← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أى إلى وقت نحرها. وقد بين رسول اللَّه ﷺ بعض هذه المنافع وأن منها الإِذن لصاحبها بركوبها فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحهما من حديث خادم رسول اللَّه ﷺ أنس بن مالك رضى اللَّه تعالى عنه قال: رأى رسول اللَّه ﷺ رجلا يسوق بَدَنَةً، فقال: "اركبها" فقال: إنها بدنَة، قال: "اركبها" قال: إنها بدنة، قال: "اركبها" ثلاثا وفى رواية لأحمد والنسائى من حديث أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة قد أجهده المشى فقال: "اركبها" قال: إنها بدنة، قال: "اركبها وإن كانت بدنة" كما روى مسلم وأحمد والنسائى وأبو داود من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى رضى اللَّه عنهما أنه سئل عن ركوب الهدى فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا أُلْجِئتَ إليها حتى تجد ظهرا" وقد رغَّب اللَّه ﵎ فى تسمين البُدْن وسائر أنواع الهدايا حيث يقول فى كتابه الكريم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ على أن المراد بالشعائر هنا الهدايا، وإنما سميت شعائر لإشعارها بما يُعْرَفُ به أنها هدى كطعن حديدة بسنامها وتقليدها. وقد كان رسول اللَّه ﷺ إذا أهدى هديا قلَّده فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنهما قالت: أهدى النبى ﷺ مرة إلى البيت غنما فقلَّدها" كما روى

стр. 1682

مسلم فى صحيحه من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر بذى الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها فى صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها، وقلَّدها نعلين" كما روى البخارى ومسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه عنها قالت: فَتَلْتُ قلائد بُدْن النبى ﷺ بيدَيَّ ثم قلَّدها وأشعرها" وحرَّم الإسلام على من اشترى هديا أن يُبَدِّله مهما أعطى فيه من ثمن فقد روى البخارى فى تاريخه وأحمد وأبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: أهدى عمر نَجِيبًا فأعطِى بها ثلاثمائة دينار فأتى النبى ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إنى أهديت نجيبا فأُعطيتُ بها ثلثمائة دينار أفأبيعها وأشترى بثمنها بُدْنا؟ قال: لا انحرها إياها. وقد يسَّر اللَّه ﵎ على المتمتع والقارن إذا لم يتيسر له الهدى أن يصوم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ولم تتجاوز الشريعة الإِسلامية ذلك إلى القيمة مما يدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز لأحد أن يدفع قيمة الهدى لسبب من الأسباب مهما كان ولذلك لم يؤثر عن واحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا التابعين لهم بإحسان أن أفتى بجواز ترك ذبح الهدى لمن عليه هدى ودفع قيمته بل يجب عليه نحر الهدى فإن لم يتيسر انتقل إلى صيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهو مخير فى صيام الثلاثة الأيام إن شاء صامها قبل يوم النحر وإن شاء صامها فى أيام التشريق ولم يُرَخِّص الإسلام فى صيام أيام التشريق إلا

стр. 1683

لمن لم يجد الهدى. فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث عائشة رضى اللَّه عنها وابن عمر رضى اللَّه عنهما قالا: "لم يُرَخَّص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى" ويجوز صيام هذه الأيام الثلاثة متتابعة ومتفرقة وكذلك يجوز صيام الأيام السبعة متتابعة ومتفرقة وهو مخير فى صيام هذه الأيام السبعة كذلك إن شاء صامها بمكة بعد فراغه من أعمال الحج وإن شاء صامها بعد رجوعه إلى أهله. وصيامها بعد رجوعه إلى أهله أفضل لقوله ﵎: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ولأنه أرفق به وأيسر له. وعلى الحاج أن يبيت بمنى ليلة الحادى عشر وليلة الثانى عشر إن كان متعجلا وله أن يبيت ليلة الثالث عشر كذلك إن لمن يكن متعجلا لقول اللَّه ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ولم يرخص رسول اللَّه ﷺ فى ترك المبيت بمنى إلا للسقاة والرعاة وقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: "استأذن العباس بنُ عبد المطلب رسولَ اللَّه ﷺ أن يبيت بمكةَ ليالى منى من أجل سقايته فأذن له. كما روى مالك والترمذى والنسائى، قال الترمذى حديث صحيح من طريق أبى البدَّاح بن عاصم بن عدى عن أبيه رضى اللَّه عنه قال: رخص رسول اللَّه ﷺ لرعاء الإِبل فى البيتوتة. وقد خص اللَّه ﵎ أيام

стр. 1684

التشريق وهى الأيام الثلاثة التى تلى يوم النحر بالأمر بذكره حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "الأيام المعدودات هى أيام التشريق" وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ٢٠/ ١١/ ١٣٩٥ هـ الحلقة التاسعة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون. السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد أشرت فى حديث سابق إلى أن اللَّه ﵎ خص أيام التشريق وهى الأيام الثلاثة التى تلى يوم النحر بذكره وشكره وإن كان سوقُ الحج كلُّه إنما قام لذكر اللَّه تعالى وشكره كذلك وفى ذلك يقول اللَّه ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: الأيام المعدودات هى أيام التشريق. وسميت أيام التشريق لأن العرب كانوا يشرقون فيها لحوم الهدايا والأضاحى أى يُقَدِّدونها أو لأن الهدى لا ينحر حتى تشرق الشمس وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث نُبيْشَةَ الهذلى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر اللَّه" وقد أشار اللَّه ﵎ إلى أن أيام التشريق أيام

стр. 1685

ذكر للَّه ﵎ فى مواضع من كتابه الكريم كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وكقوله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ وكما قال اللَّه : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وكما قال اللَّه : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وذِكرُ اللَّه ﵎ فى هذه الأيام يتمثل فى رمى الجمار الثلاث التى جعلتها الشريعة الإِسلامية من مناسك الحج وواجباته فإنها أوجبت على الحاج أن يبيت بمنى ليلتين بعد العيد إن تعجل وثلاث ليال إن تأخر وأوجبت عليه أن يرمى الجمار الثلاث بعد الزوال كل يوم من اليومين الأولين من أيام التشريق إن تعجل وفى الثالث كذلك إن تأخر وإنما كان رمى الجمار ذكرًا للَّه لأن هدى رسول اللَّه ﷺ فى رمى الجمار أنه كان يذكر اللَّه عند كل حصاة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى

стр. 1686

فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع حصيات يُكبِّر مع كل حصاة ثم قال: هكذا رمى الذى أنزلت عليه سورة البقرة يعنى رسول اللَّه ﷺ كما أوضح رسول اللَّه ﷺ أن رمى الجمار إنما جعل لإِقامة ذكر اللَّه فقد روى الترمذى وقال: حديث حسن صحيح من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه ﷺ قال: إنما جعل رمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة لإقامة ذكر اللَّه. كما روى مالك فى الموطأ من طريق نافع أن ابن عمر رضى اللَّه عنهما كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفا طويلا يكبر اللَّه ويسبحه ويحمده ويدعو اللَّه ولا يقف عند جمرة العقبة كما روى البخارى من طريق سالم عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمى الوسطى بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة ثم يأخذ بذات الشمال فيُسْهِل ويقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمى جرة ذات العقبة من بطن الوادى بسبع حصيات يكبر عند كل حصاة ولا يقف عندها. وقد أوضح اللَّه ﵎ فى كتابه الكريم أن رمى الجمار الثلاث يكون فى ثلاثة أيام وهى التى تلى يوم النحر وأما من تعجل ورمى فى يومين فقط فلا حرج عليه، حيث يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ وصرح بذلك رسول اللَّه

стр. 1687

- ﷺ فقد روى أحمد فى مسنده وأصحاب السنن من حديث عبد الرحمن ابن يَعْمَرَ الدِّيلى رضى اللَّه عنه قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أيام منى ثلاثة فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه. كما روى أحمد من حديث عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهى أيام أكل وشرب وذكر اللَّه" وقد حدَّد رسول اللَّه ﷺ الوقت الذى ترمى فيه الجمار من أيام منى بعد يوم النحر وأنها لا ترمى إلا بعد زوال الشمس فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى رضى اللَّه عنهما قال: رمى رسول اللَّه ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس" كما روى البخارى من طريق وَبَرَةَ ﵀ قال سألت ابن عمر رضى اللَّه عنهما متى أرمى الجمار؟ قال: إذا رَمَى إمَاْمُك! فأعدت عليه المسألة فقال رضى اللَّه عنه: كنا نَتَحيَّن فإذا زالت الشمس رمينا". وقد أجاز رسول اللَّه ﷺ لمن كان معه طفل صغر مُحْرِمٌ بالحج أن يرمى عنه الجمار بعد أن يرمى عن نفسه فقد روى ابن ماجه من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى رضى اللَّه عنهما قال: حججنا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، وأما من عجز عن الرمى لمرض أو كبر سن أو أن تكون المرأة حبلى وتخاف على نفسها أى جنينها فإنه يجوز لكل واحد من

стр. 1688

هؤلاء أن يوكِّل من يرمى عنه الجمرات على أن يقوم الوكيل بالرمى عن نفسه ثم يرمى عن موكله. ولا حرج على الوكيل أن يرمى عن موكله بعد أن يرمى عن نفسه وهو فى نفس مكانه فيرمى عن نفسه الجمرة الأولى التى تلى مسجد الخيف بسبع حصيات ثم يرميها عن موكله بسبع حصيات كذلك وهو فى محله ولا حرج عليه فى ذلك ثم إذا رمى الجمرة الوسطى عن نفسه رمى عن موكله كذلك ثم إذا رمى جمرة العقبة عن نفسه رمى عن موكله كذلك. ويجوز للوكيل أن يرمى عن أكثر من شخص ما دام الذى وكَّله عاجزا عن الرمى بنفسه. ولا يشرع رمى الجمار بحصى كبار أو رميها بنعل ونحوه لأن ذلك لم يرد عن رسول اللَّه ﷺ ولا عن أحد من أصحابه رضى اللَّه عنهم أجمعين ولأنه قد يسقط على أحد الحجاج فيؤذيه كما أنه لم يرد عن رسول اللَّه ﷺ ولا فى أحد من أصحابه -رضى اللَّه عنهم- أنهم كانوا يلعنون الجمرة عند رميها. وقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ كان يرميها بمثل حمى الخَذْف وهى حصى صغار أكبر من الحمصة قليلا. فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال رأيت رسول اللَّه ﷺ رمى الجمرة بمثل حصى الخذف. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ٢٠/ ١١/ ١٣٩٥ هـ

стр. 1689

الحلقة العاشرة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون. السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد بينت فى الحديث السابق أن المبيت بمنى ليالى التشريق من واجبات الحج، وأن من تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى. وأشير هنا إلى أنه ينبغى لمن أراد التعجل فى يومين أن يحرج من منى قبل غروب شمس اليوم الثانى من أيام التشريق فإذا غابت الشمس قبل ارتحاله من منى وجب عليه المبيت والرمى فى اليوم الثالث بعد الزوال أيضا، والتعجل فى يومين رخصة رخص فيها اللَّه ﵎. والبقاء إلى اليوم الثالث بمنى عزيمة وقد رخص رسول اللَّه ﷺ للناس فى التعجل وبقى هو ﷺ فى منى لم يتعجل حتى رمى الجمرات الثلاث فى اليوم الثالث من أيام التشريق بعد زوال الشمس كاليومين السابقين ثم ارتحل ﷺ من منى قبل أن يصلى الظهر. ومما ينبغى لفت الانتباه إليه أن المبيت الواجب فى منى يكفى فيه الوجودُ بمنى أكثر الليل سواء كان من أول الليل أى من آخره أى من وسطه ولا يلزم الحاجَّ أن يكون موجودا بمنى من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فله أن ينزل إلى مكة بالليل لقضاء حاجة من طواف أو غيره ما دامت راحته واستقراره بمنى أكثر الليل. وعلى الحاج أن يحافظ على الصلوات الخمس. وتصلى كل صلاة فى وقتها ويقصر الرباعية

стр. 1690

فيصلى الظهر ركعتين فى وقت الظهر والعصر ركعتين فى وقت العصر والمغرب ثلاث ركعات فى وقت المغرب والعشاء ركعتين فى وقت العشاء فالصلاة الرباعية تصلى قصرا بلا جمع فى أيام منى ويحرص الحاج على تكبير التشريق بعد الصلوات المكتوبات. واليوم الأول من أيام التشريق يسمى يوم القرِّ واليوم الثانى من أيام التشريق يسمى يوم الرءوس وقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أن اليوم الأول من أيام التشريق هو أعظم الأيام عند اللَّه بعد يوم النحر. فقد روى أبو داود من حديث عبد اللَّه بن قرط رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أعظم الأيام عند اللَّه يومُ النحر ثم يوم القرِّ" ويوم القر هو ثانى أيام العيد وأول أيام التشريق. كما روى أبو داود بسند وصف رواته بأنهم ثقات من حديث سرَّاء بنت نبهان رضى اللَّه عنها قالت: خطبنا رسولُ اللَّه ﷺ يوم الرءوس فقال: "أى يوم هذا؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "أليس أوسط أيام التشريق؟ " وقد كانت خطبة رسول اللَّه ﷺ فى أوسط أيام التشريق للقضاء على التمييز العنصرى وأنه لا فضل لأحد على أحد بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الأرض أو المركز الاجتماعى وإنما يكون الفضل بتقوى اللَّه باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ونفع عباده وتقديم الخير لبنى الإِنسان ودفع الأذى عن عباد اللَّه، على حد قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ

стр. 1691

لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فقد روى أحمد ﵀ بسند رجاله رجال الصحيح من طريق أبى نضرة ﵀ قال: حدثنى مَن سمع رسول اللَّه ﷺ يخطب فى أوسط أيام التشريق فقال: "أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبَلَّغتُ؟ " قالوا: بلَّغ رسولُ اللَّه ﷺ . وقد كان رسول اللَّه ﷺ قد خطب يوم النحر لتأكيد تقرير حماية أعراض الناس ودمائهم وأموالهم وسائر حقوقهم فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى بكرة رضى اللَّه عنه قال: "خطبنا النبى ﷺ يوم النحر فقال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، السَّنَةُ اثنا عشر شهرا، منها أربعة حُرُمٌ ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم ورجبُ مضرَ الذى بين جمادى وشعبان. وقال: "أى شهر هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: "أليس ذا الحجة؟ " قلنا بلى. قال: "أى بلد هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: "أليس البلدة؟ " قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس يومَ النحر؟ " قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم

стр. 1692

عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، فى بلدكم هذا، فى شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدى ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا هل بلَّغت؟ قالوا نعم، قال: "اللهم اشهد، فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع" وقرر كذلك ﷺ تحديد المسئولية وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى فقد روى ابن ماجه والترمذى وصححه من حديث عمرو بن الأحوص رضى اللَّه عنه قال سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول فى حجة الوداع: "أو يوم هذا؟ " قالوا يومُ الحج الأكبر، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا ألا لا يجنى جان إلا على نفسه ولا يجنى والد على ولده ولا مولود على والده ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد فى بلدكم هذا أبدا ولكن سيكون له طاعة فى بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى بها. ألا وكل دم من دماء الجاهلية موضوع. ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع. لكم رءوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تظلَمون. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ٢١/ ١١/ ١٣٥٩ هـ الحلقة الحادية عشرة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون.

стр. 1693

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فإنه ينبغى للحجاج وهم فى منى ومكة أن يعرفوا أنهم فى أرض الحرم التى لا يُنَفَّرُ فيها صيد ولا يقطع منها شجر. ولقد جعل اللَّه ﵎ بيته المحرم منطقة سلام تدريبا لعباده عليه، ولفتا لانتباههم إليه، وعملا على توسيع دائرة السلام فقد حرَّم على المحرمين أن يتعرضوا للطير وهى تطير فى جو السماء أو تمشى على الأرض من سائر الصيد وفى ذلك يقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ ولم يستثن الإسلام شيئا يباح أذاه فى الحرم أو للمحرم غير الفواسق المعروفة بالضرر والأذى وهى العقرب والحية والكلب العقور وسائر أمثاله من السباع العادية وكذلك الغراب والحدأة والفأرة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما واللفظ لمسلم من حديث الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا" وفى رواية للبخارى ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: خمس من الدواب ليس على المحرم فى قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" وقد أشار اللَّه ﵎ إلى أن الصيد كان يقترب من أصحاب رسول اللَّه

стр. 1694

- ﷺ وهم محرمون فلا يتعرضون له امتثالا لأمر اللَّه وتعظيما لحرماته وفى ذلك يقول الرب ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقد أباح الإسلام للمحرم أن يأخذ صيد البحر وأن يأكل من صيد البر ما لم يصده هو أو يُصَد من أجله، فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى قتادة رضى اللَّه عنه أنه خرج مع رسول اللَّه ﷺ فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون -وهو غير محرم- فرأوا حمارا وحشيا قبل أن يراه. فلما رأوه تركوه، حتى رآه أبو قتادة رضى اللَّه عنه، فركب فرسا له، فسألهم أن ينالوه سوطه فأَبَوا، فتناوله فحمل عليه، فعقره، ثم أكل فأكلوا فقدموا فلما أدركوا رسولَ اللَّه ﷺ سألوه: قال "هل معكم منه شئ؟ " قالوا: معنا رِجْلُهُ. فأخذها النبى ﷺ فأكلها وفى رواية للبخارى ومسلم: فلما أتوا رسول اللَّه ﷺ قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها؟ أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقى من لحمها" وقد قضى أصحاب رسول اللَّه ﷺ على المحرم إذا قتل صيدا، وكان لهذا الصيد نظير من بهيمة الأنعام: الإِبل والبقر والغنم، أن يُلْزمَ بتقريب قربان مثلِه وقد حكموا فى النعامة ببدنة أو ناقة وفى بقرة الوحش ببقرة وفى الغزال بعنز، وفى الضبع بكبش. فقد روى أبو داود وابن ماجه والدارمى من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه

стр. 1695

عنهما قال سألت رسول اللَّه ﷺ عن الضبع قال: "هو صيد" ويجعل فيه كبشا إذا أصابه المحرم. أما إذا كان الصيد لا مثيل له من بهيمة الأنعام فعلى من أصابه أن يتصدق بقيمته وسواء فى ذلك من قتل الصيد وهو محرم عمدا أو ناسيا لإِحرامه، وفسروا قوله: "فمن قتله منكم متعمدا" أو قاصدا قتله يعنى ولو كان ناسيا لإِحرامه وفى ذلك يقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ، وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقد أُثِر عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما فى قوله : ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال رضى اللَّه عنه: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حُكِمَ عليه فيه. فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاةٌ تُذْبَحُ بمكة. فإن لم يجدها فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجدها فصيام ثلاثة أيام. فإن قتل أَيِّلا أو نحوه فعليه بقرة فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكينا فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإِبل فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا فإن لم يجد صام ثلاثين يوما. وقضى عمر رضى اللَّه عنه فيمن قتل جرادة أن

стр. 1696

يطعم تمرة وروى عنه: قبضة من طعام" وقد قضى اللَّه ﵎: أن يَحْكُم فى ذلك اثنان ذوا عدل من المسلمين حيث يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ولذلك أُثِر أن أعرابيا أتى أبا بكر رضى اللَّه عنه وهو خليفة فقال: قتلتُ صيدا وأنا محرم فما ترى علىَّ من الجزاء؟ فقال أبو بكر رضى اللَّه عنه: لأبَىِّ بن كعب رضى اللَّه عنه وهو جالس عنده: ما ترى فيها؟ فقال الأعرابى: أتيتك وأنت خليفة رسول اللَّه ﷺ أسألك فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر رضى اللَّه عنه ما تنكر. يقول اللَّه : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورتُ صاحبى حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به" كما أثر عن قبيصة بن جابر رضى اللَّه عنه، قال: خرجنا حُجَّاجا فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا فنتماشى نتحدث، قال: فبينا نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبى أو برح فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ حشاه. فركب وَوَدَعَه ميِّتًا فعظَّمنا عليه. فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه فقص عليه القصة وإذا إلى جنبه رجل كأن وجهه قَلْبُ فضة يعنى عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه فالتفت عمر رضى اللَّه عنه إلى صاحبه فكلَّمه. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ٢١/ ١١/ ١٣٩٥ هـ

стр. 1697

الحلقة الثانية عشرة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون. السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد ذكرت فى الحديث السابق أن اللَّه ﵎ قضى على من قتل وهو محرم صيدا أن يحكم فى ذلك اثنان ذوا عدل من المسلمين وأشرت إلى أن الصديق رضى اللَّه عنه لما سأله الأعرابى الذى قتل الصيد وهو محرم استشار أُبَىَّ بنَ كعب رضى اللَّه عنه. وأن عمر رضى اللَّه عنه لما سأله الرجل الذى قتل الظبى وهو محرم استشار عمر رضى اللَّه عنه عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه وقد ذكر قبيصة بن جابر رضى اللَّه عنه وقد جاء مع الذى قتل الظبى قال: فالتفت عمر إلى صاحبه يعنى عبد الرحمن بن عوف فكلمه ثم أقبل عمر رضى اللَّه عنه على الرجل فقال: أعمدا قتلته أم خطأ؟ فقال: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله! فقال عمر رضى اللَّه عنه ما أراك إلا قد أشركْتَ بين العمد والخطأ. اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها واستبق إهابها. قال قبيصة رضى اللَّه عنه: فقمنا من عنده فقلت لصاحبى: أيها الرجل عظِّم شعائر اللَّه فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه. اعمد إلى ناقتك فانحرها، فلعل ذلك أن يجزئ عنك. قال قبيصة رضى اللَّه عنه ولا أذكر الآية من سورة المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فبَلَغَ عمرَ رضى اللَّه عنه مقالتى فلم يَفْجَأْنا منه إلا ومعه الدِّرة

стр. 1698

فعلا صاحبى ضربا بالدّرة: أقتلتَ فى الحرم وسفهت الحكم" ثم أقبل علىَّ، فقلتُ يا أمير المؤمنين: لا أُحِلَّ لك اليوم شيئا يحرم عليك منى: فقال: يا قبيصة ابن جابر: إنى أراك شاب السن، فسيح الصدر، بَيِّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخُلقُ سئ فَيُفسِدُ الخُلُقُ السئُ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب" وكما لا يجوز للمحرمين أو المحلين أن ينفروا صيد الحرم فإنه لا يحل لهم أيضا أن يقطعوا شجر الحرم فليحترس الحاج وهو فى مزدلفة أو منى أو مكة أن يقطع الشجر فإن هذه كلَّها من أرض الحرم التى نهى رسول اللَّه ﷺ أن يقطع شجرها فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم الفتح فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، ولم يحل لى إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا يُنَفَّر صيدُه ولا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها" (أى لا يقطع حشيشها) فقال العباس يا رسول اللَّه إلا الإِذخر فإنه لقيْنِهم ولبيوتهم فقال رسول اللَّه ﷺ : "إلا الإِذخر" وهو الحشيش الأخضر وفى رواية لأبى هريرة رضى اللَّه عنه: "لا يُعضَدُ شجرها ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد" وفى رواية

стр. 1699

البخارى ومسلم من حديث أبى شريح العدوى رضى اللَّه عنه قال: قام رسول اللَّه ﷺ الغد من يوم الفتح فقال قولا: سمعته أذناى ووعاه قلبى وأبصرته عيناى حين تكلم به: حَمِدَ اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرَّمها اللَّه ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يَعْضُدَ بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول اللَّه ﷺ فيها فقولوا له: إن اللَّه قد أذنَ لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم، وإنما أذِنَ لى فيها ساعةً من نهار، وقد عادت حرمَتُها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب" والمنهى عن قطعه من شجر الحرم أو حشيشه هو ما لم يستنبته الناس، وأما ما غَرس الناس أو زرعوه فهو لهم وكذلك يجوز أخذ ما يبس من نبات الحرم، ولو قُلع شجر الحرم بغير فعل آدمى جاز الانتفاع به، وهذه الأوامر النبوية لتقرير وتأكيد أن الحرم منطقة أمان وأرض سلام للإِنسان والحيوان والطير وحتى الأشجار والنبات. وقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أن أرض الحرم لم تكتسب هذه المزية، ولا نُزلت هذه المنزلة بفعل إنسان ولم يكن تحريمها فى عصر دون عصر بل هى حرام بحرمة اللَّه تعالى يوم خلق السموات والأرض ولذلك أشار اللَّه ﵎ إلى امتنانه على قريش بتأمينهم فى هذا الحرم الآمن حتى فى عصر الجاهلية قبل الإسلام دين السلام وفى ذلك يقول الرب تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ

стр. 1700

وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ وكما قال : ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقد كان الرجل فى الجاهلية يلقى قاتل أبيه أو أخيه فى الحرم فلا يتعرض له بأذى حتى يخرج منه، وفى ذلك كله تدريب للإنسانية على السلام العملى، مما لا نظير له فى غير دين الإسلام الذى جعل السلام شعار أهله وتحية اللقاء بينهم وجعله ختام الصلاة عند الانتهاء من آدائها، وأشعر أهل السعادة دعاة السلام أن اللَّه ﵎ يسلم عليهم يوم القيامة حيث يقول الرب ﵎: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ كما جعل من تكريم أهل الإسلام دعاة السلام أن الملائكة يدخلون عليهم فى الجنة من كل باب يسلمون عليهم حيث يقول: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ وكما قال اللَّه : ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ٢٢/ ١١/ ١٣٩٥ هـ

стр. 1701

الحلقة الثالثة عشرة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون. السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد بشر رسول اللَّه ﷺ الحجاج الذين ابتعدوا عن المعاصى والآثام بأنهم ليس لهم جزاء إلا الجنة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ووصف رسولُ اللَّه ﷺ مَن حج فلم يرفث ولم يفسق بأنه يرجع نقى الصحيفة مغفور الذنب فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من حج للَّه فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وبيَّن رسول اللَّه ﷺ أن الحج المبرور وهو الخالى من المعاصى والآثام والمخالفات هو أفضل الأعمال بعد الإِيمان باللَّه ورسوله والجهاد فى سبيله فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: سئل رسول اللَّه ﷺ : أى العمل أفضل؟ قال: "إيمان باللَّه ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد فى سبيل اللَّه" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". وبين رسول اللَّه ﷺ أن حج المرأة إذا برته هو أفضل الجهاد

стр. 1702

بالنسبة لها فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه ﷺ عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها قالت: قلت: يا رسول اللَّه نرى الجهاد أفضل العمل أَفَلَا نجاهد؟ قال: "لكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور" وقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أن البشاشة وإفشاء السلام والبذل والمسامحة من أهم أسباب بر الحج فقد روى أحمد ﵀ والطبرانى فى الأوسط بإسناد حسن من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" قيل: وما بره؟ قال: "إطعام الطعام وطيب الكلام" كما بين رسول اللَّه ﷺ ماذا عند اللَّه ﵎ من الجزاء الحسن للحجاج الذين يبرون حجهم فقد روى الطبرانى والبزار وابنُ حبان بسند صحيح من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! كلماتٌ أسأل عنهن! فقال ﷺ : "اجلس" وجاء رجل من ثقيف فقال: يا رسول اللَّه! كلمات أسأل عنهن فقال ﷺ : "سبقك الأنصارى" فقال الأنصارى رضى اللَّه عنه: إنه رجل غريب وإن للغريب حقا فابدأ به: فأقبل رسول اللَّه ﷺ على الثقفى فقال: "إن شئتَ أنبأتُك عما كنت تسألنى عنه، وإن شئتَ تسألنى وأخبِرُك" فقال: يا رسول اللَّه! أجبنى عما كنتُ أسألك: قال ﷺ : "جئت تسألنى عن

стр. 1703

الركوع والسجود والصلاة والصوم" فقال: والذى بعثك بالحق ما أخطأتَ مما كان فى نفسى شيئا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك ثم فرِّج أصابعك، ثم اسكن حتى يأخذ كل عضو مأخذه، وإذا سجدتَّ فمَكِّن جبهتك ولا تَنْقُر نقرا، وصل أولَ النهار وآخره" فقال: يا نبى اللَّه فإن أنا صليت بينهما؟ قال: "فأنت إذًا مُصَلٍّ، وصم من كل شهر ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" فقام الثقفى. ثم أقبل رسول اللَّه ﷺ على الأنصارى فقال: "إن شئت أخبرتُك عما جئت تسألُنى، وإن شئت تسألنى وأخبرُك" فقال: لا يا نبى اللَّه أخبرنى بما جئتُ أسألك! قال ﷺ : "جئتَ تسألنى عن الحاج مالَه حين يخرج من بيته ومالَه حين يقوم بعرفات وماله حين يرمى الجمار، وماله حين يحلق رأسه، وماله حين يقضى آخر طواف بالبيت" فقال: يا نبى اللَّه والذى بعثك بالحق ما أخطأتَ مما كان فى نفسى شيئا، قال رسول اللَّه ﷺ : "فإن له حين يخرج من بيته أن راحلته لا تخطو خَطْوَة إلا كتب اللَّه له بها حسنة أو حط عنه بها خطيئة فإذا وقف بعرفات فإن اللَّه ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: "انظروا إلى عبادى شُعثًا غُبْرًا اشهدوا أنى قد غفرتُ لهم ذنوبهم وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالِج، وإذا رمى الجمار لا يدرى أحد مالَه حتى يتوفاه اللَّه يوم القيامة. وإذا قضى آخر طواف بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"

стр. 1704

كما أكد رسول اللَّه ﷺ أن الحج يهدم ما كان قبله من الخطايا والسيئات فقد روى مسلم فى صحيحه من طريق ابن شماسة المَهْرِى قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو فى سياقة الموت يبكى طويلا، وحوَّل وجهه إلى الجدار فجعل ابنُه يقول: يا أبتاه! أما بشَّرك رسول اللَّه ﷺ بكذا؟ أما بشَّركَ رسول اللَّه ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نُعِدُّ شهادة ألا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، إنى قد كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتُنى وما أحدٌ أشدَّ بُغضًا لرسول اللَّه ﷺ ولا أحبَّ إلىَّ أن أكون قد استمكنتُ منه فقتلته، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنتُ من أهل النار، فلما جعل اللَّهُ الإسلام فى قلبى أتيت النبى ﷺ فقلتُ: ابْسُطْ يمينك فلأبايعك، فبسط رسول اللَّه ﷺ يمينه قال: فقبضت يدي قال: "مالَك يا عمرو؟ " قال: قلت: أردتُ أن أشترط! قال: "تشترط بماذا؟ قلتُ: أن يغفر لى، فقال رسول اللَّه ﷺ : أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله" كما أخبر رسول اللَّه ﷺ أن الحج والعمرة ينفيان الذنوب والفقر كما ينفى الكير خبث الحديد وأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة فقد روى النسائى والترمذى بسند صحيح من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنها ينفيان الفقر والذنوب

стр. 1705

كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة. وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه تعالى، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ٢٣/ ١١/ ١٣٩٥ هـ الحلقة الرابعة عشرة بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون. السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد: فقد روى الإِمام أحمد ﵀ بإسناد صحيح من حديث عمرو بن عَبْسَةَ رضى اللَّه عنه قال: قال رجل يا رسولَ اللَّه ما الإسلام؟ قال: أن يُسلِم للَّه قلبُك وأن يَسلَمَ المسلمون من لسانك ويدك" قال: فأى الإسلام أفضل؟ قال: "الإِيمان" قال: وما الإِيمان؟ قال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت" قال: فأى الإِيمان أفضل؟ قال: "الهجرة" قال: وما الهجرة؟ قال: "أن تَهجُرَ السوء" قال: فأى الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد" قال: وما الجهاد؟ قال: "أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم" قال: فأى الجهاد أفضل؟ قال: "من عُقِرَ جواده وأهريق دمه" قال رسول اللَّه ﷺ : "ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما: حجة مبرورة أو عمرة مبرورة" وقد أشرت فى حديث سابق إلى

стр. 1706

أن الحجة المبرورة أو العمرة المبرورة هى المنزهة عن المعاصى وهى كذلك التامة الكاملة إجابة لقول الرب ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ كما أشار اللَّه ﵎ إلى أسباب تمام الحج وكماله وأنه هو الخالى من الآثام المُبْتَعِدُ فيه الحاج عن كل معصية، لا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل ولا يمارى ولا ينازع، ولا يخاصم، وفى ذلك يقول اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وعلى الحاج أن يغتنم هذا التجمع العظيم لاكتساب المعارف والمحامد ومعاونة المحتاجين والمساكين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإرشاد الضال، والمحافظة على شعائر الدين والإكثار من ذكر اللَّه ، فهذا كله من التزود بتقوى اللَّه التى هى خير زاد، ومن أهم ذلك الاستغفار الذى أرشد اللَّه ﵎ الحجاج إليه فى قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولقد كان من هدى حبيب اللَّه ورسوله وسيد خلقه وإمام رسله محمد ﷺ أن يستغفر اللَّه ﵎ عقب كثير من أفعال الخير وأعمال البر فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان إذا انتهى من صلاته استغفر اللَّه ثلاثا وفى هذا لفت انتباه الفاعلين للخير ألا يغتروا بما بذلوا من الخير وألا يستكبروا بسبب طاعتهم فإن الطاعة التى تورث الاستكبار شر

стр. 1707

من المعصية التى تورث الذلة والانكسار والاستغفار ولذلك وصف الرب ﵎ أهل الخير السابقين إلى المبرات المسارعين إلى الصالحات أنهم يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون وفى ذلك يقول الرب ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ وقد كان إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل ﵉ وهما يقيمان للإِنسانية أفضل بيت يضرعان إلى اللَّه أن يتقبل منهما وفى ذلك يقول الرب ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ كما وصف عباد الرحمن بأنهم يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما مع أنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما ويقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما وفى ذلك كله يقول اللَّه ﵎: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ

стр. 1708

يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ وقد أشار الرب ﵎ فى مواضع من كتابه إلى أن الاستغفار والإِنابة إلى اللَّه تورث رغد العيش فى الدنيا ورضوان اللَّه ﵎ فى الآخرة حيث يقول: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. المدينة المنورة فى ٢٤/ ١١/ ١٣٩٥ هـ هذا وقد تم بحمد اللَّه تعالى الجزء الرابع من فقه الإسلام ويليه الجزء الخامس وأوله: "كتاب البيوع" وما توفيقى إلا باللَّه وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المدينة المنورة فى الثامن من شوال سنة ١٤٠١ هـ.

стр. 1709

فقه الإسلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ تأليف عبد القادر شيبة الحمد عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوي الشريف [الجزء الخامس]

стр. 1710

كتاب البيوع باب شروطه وما نُهِىَ عنه منه

стр. 1711

١ - عن رفاعة بن رافع رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ سئل أى الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" رواه البزار وصححه الحاكم. [المفردات] " البيوع" جمع بيع، وإنما جمع لاختلاف أنواعه، والبيع نقل الملك إلى الغير بثمنه، والشراء قبوله، وشرى الشئ أى باعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أى باعوه، وكذلث قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أى باعوا به أنفسهم، ومنه قول الشاعر: وشريت بُرْدًا ليتنى ... من بعد برد كنت هامه أى بعت بردا، ويقال لمن يدفع السلعة ويأخذ الثمن البائع، ولمن يقبض السلعة ويدفع الثمن المشترى والمبتاع. "شروطه" أى شروط البيع، والشرط بفتح الشين وسكون الراء هو فى اللغة إلزام الشئ أو التزامه، وفى اصطلاح الفقهاء ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته كالطهارة للصلاة. "وما نُهِىَ عنه منه" أى وما نهت الشريعة عنه من البيع. "رفاعة بن رافع" هو رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن

стр. 1712

عامر بن زريق الزُّرَقى الأنصارى وكان أبوه رافع بن مالك أحد النقباء الاثنى عشر، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، ولم يشهد بدرا، وشهدها ابناه رفاعة وخلاد ابنا رافع كما شهد رفاعة أيضا أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ ، وتوفى فى أول خلافة معاوية رضى اللَّه عنهما، هذا وأما رفاعة بن رافع بن خديج فهو من الطبقة الثانية من التابعين من الأنصار، وقد توفى بالمدينة فى خلافة الوليد بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز. "الكسب" أى ما يكتسبه الإِنسان ويضمه لنفسه من المال بالزراعة أو التجارة أو الصناعة أو أية حرفة أخرى. "أطيب" أى أفضل وأَحَلُّ وَأبْرَكُ وَأشْرَفُ. "عمل الرجل بيده" أى الإِنسان بنفسه وليس المراد خصوص الرجل بل المرأة كذلك، وذكر الرجل لأنه المسئول عن العمل غالبا، ولذلك كان الصحابة -رضى اللَّه عنهم- عمال أنفسهم كما رواه البخارى من حديث عائشة رضى اللَّه عنها. "وكل بيع مبرور" أى وكل تجارة سلمت من الغش واليمين الفاجرة. [البحث] ظاهر قول المصنف ﵀: عن رفاعة بن رافع رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ سئل الخ الحديث يشعر أن رفاعة هذا هو ابن رافع بن مالك الزرقى الصحابى الجليل رضى اللَّه عنه ويكون الحديث على هذا متصلا لا إرسال فيه، وقد فهم غير واحد من أهل العلم أن رفاعة هنا

стр. 1713

هو رفاعة بن رافع بن خديج وعليه يكون الحديث مرسلا. غير أن سند البزار يفيد أنه رفاعة بن رافع الزرقى رضى اللَّه عنه فقد قال البزار حدثنا محمد بن عبد الرحيم قال: حدثنا أبو المنذر إسماعيل بن عمرو ثنا المسعودى عن وائل بن داود عن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن النبى ﷺ سئل أى الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" قال البزار: لا نعلم أحدا أسنده عن المسعودى إلا إسماعيل، وقد رواه غيره فقال: عن عبيد بن رفاعة ولم يقل عن أبيه. اهـ. ولا شك أن رفاعة بن رافع الزرقى رضى اللَّه كان له من الولد، عبد الرحمن، وعبيد، ومعاذ، وعبيد اللَّه، والنعمان، ورملة، وبثينة، وأم سعد الكبرى، وأم سعد الصغرى، وكَلْثَم. أما رفاعة بن رافع بن خديج فأبناؤه هم عباية وامرؤ القيس وزُمَيْل، وينفع، وسهل، وعائشة، وميمونة، وعبدة، وأسماء وبكرة. والعجيب أن غير واحد من أهل العلم كما وصفت جعل هذا الحديث من رواية رافع بن خديج رضى اللَّه عنه فقد قال الهيثمى فى مجمع الزوائد: عن رافع بن خديج قال: قيل: يا رسول اللَّه أى الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور". رواه أحمد والبزار والطبرانى فى الكبير والأوسط. وفيه المسعودى وهو ثقة ولكنه اختلط، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، ثم قال: "وعن ابن عمر قال: سئل رسول اللَّه ﷺ أى الكسب أفضل؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير ورجاله ثقات. اهـ وقال الحافظ فى تلخيص الحبير حديث رافع بن خديج أن النبى ﷺ سئل عن أطيب الكسب فقال:

стр. 1714

"عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" الحاكم من حديث المسعودى عن وائل بن داود عن عباية بن رافع بن خديج عن أبيه قال: قيل: يا رسول اللَّه أى الكسب أطيب؟ فذكره. ورواه الطبرانى من هذا الوجه إلا أنه قال: عن جده وهو صواب فإنه عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج. وقول الحاكم عن أبيه فيه تجوز. وقد اختلف فيه على وائل بن داود فقال شريك: عنه عن جميع بن عمير عن خاله أبى بردة. وقال الثورى عنه عن سعيد بن عمير عن عمه رواهما الحاكم أيضا. وأخرج البزار الأول لكن قال عن عمه. قال: وقد ذكر ابن معين أن عم سعيد بن عمير: البراء بن عازب، قال: وإذا اختلف الثورى وشريك فالحكم للثورى. قلت: وقوله: جميع بن عمير وهم وإنما هو سعيد والمحفوظ رواية من رواه عن الثورى عن وائل عن سعيد مرسلا قاله البيهقى. وقاله قبله البخارى. وقال ابن أبى حاتم فى العلل: المرسل أشبه. وفيه على المسعودى اختلاف آخر، أخرجه البزار من طريق إسماعيل بن عمرو عنه عن وائل عن عبيد بن رفاعة عن أبيه. والظاهر أنه من تخليط المسعودى فإن إسماعيل أخذ عنه بعد الاختلاط. وفى الباب عن على وابن عمر ذكرهما ابن أبى حاتم فى العلل وأخرج الطبرانى فى الأوسط حديث ابن عمر فى ترجمة أحمد بن زهير ورجاله لا بأس بهم اهـ. هذا: ولا شك أن الإسلام قد حض على أن يكتسب الإِنسان ويعمل بيده ولا يعيش عالة على غيره فقد روى البخارى فى باب كسب الرجل وعمله بيده من حديث المقدام رضى اللَّه عنه عن رسول اللَّه ﷺ قال: ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من

стр. 1715

عمل يده. وإن نبى اللَّه داود ﵇ كان يأكل من عمل يده. كما روى البخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه، وفى لفظ للبخارى من حديث الزبير بن العوام رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لأن يأخذ أحدكم أحبله، وفى لفظ للبخارى فى باب الاستعفاف عن المسألة من كتاب الزكاة من حديث الزبير بن العوام رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتى بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف اللَّه بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.

стр. 1716

٢ - وعن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول اللَّه، أرأيت شحوم الميتة فإنها تُطْلَى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام" ثم قال رسول اللَّه ﷺ ذلك: "قاتل اللَّه اليهود، إن اللَّه لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" متفق عليه. [المفردات] " عام الفتح" أى فى رمضان سنة ثمان من الهجرة النبوية. "إن اللَّه ورسوله حرم" أى إن اللَّه تعالى حرم ونهى ومنع بيع هذه الأشياء، ورسوله ﷺ تابع لأمر ربه فى ذلك، وقال القرطبى: إنه ﷺ تأدب فلم يجمع

стр. 1717

بينه وبين اسم اللَّه تعالى فى ضمير الاثنين اهـ والصحيح جواز ذلك، قال الحافظ فى الفتح: والتحقيق جواز الإِفراد فى مثل هذا، ووجهه الإِشارة إلى أن أمر النبى ﷺ ناشئ عن أمر اللَّه، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ والمختار فى هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها. والتقدير عند سيبويه: واللَّه أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه وهو كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف وقيل: أحق أن يرضوه خبر عن الإِسمين لأن الرسول تابع لأمر اللَّه اهـ. "الخمر" هو اسم لما يغطى العقل من الأشربة وكل مسكر. "والميتة" بفتح الميم هو الحيوان الذى زالت عنه الحياة بغير ذكاة شرعية. "والخنزير" هو حيوان معروف وهو خبيث قذر شديد القذارة، خسيس شديد الخسة، شهوته فى تتبع العذرة والتهامها، لا يكاد يرفع رأسه من الأرض التماسا للعذرة، ولحمه لا ينفك من "الدودة الشريطية" الخبيثة، وهو مختلط الشحم واللحم لا يوجد له فى ذلك نظير من الحيوانات، وأكله يورث الدناءة والدياثة. "والأصنام" جمع صنم فال الجوهرى: هو الوثن، وقال غيره: الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورا، قال الحافظ فى الفتح: فبينهما عموم وخصوص وجهى فإن كان مصورا فهو وثن

стр. 1718

وصنم اهـ أقول: وأصل الصنم يعود فى أصل اللغة العربية إلى خبث الرائحة، كما أن الوثن يعود فى أصل اللغة العربية إلى ملازمة المكان والإِقامة فيه. "أرأيت شحوم الميتة الخ" أى هل يحل بيع شحوم الميتة لتستعمل فى طلاء السفن، ودهن الجلود والاستصباح بها؟ "شحوم الميتة" أى دهنها. "تطلى بها السفن" أى تدهن بها أخشاب المراكب والمنشآت البحرية. "ويستصبح بها الناس" أى يجعلونها وقودا للاستصباح والإِضاءة. "لا هو حرام" أى لا تبيعوها، بيعها حرام لا يحل ولا يجوز. "عند ذلك" أى عند ما سأله السائل وأجابه ﷺ بقوله: لا. هو حرام. "قاتل اللَّه اليهود" أى لعنهم وطردهم من رحمته. "اليهود" هم أعداء اللَّه قتلة الأنبياء إخوان القردة والخنازير المنتسبون إلى يهوذا أكبر إخوة يوسف ﵇ وقيل: بل سموا يهودًا من التهويد وهو التطريب لما يحدثونه بأصواتهم وخياشيمهم عند القراءة وقيل غير ذلك. "لما حرم عليهم شحومها" أى أكل شحومها، كما قال : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أو مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. "جملوه" بفتح الجيم والميم أى أذابوه، ومنه الجيل للشحم المذاب.

стр. 1719

[البحث] ليس قوله: سمع رسول اللَّه ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة" نصا على أن تحريم هذه الأشياء كان بمكة فى هذا التاريخ قال الحافظ فى الفتح: ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده ﷺ ليسمعه من لم يكن سمعه اهـ ويؤيد ذلك ما رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها قالت: لما أنزلت الآيات من سورة البقرة فى الربا خرج النبى ﷺ إلى المسجد فقرأهن على الناس ثم حرم تجارة الخمر" وفى لفظ للبخارى من حديث عائشة رضى اللَّه عنها: لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها خرج النبى ﷺ فقال: حرمت التجارة فى الخمر" وتحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام من المقررات المتواترة فى شريعة الإسلام: وأن استباحتها تعتبر استباحة لما علم تحريمه من دين الإسلام بالضرورة. أما ما رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال: بَلَغَ عمرَ أن فلانا باع خمرا فقال قاتل اللَّه فلانا، ألم يعلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: قاتل اللَّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" فقد تأوله العلماء على أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدا جواز ذلك، أو أنه كان عصيرا ولم يتخمر فأطلق عليه اسم الخمر لما يؤول إليه ظنا ممن بلَّغ عمر رضى اللَّه عنه أن مشترى هذا العصير يتخذه خمرا، أو أنه كان خمرا فخلله وباعه، وأكثر أهل العلم إنما يبيح بيع الخمر إذا تخللت بنفسها وصارت خلا دون علاج لها، على أنه ليس بلازم أن يكون الذى بلَّغ عمر رضى اللَّه عنه قد أصاب فى بلاغه، وقول عمر

стр. 1720

رضى اللَّه عنه قاتل اللَّه فلانا يكون من باب الألفاظ التى تجرى على الألسنة دون قصد مدلولها الحقيقى وإنما قاله رضى اللَّه عنه لتأكيد التحذير من بيعها على أن نفس ما ساقه عمر رضى اللَّه عنه عن رسول اللَّه ﷺ هو معنى حديث جابر المتفق عليه، وقد رواه كذلك أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ فقد روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: قاتل اللَّه يهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ولو كان المشترى غير مسلم. ٢ - أن اللَّه إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه. ٣ - لا يجوز توكيل المسلِم الذمىّ فى بيع الخمر. ٤ - كل حيلة يتوصل بها إلى تحليل محرم فهى باطلة محرمة.
следующие страницы →