Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
الحارث الخزاعى كما سيأتى فى الوصايا قال: "ما ترك رسول اللَّه ﷺ عبدا ولا أمة" الحديث. ووجه الدلالة من حديث أبى سعيد أنهم قالوا: إنا نصيب سبايا فنحب الأثمان فكيف ترى فى العزل؟ وهذا لفظ البخارى كما مضى فى باب بيع الرقيق من كتاب البيوع. قال البيهقى: لولا أن الاستيلاد يمنع من نقل الملك وإلا لم يكن لعزلهم لأجل محبة الأثمان فائدة اهـ ثم قال الحافظ: ووجه الدلالة من حديث عمرو بن الحارث أن مارية أم ولده إبراهيم كانت قد عاشت بعده، فلولا أنها خرجت عن الوصف بالرق لما صح قوله: إنه لم يترك أمة، وقد ورد الحديث عن عائشة عند ابن حبان مثله اهـ. ثم قال: وأما بقية أحاديث الباب فضعيفة، ويعارضها حديث جابر: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبى ﷺ حَىٌّ لا يرى بذلك بأسا، وفى لفظ: بعنا أمهات الأولاد على عهد النبى ﷺ وأبى بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا" ثم قال: ولم يستند الشافعى فى القول بالمنع إلا إلى عمر فقال: قلته تقليدا لعمر، قال بعض أصحابه: لأن عمر لما نهى عنه فانتهوا صار إجماعا، يعنى فلا عبرة بندور المخالف بعد ذلك. ولا يتعين معرفة سندالإجماع. اهـ
стр. 1752
١٣ - وعن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: نهانا رسول اللَّه ﷺ عن بيع فضل الماء" رواه مسلم وزاد فى رواية "وعن بيع ضراب الجمل".
[المفردات]
" بيع فضل الماء" أى أخذ ثمن الماء الزائد عن كفاية صاحبه يعنى
стр. 1753
فى الفلاة ويحتاج إليه لرعى الكلأ.
"وزاد فى رواية" أى وزاد مسلم فى رواية أخرى.
"بيع ضراب الجمل" أى عن أخذ ثمن نزوه على الناقة، ويقال له أيضا: عسب الفحل.
[البحث]
لا نزاع عند أهل العلم فى جواز بيع البئر والعين المملوكتين، وما يحرزه الإِنسان من الماء فى الأوعية والأسقية هو ملك له يجوز بيعه، وإن كان أكثر من حاجته، ولذلك مثل العلماء ﵏ لما دل عليه هذا الحديث الصحيح من تحريم بيع فضل الماء بأن يكون الماء قد نبع فى أرض مباحة فيسقى الأعلى ثم يفضل فما فضل عن كفايته فليس له الحق فى بيعه بل يجب عليه أن يرسله إلى من دونه إذا احتاج إليه. وكذلك من حفر بئرا ليشرب منه أو يسقى أرضه فليس له أن يمنع عن غيره ما فضل عن حاجته ما دام أن بذل الفضل لا يلحق به أذى، ولا يعود عليه بضرر، وقد روى مسلم ﵀ من حديث جابر: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع ضراب الجمل وعن بيع الماء والأرض لتحرث فعن ذلك نهى النبى ﷺ . ومعنى: وعن بيع الماء والأرض لتحرث أى تزرع بأن تكون الأرض والماء لشخص فيأخذها منه شخص آخر ليحرثها ويبذرها ويرويها بهذا الماء ليأخذ رب الأرض بعض الخارج من الحبوب ويأخذ الآخر بعضها. وسيأتى تحقيق هذه المسألة فى باب المساقاة والإجارة إن شاء اللَّه تعالى. وقد روى مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ.
стр. 1754
وفى لفظ له قال: "قال رسول اللَّه ﷺ : لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ وفى لفظ له قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ وهذه الألفاظ الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ تبين أن المراد من بيع فضل الماء فى حديث جابر هو ما ذكرناه فى مفردات هذا الحديث وأن المنهى عن بيعه من الماء هو الماء الزائد عن كفاية صاحبه يعنى فى الفلاة ويحتاج إليه الناس لرعى الكلأ واللَّه أعلم أما النهى عن ضراب الجمل فسيأتى مزيد بحثه فى الحديث الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم بيع فضل الماء فى الفلاة.
٢ - النهى عن بيع ضراب الجمل.
стр. 1755
١٤ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن عَسْب الفحل" رواه البخارى.
[المفردات]
" عسب الفحل" العسب بفتح العين وسكون السين ويقال له العسيب أيضا، والفحل: الذكر من كل حيوان فرسا كان أو جملا أو تيسا أو غير ذلك. والمراد النهى عن أخذ أجرة فى مقابل مائه ونزوه على الأنثى.
[البحث]
تقدم فى حديث جابر عند مسلم النهى عن بيع ضراب الجمل. وحديث ابن عمر هذا أعم منه فهو يعم سائر الفحول، ولا نزاع عند أهل العلم فى جواز عارية الفحل لينزو، ولو أهدى المستعير للمعير هدية
стр. 1756
بغير شرط فإن ذلك جائز. ولعل الحكمة فى منع كراء الفحل أنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه وفى التحذير من كرائه مصلحة عظيمة فى بذله.
[ما يفيده الحديث]
١ - كراهية أخذ أجرة على نزو الفحل.
٢ - استحباب المسارعة فى أبواب التعاون على الخير ابتغاء وجه اللَّه لا لمراد دنيوى.
стр. 1757
١٥ - وعنه رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع حَبَل الحبَلة" وكان بيعا يبتاعه أهل الجاهلية: كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تُنتج التى فى بطنها" متفق عليه واللفظ للبخارى.
[المفردات]
" وعنه" أى وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
"بيع حَبَل الحبلة" فسر بيع حَبَل الحبلة فى هذا الحديث الصحيح بأنه كان بيعا جاهليا ومعناه أن يشترى المشترى الناقة ويؤجل ثمنها إلى أن تلد ثم يكبر مولودها ويلد أيضا والحبل بفتح الحاء والباء مصدر حبلت تحبل حبلا، والحبلة بفتح الحاء والباء أيضا جمع حابل كظلمة وظالم وكتبة وكاتب والهاء للمبالغة وقيل للإِشعار بالأنوثة وقد ندر فيه: امرأة حابلة فالهاء فيه للتأنيث. قال الحافظ فى الفتح: قال أبو عبيد: لا يقال لشئ من الحيوان حبلت إلا الآدميات إلا ما ورد فى
стр. 1758
هذا الحديث، وأثبته صاحب المحكم قولا فقال: اختلف أهى للإناث عامة أم للآدميات خاصة وأنشد فى التعميم قول الشاعر: أو ذيخة حبلى مجح مقرب.
وفى ذلك تعقب على نقل النووى اتفاق أهل اللغة على التخصيص "وكان" أى بيع حبل الحبلة.
"يبتاع الجزور" أى يشترى الجزور والجزور بفتح الجيم وضم الزاى هو البعير ذكرا كان أو أنثى إلا أن لفظه مؤنث تقول هذه الجزور وإن أردت ذكرا. وذكر الجزور هنا إما لأنه كان فعل أهل الجاهلية فيه خاصة وإما أن يكون ذكره على سبيل التمثيل إذ لا فرق بين الجزور وغيرها من الحيوانات فى ذلك.
"تُنْتَج الناقة" بضم التاء وسكون النون وفتح التاء الثانية على وزن المبنى للمجهول، أى تلد ولدا، وهذا الفعل مبنى للمعلوم وإن كان لم يرد فى اللغة إلا على صورة المبنى للمجهول.
"ثم تنتج التى فى بطنها" أى ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تحمل وتلد.
[البحث]
جاء فى رواية البخارى لهذا الحديث فى باب السلم إلى أن تُنْتَج الناقة من كتاب السلم من طريق جويرة عن نافع عن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه قال: كانوا يتابعون الجزور إلى حَبَل الحَبَلة فنهى النبى ﷺ عنه. فسره نافع: إلى أن تُنْتَجَ الناقة ما فى بطنها" وهو صريح بأن تفسير حَبَل الحبلة من كلام نافع ﵀ غير أن هذه الرواية التى أوردها فى السلم مختصرة تفيد أن رواية حديث الباب التى أوردها
стр. 1759
البخارى فى باب بيع الغرر وحَبَل الحبلة من كتاب البيوع تفيد أن التفسير فيها أيضا من كلام نافع ﵀. وهذا هو الظاهر وقيل: إن التفسير من كلام ابن عمر رضى اللَّه عنهما وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق الليث عن نافع بدون هذا التفسير، ورواه البخارى فى أيام الجاهلية من طريق عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبَل الحبلة، وحبل الحبلة أن تَنْتَجُ الناقة ما فى بطنها ثم تحمل التى نُتِجَتْ فنهاهم رسول اللَّه ﷺ عن ذلك" وهذا السياق قد فهم منه أن التفسير من ابن عمر رضى اللَّه عنهما لكن تصريح رواية البخارى فى السلم بأن التفسير من نافع أولى من هذا الإِستنباط. ولفظ رواية البخارى التى أوردها المصنف فى حديث الباب هنا: وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية" ولم يسقه بلفظ: "يبتاعه" كما ذكره المصنف. واللفظ الذى فى صحيح البخارى أصح وأدق وقوله: عن حبل الحبلة وفى لفظ إلى حبل الحبلة يفيد تحريم بيع ما فى بطون الإناث منفردا ويفيد تحريم البيع مع تأجيله إلى حبل الحبلة لما فى ذلك كله من الغرر والجهالة لأنه إن جعل الثمن مؤجلا إلى أن تلد الخ ففيه جهالة وغرر وإن كان بيع ما فى بطنها ففيه غرر وجهالة وهو غير مقدور على تسليمه فى الحال كبيع السمك فى الماء والطير فى الهواء هذا وقد ذكر الحافظ فى الفتح ما حكاه صاحب المحكم وغيره عن ابن كيسان أن المراد بالحبلة الكرمة وأن النهى عن بيع حبلها أى حملها قبل أن تبلغ كما نهى عن بيع ثمر النخلة قبل أن تزهى، قال الحافظ: وعلى هذا فالحبلة بإسكان الموحدة وهو خلاف ما تثبت به الروايات لكن حكى فى الكرمة فتح الباء "ويعنى الحافظ: الحبلة" ثم قال: وادعى السهيلى تفرد ابن كيسان به وليس
стр. 1760
كذلك فقد حكاه ابن السكيت فى كتاب الألفاظ ونقله القرطبى فى المفهم عن أبى العباس المبرد. والهاء على هذا للمبالغة وجها واحدا اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم بيع الجنين منفردا.
٢ - تحريم البيع إلى أجل مجهول.
٣ - تحريم بيع الجزور وغيره إلى أن تلد الناقة ثم يلد مولودها.
٤ - إبطال الإسلام جهل أهل الجاهلية.
٥ - ضبط المبايعات فى الإِسلام.
стр. 1761
١٦ - وعنه رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته" متفق عليه.
[المفردات]
" بيع الولاء" المراد ولاء العتق وهو ما قرره الإِسلام أن الولاء لمن أعتق فإذا مات العتيق ورثه معتقه أو ورثة معتقه يعنى إن لم يكن له وارث من عصبته كما تقدم فى شرح حديث بريرة. والمراد ببيع الولاء التنازل عنه بثمن لشخص آخر "وهبته" أى وهبة الولاء وهو التنازل عنه بغير ثمن لشخص آخر.
[البحث]
لما كان الولاء لحمة كلحمة النسب لا يزال بالإِزالة نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيعه وهبته وسيأتى فى الحديث التاسع من كتاب العتق
стр. 1762
ما رواه الشافعى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" وقد صححه ابن حبان والحاكم كما سيجئ مزيد تحقيق فيه إن شاء اللَّه تعالى. وبهذا يبطل الإسلام ما كان يفعله أهل الجاهلية من بيع الولاء وهبته.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم بيع الولاء.
٢ - تحريم هبته.
٣ - فساد بيع الولاء وهبته وأنه لا ينعقد.
стр. 1763
١٧ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر رواه مسلم.
[المفردات]
" بيع الحصاة" هو أن يقول: بعتك من هذه الأثواب "مثلا" ما وقعت عليه الحصاة التى أرميها، أو يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمى بهذه الحصاة وقال الحافظ فى الفتح واختلفوا فى تفسير بيع الحصاة فقيل هو أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة ويرمى حصاة، أو من هذه الأرض ما انتهت إليه فى الرمى، وقيل هو أن يشترط الخيار إلى أن يرمى الحصاة، والثالث: أن يجعلا نفس الرمى بيعا اهـ وقيل: هو أن يقول ارم بهذه الحصاة فعلى أى ثوب وقعت فهو لك بدرهم وقيل: هو أن يقبض على كف من
стр. 1764
حصا ويقول: لى بكل حصاة درهم ثمنا لهذه السلعة. أو يقبض على كف من حصا ويقول: لى بعددها من المبيع.
"بيع الغرر" بفتح الغين والراء الأولى هو بيع ما يمكن أن يوجد وأن لا يوجد وكل ما لا يقدر على تسليمه كالسمك فى الماء والطير فى الهواء والمعدوم والمجهول والآبق ونحو ذلك مما مبناه الخداع والجهالة.
[البحث]
قال الحافظ فى الفتح: قال النووى: النهى عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا اهـ وإنما حرم الإِسلام بيع الحصاة لما فى ذلك كذلك من الغرر والجهالة وعدم ضبط المبايعات. وهو مما كان يتبايع به أهل الجاهلية.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم بيع الحصاة.
٢ - تحريم الغرر فى البيوع.
٣ - ضبط الإِسلام لأصول المبايعات.
стр. 1765
١٨ - وعنه رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله" رواه مسلم.
[المفردات]
" وعنه" أى وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
стр. 1766
[البحث]
قد روى البخارى ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه" كما روى البخارى ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضْرَبُون على عهد رسول اللَّه ﷺ أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم" كما روى البخارى ومسلم من حديث طاوس عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يبيع الرجل طعامه حتى يستوفيه قلت لابن عباس: كيف ذاك قال: ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ" وقول طاوس لابن عباس كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ" قال الحافظ فى الفتح: معناه أنه استفهم عن سبب هذا النهى فأجابه ابن عباس بأنه إذا باعه المشترى قبل القبض وتأخر المبيع فى يد البائع فكأنه باعه دراهم بدراهم، ويبين ذلك ما وقع فى رواية سفيان عن ابن طاوس عند مسلم قال طاوس: قلت: لابن عباس: لِمَ؟ قال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ" أى فإذا اشترى طعاما بمائة دينار مثلا ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام لآخر بمائة وعشرين دينارا وقبضها والطعام فى يد البائع فكأنه باع مائة دينار بمائة وعشرين دينارا وعلى هذا التفسير لا يختص النهى بالطعام ولذلك قال ابن عباس: "لا أحسب كل شئ إلا مثله" اهـ وقول الحافظ: ولذلك قال ابن عباس: لا أحسب كل شئ إلا مثله، يشير إلى ما رواه البخارى فى باب "بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك" من حديث طاوس قال:
стр. 1767
سمعت ابن عباس رضى اللَّه عنهما يقول: أما الذى نهى عنه النبى ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض قال ابن عباس: ولا أحسب كل شئ إلا مثله" وقد جاء فى رواية لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: كنا نبتاع الطعام فيبعث إلينا رسول اللَّه ﷺ من يأمرنا بانتقاله من المكان الذى ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه" وكل هذه الروايات تثبت أنه لا يجوز لمن اشترى شيئا أن يبيعه قبل أن يقبضه. والقبض يتفاوت بتفاوت المبيع فما يتناول باليد كالدراهم والدنانير ونحوهما فقبضه بالتناول، وما لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية، وما ينقل فى العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به، وما يشترى كيلا لا يباع إلا بالكيل، وما يشترى وزنا لا يباع إلا بالوزن وأنه لا يجوز أن يكتفى فيه بالكيل الأول ولا بالوزن الأول وقد انعقد إجماع علماء هذه الأمة على جواز بيع الصبرة جزافا. أى بلا كيل ولا وزن واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - يشترط القبض فى المكيل بالكيل وفى الموزون بالوزن فمن اشترى مكايلة لا يبيع وزنا ومن اشترى وزنا لا يبيع مكايلة.
٢ - من اشترى مكايلة وقبضه ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا.
٣ - أن القبض فى المبيعات يتفاوت بتفاوت المبيع فقبض العقار ونحوه بالتخلية. وقبض الدراهم ونحوها بتسلمها وتناولها، وقبض الحيوانات و"السيارات" والأخشاب والحبوب يكون
стр. 1768
بنقلها من مكان إلى مكان لا اختصاص للبائع به.
٤ - أنه يجوز بيع الصبرة جزافا.
стр. 1769
١٩ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: نهى رسول اللَّه عن بيعتين فى بيعة" رواه أحمد والنسائى وصححه الترمذى وابن حبان, ولأبى داود "من باع بيعتين فى بيعة فله أوكَسُهُمَا أو الربا".
[المفردات]
" وعنه" أى عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
"عن بيعتين فى بيعة" فسر بتفسيرين: أحدهما أن يقول البائع للمشترى: بعتك هذا الشئ نسيئة -أى مع تأجيل الثمن بألفين، ونقدا بألف فأيهما شئت أخذت به، ثم يتفرقان دون أن يتم البيع نقدا أو نسيئة. والتفسير الثانى أن يقول البائع للمشترى: بعتك هذا الجمل -مثلا- على أن تبيعنى كذا، ورواية أبى داود تؤيد التفسير الأول.
"فله أوكسهما أو الربا" أى من باع بيعتين فى بيعة فله أقل الثمنين أو الربا.
[البحث]
لا نزاع عند أهل العلم فى جواز أن يشترى الإنسان طعاما أو نحوه بثمن مؤجل وعنون البخارى لذلك فى كتاب البيوع فقال: باب شراء النبى ﷺ بالنسيئة. وروى هو ومسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ اشترى طعاما من يهودى إلى أجل ورهنه درعا من حديد" كما عنون البخارى فى كتاب الاستقراض فقال: باب من اشترى بالدين
стр. 1770
وليس عنده ثمنه أو ليس بحضرته" وساق حديث جابر فى بيعه الجمل على رسول اللَّه ﷺ فى الطريق وقبضه الثمن بالمدينة. وقد راج فى زمننا هذا أن بعض التجار يعرضون سلعهم ويجعلون ثمنها -بالتقسيط كذا ونقدا كذا- ويجعلون الثمن إذا كان -بالتقسيط- أكثر من البيع بالنقد وقد أجازه جماعة من أهل العلم ما دام البيعان لم يتفرقا حتى تم البيع على طريق منهما. والأحوط تركه لما فيه من شبهة الربا. واللَّه أعلم.
стр. 1771
٢٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى اللَّه عنهم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان فى بيع ولا رِبْح ما لم يُضْمَنْ، ولا بَيْعُ ما ليس عندك" رواه الخمسة وصححه الترمذى وابن خزيمة والحاكم، وأخرجه فى علوم الحديث من رواية أبى حنيفة عن عمرو المذكور بلفظ "نهى عن بيع وشرط" ومن هذا الوجه أخرجه الطبرانى فى الأوسط وهو غريب.
[المفردات]
" سلف وبيع" قال فى النهاية: وهو مثل أن يقول: بعتك هذا العبد بألف على أن تسلفنى ألفا فى متاع أو على أن تقرضنى ألفا اهـ وقيل هو أن يشترى سلعة بأكثر من ثمنها لأجل أنها نسيئة فيحتال لجعلها نقدا بأن يستلف ويستقرض الثمن من البائع ليعجله إليه حيلة.
"شرطان فى بيع" قال فى النهاية: كقولك بعتك هذا الثوب نقدا بدينار ونسيئة بدينارين. وقيل هو أن يشترط البائع على المشترى
стр. 1772
أن لا يبيع السلعة ولا يهبها. وقيل: هو أن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعنى السلعة الفلانية بكذا.
"ربح ما لم يضمن" قيل: معناه: ما لم يقبض لأن السلعة قبل قبضها ليست فى ضمان المشترى فإذا تلفت تلفت من مال البائع وقيل: ما لم يملك، فإذا باع شيئا لا يملكه فإنه لا يحل له ربحه.
"بيع ما ليس عندك" قال ابن المنذر: وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين أحدهما أن يقول: أبيعك عبدا أو دارا معينة وهى غائبة فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها. ثانيهما أن يقول: هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها اهـ.
"وأخرجه" أى الحاكم.
"عمرو المذكور" هو عمرو بن شعيب ﵀.
"ومن هذا الوجه" أى الذى أخرجه منه الحاكم وهو طريق أبى حنيفة عن عمرو بن شعيب.
"وهو غريب" أى ضعيف، وممن استغربه النووى.
[البحث]
تقدم كلام أهل العلم فى سند حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما تقدم الكلام عند الحديث الخامس من أحاديث هذا الباب عن جواز البيع والشرط لحديث جابر رضى اللَّه عنه ما دام هذا الشرط معلوما ولا يتعارض مع المراد من البيع ويصح إفراده بالعقد. كما تقدم الكلام عند الحديث العاشر من أحاديث هذا الباب على بطلان الشرط المخالف
стр. 1773
لكتاب اللَّه مع صحة البيع لحديث بريرة رضى اللَّه عنها، وقد اتضح أن الشرط الباطل هو الذى ينافى مقصود البيع كما إذا اشترط فى بيع الجارية أن لا يطأها، وفى الدار أن لا يسكنها، وفى العبد أن لا يستخدمه، وفى الدابة أن لا يركبها. قال الحافظ فى الفتح: وأما حديث النهى عن بيع وشرط ففى إسناده مقال وهو قابل للتأويل اهـ وأما إذا اشترط شيئا معلوما لوقت معلوم فلا بأس به ففى حديث النهى عن الثنيا: "إلا أن تعلم" كما سيجئ بحثه فى الحديث الخامس والعشرين إن شاء اللَّه تعالى. والحكم على كل بيع وقع فيه شرط بالبطلان غير سديد كما أن الحكم على كل بيع وقع فيه شرط بالصحة للبيع والشرط هو غير سديد كذلك. وقد أثر عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبى ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة فقلت ما تقول فى رجل باع بيعا وشرط شرطا فقال: البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبى ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فقال: البيع جائز والشرط جائز فقلت: سبحان اللَّه ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا على مسألة واحدة، واللَّه لأسألنهم، فأتيت أبا حنيفة فقلت: يا شيخ، سألتك عن رجل باع بيعا وشرط شرطا فقلت: البيع باطل والشرط باطل، وسألت فلانا وفلانا فقال أحدهما كذا وكذا، وقال الآخر: كذا وكذا، فقال أبو حنيفة: لا أدرى ما قالا؟ . حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ نهى عن بيع وشرط فالبيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبى ليلى فأخبرته فقال: ما أدرى ما قالا؟ حدثنى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه
стр. 1774
قالت: أمرنى رسول اللَّه ﷺ أن اشترى بريرة فأعتقيها، البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: ما أدرى ما قالا؟ حدثنى مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد اللَّه قال: بعت من النبى ﷺ ناقة فاشترط لى حملانها إلى المدينة. البيع جائز والشرط جائز اهـ وقد وصف المصنف هنا رواية أبى حنيفة ﵀ عن عمرو بن شعيب بالغرابة. واللَّه أعلم. وقال الحافظ فى تلخيص الحبير: "نهى عن بيع وشرط" بيض له الرافعى فى التذنيب واستغربه النووى، رواه ابن حزم فى المحلى والخطابى فى المعالم والطبرانى فى الأوسط، والحاكم فى علوم الحديث من طريق محمد بن سليمان الذهلى عن عبد الوارث بن سعيد عن أبى حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فى قصة طويلة مشهورة، ورويناه فى الجزء الثالث من مشيخة بغداد للدمياطى، ونقل فيه عن ابن أبى الفوارس أنه قال: غريب. ورواه أصحاب السنن إلا ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان فى بيع. اهـ وقد عنون البخارى فى صحيحه فقال: باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك. قال الحافظ فى الفتح: لم يذكر فى حديثى الباب بيع ما ليس عندك وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبطه من النهى عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النهى عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ: قلت: يا رسول اللَّه، يأتينى الرجل فيسألنى البيع ليس عندى أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: "لا تبع
стр. 1775
ما ليس عندك" وأخرجه الترمذى مختصر ولفظه: نهانى رسول اللَّه ﷺ عن بيع ما ليس عندى" اهـ.
стр. 1776
٢١ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع العُرْبان" رواه مالك قال: بلغنى عن عمرو بن شعيب به.
[المفردات]
" عنه" أى وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
"بيع العربان" قال فى القاموس: والعُرْبان والعُربون بضمهما والعَربُون محركة وتبدل عينهن همزة: ما عقد به المبايعة من الثمن. وقال فى لسان العرب: العُرْبان والعُرْبُون والعَرَبُون: كل ما عقد به البيعة من الثمن، أعجمى أعرب، قال الفراء: أعربت إعرابا وعَرَّبْتُ تعريبا إذا أعطيت العربان، وروى عن عطاء أنه كان ينهى عن الإِعراب فى البيع، قال شمر: الإِعراب فى البيع أن يقول الرجل للرجل: إن لم آخذ هذا البيع بكذا فلك كذا وكذا من مالى. وفى الحديث أنه نهى عن بيع العربان، هو أن يشترى السلعة ويدفع إلى صاحبها شيئا على أنه إن أمضى البيع حسب من الثمن، وإن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة ولم يرتجعه المشترى اهـ.
[البحث]
لفظ الموطأ من رواية يحيى: عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع العُربان"
стр. 1777
قال مالك: وذلك فيما نُرَى واللَّه أعلم أن يشترى الرجل العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة ثم يقول للذى اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك دينارا أو درهما أو أكثر من ذلك أو أقل على أنى إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذى أعطيك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك، باطل بغير شئ. اهـ قال السيوطى فى تنوير الحوالك: هذا الحديث أخرجه الخطيب فى الرواة عن مالك من طريق الهيثم بن يمان أبى بشر الرازى عن مالك عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب به. وقال ابن عبد البر: تكلم الناس فى الثقة عنده فى هذا الموضع وأشبه ما قيل فيه أنه أخذه عن الزهرى عن ابن لهيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة لأن ابن لهيعة سمعه من عمرو بن شعيب سمعه منه ابن وهب وغيره انتهى، وقال الحافظ فى تلخيص الحبير: "نهى عن بيع العربان" مالك أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه راو لم يسم، وسمى فى رواية لابن ماجه ضعيفة: عبد اللَّه بن عامر الأسلمى وقيل: هو ابن لهيعة وهما ضعيفان، ورواه الدارقطنى والخطيب فى الرواة عن مالك من طريق الهيثم بن اليمان عنه عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب، وعمرو بن الحارث ثقة، والهيثم ضعفه الأزدى، وقال أبو حاتم: صدوق. وذكر الدارقطنى أنه تفرد بقوله عن عمرو بن الحارث. قال ابن عدى: يقال: إن مالكا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة. ورواه البيهقى من طريق عاصم بن عبد العزيز عن الحارث بن عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب، وقال
стр. 1778
عبد الرزاق فى مصنفه: أنا الأسلمى، عن زيد بن أسلم: سئل رسول اللَّه ﷺ عن العربان فى البيع فأحله , وهذا ضعيف مع أرساله. الأسلمى هو إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى اهـ ثم نقل الحافظ تفسير مالك لبيع العربان ثم قال: وكذلك فسره عبد الرزاق عن الأسلمى عن زيد بن أسلم. هذا الخطر فى بيع العربان قد يأتى إذا أراد المشترى الاحتيال حتى لا يتمكن غيره من شراء هذه السلعة مع مجازفته بالمبلغ الذى يدفعه عربونا، وقد يكون ذلك غررا بالبائع وتفويت فرصة البيع عليه. واللَّه أعلم.
стр. 1779
٢٢ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: ابتعت زيتا فى السوق، فلما استوجبته لقينى رجل فأعطانى به ربحا حسنا، فأردت أن أضرب على يد الرجل، فأخذ رجل من خلفى بذراعى، فَالْتَفَتُّ فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول اللَّه ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" رواه أحمد أبو داود واللفظ له وصححه ابن حبان والحاكم.
[المفردات]
" ابتعت" أى اشتريت.
"فلما استوجبته" أى فلما تم عقد البيع بينى وبين البائع.
"فأعطانى به ربحا حسنا" أى فأراد شراءه منى بزيادة حسنة عما اشتريته به.
стр. 1780
"فأردت أن أضرب على يد الرجل" أى فعزمت على بيعه عليه وأردت أن أضرب بيدى على يده إشعارا بموافقتى على البيع.
"فالتفت" أى فاستدرت بوجهى إلى الخلف لأرى الرجل الذى أمسك بذراعى من خلفى.
"فإذا زيد بن ثابت" أى فإذا الذى أمسك بذراعى من خلفى هو زيد ابن ثابت رضى اللَّه عنه.
"حيث ابتعته" أى فى المكان الذى اشتريته فيه.
"حتى تحوزه إلى رحلك" أى حتى تنقله من المكان الذى اشتريته فيه إلى المكان الذى تضع فيه حوائجك.
"حيث تبتاع" أى فى المكان الذى تشترى منه.
"حتى يحوزها التجار" أى يضمها وينقلها المشترون.
"إلى رحالهم" أى إلى منازلهم أو الأماكن التى يضعون فيها حوائجهم.
[البحث]
تقدم فى بحث الحديث الثامن عشر ما رواه مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: كنا نبتاع الطعام فيبعث إلينا رسول اللَّه ﷺ من يأمرنا بانتقاله من المكان الذى ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه" كما قدمت هناك ما رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضْرَبُون على عهد رسول اللَّه ﷺ أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم، وقد استنبط البخارى ﵀ من هذا الحديث تعزير من باع ما اشتراه قبل أن يؤويه إلى رحله، فقال مترجما لحديث ابن عمر هذا "باب من رأى
стр. 1781
إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله، والأدب فى ذلك" يعنى تأديب من باع ما اشتراه قبل أن يؤويه إلى رحله. ولفظ البخارى الذى أورده فى هذا الباب عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: قال لقد رأيت الناس فى عهد رسول اللَّه ﷺ يبتاعون جِزافا -يعنى الطعام- يضربون أن يبيعوه فى مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم.
[ما يفيده الحديث]
١ - لا يجوز بيع السلعة المشتراة قبل أن ينقلها المشترى ويحوزها.
٢ - حرص أصحاب رسول اللَّه ﷺ على نشر تعاليم الإسلام.
стр. 1782
٢٣ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: "قلت: يا رسول اللَّه إنى أبيع الإِبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدرهم وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذا، وأعطى هذا من هذا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شئ" رواه الخمسة صححه الحاكم.
[المفردات]
" وعنه" أى وعن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما.
"بالبقيع" البقيع بالباء المفتوحة يطلق على مواضع منها بقيع الغرقد وهو شرقى المسجد النبوى وهو مدفن أهل المدينة وكان ينبت به شجر يقال له: الغرقد فقيل بقيع الغرقد. وقد جاء فى رواية البيهقى لهذا الحديث: فى بقيع الغرقد قال النووى: ولم تكن كثرت إذ ذاك فيه القبور. يعنى فكانوا يتبايعون فيه
стр. 1783
ويطلق البقيع أيضا على موضع يقع شمال شرقى المسجد النبوى وشمالى بقيع الغرقد يقال له: بقيع الأسواق أو بقيع الأصواف. وموضعه الآن: شرقى "شارع أبى ذر قرب باب التمار" جنوبى "السمانية" وشمالى "العنابية" والظاهر أنه هو الذى كان يتبايع فيه الناس وقد ذكر ابن باطيش عن اللفظ الوارد فى حديث ابن عمر هذا: أن الظاهر أنه بالنون. وإذا صح كلام ابن باطيش فإن النقيع يقع جنوبى المدينة المنورة وهو حمى رسول اللَّه ﷺ كما جاء فى صحيح البخارى فى باب لا حمى إلا اللَّه ورسوله.
"وآخذ الدراهم" أى بدل الدنانير التى انعقد بها البيع.
"وآخذ الدنانير" أى بدل الدراهم التى انعقد بها البيع.
"آخذ هذا من هذا" أى آخذ هذا بدل هذا.
"وأعطى هذا من هذا" أى وأعطى هذا بدل هذا.
"ما لم تفترقا وبينكما شئ" أى ما لم يتفرق البيعان وبينهما شئ لم يقبض من الدراهم أو الدنانير.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث ابن عمر: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبى ﷺ فسألته عن ذلك فقال: "لا بأس به بالقيمة" وفى رواية "لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شئ" أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من طريق سماك ابن حرب عن سعيد بن جبير عنه. ولفظ أبى داود: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شئ" وفى لفظ لأحمد: لا بأس به بالقيمة" ولفظ النسائى: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا
стр. 1784
وبينكما شئ" وفى لفظ له: ما لم يفرق بينكما شئ قال الترمذى والبيهقى: لم يرفعه غير سماك. وعلق الشافعى فى سنن حرملة القول به على صحة الحديث. وروى البيهقى من طريق أبى داود الطيالسى قال: سئل شعبة عن حديث سماك هذا فقال شعبة: سمعت أيوب عن نافع عن ابن عمر ولم يرفعه، ونا قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ولم يرفعه، ونا يحيى بن أبى إسحاق عن سالم عن ابن عمرو لم يرفعه ورفعه لنا سماك بن حرب. وأنا أفرقه (تنبيه) البقيع المذكور بالباء الموحدة كما وقع عند البيهقى: "فى بقيع الغرقد" قال النووى: ولم تكن كثرت إذ ذاك فيه القبور، وقال ابن باطيش: لم أر من ضبطه، والظاهر أنه بالنون. اهـ ولا شك أن من استقر فى ذمته عند المبايعة دنانير فدفعها للبائع دراهم أو بالعكس ورضى بذلك البائع وتقابضا قبل التفرق فإنه لا بأس بذلك لما تقرر أنه إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. واللَّه أعلم.
стр. 1785
٢٤ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن النَّجْشِ" متفق عليه.
[المفردات]
" وعنه" أى وعن عبد اللَّه ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
"النَّجْشِ" بفتح النون وسكون الجيم أصله فى اللغة إثارة الصيد من مخبئه ليصيده غيره وفسر ابن قتيبة النجش بالختل والخديعة وفى الاصطلاح هو أن يزيد فى ثمن السلعة لا ليشتريها بل
стр. 1786
ليخدع غيره ويغريه بشرائها.
[البحث]
قال البخارى: باب النجش ومن قال لا يجوز ذلك البيع، وقال ابن أبى أوفى "الناجش آكل ربا خائن" وهو خداع باطل لا يحل قال النبى ﷺ : الخديعة فى النار، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ثم ساق الحديث. قول البخارى: قال ابن أبى أوفى: الناجش آكل ربا خائن" قال الحافظ فى الفتح: هذا طرف من حديث أورده المصنف فى الشهادات فى باب قول اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ثم ساق فيه من طريق السكسكى عن عبد اللَّه بن أبى أوفى قال: أقام رجل سلعته فحلف باللَّه لقد أعطى فيها ما لم يعط فنزلت، قال ابن أبى أوفى: الناجش آكل ربا خائن" أورده من طريق يزيد بن هارون عن السكسكى. ثم قال الحافظ: وأطلق ابن أبى أوفى على من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش لمشاركته لمن يزيد فى السلعة وهو لا يريد أن يشتريها فى غرور الغير فاشتركا فى الحكم لذلك وكونه آكل ربا بهذا التفسير وكذلك يصح على التفسير الأول إن واطأه البائع على ذلك وجعل له عليه جعلا فيشتر كان جميعا فى الخيانة اهـ. قد أوضح الحافظ ﵀ أن قوله فى الترجمة: وهو خداع باطل لا يحل هو من تفقه المصنف وليس من تتمة كلام ابن أبى أوفى. هذا ومن العجيب أن الحافظ ﵀ ضبط النجش فى أول شرحه للترجمة وحديث الباب بفتح النون وسكون الجيم. ثم قال فى آخر شرحه لهذا الحديث "عن النجش" تقدم أن المشهور أنه بفتح الجيم وحكى
стр. 1787
المطرزى فيه السكون".
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه لا يحل لمسلم أن يزيد فى ثمن سلعة وهو لا يريد شراءها.
٢ - ولا يحل للبائع أن يدعى أنه أعطى فى السلعة كذا وهو لم يعط.
٣ - وأنه حرى بالبيع الذى يجرى فيه النجش أن لا يبارك للبائع فيه.
стр. 1788
٢٥ - وعن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وعن الثنيا إلا أن تعلم" رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذى.
[المفردات]
" المحاقلة" أصلها فى اللغة مأخوذة من الحقل جمع حقلة قاله الجوهرى وهى الساحات جمع ساحة. وفى الاصطلاح هى أن يبيع الإِنسان الزرع بمائة فرق من الحنطة مثلا. وقال أبو عبيد: هو بيع الطعام فى سنبله بالبر. وقال الليث: الحقل: الزرع إذا انشعب من قبل أن يغلظ سوقه.
"المزابنة" هى بيع الثمر على رؤس النخل بمائة فرق التمر مثلا. وبيع العنب بالزبيب كيلا.
"المخابرة" هى المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع مأخوذة من الخبار وهى الأرض اللينة وقد تسمى المزارعة وقيل المزراعة: العمل فى الأرض بجزء من الخارج منها والبذر من مالك الأرض. أما المخابرة فهى كذلك إلا أن
стр. 1789
البذر من العامل.
"الثنيا" أى الاستثناء أو الاشتراط فى البيع.
[البحث]
روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المزابنة. أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا أو كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام ونهى عن ذلك كله وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث ابن عمر أن النبى ﷺ نهى عن المزابنة قال: والمزابنة: أن يبيع التمر بكيل إن زاد فلى وإن نقص فعلَىَّ. وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزابنة. والمزابنة اشتراء الثَّمر بالتَّمْر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا. وفى لفظ للبخارى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة. والمزابنة اشتراء الثَّمر بالتَّمْر فى رؤس النخل. وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: نهى النبى ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، وأخرج مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة. قال فى التلخيص: حديث جابر أن النبى ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة، والمحاقلة أن يبيع الرجل الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة والمزابنة: أن يبيع التمر على رؤس النخل بمائة فرق من تمر. الشافعى فى المختصر عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء عنه قال ابن جريج: قلت لعطاء: أفسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتنى؟ قال: نعم، وهو متفق عليه من حديث سفيان
стр. 1790
نحوه، واتفقا عن مالك عن نافع عن بن عمر بلفظ: نهى عن المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالثمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا، وأخرجه عن الشافعى فى الأم قال الشافعى: وتفسير المحاقلة والمزابنة فى الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبى ﷺ منصوصا، ويحتمل أن يكون من رواية من رواه انتهى. وفى الباب عن أبى سعيد وابن عمر وابن عباس وأنس وأبى هريرة وكلها فى الصحيحين أو أحدهما. وعن رافع بن خديج فى النسائى وسهل بن سعد فى الطبرانى اهـ أما المخابرة فسيأتى تحقيق البحث فيها إن شاء اللَّه تعالى فى باب المساقاة والإجارة عند الكلام على حديث ثابت بن الضحاك الذى أخرجه مسلم بلفظ: أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة، أما النهى عن الثنيا فقد أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح من حديث جابر رضى اللَّه عنه وأخرجه مسلم بلفظ نهى عن الثنيا، وقد قال الترمذى: باب ما جاء فى النهى عن الثنيا حدثنا زياد بن أيوب البغدادى حدثنا عباد بن العوام، أخبرنى سفيان اين حسين عن يونس بن عبيد عن عطاء عن جابر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والثنيا إلا أن تعلم" هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث يونس بن عبيد عن عطاء عن جابر اهـ فالثنيا ينهى عنها إذا كان الشرط مجهولا أما إذا كان معلوما لوقت معلوم فلا بأس به كما تقدم عند الكلام على الحديث العشرين من هذا الباب واللَّه أعلم. هذا وقد أشار الحافظ فى التلخيص إلى أن ابن الجوزى وهم فذكر فى جامع المسانيد أن حديث النهى عن الثنيا متفق عليه من حديث جابر قال الحافظ: ولم يذكر البخارى فى كتابه الثنيا
следующие страницы →