← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الحلقة الأولى بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. أما بعد: فقد ذكر اللَّه ﵎ كثيرا من حِكَم الحج وأحكامه فى كتابه الكريم حيث يقول: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا

стр. 1647

لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. وكما قال اللَّه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً

стр. 1648

وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وكما قال ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. وقد جعل اللَّه ﵎ الحج أحد أركان الإسلام الخمسة وهى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلا. وقد اشتلمت هذه الأركان الخمسة على الدرجة العليا من أصول أسباب سعادة الفرد والمجتمع فى شئون المعاش والمعاد إذ فى كل تشريع إلهى منافع جليلة، ومصالح جزيلة. تبنى الفرد الصالح والمجتمع الصالح وتهدى الأمة إلى سبيل الرشاد، وتدلها على ما يسمو بها إلى عز الدنيا وسعادة الآخرة، لقد أغنت الشريعة الإِسلامية بكل تشريعاتها الإِنسانية بكل ألوانها وبيئاتها وأجناسها ولغاتها وأوطانها. فلم يختص اللَّه تعالى بجليل تشريعاتها قوما دون قوم ولا جيلا دون جيل ولا قبيلا دون قبيل، وقد دلت التجارب على أن من استمسك بشريعة الإسلام ذاق حلاوة الأمن فى نفسه وماله وعرضه ودينه، واستشعر الاستقرار وراحة البال فى جميع شئونه المالية والنفسية والأخلاقية والإجتماعية. لا يحتاج المستمسك

стр. 1649

بها إلى غيرها إذ أن رسول اللَّه ﷺ لم يخرج من الدنيا إلا وقد رسم للناس سبيل سعادتهم وطريق راحتهم وأمنهم ولم يترك صغيرا أو كبيرا من الخير إلا دل الإِنسانية عليه وأمرها به ولم يترك صغيرة أو كبيرة من الشر إلا حذر الإنسانية منه ونهاها عنه وكما أخبر بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ علمهم كل شئ يحتاجون إليه فى مسيرتهم الدنيوية والأخروية. لقد علمهم كيف يأكلون وماذا يأكلون وماذا يمتنعون عنه من المآكل، وعلمهم كيف يشربون وماذا يشربون وماذا يمتنعون عنة من المشارب. وعلم الإِنسان كل حق عليه ليؤدى لكل ذى حق حقه. علّم الإِنسان كيف ينام وماذا يقول عند النوم وماذا يفعل أو يقول عند ما يستيقظ من النوم وكيف يركب دابته أو ركوبته وماذا يقول عند ركوبها؟ وكيف يمشى فى الطريق وماذا عليه من حق الطريق وماذا يقول إذا لقى إنسانا، كما علمه حق اللَّه ﵎ عليه وحق أنبيائه ورسله وحق والديه وحق نفسه وحق ذوى رحمه وحق جيرانه من أى لون ومن أى جنس ومن أى مذهب، وحق أصدقائه، وحق أمواله، وحق مماليكه وحق مواشيه وبهائمه، وحق جميع من يعول، لقد علم رسول اللَّه ﷺ الإنسانية كل شئ حتى كيف يدخل الإِنسان محل غائطه أو بوله وكيف يجلس عند قضاء حاجته من البول أو الغائط وأين يكون اتجاهه عند ذلك، يطبق رسول اللَّه ﷺ فى ذلك كتاب اللَّه، ويبين للناس

стр. 1650

ما أنزل إليهم من عند اللَّه، إما بنص صريح، أو بقاعدة كلية تندرج تحتها من الجزئيات ما يجدُّ للناس فى كل زمان أو مكان فتشريع الإسلام يغنى عما سواه، لأنه تنزيل من الخالق العليم الخبير الحكيم، الذى يعلم ما يُصْلِح عباده وينفع خلقه، ولذلك كانت الأنظمة والقوانين التى يضعها الناس لأنفسهم لا تغنيهم وكانت دائما محتاجة للتعديل أو التبديل بقطع النظر عن ألوان واضعيها وثقافتهم إذ أن الإِنسان خاضع لبيئته وثقافته رغم أنفه، ولذلك لم يترك اللَّه ﵎ الناس يضعون لأنفسهم شرائع بل أنزل كتبه وأرسل رسله وبعث أنبياءه وفرض على أهل العلم ألّا يكتموه وألزمهم ببيانه وشرحه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، وإن اللَّه سميع عليم، وإن شرعة الحج قد اشتلمت على منافع عظيمة وفوائد جليلة فى نواح شتى: اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وتعبدية وعلمية، وصحية، مما لا يحصيه إلا اللَّه، ولذلك أجمل الرب ﵎ هذه المنافع حيث قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته المدينة المنورة فى ١٤/ ١١/ ١٣٩٥ هـ.

стр. 1651

الحلقة الثانية بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. أما بعد: فإن اللَّه ﵎ قد لفت انتباه الناس فى ثنايا ذكره لحِكَم الحج وأحكامه إلى أن إخلاص العبادة للَّه وإقامة سوق ذكره وشكره هى من أهم مقاصد الحج وفى ذلك يقول: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾، ثم يقول فى نفس المقام بعد أن ذكر بعض مقاصد الحج وأحكامه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ثم يصف خطورة الشرك، والعاقبة السيئة التى يؤول إليها المشرك، والحالة البشعة التى يتمثلها حيث يقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ثم يثنى على المخلصين له المعظمين لأمره، القائمين بحدوده، فيقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ثم يختم ما ذكره عن الحج فى سورة الحج ببيان أن منافع العبادة تعود على العباد لأن اللَّه غنى عن العالمين فيقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ أى إن اللَّه ﵎ أمركم بهذه الشرائع ومنها ذبح الهدى ولن يرتفع إلى اللَّه شئ من لحومها ودمائها فهو الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وإنما ترتفع إليه أعمالكم الصالحة فيجزيكم عليها أحسن الجزاء وأعظم الأجر. ولذلك كذلك كان الإهلال بالتوحيد عند الدخول فى النسك هو أبرز مظاهر الحج فى هذا المقام حيث يلبى فيقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" ففى هذه التلبية إعلان الاستجابة للَّه،

стр. 1652

وإظهار طاعته وامتثال أمره تعالى بما هو أهله من الحمد والشكر المستوجب لأن يُخَصَّ بالتوحيد ويُفردَ بالألوهية والربوبية والأسماء الحسنى والصفات العلى ولذلك لا يجوز لمن يقول لبيك اللهم لبيك أن يذل إلا للَّه، فليس له أن يضرع إلا لربه وأن يستغيث إلا به وأن يلجأ إلا إليه فتكون صلاته للَّه وحجه للَّه ونسكه كله للَّه لأنه سيده ومالكه ومصلح شأنه ومدبر أمره. فالذى يأوى إليه يأوى إلى ركن شديد، ولذلك كان رسول اللَّه ﷺ يكثر أن يقول: يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام برحمتك أستغيث فأصلح لى شأنى كله ولا تكلنى إلى نفسى أو إلى أحد من خلقك طرفة عين إنك إن وكلتنى إلى نفسى أو إلى أحد من خلقك وكلتنى إلى عجز وضعف وفاقة. ولذلك يجب على الحاج أن يحذر جميع صور الشرك فلا يحلف إلا باللَّه لأن رسول اللَّه ﷺ سمع عمر رضى اللَّه عنه فى رهط وهو يحلف بأبيه فقال رسول اللَّه ﷺ : لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغى من كان حالفا فليحلف باللَّه أو ليذر" وفى رواية: "من حلف بغير اللَّه فقد أشرك" قال عمر رضى اللَّه عنه فما حلفت بشئ من ذلك بعد ذلك لا ذاكرا ولا آثرا. أو لا أحلف بغير اللَّه ولا أنقل عن غيرى أنه حلف بغير اللَّه. كما لا يجوز للحاج أن يتمسح بجدران بعض الأماكن والمساجد إلا ما أذن فيه الإسلام من لمس الحجر. الأسود وتقبيله ولمس الركن اليمانى من غير تقبيل أما ما عدا ذلك من الأبواب وجدران المساجد أو بعض القبور أو البيوت فلا يحل لأحد أن يُقَبلها ولذلك لما

стр. 1653

قبل عمر -رضى اللَّه عنه- الحجر الأسود قال: واللَّه إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك ما قبلتك" كما لا يجوز أن يذبح المسلم قربانا لغير اللَّه فلا يذبح لنبى ولا لولى ولا للملائكة ولا للجن لأن اللَّه ﵎ حرَّم الذبح لغيره حيث يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وكما قال لخير خلقه، وسيد أنبيائه ورسله محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقد أخبر اللَّه ﵎ أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم ولذلك يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ قال أهل العلم: أحسن العمل أن يكون خالصا صوابا والخالص ما كان لوجه اللَّه والصواب ما كان على منهج رسول اللَّه ﷺ كما بين الرب ﵎ أنه يحبط جميع الأعمال المشوبة بالشرك حيث يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وأشار إلى خطورة هذا الأمر حيث خاطب المعصوم من الشرك المحفوظ من الخطايا والسيئات إمام المرسلين ﷺ : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. لذلك يجب على الحاج أن يحذر أشد الحذر من كل ألوان الشرك

стр. 1654

حتى يسلم له عمله الصالح فيرجع مغفور الذنب مشكور السعى مرفوع الدرجات. كما يجب عليه كذلك أن يصون جسمه من أكل الحرام ولسانه من أعراض الناس ويده من إيذاء أحد من خلق اللَّه فإن من غُذِىَ بالحرام لا يستجاب دعاؤه وإذا قال لبيك: قيل له لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، وكما أخبر رسول اللَّه ﷺ أن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام وملبسه حرام يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب أنَّى يستجاب لذلك. فطيب المطعم من أهم أسباب سلامة القلب وسعادة النفس واستجابة الدعاء ولذلك أثر أن رجلا قال للنبى ﷺ ادع اللَّه أن يجعلنى مستجاب الدعاء فقال له ﷺ أطب مطعمك تستجب دعوتك. وينبغى للحاج أن يستفيد من هذا التجمع الإسلامى العظيم بسؤال أهل العلم منهم عما يجهل، وبذل المعروف فيما يقدر، وتبادل الآراء فيما يعود على الأمة الإِسلامية بالخير، وفيما يدفع عنها من الشر، وفيما يربط بين قلوبهم من الود. إن المسلمين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وليعلم المسلم أن من دل على خير فله مثل أجر فاعله، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شئ. وفى حلقات قادمة إن شاء اللَّه نتحدث عن مناسك الحج، وأفعال تلك المناسك كما تلقاها المسلمون جيلا بعد جيل عن حبيب اللَّه

стр. 1655

ورسوله وإمام أنبيائه ﷺ الذى قال: لتأخذوا عنى مناسككم. وأسأل اللَّه ﵎ لنا ولكم التوفيق، والهداية إلى أحسن طريق والتأسى برسول اللَّه ﷺ فى جميع الأحوال والأفعال والأقوال. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. الحلقة الثالثة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. أما بعد: فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى ذر -رضى اللَّه عنه- قال: قلت: يا رسول اللَّه أى مسجد وضع أوّل؟ قال: "المسجد الحرام"! قلت: ثم أى؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" قلت: ثم أى؟ قال: "حيث أدركتك الصلاةُ فصل، فكلُّها مسجد". أيها المستمعون الكرام: لا تعرف الإِنسانية مكانا فى الأرض سوى الكعبة البيت الحرام أكبره اللَّه ﵎ فى قلوب عباده، وأوقع فى نفوسهم هيبته، وعظَّم بينهم حرمته، وجعله قياما للناس وسببا من أعظم أسباب صلاح معاشهم ومعادهم، ودنياهم وآخرتهم، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم، واختاره

стр. 1656

منطقة أمان للإنسان والطير والحيوان، وفرض عليهم حجه وربطه بإِبراهيم خليل الرحمن وأبى الأنبياء، وأبقى أثره فيه، تهوى إليه أفئدة الناس، تلتمس بمسعاها إليه علو الدرجات، وتكفير الخطيئات وزيادة الكرامات وإلى ذلك كله يشير رب العالمين حيث يقول: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وكما قال : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ وكما قال : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ولعظم حرمة هذا البيت العتيق جعل اللَّه ﵎ لمن حجه ميقاتا زمنيا لا يصح الإِحرام إلا فيه وهو شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة كما أحاطه الرب ﵎ بمنطقة شاسعة حدَّد فيها أماكن حرَّم على من يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزها. دون أو يكون محرما. وهى لجميع من يمر عليها من أهل الدنيا سواء كان قريب الدار من هذه المواقيت أو كان بعيدا عنها ويمر بها فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما قال: "وقَّت رسول اللَّه ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة

стр. 1657

فمن كان دونهن فمُهَلُّه من أهله. وكذاك، وكذاك، حتى أهل مكة يُهلُّون منها" وقد وقَّت عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه ذات عرق لأهل العراق فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال لما فُتِحَ هذان المصران (يعنى البصرة والكوفة) أَتَوا عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين. إن رسول اللَّه ﷺ حدَّ لأهل نجد قرنا وأنه جَورٌ عن طريقنا. وإن أردنا أن نأتى قرنا شق علينا. قال عمر رضى اللَّه عنه: فانظروا حَذْوَهَا من طريقكم، قال: فحدَّ لهم ذات عرق" وبهذا تبين أنه لا يلزم من كان طريقه على غير طريق هذه المواقيت أن يأتيها ليحرم منها بل يكفيه أن يحرم من مكان يقابلها من طريقه، ولا يتجاوز ذلك بأية حال من غير إحرام ما دام يريد الحج والعمرة ولا فرق فى ذلك كذلك بين أن يكون طريقه بحريا أو بريا أو جويا، وأنَّ من كان فى المدينة المنورة مثلا وأراد الحج والعمرة لا يجوز له أن يتجاوز ذا الحليفة، وهى آبار علي بدون إحرام سواء كان مدنيا أو شاميا أو مصريا أو مغربيا أو أوربيا أو أمريكيا أو يابانيا أو هنديا أو أفريقيا. وكذلك من أتى من طريق نجد وكان مروره على ميقات نجد وهو قرن أو مر على طريق يلملم أو جاء من البحر عن طريق الجحفة ومكانها الذى اختير هو رابغ: ومن جاء من الحجاج أو العمار من أى طريق من هذه الطرق كانت مواقيتها هى ميقاته بقطع النظر عن جنسه أو البلد الذى قدم فى

стр. 1658

الأصل منه. لما روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من قول رسول اللَّه ﷺ عن هذه المواقيت: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة" وإذا كان طريقه يمر بميقاتين كمن يتوجه من المدينة عن طريق آبار علي ورابغ فلا يحل له أن يتجاوز الأول منهما بدون إحرام لأن ميقاته صار هو الأول لمروره عليه. فإذا تجاوز الميقات بدون إحرام رجع وأحرم من الميقات. أما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات ليحرم منه فإنه يلزمه دم عند أكثر علماء الإسلام. أما من كان مَسكَن أهله ومنزله داخل هذه المواقيت أى أقرب إلى مكة منها فميقاته من حيث عزم على الحج أو العمرة لقول رسول اللَّه ﷺ "ومن كان دون المواقيت فميقاته من حيث أهل، حتى أهل مكة من مكة". والإِنسان مخير عند الإِحرام بين الأنساك الثلاثة وهى إفراد الحج أو التمتع أو القرانُ فإن شاء أحرم بالحج مفردا وإن شاء تمتع بالعمرة إلى الحج، وإن شاء قرن بين الحج والعمرة. وهذه الأنساك الثلاثة هى التى عرفها أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولم يحجروا على أحد فى اختيار نوع منها وقد فعلوها مع رسول اللَّه ﷺ ورضى اللَّه عنهم. فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه ﷺ عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل

стр. 1659

بالحج وأهل رسول اللَّه ﷺ بالحج، قأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر" فالذى يهل بالحج وحده يسمى مفردا، والذى يهل بالعمرة فى أشهر الحج ثم بعد الانتهاء من أعمالها يتحلل ويقيم بمكة حلالا حتى يحج من سنته هذه يسمى متمتعا. أما القارن فهو الذى يجمع فى نيته بين الحج والعمرة. ولا فرق فى العمل بين المفرد والقارن فإن أداء النسك للمفرد كأدائه للقارن تماما لا يختلفان فى شئ إلا أن المفرد عند التلبية يقول: لبيك اللهم حجا. والقارن يقول: لبيك اللَّه حجا وعمرة. وكذلك فإن المفرد لا يجب عليه هدى بخلاف القارن فإنه يجب عليه الهدى. أما سائر الأعمال فإنه لا فرق فيها بين المفرد والقارن فالذى يعمله المفرد من وقت إحرامه إلى وقت تحلله هو عين ما يفعله القارن من وقت إحرامه إلى وقت تحلله. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ١٦/ ١١/ ١٣٩٥ هـ.

стр. 1660

الحلقة الرابعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. أما بعد: فقد أشرت فى حديث سابق إلى أن المسلم إذا عزم على الحج كان مخيرا بين أحد الأنساك الثلاثة وهى الإِفراد أو القران أو التمتع، كما أشرت إلى أنه لا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات بدون إحرام. ومن السنة الاغتسال للإِحرام وهو غسل للنظافة لا للطهارة حتى الحائض والنفساء إذا أرادت الحج أو العمرة فإنها تغتسل عند إحرامها كذلك فقد روى مسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى رضى اللَّه عنهما فى قصة حجة رسول اللَّه ﷺ قال: فخرجنا حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر رضى اللَّه عنهما فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى" وإذا كان يشق على الإِنسان الاغتسال عند الميقات فلا بأس بأن يغتسل فى منزله بالمدينة المنورة مثلا أو فى الباخرة قبل الوصول إلى الميقات أو فى منزله قبل ركوب الطائرة متوجها إلى جدة وبعد الاغتسال يلبس ملابس الإِحرام وهى إزار

стр. 1661

ورداء بالنسبة للرجل والأولاد الذكور أما النساء فليس لإِحرامهن ثوب معين بل تلبس المرأة ما شاءت من الثياب ما دام يسترها ولا يصف ولا يشف ما تحته. وليس الإِحرام هو مجرد لبس الإِزار والرداء بل الإِحرام هو نية الدخول فى النسك. فلو لبس الإِزار والرداء قبل الوصول إلى الميقات فلا بأس لكن لا ينوى الإِحرام إلا من الميقات. وينبغى له أن يقلم أظافره ويزيل شعر إبطه وعانته، ولا بأس له أن يتطيب قبل الدخول فى النسك بطيب لا يدوم بعد أن يحرم إذا كان به زعفران. وينبغى أن يكون الإِحرام بعد صلاة فإنه ثبت أن رسول اللَّه ﷺ كان يحرم بعد الصلاة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما واللفظ لمسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يركع بذى الحليفة ركعتين ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات ويقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير فى يديك والرغباء إليك والعمل" فلو لم يتمكن من الصلاة عند الإِحرام فلا شئ عليه. ولا يجوز أن يلبس المحرم شيئا مخيطا أو محيطا فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رجلا سأل رسول اللَّه ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا تَلْبَسُوا القُمُص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد نعلين فليلبس

стр. 1662

خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مَسَّه زعفران ولا وَرْسٌ" زاد البخارى فى رواية: "ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" كما روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث يعلى بن أمية رضى اللَّه عنه قال: كنا عند النبى ﷺ بالجعرانة إذ جاءه رجل أعرابى عليه جبة وهو متضمخ بالخَلوق فقال: يا رسول اللَّه! إنى أحرمت بالعمرة، وهذه عَليَّ! فقال رسول اللَّه ﷺ : أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع فى عمرتك ما تصنع فى حجك" فالتجرد من الثياب والملابس المخيطة أو المحيطة واستبدالها بإزار ورداء مظهر من مظاهر المساواة التامة بين جميع المسلمين بقطع النظر عن أجناسهم وبيئاتهم ولغاتهم ومنازلهم كما أن الحج رحلة كبرى يقطعها المؤمن فى مسيرته للَّه ولذلك جعل الإسلام ملابس الحجاج أشبه ما تكون بالأكفان الذى يندرج الناس فيها عند الانتقال إلى الدار الآخرة. ولما كان أمر النساء مبنيا على الستر والابتعاد عن كل أسباب الافتتان أباح الشرع للمرأة أن تلبس الخيط أو المحيط الذى حرَّمه على المحرمين من الرجال فلها أن تلبس الثياب والقمص والسراويل والخفين والجوارب ولم تفرض الشريعة عليها فى إحرامها لونا معينا من الثياب غير ما يستر عورتها ولا يشف شيئا من بدنها، ونهاها عن أن تنتقب أو تلبس مخيطا لوجهها وحرَّم عليها فى إحرامها أن تلبس القفازين فى يديها. فقد روى البخارى فى

стр. 1663

صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" ويجوز أن تسدل جلبابها من رأسها على وجهها إذا كانت عند رجال أجانب عنها ليسوا من محارمها فقد روى أبو داود واللفظ له وابن ماجه بسند جيد من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه ﷺ عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه ﷺ محرماتٌ فإذا جاوزُوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها. فإذا جَاوزُونا كشفناه" كما نهى الإسلام المرأة أن تلبس شيئا يثير الفتنة فقد روى أبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أنه سمع رسول اللَّه ﷺ ينهى النساء فى إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورسُ والزعفران من الثياب. ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قمص أو خف" كما يجوز للمحرم من الرجال أو النساء أن يستظل بما شاء من مظلة ما دام لا يغطى الرَّجُل رأسه فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث أم الحُصين رضى اللَّه عنها قالت: رأيت أسامة وبلالا رضى اللَّه عنهما وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول اللَّه ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة" وأباح الإسلام كذلك للمحرم أن يُغيِّر ملابس إحرامه متى شاء بملابس إحرام أخرى أو يغسلها إذا اتسخت، أو يلبس أكثر من إزار ورداء من البرد ونحوه

стр. 1664

وله كذلك أن يغتسل متى شاء فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى أيوب الأنصارى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ كان يغسل رأسه وهو محرم" وفى رواية لمسلم من طريق عبد اللَّه بن حنين أن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما والمسورَ بن مخرمة رضى اللَّه عنه اختلفا بالأبواء فقال عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما يغسل المحرم رأسه، وقال المسورُ بنُ مخرمة رضى اللَّه عنه: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلنى ابن عباس رضى اللَّه عنهما إلى أبى أيوب الأنصارى رضى اللَّه عنه أسأله عن ذلك فوجدته يغتسل بين القرنين (يعنى بين الخشبتين القائمتين على رأس البئر) وهو يستتر بثوب، قال: فسلَّمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد اللَّه بن حُنَين أرسلنى إليك عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما أسألك كيف كان رسول اللَّه ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب رضى اللَّه عنه يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لى رأسه ثم قال لإِنسان يَصُب: اصبُبْ فصَبَّ على رأسه ثم حرَّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل". وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ١٧/ ١١/ ١٣٩٥ هـ

стр. 1665

الحلقة الخامسة بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد تحدثت فى حديث سابق عما يفعله الإِنسان إذا أراد الإِحرام وأشرت إلى أن الإِنسان يصير محرما بنية الدخول فى النسك الذى يريد ويتأكد ذلك بالتلبية من الميقات فإذا أراد الحج وحده أى مفردا قال: اللهم إنى أريد الحج فيسره لى وتقبله منى لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وإذا أراد الحج والعمرة جميعا ليصير قارنا قال: اللهم إنى أريد الحج والعمرة فيسرهما لى وتقبلهما منى. لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وإذا أراد أن يكون متمتعا قال: اللهم إنى أريد العمرة متمتعا بها إلى الحج فيسرها لى وتقبلها منى، لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وله أن يقول: اللهم إنى أريد العمرة فيسرها لى وتقبلها منى ثم يلبى دون أن يقول: متمتعا بها إلى الحج. وبمجرد الإِتيان بهذه النية والتلبية يصير الإِنسان محرما، وإِذا كان يخاف على نفسه من عائق يحول بينه وبين تمام النسك فليشترط عند الإِحرام ويقول: اللهم إِنى أريد الحج إن كان مفردا أو أريد الحج والعمرة إن كان قارنا أو أريد العمرة متمتعا بها إلى الحج إن كان متمتعا فيسره لى وتقبله منى وإن حبسنى حابس فمحلى حيث حبستنى. وفائدة هذا الاشتراط أنه إذا حبسه حابس فى الطريق حلَّ ولا شئ عليه.

стр. 1666

فإذا صار الإِنسان محرما تأكد فى حقه الامتناع عن كل رفث وفسوق وعصيان وجدال مما يخقص من حجه أو يذهب بأجره ولذلك يقول الرب ﵎: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والرفث هو غشيان النساء ودواعيه من المباشرة أو التقبيل أو نحو ذلك. والفسوق هو عصيان اللَّه بأى صورة من صور المعاصى، ولما كان الحج يكتنفه ضرورة مخالطة الناس ومزاحمتهم فى الأسفار والمشاعر والمنازل والموارد فقد طلب الإسلام من المسلم الذى أحرم بالحج أو العمرة أن يبتعد عن المخاصمة والمنازعة والمجادلة مع أى أحد من الناس وقد بشر رسول اللَّه ﷺ من ترك مجادلة الناس ومُمَارَاتَهُم وإن كان محقا ببيت فى ربض الجنة، فقد روى أبو داود واللفظ له وابن ماجه والترمذى وحسَّنه من حديث أبى أمامة الباهلى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أنا زعيم ببيت فى ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا فعلى الحاج أن يتجنب كل ما يؤذى أحدا من المسلمين وأن يصون لسانه إلا من الخير، وأن يحفظ سمعه فلا يستمع إلا ما يرضى اللَّه ، وأن يحفظ بصره فلا يتتبع به العورات وأن يحفظ يده فلا تبطش فى ضرر أحد، وأن يصون رجله فلا تخطو فى أذية أحد، وأن يجعل فى فكره دائما قول اللَّه : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقد نبهت إلى أن أعمال الحاج المفرد وأعمال القارن لا تختلف

стр. 1667

فهما متفقان فى كل شئ إلا أن القارن عليه هدى والمفرد لا يجب عليه الهدى فإذا أحرم المفرد أو القارن من الميقات أكثر من التلبية كلما علا مرتفعا من الأرض أو هبط واديا أو لقى ركبا أو نزل منزلا وليكثر من ذكر اللَّه ﵎ وليرفع صوته بالتلبية بالقدر الذى لا يضره حتى يصل إلى مكة، ويستحب له الاغتسال قبل دخولها إذا لم يشق عليه ذلك فإذا وصل إلى المسجد الحرام بدأ فطاف بالبيت طواف القدوم سبعة أشواط يرمل فى الثلاثة الأول منها ويمشى فى الأربعة الباقية. يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود ويختم به وكلما صار مقابلا للحجر الأسود استقبله واستلمه بيمينه ويُقَبِّله إن تيسر له ذلك ويقول عند استلامه: بسم اللَّه، واللَّه أكبر، فإذا لم يتيسر له تقبيله استلمه بيده أو بعصماه وقَبَّل ما استلمه به، فإن شق عليه استلامه أشار إليه وكبَّر، ولا يُقَبِّلُ ما يشير به، ويستحب له قبل البدء فى طواف القدوم أن يضطبع بردائه حتى يطوف جميع أشواط هذا الطواف وهو مضطبع بردائه والاضطباع أن يجعل الرداء تحت إبطه الأيمن وطرفى الرداء على عاتقه الأيسر ليكون عاتقه الأيمن مكشوفا. ولا يستحب هذا الاضطباع إلا فى أول طواف للقادم بالحج أو العمرة فلا يضطبع فى غير طواف القدوم أو طواف العمرة فإذا فرغ المفرد أو القارن من طواف القدوم جعل الرداء على عاتقيه جميعا ثم يصلى ركعتى الطواف أمام مقام إبراهيم إن تيسر له ذلك لقوله ﵎:

стр. 1668

﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فإن كان المكان مزدحما ولم يتيسر له صلاة الركعتين عند مقام إبراهيم صلاهما فى أى مكان من المسجد الحرام ويسن أن يقرأ فى الركعة الأولى منهما بعد فاتحة الكتاب بسورة قل يا أيها الكافرون وفى الركعة الثانية بعد الفاتحة بسورة قل هو اللَّه أحد فإذا فرغ من ركعتى الطواف قصد الحجر الأسود فاستلمه ثم يخرج إلى الصفا من باب الصفا إن تيسر له ذلك فإن لم يتيسر له الخروج من باب الصفا خرج من أى باب حتى يصعد على جبل الصفا ويستقبل القبلة ويقول: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير. لا إله إلا اللَّه وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم يدعو بما شاء ويكرر ذلك الدعاء والذكر ثلاث مرات ثم يبتدئ السعى فينزل إلى جهة المروة، ويسرع بين العَلَمين الأخضرَين، فإذا وصل المروة صعد عليها ويكرر الذكر الذى ذكره على الصفا فوق المروة ثلاث مرات مستقبلا القبلة ثم يعود إلى الصفا ثم يرجع إلى المروة حتى يختم السعى سبعة أشواط من الصفا إلى المروة شوط ومن المروة إلى الصفا شوط فيكون السابع منتهيا عند المروة. ويستحب أن يكثر من الدعاء والذكر فى طوافه وسعيه. فإذا فرغ المفرد أو القارن من السعى أقام بمكة محرما حتى يخرج بهذا الإِحرام إلى منى فى اليوم الثامن من ذى الحجة وهو يوم التروية فيصلى بمنى الظهر

стр. 1669

والعصر والمغرب والعشاء والفجر كل صلاة فى وقتها لكنه يصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين ثم بعد طلوع الشمس من يوم عرفة يتوجه إلى عرفة. ويصلى فيها الظهر والعصر فى وقت الظهر كل صلاة منها يصليها ركعتين قصرا، ويؤذن للصلاتين هاتين أذانا واحدا ويقيم لكل منهما إقامة. ثم يقف بعرفة. وأما الذى أحرم بالعمرة متمتعا بها إلى الحج فإنه عندما يصل إلى مكة يطوف طواف العمرة سبعة أشواط على نفس الصورة التى يعملها المفرد أو القارن فى طواف القدوم ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك على نفس الصورة التى سعى بها المفرد أو القارن إلا أن هذا الطواف والسعى بالنسبة للمتمتع يسمى طواف العمرة وسعى العمرة وليس على المتمتع طواف القدوم. وطواف العمرة وسعيها فرض لازم بالنسبة للمتمتع أما طواف القدوم بالنسبة للمفرد والقارن فهو سنة فإذا طاف المتمتع طواف العمرة وسعى لها بين الصفا والمروة قص شعره وتحلل من الإِحرام ولبس ملابس الحل وأقام بمكة حلالا يباح له كل ما كان محرما عليه بالإحرام من مس الطيب ومباشرة أهله وغير ذلك من الحلال الذى كان محرما عليه بالإحرام. فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذى الحجة أحرم بالحج من منزله أى من المسجد الحرام أو من أى مكان تيسر له ثم يخرج إلى منى فيصلى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم عرفة على نفس الصورة التى يفعلها المفرد والقارن ثم بعد طلوع

стр. 1670

الشمس يوم عرفة يتوجه كالمفرد والقارن إلى عرفة فيصلى فيها بعد زوال الشمس الظهر والعصر قصرا وجمعا فى وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين أى إقامة للظهر وإقامة للعصر. ثم يقف الجميع: المتمتع والمفرد والقارن بعرفة. وعرفة كلها موقف ويدفع عن بطن عرنة. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ١٧/ ١١/ ١٣٥٩ هـ الحلقة السادسة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد ذكرت فى الحديث السابق أن المفرد والقارن والمتمتع يصلون الظهر والعصر فى وقت الظهر بعرفة قصرا وجمعا ثم يقفون بعرفات وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة وليس معنى الوقوف بعرفة أن يقف الإِنسان قائما بل المراد الوجود بعرفات سواء كان واقفا أى قاعدا أى مضطجعا، ويستحب له استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر له ذلك فإن لم يتمكن من استقبال القبلة وجبل الرحمة جميعا استقبل القبلة وأكثر من الذكر والدعاء والتلبية، وصان نفسه من كل إثم وأبعدها عن كل معصية لأنه فى موقف يباهى اللَّه ﵎ به ملائكته. وقد روى أن النبى ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا اللَّه

стр. 1671

وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير" ويستحب له أن يكرر الدعاء والتضرع وأن يكثر من الصلاة على رسول اللَّه ﷺ وأن يلح فى الدعاء ويطلب من ربه ﵎ خيرى الدنيا والآخرة، وينبغى أن يكون مخبتا منيبا ساكنا قانتا ذليلا للَّه مبتعدا عن اللهو والرفث وسائر أنواع الفسوق والجدال منكسرا بين يدى ربه يرجو رحمته ويخشى عذابه، فإذا غربت الشمس انصرف إلى مزدلفة بسكينة ووقار، وأكثر من التلبية، فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين فى وقت واحد. بأذان واحد وإقامتين: إقامة لصلاة المغرب وإقامة لصلاة العشاء والسنة أن يصلى المغرب قبل أن يحط رحله ثم يحط رحله ثم يصلى العشاء ثم يقيم بمزدلفة إلى الفجر فإذا صلى الصبح بمزدلفة فى أول وقته وقف عند المشعر الحرام وذكر اللَّه مستقبلا القبلة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ وإذا لم يتيسر له الوقوف عند المشعر الحرام فليقف فى أى مكان من مزدلفة لقول رسول اللَّه ﷺ : وقفت ههنا وجمع (أى مزدلفة) كلها موقف. وليستمر فى دعائه إلى الإِسفار الجيد ويلتقط من مزدلفة سبع حصيات فقط وهى التى يرمى بها جرة العقبة يوم العيد أما باقى الحصى الذى يرمى به فى أيام التشريق فليلتقطه من منى. ويجوز

стр. 1672

للضعفة من النساء والصبيان ومن فى حكمهم أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى آخر الليل فإذا أسفر الحاج جدا انصرف من مزدلفة إلى منى وأكثر من التلبية فى سيره، وإذا وصل وادى محسر أسرع قليلا. فإذا وصل إلى جمرة العقبة من منى قطع التلبية ورمى هذه الجمرة بسبع حصيات يرفع يده عند رمى كل حصاة ويكبر ويستحب أن يكون رميها من بطن الوادى وتكون الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه، ثم بعد الرمى ينحر هديه إن كان قارنا أو متمتعا أما المفرد بالحج فلا يجب عليه الهدى. فإذا ذبح هديه حلق رأسه أى قصر كل شعر رأسه. وبرمى جمرة العقبة والحلق أو التقصير يحل الحاج التحلل الأول وهو الذى يبيح الملابس والطيب وتقليم الأظافر وكل ما كان محرما عليه بالإِحرام إلا النساء فإنه لا يحل له قربان زوجته إلا بعد التحلل التام. والأعمال التى يحصل بها التحلل ثلاثة وهى رمى جمرة العقبة والحلق أو التقصير والطواف بالبيت مع السعى لمن عليه سعى. فمن عمل اثنين منها حلَّ التحلل الأول الذى يبيح له كل شئ إلا النساء فإن عمل الثالث حل له كل شئ حتى زوجته ولا حرج عليه فى تقديم أو تأخير بعض هذه الثلاثة عن بعض فلو قدَّم الطواف بالبيت على رمى جمرة العقبة أو قدم الحلق أو التقصير على رمى جمرة العقبة أى قدم الطواف على الحلق أى التقصير فلا حرج عليه فإن رسول اللَّه ﷺ ما سئل عن شئ من هذه الثلاثة قدم أو أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" والمهم هو أنه إذا فعل اثنين منها أيَّ

стр. 1673

اثنين حل له أن يلبس ملابسه وحل له كل شئ إلا النساء فإذا فعل الثالث حل له النساء فلو طاف وحلق قبل أن يرمى الجمرة جاز له أن يرمى الجمرة بملابس الحل المعتادة من المخيط أو المحيط وإذا طاف مثلا ورمى الجمرة جاز له أن يحلق رأسه هو لابسٌ ثيابه المعتادة ولو رمى الجمرة وحلق رأسه فله أن يطوف بالبيت وهو لابس ثيابه المعتادة. فاثنان من هذه الثلاثة تحله التحلل الأول والثالث يحله التحلل الأكبر التام. والطواف بعد النزول من عرفات ومزدلفة ركن من أركان الحج وهو المقصود من قوله ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ويسمى طواف الإِفاضة وطواف الحج ولا يصح الحج بدونه كالوقوف بعرفة. والمفرد أو القارن إذا كان سعى بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم فلا يجب عليه السعى بعد طواف الإفاضة إذ هو مخير فى السعى بين أن يجعله بعد طواف القدوم أى بعد طواف الإِفاضة أما المتمتع فإنه يسعى بعد طواف الإِفاضة ولا بد من هذا السعى بالنسبة للمتمتع. لأن سعيه الأول الذى كان بعد الطواف الذى طافه عند وصوله إلى مكة هو سعى العمرة كما أن طوافه ذاك كان طواف العمرة. أما طواف الإفاضة فلا بد أن يسعى بعده المتمتع فالمتمتع عليه طوافان وسعيان، طواف وسعى للعمرة عند قدومه إلى مكة، وطواف وسعى للحج بعد نزوله من عرفة ومزدلفة أما المفرد أو القارن فإن طوافه عند وصوله إلى مكة سنة ويسمى طواف القدوم فإن سعى بعده أغناه

стр. 1674

عن السعى بعد طواف الإِفاضة وإن لم يسع بعد طواف القدوم لزمه السعى بعد طواف الإِفاضة. والطواف بالبيت العتيق صورة من أعظم صوَر العبودية للَّه ومظهر من أبرز مظاهر الضراعة للحيى القيوم ومثال من أروع أمثلة الطاعة والانقياد للَّه ولم يشرع اللَّه ﵎ الطواف حول مكان فى الأرض سوى بيته المحرم الذى جعله اللَّه ﵎ مثابة للناس وأمنا، وأقامه موئلا للتوحيد وإخلاص العبادة للَّه ﵎، واختاره قبلة لجميع المسلمين. فلا يحل لمسلم أن يطوف حول قبر مهما كان صاحب القبر ولا حول مكان مهما كان هذا المكان سوى الكعبة المشرفة التى جعل اللَّه الطواف خاصا بها، ومن أعظم ما يعبد اللَّه به حولها ولذلك قال عز من قائل: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وكما قال اللَّه : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ١٨/ ١١/ ١٣٩٥ هـ. الحلقة السابعة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون.

стр. 1675

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد أوضحت فى حديث سابق أن الأعمال التى يتحلل بها الحاج بعد نزوله من مزدلفة ثلاثة، من عمل اثنين منها حل التحلل الأول الذى يبيح له لبس الملابس المخيطة أى المحيطة والطيب وغيره من الأمور التى كانت محرمة عليه بالإحرام إلا النساء فإذا عمل الثالث حل له كلُّ شئ حتى النساء وهذه الأفعال الثلاثة هى رمى جمرة العقبة والحلق أو التقصر والطواف بالبيت العتيق ثم السعى لمن عليه سعى. أما نحر الهدى ممن عليه هدى فلا دخل له بالتحلل. والسنة ترتيب الأفعال الأربعة يوم العيد وهى رمى جمرة العقبة ونحر الهدى والحلق أو التقصير والطواف بالبيت ثم السعى لمن عليه سعى فيبدأ الحاج برمى جمرة العقبة ثم يذبح هديه إن كان متمتعا أو قارنا ثم يحلق رأسه أى يُقَصِّرُه ثم يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا. أو كان قارنا أى مفردا ولم يسع بعد طواف القدوم فلو قدَّم الحاج واحدا من هذه الأربعة على الآخر ولم يعملها على هذا الترتيب فلا حرج لما روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ وقف فى حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح: فقال ﷺ : "اذبح ولا حرج" فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى فقال: "ارم ولا حرج" فما سئل النبى ﷺ عن شئ قُدِّم ولا أخِّر

стр. 1676

إلا قال: "افعل ولا حرج" وفى لفظ لمسلم: "أتاه رجل فقال: "حلقت قبل أن أرمى قال ﷺ : "ارم ولا حرج" فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمى فقال: "ارم ولا حرج" كما روى البخارى من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما قال: كان النبى ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى فيقول لا حرج فسأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت فقال: "لا حرج" كما روى الترمذى من حديث على -رضى اللَّه عنه- أن رجلا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال يا رسول اللَّه! إنى أفضت قبل أن أحلق؟ قال: "احلق أو قصِّر ولا حرج" وجاء آخر فقال: ذبحت قبل أن أرمى؟ قال: ارم ولا حرج" وقد أوضح رسول اللَّه ﷺ أن الحلق أفضل من التقصير يعنى بالنسبة للرجال فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال فى حجة الوداع: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "والمقصرين" وفى لفظ لمسلم من طريق يحيى بن الحصين عن جدته رضى اللَّه عنها أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ فى حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة. ولا يكتفى فى التقصير بتقصير بعض الرأس بل لابد من تقصير جميع شعر رأسه أما المرأة فإنها تُقَصِّر من كل ضفيرة

стр. 1677

عليها حلق شعر رأسها فى الحج أو غيره لما روى الترمذى من حديث علي وعائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها كما روى أبو داود من حديث عبد اللَّه ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير" وينبغى للحاج أن ينحر هديه بنفسه إن كان قادرا على ذلك لما روى مسلم فى حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما فى صفة حجة رسول اللَّه ﷺ قال: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا رضى اللَّه عنه فنحر ما غبر -أى ما بقى- وأشركه فى هديه ثم أمر من كل بَدَنَة بِبَضْعَةٍ فجعلت فى قِدْر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. والتقرب إلى اللَّه ﵎ بالهدايا والذبائح هو دين جميع النبيين والمرسلين وإلى ذلك يشير اللَّه ﵎ فى كتابه الكريم حيث يقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ كما أشار اللَّه ﵎ إلى أن الهدى إنما يكون من بهيمة الأنعام وهى الإِبل والبقر والغنم فى قوله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ كما أخبر الرب وتبارك وتعالى أن البدن من شعائر اللَّه فليس لأحد أن يدفع مكان الهدى قيمته ولذلك

стр. 1678

لم يؤثر عن واحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا من أتباعهم بإحسان أن أفتى بجواز دفع قيمة الهدى وترك الذبح مهما كان، لما فهموا عن اللَّه ورسوله ﷺ أن إراقة دم الهدى مقصود شرعى لا تسد مسده النقود مهما كانت أو بلغت وإلى ذلك يشير الرب ﵎ حيث يقول: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقد بين رسول اللَّه ﷺ أن البدنة تكفى عن سبعة وأن البقرة تكفى عن سبعة كذلك فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: نحرنا مع رسول اللَّه ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. وفى لفظ لجابر رضى اللَّه عنه فى البخارى ومسلم قال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نشترك فى الإِبل والبقر كلٌ سبعة منا فى بدنة" وقد أوضحت الشريعة الإِسلامية أن الهدى إنما يجب على المتمتع أو القارن فإن اللَّه ﵎ يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ كما

стр. 1679

ثبت أن رسول اللَّه ﷺ نحر هديه وكان قارنا. كما أشار اللَّه ﵎ إلى زمان ومكان نحر الهدى حيث يقول: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وقد بيَّن رسولُ اللَّه ﷺ زمان ومكان نحر الهدى الذى أشارت إليه الآية الكريمة فيما رواه مسلم وأحمد وأبو داود من حديث جابر رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا فى رحالكم" كما رواه ابن ماجه أيضا وفيه: "وفجاج مكة طريق ومنحر" قال القرطبى ﵀ فى تفسير قوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ الآية: قال: ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بالإِجماع وكذلك الأضحية لا تجوز قبل الفجر ويستمر النحر إلى ثلاثة أيام من يوم النحر، وينبغى لصاحب الهدى أن يأكل منه وقد حض اللَّه ﵎ على ذلك فى غير موضع من كتابه الكريم فهو يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ويقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ والبائس الفقير هو المضطر المحتاج. والقانع هو الفقير أى السائل والمعتر هو الزائر أى المتعرض لآكل اللحم. وفى ذلك توسعة على المسلمين ومخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم الأكل من الهدايا ولذلك حرص رسول اللَّه ﷺ أن يأكل من هديه وهدى أزواجه رضى اللَّه عنهن وقد كان رسول اللَّه ﷺ قارنا وكانت أزواجه رضى اللَّه عنهن متمتعات. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ١٨/ ١٣٩٥/١١ هـ.

стр. 1680

الحلقة الثامنة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد ذكرت فى حديث سابق حرص رسول اللَّه ﷺ على الأكل من هديه وهدى أزواجه أمهات المؤمنين رضى اللَّه عنهن وكان رسول اللَّه ﷺ قارنا وكانت أزواجه رضى اللَّه عنهن متمتعات فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه ﷺ عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ لخمس بقين من ذى القعدة ولا نرى إلا الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول اللَّه ﷺ من لم يكن معه هدى إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل. قالت: فَدُخِل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول اللَّه ﷺ عن أزواجه". ووسعت الشريعة الإِسلامية على المسلمين فأذنت لهم فى الإدخار من لحوم الهدايا فوق ثلاثة أيام، وأجاز لهم رسول اللَّه ﷺ أن يتزودوا منها لأسفارهم فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: كنا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث فرخَّص لنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "كلوا وتزودوا" فأكلنا وتزودنا. وكما أذن اللَّه ﵎ فى الأكل من الهدايا فقد أذن كذلك فى الانتفاع بها قبل نحرها وفى ذلك يقول الرب ﵎: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ

стр. 1681

إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أى إلى وقت نحرها. وقد بين رسول اللَّه ﷺ بعض هذه المنافع وأن منها الإِذن لصاحبها بركوبها فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحهما من حديث خادم رسول اللَّه ﷺ أنس بن مالك رضى اللَّه تعالى عنه قال: رأى رسول اللَّه ﷺ رجلا يسوق بَدَنَةً، فقال: "اركبها" فقال: إنها بدنَة، قال: "اركبها" قال: إنها بدنة، قال: "اركبها" ثلاثا وفى رواية لأحمد والنسائى من حديث أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة قد أجهده المشى فقال: "اركبها" قال: إنها بدنة، قال: "اركبها وإن كانت بدنة" كما روى مسلم وأحمد والنسائى وأبو داود من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى رضى اللَّه عنهما أنه سئل عن ركوب الهدى فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا أُلْجِئتَ إليها حتى تجد ظهرا" وقد رغَّب اللَّه ﵎ فى تسمين البُدْن وسائر أنواع الهدايا حيث يقول فى كتابه الكريم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ على أن المراد بالشعائر هنا الهدايا، وإنما سميت شعائر لإشعارها بما يُعْرَفُ به أنها هدى كطعن حديدة بسنامها وتقليدها. وقد كان رسول اللَّه ﷺ إذا أهدى هديا قلَّده فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنهما قالت: أهدى النبى ﷺ مرة إلى البيت غنما فقلَّدها" كما روى

стр. 1682

مسلم فى صحيحه من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر بذى الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها فى صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها، وقلَّدها نعلين" كما روى البخارى ومسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه عنها قالت: فَتَلْتُ قلائد بُدْن النبى ﷺ بيدَيَّ ثم قلَّدها وأشعرها" وحرَّم الإسلام على من اشترى هديا أن يُبَدِّله مهما أعطى فيه من ثمن فقد روى البخارى فى تاريخه وأحمد وأبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: أهدى عمر نَجِيبًا فأعطِى بها ثلاثمائة دينار فأتى النبى ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إنى أهديت نجيبا فأُعطيتُ بها ثلثمائة دينار أفأبيعها وأشترى بثمنها بُدْنا؟ قال: لا انحرها إياها. وقد يسَّر اللَّه ﵎ على المتمتع والقارن إذا لم يتيسر له الهدى أن يصوم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ولم تتجاوز الشريعة الإِسلامية ذلك إلى القيمة مما يدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز لأحد أن يدفع قيمة الهدى لسبب من الأسباب مهما كان ولذلك لم يؤثر عن واحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا التابعين لهم بإحسان أن أفتى بجواز ترك ذبح الهدى لمن عليه هدى ودفع قيمته بل يجب عليه نحر الهدى فإن لم يتيسر انتقل إلى صيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهو مخير فى صيام الثلاثة الأيام إن شاء صامها قبل يوم النحر وإن شاء صامها فى أيام التشريق ولم يُرَخِّص الإسلام فى صيام أيام التشريق إلا

стр. 1683

لمن لم يجد الهدى. فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث عائشة رضى اللَّه عنها وابن عمر رضى اللَّه عنهما قالا: "لم يُرَخَّص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى" ويجوز صيام هذه الأيام الثلاثة متتابعة ومتفرقة وكذلك يجوز صيام الأيام السبعة متتابعة ومتفرقة وهو مخير فى صيام هذه الأيام السبعة كذلك إن شاء صامها بمكة بعد فراغه من أعمال الحج وإن شاء صامها بعد رجوعه إلى أهله. وصيامها بعد رجوعه إلى أهله أفضل لقوله ﵎: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ولأنه أرفق به وأيسر له. وعلى الحاج أن يبيت بمنى ليلة الحادى عشر وليلة الثانى عشر إن كان متعجلا وله أن يبيت ليلة الثالث عشر كذلك إن لمن يكن متعجلا لقول اللَّه ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ولم يرخص رسول اللَّه ﷺ فى ترك المبيت بمنى إلا للسقاة والرعاة وقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: "استأذن العباس بنُ عبد المطلب رسولَ اللَّه ﷺ أن يبيت بمكةَ ليالى منى من أجل سقايته فأذن له. كما روى مالك والترمذى والنسائى، قال الترمذى حديث صحيح من طريق أبى البدَّاح بن عاصم بن عدى عن أبيه رضى اللَّه عنه قال: رخص رسول اللَّه ﷺ لرعاء الإِبل فى البيتوتة. وقد خص اللَّه ﵎ أيام

стр. 1684

التشريق وهى الأيام الثلاثة التى تلى يوم النحر بالأمر بذكره حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "الأيام المعدودات هى أيام التشريق" وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ٢٠/ ١١/ ١٣٩٥ هـ الحلقة التاسعة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون. السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد أشرت فى حديث سابق إلى أن اللَّه ﵎ خص أيام التشريق وهى الأيام الثلاثة التى تلى يوم النحر بذكره وشكره وإن كان سوقُ الحج كلُّه إنما قام لذكر اللَّه تعالى وشكره كذلك وفى ذلك يقول اللَّه ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: الأيام المعدودات هى أيام التشريق. وسميت أيام التشريق لأن العرب كانوا يشرقون فيها لحوم الهدايا والأضاحى أى يُقَدِّدونها أو لأن الهدى لا ينحر حتى تشرق الشمس وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث نُبيْشَةَ الهذلى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر اللَّه" وقد أشار اللَّه ﵎ إلى أن أيام التشريق أيام

стр. 1685

ذكر للَّه ﵎ فى مواضع من كتابه الكريم كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وكقوله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ وكما قال اللَّه : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وكما قال اللَّه : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وذِكرُ اللَّه ﵎ فى هذه الأيام يتمثل فى رمى الجمار الثلاث التى جعلتها الشريعة الإِسلامية من مناسك الحج وواجباته فإنها أوجبت على الحاج أن يبيت بمنى ليلتين بعد العيد إن تعجل وثلاث ليال إن تأخر وأوجبت عليه أن يرمى الجمار الثلاث بعد الزوال كل يوم من اليومين الأولين من أيام التشريق إن تعجل وفى الثالث كذلك إن تأخر وإنما كان رمى الجمار ذكرًا للَّه لأن هدى رسول اللَّه ﷺ فى رمى الجمار أنه كان يذكر اللَّه عند كل حصاة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى
следующие страницы →