Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
[المفردات]
وبين الصفا والمروة: أى وسعيك بين الصفا والمروة.
يكفيك: أى يسعك ويجزئ عنك.
لحجكِ وعمرتكِ: أى لكونك قارنة.
[البحث]
المفهوم من أخبار رسول اللَّه ﷺ فى الحج أن القارن أو المفرد يكفيه سعى واحد -سبعة أشواط- بين الصفا والمروة. وهو مخير أن يفعله بعد طواف القدوم أو بعد طواف الإفاضة، فإن سعى المفرد أو القارن بعد طواف القدوم فلا سعى عليه بعد طواف الإفاضة، وإن لم يسع بعد طواف القدوم وجب عليه السعى بعد طواف الإفاضة. أما المتمتع فلا بد أن يسعى بعد طواف العمرة وبعد طواف الإفاضة وأنه لا يكفيه سعى واحد، فهو ليس مثل القارن أو المفرد. ولا نزاع فى أن طواف القدوم للقارن أو المفرد لا يغنيه عن طواف الإفاضة إذ أن طواف الإفاضة بعد النزول من عرفات ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به ويسمى أيضا طواف الصدر وطواف الركن وطواف الزيارة. وقد أفادت بعض روايات مسلم أن عائشة رضى اللَّه عنها كانت قارنة، وإن كانت عندما أحرمت من ذى الحليفة كانت تلبى بالعمرة وحدها لكنها لما حاضت بسرف أمرها رسول اللَّه ﷺ أن تدخل الحج على عمرتها لتكون قارنة حتى لا يلزمها طواف العمرة قبل الحج وهو غير
стр. 1612
متيسر لها بسبب حيضها. وأنها لما أفاضت من عرفة ومزدلفة ورمت الجمرة وطهرت من الحيض طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة وأفهمها رسول اللَّه ﷺ أن طوافها وسعيها هذا يكفيها لحجها وعمرتها لأنها اعتبرت قارنة ولا يعكر على هذا أنها قالت لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه: أيصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد. فأعمرها من التنعيم، فقد صرح جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه بأنه أجابها لذلك تطييبا لخاطرها ومسارعة فى هواها رضى اللَّه عنها، وإليك ألفاظ هذه الروايات التى ساقها مسلم ﵀ فى صحيحه فقد أخرج من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول اللَّه ﷺ : من كان معه هَدْى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا. قالت: فَقَدِمْتُ مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: انقُضى رأسك، وامتشطى، وأهَلِّى بالحج، ودَعِى العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلنى رسول اللَّه ﷺ مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم، فاعتمرت فقال: هذه مكان عمرتك، فطاف الذين أهَلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثُمَّ حَلُّوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا، ومعنى قوله: ودعى العمرة أى اتركى التمتع وفى
стр. 1613
لفظ لمسلم عن عائشة رضى اللَّه عنها: أنها أهلت بعمرة فقَدِمَتْ ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسَكَت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبى ﷺ يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتكِ" فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج، وفى لفظ لمسلم. عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها حاضت بِسَرِفَ فتطهرت بعرفة فقال لها رسول اللَّه ﷺ "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك. وفى لفظ لمسلم عن جابر رضى اللَّه عنه أنه قال: "أقبلنا مهلين مع رسول اللَّه ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضى اللَّه عنها بعمرة حتى إذا كنا بِسرف عَرَكَتْ حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدى قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: الحِلُّ كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثياينا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول اللَّه ﷺ على عائشة رضى اللَّه عنها فوجدها تبكى، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأنى أنى قد حضت، وقد حل الناس ولم أحْلِل، ولم أطُف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال: إن هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم فاغتسلى، ثم أهلى بالحج، فَفَعَلَتْ، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ثم قال: قد حللتِ من حجك وعمرتك جميعا، فقالت: يا رسول اللَّه إنى أجد فى نفسى
стр. 1614
أنى لم أطف بالبيت حتى حججتُ، قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعْمِرْها من التنعيم وذلك ليلة الحَصْبَة". وقوله فى الحديث: عركت أى حاضت. وقوله ليلة الحصبة أى ليلة نزولهم بالمحصب استعدادا للرحيل للمدينة وفى لفظ لمسلم من حديث جابر ابن عبد اللَّه أن عائشة رضى اللَّه عنها فى حجة النبى ﷺ أهلت بعمرة، قال مسلم: وساق الحديث بمعنى حديث الليث (يعنى اللفظ المتقدم) وزاد فى الحديث قال: وكان رسول اللَّه ﷺ رجلا سهلا إذا هَوِيَتِ الشئ تابَعَهَا عليه فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبى بكر فأهلت بعمرة من التنعيم. وفى لفظ لمسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ مهلين بالحج معنا النساءُ والوِلْدَانُ فلما قدِمنا مكة طُفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : "من لم يكن معه هدى فَليحللْ، قال: قلنا: أى الحِلِّ؟ قال: "الحلُّ كلُّه" قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب، ومَسِسنا الطيب. فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نشترك فى الإبل والبقر كل سبعة منا فى بَدَنة. وفى لفظ لمسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: "لم يطف النبى ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا" ومراده بقوله: ولا أصحابه يعنى القارنين مثله ﷺ والمفردين.
стр. 1615
[ما يفيده الحديث]
١ - أن القارن والمفرد يكفيه طواف واحد (سبعة أشواط) بعد النزول من منى وسعى واحد بعد هذا الطواف أو بعد طواف القدوم.
٢ - أن المتمتع لا بد أن يطوف للعمرة ويسعى لها بعد طوافه هذا، ثم لا بد وأن يطوف طوافا آخر لحجه بعد النزول من منى ولا بد أن يسعى بعد هذا الطواف أيضا.
٣ - أن المرأة إذا أحرمت بعمرة ثم حاضت وخشيت أن يتأخر طهرها جاز لها أن تدخل الحج على عمرتها لتصير قارنة وتترك التمتع.
٤ - استحباب مجاملة الزوجة والإحسان إليها بما لا يعارض شريعة اللَّه.
٥ - جواز وقوف المرأة بعرفات وهى حائض أو نفساء وكذلك مبيتها بمزدلفة ووقوفها بالمشعر الحرام للدعاء وكذلك رميها للجمار.
٦ - يجوز الاكتفاء بطواف العمرة عن طواف الوداع وإن فصل بينهما السعى بين الصفا والمروة.
٧ - جواز إطلاق عبارة النسك الواحد على القران لأن أعماله أعمال نسك واحد وإن كان فى الحقيقة يجمع نسكين.
٨ - اشتراط الطهارة فى صحة الطواف.
стр. 1616
٣٤ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ لم يَرْمُلْ فى السَّبْع الذى أفاض فيه" رواه الخمسة إلا الترمذى وصححه الحاكم.
[المفردات]
لم يرمل: أى لم يهرول ويسرع.
فى السبع: أى فى الأشواط السبعة.
الذى أفاض فيه: أى الذى طافه فى طواف الإِفاضة.
[البحث]
قد تقدم فى الحديث الثامن من أحاديث هذا الباب لفظ حديث ابن عمر عند البخارى ومسلم: أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثا ومشى أربعا" وفى رواية: "رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا طاف فى الحج أو العمرة أوَّل ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشى أربعة" وقد سقتُ فى بحثه لفظ مسلم: عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثا ومشى أربعا. وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة وكان ابن عمر يفعل ذلك" كما سقتُ ما رواه البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا طاف فى الحج والعمرة أوَّل ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشى أربعة. الحديث. وهذه
стр. 1617
الألفاظ تفيد أنه لا رمل فى طواف الإفاضة ولا فى طواف الوداع، ولا فى أى طواف آخر ما عدا طواف القدوم وطواف العمرة. وحديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما هنا يؤكد هذا المعنى. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه لا رمل فى طواف الإفاضة.
стр. 1618
٣٥ - وعن أنس رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمُحَصَّب ثم ركب إلى البيت فطاف به" رواه البخارى.
[المفردات]
صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء: أى بالأبطح وكأنه ﷺ رمى بعد الزوال يوم النفر ثم نفر فنزل الأبطح فصلى به الظهر وبقية هذه الصلوات الأربع.
رقد رقدة: أى يهجع هجعة ويضطجع وقتا غير طويل.
بالمحصب: هى البطحاء التى بين مكة ومنى وهى ما انبطح من الوادى واتسع ويقال لها المحصب والمعرس والأبطح وحدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة. وهو خيف بنى كنانة، الذى تعاهدت قريش وتقاسموا على الكفر وإخراج رسول اللَّه ﷺ -
стр. 1619
وبنى هاشم وبنى المطلب من مكة إلى هذه الشعب حيث كتبوا بينهم صحيفة بذلك.
ثم ركب إلى البيت: أى ركب ناقته وذهب إلى البيت الحرام.
فطاف به: أى فطاف بالبيت طواف الوداع.
[البحث]
أجمع العلماء على أن النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع ليس من مناسك الحج. وسيأتى بحث ذلك فى الكلام على حديث عائشة الذى يلى هذا الحديث أما طواف الوداع فقد فعله رسول اللَّه ﷺ وأمر به كما سيأتى فى حديث ابن عباس الذى يلى حديث عائشة رضى اللَّه عنها.
стр. 1620
٣٦ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها أنها لم تكن تفعل ذلك: أى النزول بالأبطح وتقول: إنما نزله رسول اللَّه ﷺ لأنه كان منزلا أسمح لخروجه" رواه مسلم.
[المفردات]
لم تكن تفعل ذلك أى النزول بالأبطح: يعنى بعد نفرها من منى. والأبطح هو المحصب كما تقدم قريبا.
لأنه: أى الأبطح الذى نزله رسول اللَّه ﷺ وصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء كما تقدم فى الحديث السابق.
стр. 1621
كان منزلا أسمح لخروجه: أى أسهل لخروجه من مكة قافلا إلى المدينة.
[البحث]
هذا الحديث رواه البخارى أيضا فى باب المحصب عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: إنما كان منزلا ينزله النبى ﷺ ليكون أسمح لخروجه. تعنى بالأبطح. وفى لفظ لمسلم عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول اللَّه ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج" كما روى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: ليس التحصيب بشئ إنما هو منزل نزله رسول اللَّه ﷺ . كما روى مسلم من حديث أبى رافع رضى اللَّه عنه قال: لم يأمرنى رسول اللَّه ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكنى جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل. وفى لفظ لمسلم عن أبى رافع: وكان على ثقل النبى ﷺ . ويظهر من هذا أن رسول اللَّه ﷺ لم يأمر أبا رافع رضى اللَّه عنه بالنزول فيه. لكن لعل أبا رافع فهم من كلام سمعه من رسول اللَّه ﷺ قبل ذلك بيوم أنه ﷺ نازل غدا بخيف بنى كنانة. فقد روى مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن رسول اللَّه ﷺ قال: ننزل غدا إن شاء اللَّه بخَيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر. وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال لنا رسول اللَّه
стр. 1622
- ﷺ ونحن بمنى: "نحن نازلون غدًا بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر. وذلك إن قريشًا وبنى كنانة تحالفت على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يُسْلِمُوا إليهم رسول اللَّه ﷺ يعنى بذلك المحصب. قال النووى: وكان نزوله ﷺ هناك شكرا للَّه تعالى على الظهور بعد الاختفاء، وإظهار دين اللَّه اهـ. لكن بعض الخلفاء كانوا ينزلون بالمحصب إذا نفروا من منى بعد رسول اللَّه ﷺ فقد روى البخارى فى صحيحه من طريق خالد بن الحارث قال: سئل عبيد اللَّه عن المحصب فحدثنا عبيد اللَّه عن نافع قال: نزل بها رسول اللَّه ﷺ وعمر وابن عمر. وعن نافع أن ابن عمر رضى اللَّه عنهما كان يصلى بها يعنى المحصب الظهر والعصر أحسبه قال: والمغرب. قال خالد لا أشك فى العشاء، ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبى ﷺ . كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح. وقد ذكرت فى بحث الحديث السابق إجماع العلماء على أن النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع ليس من مناسك الحج. غير أن نزول رسول اللَّه ﷺ فيه ونزول الخليفتين الراشدين أبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما فيه بعد رسول اللَّه ﷺ يدل على استحباب ذلك لمن تيسر له لما فى من التذكير بنعمة اللَّه بإظهار رسوله ﷺ على أعدائه الذين كانوا قد حصروه فيه، وإظهار دين اللَّه على دين المشركين من قريش وبنى كنانة وغيرهم.
стр. 1623
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع لمن تيسر له النزول به.
٢ - أنه لا شئ على من لم ينزل بالمحصب قبل طواف الوداع.
٣ - استحباب سلوك الطرق التى تكون أسمح للخروج من مكة بعد الحج.
стр. 1624
٣٧ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: أُمر الناسُ أن يكون آخِر عَهْدِهم بالبيت إلا أنه خُفِّف عن الحائض" متفق عليه.
[المفردات]
أُمِرَ الناسُ: أى أمر رسول اللَّه ﷺ الحجاج والمعتمرين.
أن يكون آخر عهدهم بالبيت: أى أن يكون آخر عملهم إذا أرادوا العودة إلى بلادهم أن يطوفوا بالبيت طواف الوداع.
إلا أنه خفف عن الحائض: أى إلا أن رسول اللَّه ﷺ خفف عن الحائض فرخص لها فى ترك طواف الوداع.
[البحث]
روى مسلم فى صحيحه من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما، قال: كان الناس ينصرفون فى كل وجه، فقال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 1625
لا يَنْفِرَنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهْدِه بالبيت" وقد روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى عن عائشة رضى اللَّه عنها أن صفية بنت حُيّىِّ زوج النبى ﷺ حاضت فذُكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: "أحَابِستنا هى؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذَن" وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: رُخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت. قال الحافظ فى الفتح: وقد روى أبو داود الطيالسى فى مسنده قال: حدثنا هشام هو الدستوائى عن قتادة عن عكرمة قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت فى المرأة إذا حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت وقال ابن عباس: تنفر إن شاءت فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيدا. فقال: سلوا صاحبتكم أم سليم، فسألوها فقالت: حضت بعد ماطفت بالبيت فأمرنى رسول اللَّه ﷺ أن أنفر. اهـ وقد روى البخارى هذه القصة مختصرة عن طريق عكرمة أن أهل المدينة سألوا ابن عباس رضى اللَّه عنهما عن امرأة طافت، ثم حاضت. قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فَسَلُوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم فذكرت حديث صفية، ورواها مسلم من طريق طاوس قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتى أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له
стр. 1626
ابن عباس: إمَّا. لا، فَسَلْ فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول اللَّه ﷺ ؟ قال فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراكَ إلا قد صدقت.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب طواف الوداع.
٢ - يجب أن يكون طواف الوداع بعد الفراغ من جميع المناسك.
٣ - يجوز للحائض والنفساء ترك طواف الوداع ولا شئ عليها.
стр. 1627
٣٨ - وعن ابن الزبير رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا مائة صلاة" رواه أحمد وصححه ابن حبان.
[المفردات]
ابن الزبير: هو عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنهما فهو المراد عند الإطلاق.
فى مسجدى هذا: أى فى المسجد النبوى الشريف بالمدينة المنورة.
فيما سواه: أى فيما عداه من المساجد.
[البحث]
روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن
стр. 1628
رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وقال البزار: حدثنا أحمد بن عبدة ثنا حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبى رباح عن ابن الزبير أن رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة. قال البزار: اختلف على عطاء ولا نعلم أحدا قال: فإنه يزيد عليه مائة إلا ابن الزبير، ورواه عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن ابن عمر، ورواه ابن جريج عن عطاء عن أبى سلمة عن أبى هريرة أو عائشة، ورواه ابن أبى ليلى عن عطاء عن أبى سلمة عن أبى هريرة اهـ قال الهيثمى: رواه أحمد والبزار ولفظه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة فى المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة. والطبرانى بنحو البزار ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح. وقال البزار: حدثنا إبراهيم بن جميل ثنا محمد بن يزيد ابن شداد ثنا سعيد بن سالم القداح ثنا سعيد بن بشر عن إسماعيل ابن عبيد اللَّه عن أم الدرداء عن أبى الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فضل الصلاة فى المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفى مسجدى ألف صلاة، وفى مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة، قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ مرفوعا إلا بهذا الإسناد اهـ. وقد حسن ابن عبد البر إسناد هذا الحديث.
стр. 1629
والظاهر من هذا أن الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فى غير المساجد الثلاثة، والصلاة فى المسجد النبوى بألف صلاة فى غير المساجد الثلاثة أيضا، والصلاة فى المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة فى غير المساجد الثلاثة كذلك، واللَّه أعلم. ويتساءل كثير من الناس عن الزيادة التى ألحقت بالمسجد النبوى بعد رسول اللَّه ﷺ ، والظاهر أن هذا الفضل يشملها، فإنها داخلة فى مسمى مسجد رسول اللَّه ﷺ ، ولم يزل الناس من عهد عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يصلون الجمعة والجماعة فى الزيادة، ولا حَجْر على فضل اللَّه، ولا شك أن المراد بالأفضلية والخيرية هو فى الثواب على الصلاة الواحدة فى هذه المساجد لا أن الصلاة الواحدة فيها تجزئ عن هذا العدد من الفوائت واللَّه أعلم.
стр. 1630
باب الفَوَاتِ والإحصار
стр. 1631
١ - عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: "قد أُحْصِرَ رسول اللَّه ﷺ فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه حتى اعتمر عاما قَابِلًا" رواه البخارى.
[المفردات]
الفوات: أى عدم التمكن بعد الإحرام من أداء الحج لذهاب وقته.
والإحصار: قال الحافظ فى الفتح: المشهور عن أكثر أهل اللغة منهم الأخفش، والكسائى، والفراء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، وابن السكيت، وثعلب، وابن قتيبة، وغيرهم أن الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدو فهو الحصر، وبهذا قطع النحاس، وأثبت بعضهم أن أحصر وحصر بمعنى واحد. يقال فى جميع ما يمنع الإنسان من التصرف قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدو إياهم اهـ وقد عكس بعض أهل العلم فجعل الإحصار خاصا بالعدو. مستدلا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ
стр. 1632
مِنَ الْهَدْيِ﴾ وكان ذلك فى قصة الحديبية حين صد المشركون رسول اللَّه ﷺ عن البيت فسمى اللَّه صد العدو إحصارا وقد مال البخارى ﵀ إلى التعميم فقال: باب المُحْصَر وجزاء الصيد وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقال عطاء: الإحصار من كل شئ بِحَبْسِه. قال أبو عبد اللَّه: "حصورا" لا يأتى النساء اهـ ومادة الحصر تدور على معنى المنع وعدم القدرة على الانتشار.
قد أحصر رسول اللَّه ﷺ : أى منع من الوصول إلى البيت عام الحديبية، حيث صده المشركون عنه.
حتى اعتمر عاما قابلا: أى أدى العمرة فى العام القابل بعد العام الذى صد عن البيت فيه، وقد سميت العمرة التى اعتمرها رسول اللَّه ﷺ فى العام القابل عمرة القضية.
[البحث]
قول ابن عباس رضى اللَّه عنهما: فحلق رأسه، وجامع نساءه ونحر هديه" الواو فيه لمطلق الجمع لا تقتضى ترتيبا ولا تعقيبا، لما تقدم فى الحديث السادس والعشرين من الباب السابق ما رواه
стр. 1633
البخارى عن المسور بن مخرمة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك" وقول ابن عباس رضى اللَّه عنهما حتى اعتمر عاما قابلا مشعر بأن من أحصر وتحلل بالإحصار وجب عليه قضاء ما تحلل منه. قال البخارى فى صحيحه: وقال رَوح عن شبل عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع، وإذا كان معه هدى وهو مُحْصَرٌ نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدى محله، وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق فى أى موضع كان ولا قضاء عليه، لأن النبى ﷺ وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شئ قبل الطواف وقبل أن يصل الهدى إلى البيت. ثم لم يذكر أن النبى ﷺ أمر أحدا أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا له، والحديبية خارج الحرم اهـ قال الحافظ فى الفتح: "قوله: وقال مالك وغيره" هو مذكور فى الموطأ ولفظه: أنه بلغه أن رسول اللَّه ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدى، وحلقوا رءوسهم، وحلوا من كل شئ قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدى، ثم لم نعلم أن رسول اللَّه ﷺ أمر أحدا من أصحابه ولا مِمن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا أن يعودوا لشئ، وسئل مالك عمن أحصر بعدو فقال: يحل من كل شئ وينحر
стр. 1634
هديه ويحلق رأسه حيث حبس وليس عليه قضاء اهـ وقد نقل أنه كان مع رسول اللَّه ﷺ بالحديبية رجال معروفون ثم اعتمر عمرة القضية فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة فى نفس ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلفوا عنه، وذكر أنه إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التى وقعت بين النبى ﷺ وبين قريش لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة. وقد ذكر الحافظ فى الفتح عن ابن المنذر أنه رَوَى من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال: من أحرم بحج أو عمرة ثم حُبسَ عن البيت بمرض يجهده، أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدى، فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه اهـ وقد أخرج ابن جرير من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس نحو هذا، وفيه: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه واللَّه أعلم.
стр. 1635
٢ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: دخل النبى ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول اللَّه إنى أريد الحج، وأنا شاكية؟ فقال النبى ﷺ : "حجى واشترطى أن مَحِلِّى حيث حبستنى" متفق عليه.
[المفردات]
ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: هى بنت عم رسول اللَّه
стр. 1636
- ﷺ الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى الهاشمية القرشية. وأمها عاتكة بنت أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، زوَّجها رسول اللَّه ﷺ المقداد ابن عمرو بن ثعلبة الكندى من بهراء. وكان حليفا للأسود بن عبد يغوث الزهرى فتبناه، وكان يقال له: المقداد بن الأسود فولدت ضباعة للمقداد عبد اللَّه وكريمة، وقد أطعم رسول اللَّه ﷺ ضباعة بنت الزبير فى خيبر أربعين وسقا، وقد روى عنها عبد اللَّه بن عباس وعائشة وغيرهما -رضى اللَّه عنهم-.
وأنا شاكية: أى مريضة ثقيلة.
حجى واشترطى: أى أحرمى بالحج واجعلى شرطا فى إحرامك أن لك أن تحللى من الإِحرام متى احتجت إلى التحلل، فإذا اشترطت هذا الشرط عند الإِحرام، ونزل بك ما يمنعك من متابعة أعمال النسك تحللت دون أن يلزمك شئ.
أن محلى حيث حبستنى: أى عندما تعقدين الإِحرام قولى عند نية الإِحرام: اللهم إن مَحِلِّى حيث حبستنى، أو قولى مثلا: اللهم إِنى أريد الحج فيسره لى وتقبله
стр. 1637
منى ومحلى حيث حبستنى. أو وإن حبسنى حابس فمحلى حيث حبستنى. ومعنى ومحلى حيث حبستنى أى وموضع إحلالى من الأرض هو المكان الذى أعجز فيه عن متابعة أعمال النسك.
[ما يفيده الحديث]
هذا الحديث لم يخرجه البخارى فى الحِج وأورده فى كتاب النكاح فى باب الأكفاء فى الدِّين من طريق أبى أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة -رضى اللَّه عنها- قالت: دخل رسول اللَّه ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: واللَّه لا أجدنى إلا وجعة فقال لها: حجى واشترطى، قولى: اللهم مَحِلِّى حيث حبستنى، وكانت تحت المقداد بن الأسود. أما مسلم ﵀ فقد أورده بعدة ألفاظ من عدة طرق منها ما ساقه المصنف هنا، ومنها عن عائشة -رضى اللَّه عنها- قالت: دخل رسول اللَّه ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: أردت الحج؟ قالت: واللَّه ما أجدنى إلا وجعة فقال لها: حجى واشترطى وقولى: اللهم محلى حيث حبستنى. وكانت تحت المقداد. وفى لفظ من طريق عكرمة عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: إنى امرأة ثقيلة، وإنى أريد الحج فما تأمرنى؟ قال: "أَهِلِّى بالحج واشترطى أن محلى حيث حبستنى. قال: فأدركت" ومعنى قوله فأدركت أى
стр. 1638
أتمت الحج ولم تتحلل حتى فرغت منه ولم تحبس عنه. وفى لفظ لمسلم من طريق سعيد بن جبر وعكرمة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن ضباعة أرادت الحج فأمرها النبى ﷺ أن تشترط ففعلت ذلك عن أمر رسول اللَّه ﷺ . وفى لفظ من طريق عطاء عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قال لضباعة رضى اللَّه عنها: حجى واشترطى أن محلى حيث حبستنى. وفى لفظ: أمر ضباعة" وإنما أورد البخارى هذا الحديث فى كتاب النكاح لقوله فى آخره: وكانت تحت المقداد بن الأسود فإن المقداد وهو ابن عمرو الكندى نسب إلى الأسود بن عبد يغوث الزهرى لكونه تبنَّاه فكان من حلفاء قريش، وتزوج ضباعة وهى هاشمية فلولا أن الكفاءة لا تعتبر بالنسب لما جاز له أن يتزوجها لأنها فوقه فى النسب. ولذلك أورده البخارى فى باب الأكفاء فى الدين. وقد أعرض البخارى ﵀ عن ذكر الاشتراط فى الحج أصلا فلم يذكره لا إثباتا ولا نفيا.
هذا والفرق لون من حُصِرَ عن النسك بعدو أو مرض أو غيرهما وبين من اشترط عند الإِحرام أن محلى حيث حبستنى هو أن من حصر ينحر هديه إن كان لا يستطع أن يبعث به، وان استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدى محله بخلاف المشترط عند الإِحرام أن محلى حيث حبستنى فإنه متى حُبس تحلل من إحرامه ولا شئ عليه ألبتة. وينبغى أن لا يشترط عند الإِحرام إلا من كان خائفا من
стр. 1639
مرض أو حادثات الطريق أو عدو أو نحو ذلك. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - مشروعية الاشتراط عند الإِحرام.
٢ - استحباب الاشتراط عند الإِحرام لمن كان خائفا أن يحبس عن تمام النسك بمرض أو غيره.
стр. 1640
٣ - وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصارى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : مَنْ كُسِرَ أو عَرَجَ فقد حَلَّ، وعليه الحج من قابل، قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. رواه الخمسة وحسنه الترمذى.
[المفردات]
عكرمة: هو أبو عبد اللَّه عكرمة مولى عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما، وأصله من البربر، وقد مات ابن عباس وعكرمة لا يزال رقيقا فاشتراه خالد بن يزيد ابن معاوية من على بن عبد اللَّه بن عباس بأربعة آلاف دينار، فبلغ ذلك عكرمة فأتى عليا فقال: بعتنى بأربعة آلاف دينار؟ قال: نعم قال: أمَا إنه مَا خيرَ لك، بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار. فراح عليٌ إلى خالد فاستقاله فأقاله،
стр. 1641
فأعتقه، وقد روى عكرمة عن ابن عباس وعائشة وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى والحسين بن على رضى اللَّه عنهم. وقد اتهم بأنه كان يرى رأى الخوارج، وقد أكثر الناس فى مدحه، أو قدحه وقد توفى عن ثمانين سنة. وذلك فى عام ١٠٥ هـ أو ١٠٦ هـ أو ١٠٧ هـ رحمه اللَّه تعالى.
الحجاج بن عمرو الأنصارى: ذكره ابن سعد فى الطبقات فى الأسلميين فقال: حجاج بن عمرو الأسلمى وهو أبو حجاج الذى روى عنه عروة بن الزبير. وقد روى حجاج بن حجاج عن أبى هريرة اهـ أما ابن الأثير فى أسد الغابة فقد قال: حجاج بن عمرو ابن غزية بن ثعلبة بن خنساء، بن مبذول ابن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصارى الخزرجى، قال البخارى له صحبة، روى عنه عكرمة مولى ابن عباس وكثير بن العباس وغيرهما ثم ساق بسنده إلى الترمذى قال: حدثنا إسحاق ابن منصور أخبرنا روح بن عبادة أخبرنا حجاج الصواف أخبرنا يحيى بن أبى كثير عن عكرمة قال: حدثنى حجاج بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من كُسِرَ أو عرَج فقد
стр. 1642
حل، وعليه حجة أخرى، فذكرت ذلك لابن عباس وأبى هريرة فقالا: صدق. ورواه معمر ومعاوية بن سلام عن يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن عبد اللَّه بن رافع عن الحجاج بن عمرو وقال البخارى: وهذا أصح اهـ.
من كُسِرَ أو عَرَجَ: أى حدث به كَسْرٌ أو عَرَجٌ وهو محرم وصار لا يستطع متابعة أعمال المناسك.
فقد حلَّ: أى تحلل من إحرامه لأنه قد حصر.
من قابل: أى فى العام الذى يلى العام الذى عجز فيه عن متابعة مناسكه.
عن ذلك: أى عن حديث الحجاج بن عمرو الأسلمى رضى اللَّه عنه.
صدق: أى أن من كُسِر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل.
[البحث]
قال ابن سعد فى الطبقات فى ترجمة الحجاج بن عمرو الأسلمى: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى عن الحجاج بن أبى عثمان قال: حدثنى يحيى بن أبى كثير أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه أن الحجاج بن عمرو حدثه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: من كُسِر أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى. قال: فأخبرت
стр. 1643
بذلك ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق. اهـ وقال أبو داود فى باب الإِحصار فى سننه: حدثنا مسدد ثنا يحيى عن حجاج الصواف حدثنى يحيى بن أبى كثير عن عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصارى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من كُسِرَ أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل. قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك. فقالا: صدق. حدثنا محمد ابن المتوكل العسقلانى وسلمة قالا: ثنا عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن عبد اللَّه بن رافع عن الحجاج بن عمرو عن النبى ﷺ قال: من عرج أبى كسر أبى مرض فذكر معناه اهـ وقال الحافظ فى الفتح: قرأت فى كتاب الصحابة لابن السكن قال: حدثنى هارون بن عيسى حدثنا الصغانى هو محمد ابن إسحاق أحد شيوخ مسلم حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية ابن سلام عن يحيى بن أبى كثير قال: سألت عكرمة فقال: قال عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة: سألت الحجاج بن عمرو الأنصارى عمن حبس وهو محرم فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : من عرج أو كسر أبى حبس فليجزئ مثلها وهو فى حل. قال: فحدثت به أبا هريرة فقال: صدق، وحدثته ابن عباس فقال: قد أحصر رسول اللَّه ﷺ فحلق ونحر هديه وجامع نساءه حتى اعتمر عاما قابلا. ثم قال الحافظ: أخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة والدارقطنى والحاكم من طرق عن الحجاج الصواف عن يحيى عن
стр. 1644
عكرمة عن الحجاج به، وقال فى آخره: قال عكرمة: فسألت أبا هريرة وابن عباس فقالا: صدق. ووقع فى رواية يحيى القطان وغيره فى سياقه: سمعت الحجاج. وأخرجه أبو داود والترمذى من طريق معمر عن يحيى عن عكرمة عن عبد اللَّه بن رافع عن الحجاج قال الترمذى: وتابع معمرا على زيادة عبد اللَّه بن رافع معاوية بن سلام. وسمعت محمدا يعنى البخارى يقول: رواية معمر ومعاوية أصح. انتهى. وأشار الحافظ إلى أن هذا الحديث ليس بعيدا من الصحة فإنه إن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك وإلا فالواسطة بينهما وهو عبد اللَّه بن رافع ثقة وإن كان البخارى لم يخرج له. اهـ.
وقد تقدم فى بحث الحديث الأول من أحاديث هذا الباب ما ذكره البخارى عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما من قوله: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ فأما من حبسه عذر أبى غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع، وما رواه ابن المنذر وابن جرير من طريق على ابن أبى طلحة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال: من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدى فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه، وعلى هذا يحمل قوله فى حديث الباب: وعليه الحج من قابل" أى إن كانت الحجة التى حبس عنها هى حجة الإسلام. واللَّه أعلم.
стр. 1645
هذا وفى النسخ الهندية من بلوغ المرام بعد نهاية حديث عكرمة عن الحجاج ما يلى:
قال مصنفه: آخر الجزء الأول وهو النصف من هذا الكتاب المبارك، وكان الفراغ منه فى ثانى عشر شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثمانمائة. وهو آخر ربع العبادات. يتلوه فى الجزء الثانى كتاب البيوع.
وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا. غفر اللَّه لكاتبه ولوالديه ولكل المسلمين وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل. اهـ.
هذا وقد كنت ألقيت فى موسم الحج عام ١٣٩٥ هـ جملة من الأحاديث فى إذاعة صوت الإسلام من مكة المكرمة أحببت تدوينها فى ختام مباحث كتاب الحج من فقه الإسلام راجيا من اللَّه تعميم النفع بها، إنه رحيم ودود.
وهى بعنوان " مناسك الحج " فى حلقات.
стр. 1646
الحلقة الأولى
بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
أما بعد:
فقد ذكر اللَّه ﵎ كثيرا من حِكَم الحج وأحكامه فى كتابه الكريم حيث يقول: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا
стр. 1647
لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. وكما قال اللَّه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
стр. 1648
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وكما قال ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
وقد جعل اللَّه ﵎ الحج أحد أركان الإسلام الخمسة وهى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلا. وقد اشتلمت هذه الأركان الخمسة على الدرجة العليا من أصول أسباب سعادة الفرد والمجتمع فى شئون المعاش والمعاد إذ فى كل تشريع إلهى منافع جليلة، ومصالح جزيلة. تبنى الفرد الصالح والمجتمع الصالح وتهدى الأمة إلى سبيل الرشاد، وتدلها على ما يسمو بها إلى عز الدنيا وسعادة الآخرة، لقد أغنت الشريعة الإِسلامية بكل تشريعاتها الإِنسانية بكل ألوانها وبيئاتها وأجناسها ولغاتها وأوطانها. فلم يختص اللَّه تعالى بجليل تشريعاتها قوما دون قوم ولا جيلا دون جيل ولا قبيلا دون قبيل، وقد دلت التجارب على أن من استمسك بشريعة الإسلام ذاق حلاوة الأمن فى نفسه وماله وعرضه ودينه، واستشعر الاستقرار وراحة البال فى جميع شئونه المالية والنفسية والأخلاقية والإجتماعية. لا يحتاج المستمسك
стр. 1649
بها إلى غيرها إذ أن رسول اللَّه ﷺ لم يخرج من الدنيا إلا وقد رسم للناس سبيل سعادتهم وطريق راحتهم وأمنهم ولم يترك صغيرا أو كبيرا من الخير إلا دل الإِنسانية عليه وأمرها به ولم يترك صغيرة أو كبيرة من الشر إلا حذر الإنسانية منه ونهاها عنه وكما أخبر بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ علمهم كل شئ يحتاجون إليه فى مسيرتهم الدنيوية والأخروية. لقد علمهم كيف يأكلون وماذا يأكلون وماذا يمتنعون عنه من المآكل، وعلمهم كيف يشربون وماذا يشربون وماذا يمتنعون عنة من المشارب. وعلم الإِنسان كل حق عليه ليؤدى لكل ذى حق حقه. علّم الإِنسان كيف ينام وماذا يقول عند النوم وماذا يفعل أو يقول عند ما يستيقظ من النوم وكيف يركب دابته أو ركوبته وماذا يقول عند ركوبها؟ وكيف يمشى فى الطريق وماذا عليه من حق الطريق وماذا يقول إذا لقى إنسانا، كما علمه حق اللَّه ﵎ عليه وحق أنبيائه ورسله وحق والديه وحق نفسه وحق ذوى رحمه وحق جيرانه من أى لون ومن أى جنس ومن أى مذهب، وحق أصدقائه، وحق أمواله، وحق مماليكه وحق مواشيه وبهائمه، وحق جميع من يعول، لقد علم رسول اللَّه ﷺ الإنسانية كل شئ حتى كيف يدخل الإِنسان محل غائطه أو بوله وكيف يجلس عند قضاء حاجته من البول أو الغائط وأين يكون اتجاهه عند ذلك، يطبق رسول اللَّه ﷺ فى ذلك كتاب اللَّه، ويبين للناس
стр. 1650
ما أنزل إليهم من عند اللَّه، إما بنص صريح، أو بقاعدة كلية تندرج تحتها من الجزئيات ما يجدُّ للناس فى كل زمان أو مكان فتشريع الإسلام يغنى عما سواه، لأنه تنزيل من الخالق العليم الخبير الحكيم، الذى يعلم ما يُصْلِح عباده وينفع خلقه، ولذلك كانت الأنظمة والقوانين التى يضعها الناس لأنفسهم لا تغنيهم وكانت دائما محتاجة للتعديل أو التبديل بقطع النظر عن ألوان واضعيها وثقافتهم إذ أن الإِنسان خاضع لبيئته وثقافته رغم أنفه، ولذلك لم يترك اللَّه ﵎ الناس يضعون لأنفسهم شرائع بل أنزل كتبه وأرسل رسله وبعث أنبياءه وفرض على أهل العلم ألّا يكتموه وألزمهم ببيانه وشرحه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، وإن اللَّه سميع عليم، وإن شرعة الحج قد اشتلمت على منافع عظيمة وفوائد جليلة فى نواح شتى: اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وتعبدية وعلمية، وصحية، مما لا يحصيه إلا اللَّه، ولذلك أجمل الرب ﵎ هذه المنافع حيث قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته
المدينة المنورة فى ١٤/ ١١/ ١٣٩٥ هـ.
следующие страницы →