← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

٢ - وعن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول اللَّه، أرأيت شحوم الميتة فإنها تُطْلَى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام" ثم قال رسول اللَّه ﷺ ذلك: "قاتل اللَّه اليهود، إن اللَّه لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" متفق عليه. [المفردات] " عام الفتح" أى فى رمضان سنة ثمان من الهجرة النبوية. "إن اللَّه ورسوله حرم" أى إن اللَّه تعالى حرم ونهى ومنع بيع هذه الأشياء، ورسوله ﷺ تابع لأمر ربه فى ذلك، وقال القرطبى: إنه ﷺ تأدب فلم يجمع

стр. 1717

بينه وبين اسم اللَّه تعالى فى ضمير الاثنين اهـ والصحيح جواز ذلك، قال الحافظ فى الفتح: والتحقيق جواز الإِفراد فى مثل هذا، ووجهه الإِشارة إلى أن أمر النبى ﷺ ناشئ عن أمر اللَّه، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ والمختار فى هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها. والتقدير عند سيبويه: واللَّه أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه وهو كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف وقيل: أحق أن يرضوه خبر عن الإِسمين لأن الرسول تابع لأمر اللَّه اهـ. "الخمر" هو اسم لما يغطى العقل من الأشربة وكل مسكر. "والميتة" بفتح الميم هو الحيوان الذى زالت عنه الحياة بغير ذكاة شرعية. "والخنزير" هو حيوان معروف وهو خبيث قذر شديد القذارة، خسيس شديد الخسة، شهوته فى تتبع العذرة والتهامها، لا يكاد يرفع رأسه من الأرض التماسا للعذرة، ولحمه لا ينفك من "الدودة الشريطية" الخبيثة، وهو مختلط الشحم واللحم لا يوجد له فى ذلك نظير من الحيوانات، وأكله يورث الدناءة والدياثة. "والأصنام" جمع صنم فال الجوهرى: هو الوثن، وقال غيره: الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورا، قال الحافظ فى الفتح: فبينهما عموم وخصوص وجهى فإن كان مصورا فهو وثن

стр. 1718

وصنم اهـ أقول: وأصل الصنم يعود فى أصل اللغة العربية إلى خبث الرائحة، كما أن الوثن يعود فى أصل اللغة العربية إلى ملازمة المكان والإِقامة فيه. "أرأيت شحوم الميتة الخ" أى هل يحل بيع شحوم الميتة لتستعمل فى طلاء السفن، ودهن الجلود والاستصباح بها؟ "شحوم الميتة" أى دهنها. "تطلى بها السفن" أى تدهن بها أخشاب المراكب والمنشآت البحرية. "ويستصبح بها الناس" أى يجعلونها وقودا للاستصباح والإِضاءة. "لا هو حرام" أى لا تبيعوها، بيعها حرام لا يحل ولا يجوز. "عند ذلك" أى عند ما سأله السائل وأجابه ﷺ بقوله: لا. هو حرام. "قاتل اللَّه اليهود" أى لعنهم وطردهم من رحمته. "اليهود" هم أعداء اللَّه قتلة الأنبياء إخوان القردة والخنازير المنتسبون إلى يهوذا أكبر إخوة يوسف ﵇ وقيل: بل سموا يهودًا من التهويد وهو التطريب لما يحدثونه بأصواتهم وخياشيمهم عند القراءة وقيل غير ذلك. "لما حرم عليهم شحومها" أى أكل شحومها، كما قال : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أو مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. "جملوه" بفتح الجيم والميم أى أذابوه، ومنه الجيل للشحم المذاب.

стр. 1719

[البحث] ليس قوله: سمع رسول اللَّه ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة" نصا على أن تحريم هذه الأشياء كان بمكة فى هذا التاريخ قال الحافظ فى الفتح: ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده ﷺ ليسمعه من لم يكن سمعه اهـ ويؤيد ذلك ما رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها قالت: لما أنزلت الآيات من سورة البقرة فى الربا خرج النبى ﷺ إلى المسجد فقرأهن على الناس ثم حرم تجارة الخمر" وفى لفظ للبخارى من حديث عائشة رضى اللَّه عنها: لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها خرج النبى ﷺ فقال: حرمت التجارة فى الخمر" وتحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام من المقررات المتواترة فى شريعة الإسلام: وأن استباحتها تعتبر استباحة لما علم تحريمه من دين الإسلام بالضرورة. أما ما رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال: بَلَغَ عمرَ أن فلانا باع خمرا فقال قاتل اللَّه فلانا، ألم يعلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: قاتل اللَّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" فقد تأوله العلماء على أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدا جواز ذلك، أو أنه كان عصيرا ولم يتخمر فأطلق عليه اسم الخمر لما يؤول إليه ظنا ممن بلَّغ عمر رضى اللَّه عنه أن مشترى هذا العصير يتخذه خمرا، أو أنه كان خمرا فخلله وباعه، وأكثر أهل العلم إنما يبيح بيع الخمر إذا تخللت بنفسها وصارت خلا دون علاج لها، على أنه ليس بلازم أن يكون الذى بلَّغ عمر رضى اللَّه عنه قد أصاب فى بلاغه، وقول عمر

стр. 1720

رضى اللَّه عنه قاتل اللَّه فلانا يكون من باب الألفاظ التى تجرى على الألسنة دون قصد مدلولها الحقيقى وإنما قاله رضى اللَّه عنه لتأكيد التحذير من بيعها على أن نفس ما ساقه عمر رضى اللَّه عنه عن رسول اللَّه ﷺ هو معنى حديث جابر المتفق عليه، وقد رواه كذلك أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ فقد روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: قاتل اللَّه يهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ولو كان المشترى غير مسلم. ٢ - أن اللَّه إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه. ٣ - لا يجوز توكيل المسلِم الذمىّ فى بيع الخمر. ٤ - كل حيلة يتوصل بها إلى تحليل محرم فهى باطلة محرمة.

стр. 1721

٣ - وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا اختلف المتبايعان ليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركان" رواه الخمسة وصححه الحاكم. [المفردات] " المتبايعان" أى البائع والمشترى. "ليس بينهما بينة" أى لم يحضرهما عند البيع شاهدان. "رب السلعة" أى البائع صاحب السلعة. "أو يتتاركان" أو يترادان.

стр. 1722

[البحث] وصف غير واحد من أئمة أهل العلم هذا الحديث بأنه منقطع فقد قال ابن عبد البر فى الاستذكار: إنه حديث منقطع لا يكاد يتصل. وقال الحافظ ابن حجر فى تلخيص الحبير: حديث ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار" الشافعى عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير عن أبى عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود قال: أتى عبد اللَّه بن مسعود فقال: حضرت النبى ﷺ فأمر بالبائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك" رواه أحمد عن الشافعى، والنسائى والدارقطنى من طريق أبى عبيدة أيضا وفيه انقطاع على ما عرف من اختلافهم فى صحة سماع أبى عبيدة من أبيه. واختلف فيه على إسماعيل بن أمية ثم على ابن جريج فى تسمية والد عبد الملك هذا الراوى عن أبى عبيدة فقال يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية: عبد الملك بن عمير كما قال سعيد بن سالم، ووقع فى النسائى: عبد الملك بن عبيد ورجح هذا أحمد والبيهقى، وهو ظاهر كلام البخارى، وقد صححه ابن السكن والحاكم. وروى الشافعى فى المختصر عن سفيان عن ابن عجلان عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود نحوه بلفظ الباب وفيه انقطاع، ورواه الدارقطنى من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه عن جده وفيه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة. اهـ وقال الحافظ فى التلخيص أيضا: وقال الطبرانى فى الكبير: نا محمد بن هشام المستملى نا

стр. 1723

عبد الرحمن بن صالح نا فضيل بن عياض نا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه مرفوعا: "البيعان إذا اختلفا فى البيع تَرَادَّا" رواته ثقات لكن اختلف فى عبد الرحمن بن صالح وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعى أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شئ موصول وذكره الدارقطنى فى علله فلم يعرج على هذه الطريق اهـ.

стр. 1724

٤ - وعن أبى مسعود الأنصارى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغِىِّ وحُلوَان الكاهن" متفق عليه. [المفردات] " ثمن الكلب" أى ما يعطاه صاحب الكلب كقيمة لكلبه. "مهر البَغِىِّ" البغى بفتح الباء وكسر الغين وتشديد الياء قال الحافظ فى الفتح فى باب ثمن الكلب: وهو فعيل بمعنى فاعلة وجمع البغى بغايا والبغاء بكسر أوله: الزنا والفجور وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل فى الفساد اهـ وقال فى باب كسب البغى والإِماء، والبغى بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد الياء بوزن فعيل بمعنى فاعلة أو مفعولة وهى الزانية اهـ وهذا الوصف خاص بالنساء فلا يوصف زنا الرجال بأنه بغاء. ومهر البغى هى الأجرة التى قد تأخذها الزانية على زناها وإطلاق اسم المهر عليها يدل على أن المهر قد يطلق على أجرة الزانية على زناها، كما أن المهر فى النكاح قد يسمى أجرة ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ وكما قال فى النساء المهاجرات من مكة: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وفيه رد

стр. 1725

صريح على من استدل على نكاح المتعة بقوله: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ بدعوى أنه سماه أجرا ولم يسمه مهرا. وإنما حصل لهم ذلك بسبب عجمة قلوبهم كألسنتهم. "حلوان الكاهن" بضم الحاء وسكون اللام قال الحافظ فى الفتح: والحلوان مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته وأصله من الحلاوة شبه بالشئ الحلو من حيث إنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو، والحلوان أيضا الرشوة، والحلوان أيضا أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه اهـ. والكاهن هو الذى يدعى علم الغيب قال الحافظ فى الفتح: وفى معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب اهـ. [البحث] ظاهر قوله: "نهى عن ثمن الكلب" يعم كل كلب سواء كان معلما أو غير معلم وسواء كان لحراسة أو غيرها. وأما ما رواه النسائى من حديث جابر رضى اللَّه عنه: نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد" فقد وصفه النسائى بأنه حديث منكر كما سيجئ مزيد بحث لهذا عند بحث الحديث التاسع من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم بيع الكلاب أو شرائها. ٢ - أن أجرة الزانية على زناها لا يحل لمسلم أن ينتفع بها لخبثها.

стр. 1726

٣ - لا يحل لمسلم أن يأكل من حلوان الكاهن أو ينتفع به.

стр. 1727

٥ - وعن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يُسَيِّبَهُ، قال: فلحقنى النبى ﷺ فدعا لى وضربه فسار سَيْرًا لم يسر مثله، فقال: "بعنيه بأوقية" قلت لا. ثم قال: "بعنيه" فبعته بأوقية واشترطت حملانه إلى أهلى. فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدنى ثمنه، ثم رجعت فأرسل فى أثرى فقال: أَتُرَانى مَاكَسْتُكَ لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك" متفق عليه وهذا السياق لمسلم. [المفردات] " قد أعيا" أى كل وتعب فصار غير قادر على السير بنشاط. "أن يسيبه" أى أن يطلقه ويتركه وليس المراد أن يكون سائبة كفعل أهل الجاهلية معاذ اللَّه. "وضربه" أى وضرب رسول اللَّه ﷺ الجمل أى طعنه بمحجنه ﷺ "فسار سيرا لم يسر مثله" أى نشط فى سيره نشاطا ما عهدت مثله فيه قط "بأوقية" الأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء -هى كما فى المصباح- أربعون درهما. قال الحافظ فى الفتح: والأوقية من الفضة كانت فى عرف ذلك الزمان أربعين درهما وفى عرف الناس بعد ذلك عشرة دراهم وفى عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهما اهـ وهى كذلك إلى اليوم فى مصر. "واشترطت حملانه إلى أهلى" أى واستثنيت فى البيع أن يبقى معى لأحمل

стр. 1728

عليه وأركبه حتى أصل إلى أهلى بالمدينة المنورة. "فلما بلغت" أى وصلت إلى أهلى بالمدينة. "أتيته بالجمل" أى جئت إلى رسول اللَّه ﷺ بالجمل. "فنقدنى ثمنه" أى فسلمنى ثمنه وقيمته وهى الأوقية. "ثم رجعت فأرسل فى أثرى" ثم ذهبت بعد قبض الثمن وتسليم الجمل من عند رسول اللَّه ﷺ فبعث فى عقبى من يدعونى إلى رسول اللَّه ﷺ . "أترانى" أى أتظننى؟ "ماكستك" المماكسة فى الأصل ضد المزايدة وتستعمل فى المساومة عند البيع، والمراد هنا: أتظننى لم أزدك على أوقية مماكسة. "خذ جملك" أى استلم جملك مرة أخرى. وأضاف الجمل إلى جابر باعتبار أنه كان له فيما مضى. "ودراهمك" أى والثمن الذى قبضته وهو الأوقية. "فهو لك" أى فالجمل والدراهم لك هدية وهبة من رسول اللَّه ﷺ . [البحث] ساق البخارى ﵀ حديث جابر رضى اللَّه عنه فى كتاب البيوع بلفظ: كنت مع النبى ﷺ فى غزاة فأبطأ بى جملى، وأعيا، فأتى علىَّ النبى ﷺ فقال: "جابر؟ " فقلت: نعم قال: "ما شأنك؟ " قلت: أبطأ علىَّ جملى وأعيا فتخلفت، فنزل يَحْجُنُه بمحجنه، ثم قال: اركب، فركبته، فلقد رأيته أكُفُّه عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "تزوجت؟ " قلت: نعم، قال: "بكرا أم ثيبا؟ "

стр. 1729

قلت: بلى ثيبا، قال: "أفلا جاريةً تلاعبها وتلاعبك؟ " قلت: إن لى أخوات، فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتَمْشُطهُنَّ وتقوم عليهن قال: "أمَا إنك قادم، فإذا قدمت فالكَيسَ الكَيسَ، ثم قال: "أتبيع جملك؟ " قلت: نعم. فاشتراه منى بأوقية. ثم قدم رسول اللَّه ﷺ قبلى، وقدمت بالغداة، فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال: "آلآن قدمت؟ " قلت: نعم. قال: "فدع جملك فادخل فصل ركعتين" فدخلت فصليت فأمر بلالا أن يزن له أوقية، فوزن فى بلال فأرجح فى الميزان. فانطلقت حتى وَلَّيتُ. فقال: ادعوا لى جابرا، قلت: الآن يَرُدُّ علىَّ الجمل. ولم يكن شئ أبغض إلىَّ منه، قال: "خذ جملك ولك ثمنه" وساقه البخارى فى كتاب الشروط فى باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز، عن جابر رضى اللَّه عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمر النبى ﷺ فضربه فدعا له فسار بِسَيْرٍ ليس يسير مثله، ثم قال: "بعنيه بوقية" قلت: لا. ثم قال: "بعنيه بوقية" فبعته فاستثنيت حُملانه إلى أهلى، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدنى ثمنه، ثم انصرفت فأرسل عَلَى إِثْرِى، قال: "ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك" قال شعبة عن مغيرة عن عامر عن جابر: أفقرنى رسول اللَّه ﷺ ظهره إلى المدينة، وقال إسحاق عن جرير عن مغيرة: فَبِعْتُهُ عَلَى أنَّ لى فَقَار ظهره حتى أبلغ المدينة، وقال عطاء وغيره: ذلك ظهره إلى المدينة، وقال محمد ابن المنكدر عن جابر: شَرَطَ ظهرَه إلى المدينة. وقال زيد بن أسلم عن جابر: ولك ظهره حتى ترجع. وقال أبو الزبير عن جابر: أفقرناك

стр. 1730

ظَهْرَهُ إلى المدينة، وقال الأعمش عن سالم عن جابر: تَبَلَّغ عليه إلى أهلك، وقال عبيد اللَّه وابن إسحاق عن وهب عن جابر: اشتراه النبى ﷺ بوقية، وتابعه زيد بن أسلم عن جابر، وقال ابن جريج عن عطاء وغيره عن جابر: أخذته بأربعة دنانير. وهذا يكون وَقِيَّة على حساب الدينار بعشرة دراهم، ولم يبين الثمنَ مغيرةُ عن الشعبى عن جابر، وابن المنكدر وأبو الزبير عن جابر. وقال الأعمش عن سالم عن جابر: وَقِيَّةُ ذَهَبٍ. وقال أبو إسحاق عن سالم عن جابر بمائتى درهم وقال داود بن قيس عن عبيد اللَّه بن مِقْسَمٍ عن جابر: اشتراه بطريق تبوك أحسبه قال: بأربع أواق، وقال أبو نضرة عن جابر: اشتراه بعشرين دينارا. وقولُ الشعبى بوقية أكثر، الاشتراط أكثر وأصح عندى قاله أبو عبد اللَّه اهـ. وهذا الحديث ظاهر الدلالة على جواز بيع وشرط ما دام هذا الشرط لا يناقض أصل البيع، وليس فيه جهالة، وسيأتى مزيد بحث لمسئلة البيع والشرط عند الكلام على الحديث العاشر من أحاديث هذا الباب وكذلك عند الكلام على الحديث العشرين من أحاديث هذا الباب وكذلك عند الكلام على الحديث الخامس والعشرين من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى. ومعنى قوله فى الحديث أفقرنى رسول اللَّه ﷺ ظهره إلى المدينة: أى جعل فى ركوب فقار ظهر الجمل إلى أن أبلغ المدينة. ومعنى قوله وقول الشعبى بوقية أكثر أى رواية الشعبى بوقية أكثر طرقا. ومعنى قوله: الاشتراط أكثر وأصح عندى أى رواية الاشتراط أكثر طرقا وأصح مخرجا عند البخارى رحمه اللَّه

стр. 1731

[ما يفيده الحديث] ١ - جواز بيع الدابة مع استثناء ركوبها إلى مسافة معينة. ٢ - جواز بيع الدار ونحوها واستثناء سكناها لمدة معينة. ٣ - لا بأس أن يطلب الإِنسان من آخر بيع سلعته منه. ٤ - يجوز للمشترى أن يستمسك بالسعر الذى يذكره أول المبايعة ولا عيب عليه فى ذلك. ٥ - جواز البيع والشرط إذا كان الشرط معلوما ولا يتعارض مع المراد من البيع ويصح إفراده بالعقد. ٦ - جواز المماكسة والمناقصة فى البيع.

стр. 1732

٦ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: أعتق رجل منا عبدًا له عن دُبُر لم يكن له مال غيره، فدعا به النبى ﷺ فباعه" متفق عليه. [المفردات] " وعنه" أى وعن جابر رضى اللَّه عنه. "أعتق" أى حرر. "رجل منا" أى من الأنصار. "عبدًا له" أى مملوكا له. "عن دبر" بضم الدال والباء أى بعد موته يعنى علَّق عتقه بموته أى بموت المالك تقول: دَبَّرْتُ العبدَ إذا علقتَ عتقه بموتك. "فدعا به" أى بالعبد. "فباعه" أى لم يجز عتقه وباعه لسداد دين كان على مالكه أو دفعه له لحاجته إليه.

стр. 1733

[البحث] أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس فى باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه" وساقه من طريق جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: أعتق رجل غلاما له عن دبر فقال النبى ﷺ : من يشتريه منى؟ فاشتراه نُعَيْم بن عبد اللَّه فأخذ ثمنه فدفعه إليه، وأشار البخارى ﵀ بترجمته هذه إلى أن السبب فى عدم إجازة عتقه وبيع العبد عليه هو إفلاسه وحاجته، وقد أخرج البخارى هذا الحديث أيضا فى الأحكام فى باب بيع الإمام على الناس أموالهم بلفظ: بلغ النبى ﷺ أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر ولم يكن له مال غيره فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه، وقد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائى من طريق أيوب عن أبى الزبير عن جابر بلفظ: أن رجلا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلاما له يقال له يعقوب عن دبر لم يكن له مال غيره فدعا به رسول اللَّه ﷺ فقال: "من يشتريه؟ " فاشتراه نعيم بن عبد اللَّه بن النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه" كما أورده البخارى فى باب المزايدة عن جابر: بلفظ: أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج، فأخذه النبى ﷺ فقال: من يشتريه منى؟ " فاشتراه نعيم بن عبد اللَّه بكذا وكذا، فدفعه إليه" كما أخرجه مسلم أيضا من طريق جابر رضى اللَّه عنه قال: أعتق رجل من بنى عذرة عبدا له عن دبر فبلغ ذلك النبى ﷺ فقال: "أَلك مال غيره؟ فقال: لا. الحديث وفيه: فدفعها إليه ثم قال: "ابدأ بنفسك

стр. 1734

فتصدق عليها" الحديث وفى لفظ لمسلم أيضا: دبَّر رجل من الأنصار غلاما له لم يكن له مال غيره، فباعه رسول اللَّه ﷺ فاشتراه ابن النحام عبدا قبطيا مات عام أول فى إمارة ابن الزبير. وأخرج البخارى نحوه فى كفارات الأيمان دون قوله، فى إمارة ابن الزبير. [ما يفيده الحديث] ١ - يجوز للإِمام بيع المدبر لحاجة من دبره. ٢ - جواز المزايدة عند البيع. ٣ - جواز الحجر على المفلس وبيع ماله بغير رضاه لمصلحته.

стр. 1735

٧ - وعن ميمونة رضى اللَّه عنها زوج النبى ﷺ أن فأرة وقعت فى سمن فماتت فيه، فسئل النبى ﷺ عنها فقال: "ألقوها وما حولها، وكلوه" رواه البخارى، وزاد أحمد والنسائى "فى سمن جامد". [المفردات] " وقعت" أى سقطت. "ألقوها" أى اطرحوها يعنى اخرجوها من السمن وارموا بها. "وما حولها" أى واطرحوا ما حولها من السمن الذى وقعت فيه. "وكلوه" أى وكلوا ما بقى من السمن. "جامد" أى متماسك غير مائع. [البحث] أورد البخارى ﵀ حديث ميمونة فى كتاب الوضوء فى باب ما يقع من النجاسات فى السمن والماء فقال: حدثنا إسماعيل قال حدثنى

стр. 1736

مالك عن ابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن فأرة سقطت فى سمن فقال: "ألقوها، وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم" حدثنا على بن عبد اللَّه قال حدثنا معن قال حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس عن ميمونة أن النبى ﷺ سئل عن فأرة سقطت فى سمن فقال: "خذوها وما حولها فاطرحوه" قال معن حدثنا مالك ما لا أحصيه يقول: عن ابن عباس عن ميمونة. وأما زيادة أحمد والنسائى "فى سمن جامد، فمعناها مفهوم من قوله ﷺ : "ألقوها وما حولها" لأن المائع لا يمكن إبقاء ما حوله وحده. وسيأتى مزيد بحث لهذا فى الحديث الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى. [ما يفيده الحديث] ١ - أن الفأرة إذا وقعت فى سمن جامد نجست ما حولها. ٢ - أنه يجب طرح ما حول الفأرة من السمن الذى وقعت فيه. ٣ - يجوز بيع وأكل باقى السمن الذى وقعت فيه الفأرة فماتت فيه ما دام قد ألقيت هى وما حولها منه.

стр. 1737

٨ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا وقعت الفأرة فى السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه" رواه أحمد وأبو داود، وقد حكم عليه البخارى وأبو حاتم بالوهم.

стр. 1738

[المفردات] " مائعا" أى سائلا ذائبا. "فلا تقربوه" أى فلا تأكلوه ولا تبيعوه بل اطرحوه. "بالوهم" أى بالخطأ. [البحث] قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: أنه سئل عن الفأرة تقع فى السمن فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان ذائبا فأريقوه" ابن حبان فى صحيحه من حديث أبى هريرة بلفظ: وكلوه وإن كان ذائبا فلا تقربوه" وأما قوله: فأريقوه فذكر الخطابى أنها جاءت فى بعض الأخبار ولم يسندها. وأصله فى صحيح البخارى ولفظه: "خذوها وما حولها وكلوا سمنكم" وفى لفظ: ألقوها. ورواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن حبان فى صحيحه من حديث معمر عن الزهرى عن سعيد عن أبى هريرة مفصلا لكن قال الترمذى: سمعت البخارى يقول: هو خطأ، والصواب: الزهرى عن عبيد اللَّه عن ابن عباس عن ميمونة انتهى ثم قال الحافظ: وممن خطأ رواية معمر أيضا الرازِيَّانِ والدارقطنى وأما الذهلى فقال: طريق معمر محفوظة لكن طريق مالك أشهر، ويؤيد ذلك أن أحمد وأبا داود ذكرا فى روايتهما عن معمر الوجهين فدل على أنه حفظه من الوجهين ولم يهم فيه، وكذلك أخرجه ابن حبان فى صحيحه، وفيه اختلاف آخر، رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن الزهرى عن سالم عن أبيه، وتابعه عبد الجبار الأيلى عن الزهرى، قال الدارقطنى: وخالفهما أصحاب الزهرى فرووه عن الزهرى عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس

стр. 1739

وهو الصحيح، وقد أنكر جماعة فيه التفصيل اعتمادا على عدم وروده فى طريق مالك ومن تبعه، لكن ذكر الدارقطنى فى العلل أن يحيى القطان رواه عن مالك وكذلك النسائى رواه من طريق عبد الرحمن عن مالك مقيدا بالجامد وأنه أمر أن تُقَوَّرَ وما حولها فيرمى به، وكذا ذكر البيهقى من طريق حجاج بن منهال عن ابن عيينة مقيدا بالجامد وكذلك أخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده عن ابن عيينة ووهم من غلطه فيه ونسبه إلى التغير فى آخر عمره، فقد تابعه أبو داود الطيالسى فيما رواه فى مسنده عن ابن عيينة. واللَّه أعلم. اهـ

стр. 1740

٩ - وعن أبى الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن السِّنَّوْر والكلب فقال: زجر النبى ﷺ عن ذلك" رواه مسلم والنسائى وزاد "إلا كلب صيد". [المفردات] " أبو الزبير" هو محمد بن مسلم بن تَدْرُسَ أبو الزبير -بضم الزاء المكى مولى حكيم بن حزام بن خويلد. قال عطاء كنا نكون عند جابر ابن عبد اللَّه فيحدثنا فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه قال: فكان أبو الزبير أحفظنا للحديث. "والسِّنَّور" بكسر السين وتشديد النون مع فتحها هو الهر كما فى القاموس. "زجر" أى نهى وحذَّر. "عن ذلك" أى عن ثمن السنور والكلب.

стр. 1741

"وزاد" أى النسائى. [البحث] قال الحافظ فى التلخيص: رواه النسائى بلفظ: نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد" ثم قال: هذا منكر اهـ وقال فى فتح البارى حديث جابر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد" أخرجه النسائى بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طعن فى صحته اهـ وتعقب المناوى توثيق المصنف لرجاله بقول ابن الجوزى: فيه الحسين ابن أبى حفصة قال يحيى: ليس بشئ وضعفه أحمد. وقال ابن حبان: هذا الخبر بهذا اللفظ باطل لا أصل له. نعم الثابت جواز اقتناء الكلب للصيد من غير نقص من عمل من اقتناه، لقوله ﷺ : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد نقص من أجره كل يوم قيراطان". قال الحافظ فى الفتح: وقد وقع فى حديث ابن عمر عند ابن أبى حاتم بلفظ: نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاريا" يعنى مما يصيد، وسنده ضعيف قال أبو حاتم: هو منكر. وقد تقدم فى الحديث الرابع من هذا الباب ما رواه البخارى ومسلم من حديث أبى مسعود الأنصارى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغى وحلوان الكاهن". هذا وقد يكون الكلب كثير المنافع ككلب الصيد والكلاب "البوليسية" لكن منافعها هذه لا تبيح بيعها وأكل ثمنها. وإنما يمكن الحصول عليها والانتفاع بها بغير طريق البيع. واللَّه أعلم. هذا وقد روى مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو ضار نقص من عمله كل يوم

стр. 1742

قيراطان" وفى لفظ: من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية" الحديث وفى لفظ: من اقتنى كلبا إلا كلب ضارية أو ماشية. الحديث، وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم. والمراد بالكلب الضارى فى حديث ابن عمر هو الكلب المُعَوَّدُ على الصيد، يقال: ضرى الكلب وأضراه صاحبه أى عوَّده وأغراه بالصيد، ويجمع على ضَوارٍ، والمواشى الضارية هى المعتادة لرعى زروع الناس. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم بيع الكلب وأكل ثمنه. ٢ - تحريم بيع السنور.

стр. 1743

١٠ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: جاءتنى بريرة فقالت: إنى كاتبت أهلى على تسع أواق، فى كل عام أوقية، فأعينينى، فقلت إن أحب أهلك أن أَعُدَّها لهم ويكون ولاؤكِ لى فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول اللَّه ﷺ جالس فقالت: إِنى قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبى ﷺ ، فأخبرت عائشة النبى ﷺ فقال: "خذيها واشترطى لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق" ففعلت عائشة، ثم قام رسول اللَّه ﷺ فى الناس خطيبا، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال "أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست فى كتاب اللَّه ما كان من شرط ليس فى كتاب اللَّه فهو باطل

стр. 1744

وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" متفق عليه واللفظ للبخارى، وعند مسلم فقال: "اشتريها وأعتقيها، واشترطى لهم الولاء". [ما يفيده الحديث] " بريرة" بفتح الباء هى مولاة عائشة رضى اللَّه عنها كانت قبل أن تعتقها عائشة رضى اللَّه عنها زوجة لمغيث وهو عبد أسود كان مملوكا لبنى المغيرة فلما أعتقتها عائشة خَيَّرَها رسول اللَّه ﷺ أن تقر عنده أو تفارقه فاختارت فراقه، قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: قضى النبى ﷺ فى بريرة أربع قضيات: إن مواليها اشترطوا الولاء فقضى أن الولاء لمن أعتق. وخُيِّرَت فاختارت نفسها فأمرها النبى ﷺ أن تعتد قال: فكنت أراه -يعنى زوجها- يتبعها فى سكك المدينة يُعَصِّرُ عينيه عليها، قال: وتصدق عليها بصدقة فأهدت منها إلى عائشة فذكر ذلك للنبى ﷺ فقال: هو عليها صدقة ولنا هدية. "كاتبت" من المكاتبة وهى العقد بين السيد والعبد على مال يؤديه إليه منجما إذا أداه صار حرا. "أهلى" هم ناس من الأنصار. "على تسع أواق" أى منجمة على تسع سنوات. "فأعينينى" أى ساعدينى.

стр. 1745

"إن أحب أهلك" أى إن رضى ورغب سادتك. "أن أعُدَّها لهم" بفتح الهمزة وضم العين أى أدفعها لهم معدودة دفعة واحدة الآن. "ولاؤك" المراد بالولاء هنا ولاء العتق وهو أن يرث المعتق أو ورثته العتيق يعنى إن لم يكن له وارث من عصبته. "فأبوا عليها" أى رفضوا بيعها إلا بشرط أن يكون الولاء لهم. "فسمع النبى ﷺ " أى المحادثة بين عائشة وبريرة رضى اللَّه عنهما. "خذيها" أى اشتريها. "واشترطى لهم الولاء" أى وافقيهم على ما اشترطوه فى البيع أن يكون الولاء لهم. "فإنما الولاء لمن أعتق" أى وهذا الشرط لا قيمة له ولا نفاذ لأن الولاء لمن أعتق لا لمن باع. "يشترطون شروطا ليست فى كتاب اللَّه" أى ليست فى شرع اللَّه وقضائه، قال الحافظ فى الفتح: ما ليس فى كتاب اللَّه أى ما خالف كتاب اللَّه، ثم قال: وقال ابن خزيمة ليس فى كتاب اللَّه أى ليس فى حكم اللَّه جوازه أو وجوبه، ثم قال: وقال النووى: قال العلماء: الشرط فى البيع أقسام: أحدها يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه الثانى: شرط فيه مصلحة كالرهن، وهما جائزان اتفاقا الثالث: اشتراط العتق فى العبد وهو جائز عند الجمهور لحديث عائشة وقصة بريرة. الرابع:

стр. 1746

ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشترى كاستثناء منفعته فهو باطل. ثم قال: وقال القرطبى: قوله ليس فى كتاب اللَّه أى ليس مشروعا فى كتاب اللَّه تأصيلا ولا تفصيلا. ومعنى هذا أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب اللَّه كالوضوء، ومنها يؤخذ تأصيله دون تفصيله كالصلاة، ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإِجماع وكذلك القياس الصحيح. فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلا فهو مأخوذ من كتاب اللَّه تأصيلا اهـ. "فهو باطل" أى لا لا ينفذ. "قضاء اللَّه أحق" أى شرع اللَّه وحكمه أولى بالاتباع بخلاف الشروط المخالفة لحكم اللَّه فإنها لا تتبع. "وشرط اللَّه أوثق" أى وما يشترطه اللَّه هو الشرط المؤكد الذى يجب الوفاء به فهو أحكم الشروط وأضبطها وأعدلها. [البحث] زعم بعض أهل العلم أن قول رسول اللَّه ﷺ لعائشة: خذيها واشترطى لهم الولاء خرج مخرج الزجر والتوبيخ لهم لأنه كان قد سبق أن بين لهم حكم الولاء وأن هذا الشرط لا يحل فلما ظهرت منهم المخالفة قال لعائشة ذلك وليس مراده أن يبيح لعائشة هذا الاشتراط لأنه ظاهر أنه خداع، وهذا الزعم كله يحتاج إلى دليل، ولم ينقل أنه ﷺ كان قد بين قبل ذلك أنه لا يحل اشتراط الولاء. ومقام النبوة أسمى وأجل

стр. 1747

من أن يخطر على بال مسلم أن يأتى منه الخداع بل هذا السلوك فى التربية ومنع وقوع مثله مستقبلا، والحرص على التقيد بأحكام الشرع، وسؤال أهل العلم عند الجهل قبل إبرام العقود من أعظم مسالك التربية والتعليم التى اختص بها رسول اللَّه ﷺ وانتشرت فى ثنايا الكتاب والسنة. وظاهر هذا الحديث يدل على بطلان الشرط المخالف القواعد الشريعة مع صحة العقد للانفصال بين العقد والشرط، وسيأتى مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث العشرين والخامس والعشرين من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى. [ما يفيده الحديث] ١ - أن البيع إذا اقترن بشرط فاسد منفصل فإنه يصح البيع ويبطل الشرط. ٢ - أن الولاء لمن أعتق الرقيق لا لمن باعه.

стр. 1748

١١ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد فقال: لا تباع ولا توهب ولا تورث، يستمتع بها ما بدا له، فإذا مات فهى حرة. رواه مالك والبيهقى وقال: رفعه بعض الرواة فوهم. [المفردات] " أمهات الأولاد" هن الأماء اللائى ولدن من سادتهن. "يستمتع بها ما بدا له الخ" أى يقر بها سيدها بملك يمينه ما دام حيا فإذا مات صارت حرة

стр. 1749

[البحث] لم يرد نص صحيح صريح عن رسول اللَّه ﷺ فى جواز بيع أمهات الأولاد أو تحريم بيعهن، وإنما حدث البحث فيه فى زمن عمر رضى اللَّه عنه، وقد أخرج الحاكم وابن عساكر وابن المنذر عن بريدة رضى اللَّه عنه قال: كنت جالسا عند عمر إذ سمع صائحا قال: يا يرفأ انظر ما هذا الصوت، فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها فقال عمر: ادع لى المهاجرين والأنصار، فلم يمكث ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فهل كان فيما جاء به محمد ﷺ القطيعة؟ قالوا: لا. قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية ثم قرأ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ثم قال: وأى قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ منكم وقد أوسع اللَّه لكم؟ قالوا: فاصنع ما بدا لك! فكتب إلى الآفاق أن لا تباع أم حر فإنها قطيعة، وإنه لا يحل. وقد وافقه المهاجرون والأنصار على ما قال رضى اللَّه عنه ولم يخالفه أحد منهم رضى اللَّه عنهم وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سرين عن عبيدة السلمانى قال: سمعت عليا يقول: اجتمع رأيى ورأى عمر فى أمهات الأولاد أن لا يبعن ثم رأيت بعد ذلك أن يبعن" فإن هذا الأثر الصحيح يؤكد ذلك وأن عليا رضى اللَّه عنه لم يخالف عمر رضى اللَّه عنه فى هذا الأمر بل اجتمع رأيه حينئذ مع رأى عمر رضى اللَّه عنه، وإنما اختلف رأى على رضى اللَّه عنه بعد ذلك، وقد ادعى الإجماع على تحريم بيع أمهات الأولاد غير واحد من أهل العلم.

стр. 1750

١٢ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: "كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبى ﷺ حى لا يرى بذلك بأسا" رواه النسائى وابن ماجه والدارقطنى وصححه ابن حبان. [المفردات] " سرارينا" السرارى جمع سرية وهى الأمة التى يستمتع بها سيدها "لا يرى بذلك بأسا" أى لا يرى فى ذلك مانعا ولا يحرمه. [البحث] قدمت فى أول بحث الحديث السابق أنه لم يرد نص صحيح صريح عن رسول اللَّه ﷺ فى جواز بيع أمهات الأولاد أو تحريم بيعهن وإنما حدث البحث فيه فى زمن عمر رضى اللَّه عنه، وأشرت إلى أن عمر رضى اللَّه عندما استشار المهاجرين والأنصار فى تحريم بيعهن لم يخالفه فى تحريم بيعهن أحد من الصحابة رضى اللَّه عنهم حينئذ وإن كان صح الخير عن على رضى اللَّه عنه أنه رجع عن رأيه فى تحريم بيعهن ورأى جواز ذلك، قال الحافظ فى الفتح بعد أن أشار إلى الخلاف بين السلف: وإن كان الأمر استقر عند الخلف على المنع حتى وافق فى ذلك ابن حزم ومن تبعه من أهل الظاهر على عدم جواز بيعهن ولم يبق إلا شذوذ اهـ ثم قال الحافظ: وتعلق الأئمة بأحاديث أصحها حديثان: أحدهما حديث أبى سعيد فى سؤالهم عن العزل كما سيأتى شرحه فى كتاب النكاح، وممن تعلق به النسائى فى السنن فقال: باب ما يستدل به على منع بيع أم الولد فساق حديث أبى سعيد ثم ساق حديث عمرو بن

стр. 1751

الحارث الخزاعى كما سيأتى فى الوصايا قال: "ما ترك رسول اللَّه ﷺ عبدا ولا أمة" الحديث. ووجه الدلالة من حديث أبى سعيد أنهم قالوا: إنا نصيب سبايا فنحب الأثمان فكيف ترى فى العزل؟ وهذا لفظ البخارى كما مضى فى باب بيع الرقيق من كتاب البيوع. قال البيهقى: لولا أن الاستيلاد يمنع من نقل الملك وإلا لم يكن لعزلهم لأجل محبة الأثمان فائدة اهـ ثم قال الحافظ: ووجه الدلالة من حديث عمرو بن الحارث أن مارية أم ولده إبراهيم كانت قد عاشت بعده، فلولا أنها خرجت عن الوصف بالرق لما صح قوله: إنه لم يترك أمة، وقد ورد الحديث عن عائشة عند ابن حبان مثله اهـ. ثم قال: وأما بقية أحاديث الباب فضعيفة، ويعارضها حديث جابر: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبى ﷺ حَىٌّ لا يرى بذلك بأسا، وفى لفظ: بعنا أمهات الأولاد على عهد النبى ﷺ وأبى بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا" ثم قال: ولم يستند الشافعى فى القول بالمنع إلا إلى عمر فقال: قلته تقليدا لعمر، قال بعض أصحابه: لأن عمر لما نهى عنه فانتهوا صار إجماعا، يعنى فلا عبرة بندور المخالف بعد ذلك. ولا يتعين معرفة سندالإجماع. اهـ

стр. 1752

١٣ - وعن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: نهانا رسول اللَّه ﷺ عن بيع فضل الماء" رواه مسلم وزاد فى رواية "وعن بيع ضراب الجمل". [المفردات] " بيع فضل الماء" أى أخذ ثمن الماء الزائد عن كفاية صاحبه يعنى

стр. 1753

فى الفلاة ويحتاج إليه لرعى الكلأ. "وزاد فى رواية" أى وزاد مسلم فى رواية أخرى. "بيع ضراب الجمل" أى عن أخذ ثمن نزوه على الناقة، ويقال له أيضا: عسب الفحل. [البحث] لا نزاع عند أهل العلم فى جواز بيع البئر والعين المملوكتين، وما يحرزه الإِنسان من الماء فى الأوعية والأسقية هو ملك له يجوز بيعه، وإن كان أكثر من حاجته، ولذلك مثل العلماء ﵏ لما دل عليه هذا الحديث الصحيح من تحريم بيع فضل الماء بأن يكون الماء قد نبع فى أرض مباحة فيسقى الأعلى ثم يفضل فما فضل عن كفايته فليس له الحق فى بيعه بل يجب عليه أن يرسله إلى من دونه إذا احتاج إليه. وكذلك من حفر بئرا ليشرب منه أو يسقى أرضه فليس له أن يمنع عن غيره ما فضل عن حاجته ما دام أن بذل الفضل لا يلحق به أذى، ولا يعود عليه بضرر، وقد روى مسلم ﵀ من حديث جابر: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع ضراب الجمل وعن بيع الماء والأرض لتحرث فعن ذلك نهى النبى ﷺ . ومعنى: وعن بيع الماء والأرض لتحرث أى تزرع بأن تكون الأرض والماء لشخص فيأخذها منه شخص آخر ليحرثها ويبذرها ويرويها بهذا الماء ليأخذ رب الأرض بعض الخارج من الحبوب ويأخذ الآخر بعضها. وسيأتى تحقيق هذه المسألة فى باب المساقاة والإجارة إن شاء اللَّه تعالى. وقد روى مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ.

стр. 1754

وفى لفظ له قال: "قال رسول اللَّه ﷺ : لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ وفى لفظ له قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ وهذه الألفاظ الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ تبين أن المراد من بيع فضل الماء فى حديث جابر هو ما ذكرناه فى مفردات هذا الحديث وأن المنهى عن بيعه من الماء هو الماء الزائد عن كفاية صاحبه يعنى فى الفلاة ويحتاج إليه الناس لرعى الكلأ واللَّه أعلم أما النهى عن ضراب الجمل فسيأتى مزيد بحثه فى الحديث الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم بيع فضل الماء فى الفلاة. ٢ - النهى عن بيع ضراب الجمل.

стр. 1755

١٤ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن عَسْب الفحل" رواه البخارى. [المفردات] " عسب الفحل" العسب بفتح العين وسكون السين ويقال له العسيب أيضا، والفحل: الذكر من كل حيوان فرسا كان أو جملا أو تيسا أو غير ذلك. والمراد النهى عن أخذ أجرة فى مقابل مائه ونزوه على الأنثى. [البحث] تقدم فى حديث جابر عند مسلم النهى عن بيع ضراب الجمل. وحديث ابن عمر هذا أعم منه فهو يعم سائر الفحول، ولا نزاع عند أهل العلم فى جواز عارية الفحل لينزو، ولو أهدى المستعير للمعير هدية
следующие страницы →