصحابه قال رسول اللَّه ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن. فابْعَثُوهَا له، فبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يلبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه ما ينبغى لهؤلاء أن يُصدُّوا عن البيت، فلما رجع
стр. 1582
إلى أصحابه قال: رأيت البُدنَ قد قُلِّدَت وَأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له: مِكْرَزُ بن حفص فقال: دعونى آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبى ﷺ : هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبى ﷺ ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر فأخبرنى أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبى ﷺ : لقد سَهُلَ لكم من أمْرِكم، قال معمر: قال الزهرى فى حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا النبى ﷺ الكاتب فقال النبى ﷺ : بسم اللَّه الرحمن الرحيم، قال سهيل: أمَّا الرحمن فواللَّه ما أدرى ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: واللَّه لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم فقال النبى ﷺ : اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه. فقال سهيل: واللَّه لو كنا نعلم أنك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد اللَّه، فقال النبى ﷺ : واللَّه إنى لرسول اللَّه وإن كَذَّبتُمُونى، اكتب محمد بن عبد اللَّه قال الزهرى: وذلك لقوله: لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها، فقال له النبى ﷺ : على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: واللَّه لا يتحدث العرب أنَّا
стр. 1583
أُخِذْنا ضَغطةً ولكن ذلك من العام القابل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك مِنَّا رَجُلٌ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان اللَّه! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يَرْسُفُ فى قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهُرِ المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أوَّل ما أُقاضيك عليه أن ترده إلىَّ. فقال النبى ﷺ : إنّا لم نقض الكتاب بعدُ، قال: فواللَّه إذًا لم أُصالِحْك على شئ أبدًا. قال النبى ﷺ : فأجِزْهُ لى. قال: ما أنا بِمُجِيزِه لك. قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل! قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أى معشر المسلمين: أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألَا ترون ما قد لقيتُ! وكان قد عُذِّب عذابا شديدا فى اللَّه. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبى اللَّه ﷺ فقلت: ألستَ نبى اللَّه حقا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلم نعطى الدَّنِيَّةَ فى ديننا إذًا؟ قال: إنى رسول اللَّه، ولستُ أعصيه، وهو ناصِرى. قلتُ: أوَلَيس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام؟ قال: قلتُ: لا. قال: فإنَّك آتيه، ومُطوِّفٌ به قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر: أليس هذا نبى اللَّه حقا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال:
стр. 1584
بلى. قلتُ: فَلِمَ نُعطِي الدَّنِيَّة فى ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل: إنه لرسول اللَّه ﷺ ، وليس يعصى ربه، وهو ناصره، فاستمسك بِغَرْزِهِ، فواللَّه إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنَّا سنأتى البيت ونطوف به؟ قال: بلى. أفَأخْبَرَكَ أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال فإنك آتيه ومُطوِّفٌ به. قال الزهرى: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فَرَغَ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" قال: فواللَّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس. فقالت أم سلمة يا نبى اللَّه: أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك وَتَدْعُوَ حالِقَك فَيَحلقَك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك. نحر بُدْنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ (بعصم الكوافر) فطلق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له فى الشِّرك. فتزوج إحداهما معاوية أبن أبى سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبى ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بَصير -رجل من قريش- وهو مسلم فأرسلوا فى طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذى جعلت لنا؟ فدفعه إلى
стр. 1585
الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّه إنى لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجَلْ. واللَّه إنه لجيد، لقد جربْتُ به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرنى أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى بَرَدَ، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يَعْدو فقال رسول ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذُعْرًا، فلما انتهى إلى النبى ﷺ قال: قُتِلَ واللَّه صاحبى وإنى لمقتول فجاء أبو بصير فقال: يا نبى اللَّه: قد واللَّهِ أوْفَى اللَّه ذمتك، قد رددتنى إليهم، ثم أنجانى اللَّه منهم، قال النبى ﷺ : ويل أمِّهِ مِسْعَرَ حربٍ لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل ابن سهيل فلحق بأبى بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبى بصير حتى اجتمعت منهم عِصَابَةٌ، فواللَّه ما يسمعون بعير لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسَلَتْ قريش إلى النبى ﷺ تُنَاشِدُهُ باللَّه والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبى ﷺ إليهم، فأنزل اللَّه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وكانت حميتهم أنهم لم يقِرُّوا أنه نبى اللَّه، ولم يقرُّوا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. وقوله فى هذا
стр. 1586
الحديث: بقترة الجيش أى بغبرة الجيش. وقوله: حَلْ حَلْ هى كلمة زجر للناقة لتنهض. وقوله: خلأت القصواء أى امتنعت عن السير وحرنت والقصواء هى ناقة النبى ﷺ . وقوله: يَتَبَرَّضُهُ الناس تبرضًا أى يتتبعونه قليلا قليلا. والبرض الماء القليل. وقوله: كانوا عَيبَة نصح رسول اللَّه ﷺ أى موضع سره وأصل العيبة الوعاء الذى تحفظ فيه الأشياء. وقوله: قد جَمُّوا أى استراحوا. وقوله: حتى تنفرد سالفتى أى ينقطع عنقى. وسالفتا الحنق جانباه. وقوله: بَلَّحوا أى عجزوا. وقوله: أوشابا أى أخلاطا لا يتماسكون. وقوله: بظر اللات. البظر هو ما يقطع من فرج المرأة عند الختان. واللات صنم من أصنام أهل الجاهلية. وقوله: ابتدروا أمره أى سارعوا وتسابقوا إلى امتثاله. وقوله: فاستمسك بغرزه أى بركابه وهو كناية عن شدة اتباعه والحرص على الاقتداء به. وقوله: نحر بدنه أى ذبح هديه والبُدْن جمع بَدَنة وهى الناقة التى يتقرب بها إلى اللَّه ، وقد يطلق على البقرة كذلك. وقوله: أبو بصير رجل من قريش أى بالحلف وإلا فهو ثقفى لكنه كان حليف قريش.
هذا والأمر فى الباب بتقديم النحر على الحلق محمول على الاستحباب أو على أنه خاص بالمحصر كما أشار إليه البخارى ﵀ أو منسوخ بما ثبت من قول رسول اللَّه ﷺ فى حجة الوداع لمن قدم أو أخر من هذه الأعمال: افعل ولا حرج. واللَّه أعلم.
стр. 1587
وقد سبق قلم الصنعانى فى سبل السلام فقال: فيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق وتقَدَّمَ قريبا أن المشروع تقديم الحلق قبل الذبح اهـ مع أنه لم يتقدم قط ولم يرو أبدا أن المشروع تقديم الحلق قبل النحر إذ أن رسول اللَّه ﷺ نحر ثم حلق لكنه قال لمن قدم أو أخر: افعل ولا حرج. فلا يقال إذن: إن المشروع تقديم الحلق قبل الذبح.
стр. 1588
٢٧ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا رميتم وحلقتم فقد حَلَّ لكم الطِّيبُ وكلُّ شئ إلا النساء" رواه أحمد وأبو داود وفى إسناده ضعف.
[المفردات]
إذا رميتم: أى جمرة العقبة يوم النحر بعد النزول من مزدلفة.
حل لكم الطيب: أى أبيح لكم أن تتطيبوا بأى نوع من الطيب الذى كان محرما عليكم وقت الإحرام.
وكل شئ: أى من لبس القميص والعمامة والخف وسائر المخيط والمحيط وغير ذلك مما كان محرما عليكم وقت الإحرام.
إلا النساء: أى إلا قربان الزوجات.
[البحث]
هذا والحديث رواه أبو داود من طريق الحجاج عن الزهرى عن
стр. 1589
عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شئ إلا النساء قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهرى ولم يسمع منه اهـ وأشار الحافظ فى تلخيص الحبير إلى أنه قد رواه أحمد وأبو داود والدارقطنى والبيهقى لكن قال الحافظ: من حديث الحجاج بن أرطأة عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعا: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شئ إلا النساء" لفظ أحمد، ولأبى داود: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شئ إلا النساء" وفى رواية للدارقطنى إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شى إلا النساء" ومداره على الحجاج وهو ضعيف ومدلس وقال البيهقى: إنه من تخليطاته. اهـ وقد علمت أن سند أبى داود من طريق الحجاج عن الزهرى. قال البيهقى: وقد روى هذا فى حديث لأم سلمة مع حكم آخر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به قال الحافظ فى التلخيص: وأشار بذلك إلى ما رواه أبو داود والحاكم والبيهقى من طريق محمد بن إسحاق حدثنى أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة عن أبيه عن أمه زينب عن أم سلمة قالت: كانت الليلة التى يدور إلىَّ فيها رسول اللَّه ﷺ مساء ليلة النحر، فكان رسول اللَّه ﷺ عندى فدخل علىَّ وهب بن زمعة ورجل من بنى أمية متقمصين فقال لهما: أفضتما؟ قالا: لا. قال: فانزعا
стр. 1590
قميصكما فنزعاه، فقال وهب: ولِمَ يا رسول اللَّه؟ فقال: هذا يوم رخص فيه لكم إذا رميتم الجمرة ونحرتم الهدى إن كان لكم، فقد حللتم من كل شئ حرمتم منه إلا النساء، حتى تطوفوا بالبيت، فإذا أمسيتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تفيضوا بالبيت. قال البيهقى: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا الحديث اهـ قلت: وقد حاول بعض دُعاة الشذوذ فى عصرنا أن يحملوا الناس على هذا الأمر ويفرضوا على من لم يطف بالبيت يوم النحر أن يعود محرما كما كان بعد أن تحلل حتى يطوف بالبيت، وقد تقدم فى الحديث رقم (١٧) من هذا الباب ما رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: أرسل النبى ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذى يكون رسول اللَّه ﷺ تعنى عندها. ولا شك أنه يثبت أن ليلة أول يوم من أيام التشريق لم تكن لأم سلمة رضى اللَّه عنها ولعل هذا من أهم ما حمل جميع الفقهاء وأهل العلم على عدم العمل به.
هذا وقد نقل الاجماع على أن من رمى جمرة العقبة وحلق فقد حل له، كل شئ إلا النساء، وأهل العلم يقولون: إن رمى جمرة العقبة والحلق والتقصير والطواف بالبيت يحل للمحرم كل شئ كان محرما عليه بالإحرام حتى النساء. وأنه إذا فعل اثنين منها فقد حل له كل شئ إلا النساء ولو رمى الجمرة وطاف أو طاف وحلق أو قصر أو رمى الجمرة وحلق أو قصر حل له كل شئ إلا النساء فيجوز له
стр. 1591
إذا طاف ورمى أن يلبس ثيابه قبل الحلق أو التقصير ويتطيب ثم يفعل النسك الثالث لتحل له زوجته ولو طاف وحلق أو قصر جاز له أن يلبس ثيابه ويتطيب ثم يرمى الجمرة وهو لابس ثيابه من المخيط أو المحيط والعمامة والخف لكنه لا يقرب زوجته إلا بعد أن يفعل النسك الثالث وهو رمى الجمرة. أما النحر فلا يتعلق به التحلل. وقد تقدم فى الحديث الخامس من باب الإحرام وما يتعلق به أن عائشة رضى اللَّه عنها كانت تطيب رسول اللَّه ﷺ قبل أن يطوف بالبيت. واللَّه أعلم.
стр. 1592
٢٨ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قال: "ليس على النساء حلق وإنما يقصرن" رواه أبو داود بإسناد حسن.
[المفردات]
ليس على النساء حلق: أى عند التحلل من الإحرام.
وإنما يقصرن: أى وإنما يأخذن من ضفائرهن قدر الأنملة من كل ضفيرة أو نحو ذلك.
[البحث]
تقدم فى بحث الحديث الرابع والعشرين من هذا الباب أن المشروع فى حق النساء التقصير بالاجماع وأنه نقل غير واحد من
стр. 1593
أهل العلم أنه يحرم على المرأة أن تحلق شعر رأسها، وإن حديث ابن عباس هذا رواه أبو داود والدارقطنى والطبرانى من حديث ابن عباس بإسناد حسن وأنه قد قواه أبو حاتم فى العلل، والبخارى فى التاريخ، وأن ابن القطان أعله وأن المصنف قال فى تلخيص الحبير: ورد عليه ابن المواق فأصاب.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن المرأة تكتفى عند التحلل من الإحرام بالأخذ من شعرها ولا تحلقه.
٢ - حرص الإسلام على أن تحتفظ المرأة بزينتها لزوجها.
٣ - أنه لا يوجد فى الإسلام ما يناقض الفطرة.
стр. 1594
٢٩ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن العباس بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه استأذن رسول اللَّه ﷺ أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته فأذن له" متفق عليه.
[المفردات]
استأذن رسول اللَّه ﷺ : أى طلب منه الإذن والرخصة له.
أن يبيت بمكة ليالى منى: أى فى البيتوتة بالليل بمكة ليالى أيام التشريق التى من حقها أن تكون البيتوتة فيها بمنى للحجاج وهى ليلة الحادى عشر والثانى عشر
стр. 1595
والثالث عشر من ذى الحجة لغير المتعجلين أو ليلة الحادى عشر والثانى عشر للمتعجلين.
من أجل سقايته: أى من أجل مسئوليته عن سقاية الحجيج من زمزم فكانوا يغترفونه بالليل ويجعلونه بالحياض سبيلا للحجاج. والسقاية تطلق على الموضع المتخذ لسقى الناس وعلى ما كانت قريش تفعله من إعداد الماء للشاربين من الحجاج فى الجاهلية. وكان عبد مناف يحمل الماء فى الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه فى حياض من جلد بفناء الكعبة للحُجَّاج، ثم فعله ابنه هاشم من بعده، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشترى الزبيب فينبذه فى ماء زمزم ويسقى الناس، ثم ولى السقاية من بعد عبد المطلب ابنه العباس وهو يومئذ من أحدث إخوانه سنا فلم تزل بيده حتى قام الإسلام وهى بيده فأقرها رسول اللَّه ﷺ معه وصارت بعده لِعَقِبِه وقد كانوا يجعلونه نبيذا فيخلطون به التمر أو الزبيب حتى يطيب طعمه ولا يكون مسكرا، وأطلقت السقاية فى سورة يوسف فى قوله تعالى ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ على صواع
стр. 1596
الملك لأنه كان يسقى به ويكال به. وقال عطاء فى قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ قال: سقاية الحاج زمزم.
فأذن له: أى فرخص له أن يبيت بمكة ليالى منى.
[البحث]
أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى باب سقاية الحاج بهذا اللفظ المتفق عليه، وأورده فى باب هل يبيت أهل السقاية وغيرهم بمكة ليالى منى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما بلفظ رخص وبلفظ أن النبى ﷺ أذن وباللفظ الذى أورده المصنف هنا المتفق عليه. قال الحافظ فى الفتح: مقصوده بالغير من كان له عذر من مرض أو شغل كالحطابين والرعاء اهـ وظاهر لفظ رخص ولفظ أذن ولفظ استأذن العباس النبى ﷺ فأذن له يشعر بأن وجوب المبيت بمنى ليالى أيام التشريق كان أمرا مستقرا فى نفوسهم، وأنه قد يرخص لأصحاب الأعذار ممن يشتغلون بشئون الحجاج كالسقاة ونحوهم مما يضطرهم عملهم للمبيت خارج منى، ولذلك استأذن العباس رضى اللَّه عنه فأذن له رسول اللَّه ﷺ . وقد روى البخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس يا فضل: اذهب إلى أمك فأت رسول اللَّه ﷺ بشراب من عندها. فقال: "اسقنى" قال:
стр. 1597
يا رسول اللَّه إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: "اسقنى" فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح" ثم قال: "لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه" يعنى عاتقه وأشار إلى عاتقه ﷺ .
وقد سقتُ فى بحث الحديث الأول من هذا الباب لفظ حديث جابر عند مسلم: ثم ركب رسول اللَّه ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه" وقد أخرج مسلم من طريق بكر بن عبد اللَّه المزنى قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابى فقال: ما لى أرى بنى عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمِنْ حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد للَّه ما بنا من حاجة ولا بخل، قدم النبى ﷺ على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة وقال: "أحسنتم وأجملتم، كذا فاصنعوا" فلا نريد تغيير ما أمر به رسول اللَّه ﷺ . هذا وقد قال البخارى: وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس رضى اللَّه عنهم أخر النبى ﷺ الزيارة إلى الليل قال الحافظ فى الفتح: وصله أبو داود والترمذى وأحمد من طريق سفيان وهو الثورى عن أبى الزبير به اهـ وهو يشعر بأنه لا بأس بالنزول إلى مكة والطواف فى ليالى أيام التشريق على أن
стр. 1598
يكون المبيت والمستقر أكثر الليل بمنى.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب المبيت بمنى ليالى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر لمن لم يتعجل وليلتى الحادى عشر والثانى عشر لمن تعجل.
٢ - الترخيص لذوى الأعذار من السقاة ونحوهم فى المبيت خارج منى فى محل أعمالهم ولا شئ عليهم.
стр. 1599
٣٠ - وعن عاصم بن عدى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ أرخص لرعاة الإبل فى البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ليومين، ثم يرمون النَّفْر" رواه الخمسة وصححه الترمذى وابن حبان.
[المفردات]
عاصم بن عدى: هو عاصم بن عدى بن الجد بن العجلان كان يكنى أبا بكر وقيل كان يكنى أبا عبد اللَّه. ذكر ابن سعد فى الطبقات أن رسول اللَّه ﷺ لما أراد الخروج إلى بدر خلَّف عاصم بن عدى على قباء وأهل العالية لشئ بلغه عنهم وضرب له بسهمه وأجره فكان كمن شهدها. وشهد
стр. 1600
عاصم بن عدى أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ وبعثه رسول اللَّه ﷺ مع مالك ابن الدُّخشُم فأحرقا مسجد الضرار ببنى عمرو بن عوف بقباء بالنار، ومات سنة خمس وأربعين بالمدينة فى خلافة معاوية رضى اللَّه عنه وهو ابن خمس عشرة ومائة سنة رضى اللَّه عنه.
أرخص: أى وسَّع وأذن وأباح.
لرعاة الإبل: أى المشتغلين برعى الإبل من الحجاج.
فى البيتوتة عن منى: أى فى أن يبيتوا حيث يعملون ولو كانوا بعيدين عن منى.
ثم يرمون يوم النحر: أى يرمون جمرة العقبة يوم النحر.
ثم يرمون الغد ليومين: أى ثم يرمون الجمار الثلاث مرتين فى يوم واحد: مرة عن اليوم الحادى عشر ومرة عن اليوم الثانى عشر.
ثم يرمون يوم النفر: أى ثم يرمون الجمار الثلاث يوم الثالث عشر وهو يوم النفر أى الدفع والخروج من منى لمن لم يتعجل.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة القعنبى عن مالك ح وحدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرنى مالك عن عبد اللَّه بن
стр. 1601
أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبى البداح بن عاصم عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ أرخص لرعاة الإبل فى البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ويرمون يوم النفر" حدثنا مسدد ثنا سفيان عن عبد اللَّه ومحمد ابنى أبى بكر عن أبيهما عن أبى البداح بن عدى عن أبيه أن النبى ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدَعوا يوما اهـ ولا شك فى صحة هذه الأسانيد قال الحافظ فى التلخيص: حديث عاصم بن عدى أن رسول اللَّه ﷺ رخص للرعاء أن يتركوا المبيت بمنى، ويرموا يوم النحر جمرة العقبة، ثم يرموا يوم النفر الأول" مالك والشافعى عنه وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث مالك عن عبد اللَّه بن أبى بكر بن حزم عن أبيه عن أبى البداح بن عاصم بن عدى عن أبيه به. ورواه الترمذى من حديث ابن عيينة عن عبد اللَّه بن أبى بكر عن أبيه عن أبى البداح بن عدى عن أبيه ثم قال: رواه مالك فقال: عن أبى البداح بن عاصم بن عدى وحديث مالك أصح، وقال الحاكم: من قال: عن أبى البداح بن عدى فقد نسبه إلى جده. انتهى. ولفظ مالك أرخص لرعاء الإبل فى البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد وَمِنْ بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر ولأبى داود والنسائى فى رواية: رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما. اهـ.
стр. 1602
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب المبيت بمنى ليالى التشريق الثلاث لمن لم يتعجل، وليلتى الحادى عشر والثانى عشر لمن تعجل فى يومين.
٢ - الترخيص لذوى الأعذار من الرعاة ونحوهم فى ترك المبيت بمنى ولا شئ عليهم.
٣ - أنه يجب رمى جمرة العقبة يوم النحر.
٤ - أنه يجوز لذوى الأعذار أن يجمعوا رمى يومين فى يوم واحد من أيام التشريق ولا شئ عليهم.
стр. 1603
٣١ - وعن أبى بكرة رضى اللَّه عنه قال: خَطَبَنَا رسول اللَّه ﷺ يوم النحر" الحديث. متفق عليه.
[المفردات]
خطبنا رسول اللَّه ﷺ : أى وقف فينا خطيبا ﷺ .
يوم النحر: أى يوم عيد الأضحى يعنى بمنى ليعلم الناس بعض مبادئ الإِسلام، ويفتى السائلين عن مناسك الحج ولاسيما أفعال يوم النحر للحجاج.
الحديث: أى أكمل الحديث.
[البحث]
هذا الحديث أورده مسلم فى سياق شأن تغليظ تحريم الدماء
стр. 1604
والأعراض والأموال دون أن يسوق كامل لفظه وقد أخرجه البخارى "فى باب الخطبة أيام منى" من كتاب الحج بلفظ: عن أبى بكرة رضى اللَّه عنه قال: خطبنا النبى ﷺ يوم النحر قال "أتدرون أى يوم هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. فسكت حتى ظنَنَّا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى قال: "أى شهر هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله. أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: "أليس ذو الحجة؟ " قلنا: بلى. قال: "أى بلد هذا؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه. قال: "أليست بالبلدة الحرام؟ " قلنا: بلى. قال "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، إلى يوم تَلْقَون ربكم. ألا هل بلَّغتُ؟ " قالوا: نعم. قال: "اللهم اشهد فَلْيُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ، فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدى كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض" وقد روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث عَبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما أنه شهد النبى ﷺ يخطب يوم النحر" الحديث. وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال النبى ﷺ بمنى. وذكر الحديث بنحو حديث أبى بكرة رضى اللَّه عنه ثم قال البخارى: وقال هشام بن الغاز: أخبرنى نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: وقف النبى ﷺ -
стр. 1605
يوم النحر بين الجمرات فى الحجة التى حج، بهذا" قال الحافظ فى الفتح: قوله: بهذا أى بالحديث الذى تقدم. ولا معارضة بين قوله فى الحديث المتقدم، قام النبى ﷺ بمنى وقوله فى هذا: وقف النبى ﷺ يوم النحر بين الجمرات فإن قوله بمنى مطلق، فيحمل على المقيد فيتعين يوم النحر وقد جاء فى حديث ابن عباس عند البخارى التنصيص كذلك على أن رسول اللَّه ﷺ خطب يوم النحر ولفظه: أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس يوم النحر. الحديث بنحو حديث أبى بكرة وابن عمر رضى اللَّه عنهم.
[ما يفيده الحديث]
١ - مشروعية الخطبة يوم النحر.
٢ - أن الخطبة يوم النحر من شعار الحج.
стр. 1606
٣٢ - وعن سَرَّاءَ بنت نبهان رضى اللَّه عنها قالت: خَطَبَنَا رسول اللَّه ﷺ يوم الرُّءوس فقال: "أليس هذا أوسط أيام التشريق؟ " الحديث. رواه أبو داود بإسناد حسن.
[المفردات]
سَرَّاء بنت نبهان: هى بفتح السين وتشديد الراء الممدودة. ووالدها نبهان بفتح النون وسكون الباء. وهى غنوية. وكانت ربة بيت فى الجاهلية. وذكرها
стр. 1607
ابن سعد فى الطبقات فى تسمية غرائب نساء العرب المسلمات المهاجرات المبايعات رضى اللَّه عنهن وقد روى عنها ربيعة بن عبد الرحمن الغنوى وساكنة بنت الجعد الغنوية.
خطبنا رسول اللَّه ﷺ : أى قام فينا خطيبا ﷺ .
يوم الرءوس: هو اليوم الذى يلى يوم النحر فهو الحادى عشر من ذى الحجة. قال الحافظ فى الفتح: "تنبيه": لستة أيام من ذي الحجة أسماء: الثامن يوم التروية، والتاسع: عرفة والعاشر النحر، والحادى عشر القر، والثانى عشر النفر الأول والثالث عشر النفر الثانى اهـ ويقال يوم الرءوس لثانى أيام النحر أيضا.
أيام التشريق: أى أيام تقديد اللحم وهى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر من ذى الحجة وقد يلحق بها يوم النحر فيدخل فى جملة أيام التشريق.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار ثنا أبو عاصم ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن حدثتنى جدتى سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت فى الجاهلية قالت: خَطَبَنا رسول اللَّه ﷺ يوم الرءوس فقال: "أى يوم هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم قال:
стр. 1608
"أليس أوسط أيام التشريق؟ " قال أبو داود: وكذلك قال عم أبى حرة الرقاشى أنه خطب أوسط أيام التشريق اهـ. وقال ابن سعد فى الطبقات: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم عن ربيعة بن عبد الرحمن الغنوى قال: حدثتنى جدتى سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت فى الجاهلية أنها سمعت النبى ﷺ يقول فى اليوم الذى يدعون "الرءوس" الذى يلى يوم النحر: "أى يوم هذا" قالوا: اللَّه ورسوله أعلم قال: هذا أوسط أيام التشريق" قال: "أتدرون أى بلد هذا؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: هذا المشعر الحرام. ثم قال: لَعَلِّى لا ألقاكم بعد عامى هذا، ألا إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم حرام بعضكم على بعض كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فليبلغ أدناكم أقصاكم حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم" قالت: ثم خرج إلى المدينة فلم يمكث إلا أياما حتى مات. صلوات اللَّه عليه ورحمته وبركاته.
هذا وإذا كانت أيام التشريق هى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر من ذى الحجة فإن أوسط أيام التشريق هو الثالث عشر، ورواية حديث سراء بنت نبهان عن ابن سعد تنص على أن يوم الرءوس هو اليوم الذى يلى يوم النحر وهو أول أيام التشريق وقد ذكر الصنعانى فى سبل السلام أن يوم الرءوس ثانى يوم النحر بالاتفاق اهـ فيحمل قوله ﷺ عن يوم الرءوس: أوسط أيام التشريق. على معنى أنه أفضلها، أو يحمل على إلحاق فيكون اليوم
стр. 1609
الثانى من أيام النحر هو أوسطها لا على سبيل التحديد بل التقريب لأن الثانى لا يكون وسط الأربعة إلا بمعنى أنه داخل فى جملتها. وقد يفهم من كلام للحافظ ابن حجر فى الفتح على أن يوم الرءوس هو اليوم الذى يلى يوم النحر أو الذى يليه يعنى الحادى عشر أو الثانى عشر. واستنبط ذلك من ترجمة البخارى فى باب الخطبة أيام منى إذ قال الحافظ ﵀: فلعل المصنف أشار إلى ما ورد فى بعض طرق الحديث كما عند أحمد من طريق أبى حرة الرقاشى عن عمه فقال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول اللَّه ﷺ فى أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس، فذكر نحو حديث أبى بكرة، فقوله فى أوسط أيام التشريق يدل أيضا على وقوع ذلك أيضا فى اليوم الثانى أو الثالث. اهـ. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - مشروعية الخطبة فى أوسط أيام التشريق.
٢ - استحباب نشر العلم والحرص على ذلك وبخاصة فى موسم الحج.
стр. 1610
٣٣ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ قال لها: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" رواه مسلم.
стр. 1611
[المفردات]
وبين الصفا والمروة: أى وسعيك بين الصفا والمروة.
يكفيك: أى يسعك ويجزئ عنك.
لحجكِ وعمرتكِ: أى لكونك قارنة.
[البحث]
المفهوم من أخبار رسول اللَّه ﷺ فى الحج أن القارن أو المفرد يكفيه سعى واحد -سبعة أشواط- بين الصفا والمروة. وهو مخير أن يفعله بعد طواف القدوم أو بعد طواف الإفاضة، فإن سعى المفرد أو القارن بعد طواف القدوم فلا سعى عليه بعد طواف الإفاضة، وإن لم يسع بعد طواف القدوم وجب عليه السعى بعد طواف الإفاضة. أما المتمتع فلا بد أن يسعى بعد طواف العمرة وبعد طواف الإفاضة وأنه لا يكفيه سعى واحد، فهو ليس مثل القارن أو المفرد. ولا نزاع فى أن طواف القدوم للقارن أو المفرد لا يغنيه عن طواف الإفاضة إذ أن طواف الإفاضة بعد النزول من عرفات ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به ويسمى أيضا طواف الصدر وطواف الركن وطواف الزيارة. وقد أفادت بعض روايات مسلم أن عائشة رضى اللَّه عنها كانت قارنة، وإن كانت عندما أحرمت من ذى الحليفة كانت تلبى بالعمرة وحدها لكنها لما حاضت بسرف أمرها رسول اللَّه ﷺ أن تدخل الحج على عمرتها لتكون قارنة حتى لا يلزمها طواف العمرة قبل الحج وهو غير
стр. 1612
متيسر لها بسبب حيضها. وأنها لما أفاضت من عرفة ومزدلفة ورمت الجمرة وطهرت من الحيض طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة وأفهمها رسول اللَّه ﷺ أن طوافها وسعيها هذا يكفيها لحجها وعمرتها لأنها اعتبرت قارنة ولا يعكر على هذا أنها قالت لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه: أيصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد. فأعمرها من التنعيم، فقد صرح جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه بأنه أجابها لذلك تطييبا لخاطرها ومسارعة فى هواها رضى اللَّه عنها، وإليك ألفاظ هذه الروايات التى ساقها مسلم ﵀ فى صحيحه فقد أخرج من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول اللَّه ﷺ : من كان معه هَدْى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا. قالت: فَقَدِمْتُ مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: انقُضى رأسك، وامتشطى، وأهَلِّى بالحج، ودَعِى العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلنى رسول اللَّه ﷺ مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم، فاعتمرت فقال: هذه مكان عمرتك، فطاف الذين أهَلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثُمَّ حَلُّوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا، ومعنى قوله: ودعى العمرة أى اتركى التمتع وفى
стр. 1613
لفظ لمسلم عن عائشة رضى اللَّه عنها: أنها أهلت بعمرة فقَدِمَتْ ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسَكَت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبى ﷺ يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتكِ" فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج، وفى لفظ لمسلم. عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها حاضت بِسَرِفَ فتطهرت بعرفة فقال لها رسول اللَّه ﷺ "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك. وفى لفظ لمسلم عن جابر رضى اللَّه عنه أنه قال: "أقبلنا مهلين مع رسول اللَّه ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضى اللَّه عنها بعمرة حتى إذا كنا بِسرف عَرَكَتْ حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدى قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: الحِلُّ كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثياينا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول اللَّه ﷺ على عائشة رضى اللَّه عنها فوجدها تبكى، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأنى أنى قد حضت، وقد حل الناس ولم أحْلِل، ولم أطُف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال: إن هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم فاغتسلى، ثم أهلى بالحج، فَفَعَلَتْ، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ثم قال: قد حللتِ من حجك وعمرتك جميعا، فقالت: يا رسول اللَّه إنى أجد فى نفسى
стр. 1614
أنى لم أطف بالبيت حتى حججتُ، قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعْمِرْها من التنعيم وذلك ليلة الحَصْبَة". وقوله فى الحديث: عركت أى حاضت. وقوله ليلة الحصبة أى ليلة نزولهم بالمحصب استعدادا للرحيل للمدينة وفى لفظ لمسلم من حديث جابر ابن عبد اللَّه أن عائشة رضى اللَّه عنها فى حجة النبى ﷺ أهلت بعمرة، قال مسلم: وساق الحديث بمعنى حديث الليث (يعنى اللفظ المتقدم) وزاد فى الحديث قال: وكان رسول اللَّه ﷺ رجلا سهلا إذا هَوِيَتِ الشئ تابَعَهَا عليه فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبى بكر فأهلت بعمرة من التنعيم. وفى لفظ لمسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ مهلين بالحج معنا النساءُ والوِلْدَانُ فلما قدِمنا مكة طُفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : "من لم يكن معه هدى فَليحللْ، قال: قلنا: أى الحِلِّ؟ قال: "الحلُّ كلُّه" قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب، ومَسِسنا الطيب. فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نشترك فى الإبل والبقر كل سبعة منا فى بَدَنة. وفى لفظ لمسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: "لم يطف النبى ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا" ومراده بقوله: ولا أصحابه يعنى القارنين مثله ﷺ والمفردين.
стр. 1615
[ما يفيده الحديث]
١ - أن القارن والمفرد يكفيه طواف واحد (سبعة أشواط) بعد النزول من منى وسعى واحد بعد هذا الطواف أو بعد طواف القدوم.
٢ - أن المتمتع لا بد أن يطوف للعمرة ويسعى لها بعد طوافه هذا، ثم لا بد وأن يطوف طوافا آخر لحجه بعد النزول من منى ولا بد أن يسعى بعد هذا الطواف أيضا.
٣ - أن المرأة إذا أحرمت بعمرة ثم حاضت وخشيت أن يتأخر طهرها جاز لها أن تدخل الحج على عمرتها لتصير قارنة وتترك التمتع.
٤ - استحباب مجاملة الزوجة والإحسان إليها بما لا يعارض شريعة اللَّه.
٥ - جواز وقوف المرأة بعرفات وهى حائض أو نفساء وكذلك مبيتها بمزدلفة ووقوفها بالمشعر الحرام للدعاء وكذلك رميها للجمار.
٦ - يجوز الاكتفاء بطواف العمرة عن طواف الوداع وإن فصل بينهما السعى بين الصفا والمروة.
٧ - جواز إطلاق عبارة النسك الواحد على القران لأن أعماله أعمال نسك واحد وإن كان فى الحقيقة يجمع نسكين.
٨ - اشتراط الطهارة فى صحة الطواف.
следующие страницы →