Полный текст (4 105 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
"والقرض" قال فى القاموس: والقرض ويكسر: ما سلفت من إساءة أو إحسان، وما تعطه لتقضاه. وقال: وأقرضه أعطاه قرضا وقطع له قطعة يجازى عليها اهـ ويطلق الاستقراض على الاستدانة وهو أن يستدين شخص مالا من آخر ليؤديه له.
"والرهن" هو فى اللغة الثبوت والدوام يقال: ماء راهن أى راكد ونعمة راهنة أى دائمة. وفيل هو الحبس لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أى محبوسة. والقولان متقاربان لأن المحبوس ثابت فى مكان لا يزايله. وقال فى القاموس: الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك اهـ وعرفه الفقهاء بأنه جعل عين مالية وثيقة بدين أو عين مضمونة للاستيفاء منها أو من ثمنها عند الحاجة. ولعل المصنف جمع أبواب السلم والقرض والرهن معا لقلة الأحاديث الواردة فيها ولما لها من تعلق بعضها ببعض.
"قدم النبى ﷺ المدينة" أى جاء ﷺ إلى المدينة مهاجرا.
"وهم يسلفون" أى وأهل المدينة من الأوس والخزرج وغيرهم يتعاملون بالسلف أى بالسلم أى يعطون الثمن فى الحال ويأخذون السلعة فى المآل اهـ.
"السنة والسنتين" إلى مدة سنة أو مدة سنتين يعنى يدفعون المال إلى من يتعاملون معه بالسلم ويكون تسليم الثمار مؤجلا إلى سنة أو إلى سنتين بعد تسليم الثمن.
"أسلف" أى رغب فى عقد صفقة سلم.
стр. 1927
"فى ثمر" قال الصنعانى فى سبل السلام: روى بالمثناة والمثلثة اهـ. ولا شك أن رواية الثمر بالثاء وفتح الميم أعم من رواية التاء وسكون الميم وإن كان الذى وقفت عليه فى صحيح البخارى ومسلم كله بالتاء والميم الساكنة.
"كيل معلوم" أى مقدار محدد من الكيل مع ضبط نوع الكيل أيضا كصاع الحجاز وقفيز العراق وإردب مصر، وحتى إذا اختلفت مكاييل هذه الجهات فإنه يجب تحديد نوع الكيل الذى يقصد التعاقد عليه منها وهذا كله فيما يكال.
"ووزن معلوم" أى أو وزن معلوم يعنى فيما يوزن، ولابد من تحديد نوع الوزن كذلك إذا اختلفت أنواعه، وهذا أيضا فيما يوزن.
"إلى أجل معلوم" أى إلى وقت محدد.
"وللبخارى" أى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما.
"فى شئ" أى بدل قوله فى الراوية المتفق عليها: فى تمر. والشئ يشمل المار وغيرها كالحنطة والشعير والتمر والزيت.
[البحث]
لم تعرف الإنسانية نظاما ماليا أدق، وأشمل، واكمل، وأبقى، وأنقى من نظام الإسلام، ولم تعرف ما يدانيه، ولا ما يقاربه، والإسلام يجعل المال قياما للناس كما جعل الدين لهم قياما حيث يقول اللَّه : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ ويقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ فلا قيام للمجتمع الصالح الا بصيانة الدين وطيب المال، وقد أنزل اللَّه تبارك وتعالى
стр. 1928
أطول آية فى كتابه الكريم فى نظام صيانة الأموال، وضبطها على تقوى من. اللَّه تعالى واتباع لما شرعه لهم فيها حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أو ضَعِيفًا أو لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ثم يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقد حذر اللَّه المسلمين أشد التحذير من أكل أموال الناس بالباطل وجعل أكل أموال الناس بالباطل قرينا لقتل أنفسهم حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ولم يجعل الأمر موقوفا على رضا المتعاقدين فقط
стр. 1929
بل لابد أن يكون رضاهما فى حدود ما تجيزه الشريعة الإسلامية، إذ لو تراضيا على معاملة محرمة فإنه لاعبرة بتراضيهما، وقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أن قبول العبادة موقوف على أن يكون طعام العابد طيبا فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال "أيها الناس إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك" وقد أغلق الإسلام جميع الأبواب التى تؤدى إلى أكل أموال الناس بالباطل فحرم اكتساب المال من طريق الربا أو الرشوة أو التزوير أو الغصب أو الخداع أو النجش أو تلقى الركبان أو المزابنة أو بيع الثمار قبل بدو صلاحها، ووضع قواعد الأموال الربويةكما أنه شرع للمسلمين من طرق اكتساب المال واستثماره ما يغنى ويكفى ويشفى، ويسد حاجة الناس على اختلاف أحوالهم وطبائعهم ومعارفهم وقدراتهم وقد أوضحت الشريعة الإسلامية أنه لا ينعقد البيع إلا إذا كان عن تراض وأن يكون العاقد جائز التصرف وأن يكون المبيع مالًا، يصح الانتفاع به، من غير ضرورة، وأن يكون المبيع مملوكا للبائع أو مأذونا له فى بيعه، وأن يكون مقدورا على تسليمه وأن يكون معلوما برؤية أو صفة تحصل بها معرفته، وأن يكون الثمن معلوما. ورخصت الشريعة الإسلامية فى أنواع من المعاملات توسعة على المسلمين ودفعا
стр. 1930
للأذى والضرر عنهم وسدًّا لحاجتهم فاستثنت بيع العرايا لمَّا حرمت الربا والمزابنة، وشرعت كذلك نظام السلم واستثنته من قاعدة منع بيع الإنسان ما ليس عنده كما شرعت المضاربة وألوانا من الشركات وفيها وفى السلم أبواب واسعة لاستثمار الأموال أحسن استثمار دون مضرة تلحق أحد الطرفين، فلم تجعل الفائدة لأحد المتعاقدين والخسارة على أحدهما كالربا. وبمقارنة المعاملات المشروعة بالمعاملات المحرمة يتضح أن هذا التشريع هو تشريع العليم الحكيم الخبير. ولم تحرم الشريعة شيئا إلا لدفع ما فيه من الأذى والمفاسد، ولم تبح شيئا إلا وفيه ما لا يحصى من المصالح والمنافع والفوائد، وذلك كله فى إطار قاعدة شرعية مطردة وهى أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وأنه لا ضرر ولا ضرار. وقد عنون المصنف ﵀ لثلاثة أبواب وهى السلم والقرض والرهن. هذا واللفظ الذى ساقه المصنف هنا هو لفظ مسلم أما البخارى فلفظه من حديث إسماعيل بن علية أخبرنا ابن أبى نجيح عن عبد اللَّه بن كثير عن أبى المنهال عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة والناس يسلفون فى الثمر العام والعامين أو قال: عامين أو ثلاثة شك إسماعيل- فقال: "من سلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم" ثم أورده من طريق ابن عيينة بنفس السند عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قدم النبى ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاثة فقال: من أسلف فى شئ ففى كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" وقال البخارى: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن ابن أبى نجيح عن عبد اللَّه بن كثير
стр. 1931
عن أبى المنهال عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قدم النبى ﷺ المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنتين والثلاث فقال: "أسلفوا فى الثمار فى كيل معلوم إلى أجل معلوم" وقال عبد اللَّه بن الوليد: حدثنا سفيان حدثنا ابن أبى نجيح. وقال: فى كيل معلوم ووزن معلوم. أما مسلم ﵀ فقد أورد اللفظ الذى ساقه المصنف ثم قال: حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد الوارث عن ابن نجيح حدثنى عبد اللَّه بن كثير عن أبى المنهال عن ابن عباس قال: قدم رسول اللَّه ﷺ والناس يسلفون فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "من أسلف فلا يسلف إلا فى كيل معلوم ووزن معلوم. قال الحافظ فى الفتح: قال ابن بطال: أجمعوا على أنه إن كان فى السلم ما يكال أو يوزن فلابد فيه من ذكر الكيل المعلوم والوزن المعلوم فإن كان فيما لا يكال ولا يوزن فلابد فيه من عدد معلوم ثم قال الحافظ: وأجمعوا على أنه لا بد من معرفة صفة الشئ المسلم فيه صفة تميزه عن غيره وكأنه لم يذكر فى الحديث لأنهم كانوا يعملون به وإنما تعرض لذكر ما كانوا يهملونه. وقال الحافظ فى الفتح: واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسليم رأس المال فى المجلس، وقال الحافظ فى الفتح: وقد روى ابن حبان والحاكم والبيهقى من حديث عبد اللَّه بن سلام فى قصة إسلام زيد بن سعنة بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة بعدها نون- أنه قال لرسول اللَّه ﷺ هل لك أن تبيعنى ثمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بنى فلأن؟ قال: "لا أبيعك من حائط مسمى، بل أبيعك أوسقا مسماة إلى أجل مسمى" وقال الحافظ فى الإصابة فى ترجمة زيد بن سعنة الحبر
стр. 1932
الاسرائيلى: روى قصة إسلامه الطبرانى وابن حبان والحاكم وأبو الشيخ فى كتاب أخلاق النبى ﷺ وغيرهم من طريق الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه عن جده عن عبد اللَّه بن سلام قال: قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شئ إلا وقد عرفته فى وجه محمد حين نظرت إليه إلا خصلتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل إلا حلما". فذكر الحديث بطوله، وفيه مبايعته النبى ﷺ التمر إلى أجل ومقاضاته إياه عند استحقاقه. وفى آخره: فقال زيد بن سعنة: أشهد ألا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله، وآمن وصدق، وشهد مع النبى ﷺ مشاهده واستشهد فى غزوة تبوك مقبلا غير مدبر. ورجال الإسناد موثقون. وقد صرح الوليد فيه بالتحديث. ومداره على محمد بن أبى السرى الراوى له عن الوليد، وثقه ابن معين ولينه أبو حاتم واللَّه أعلم اهـ وقال البيهقى فى السنن الكبرى فى باب "لا يجوز السلف حتى يكون بصفة معلومة لا تتعلق بعين: وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد ثنا عبد اللَّه بن جعفر بن درستويه ثنا يعقوب بن سفيان حدثنى محمد بن أبى السرى ثنا الوليد بن مسلم حدثنى محمد بن حمزة ابن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه عن جده قال: قال عبد اللَّه ابن سلام: إن اللَّه لما أراد هدى زيد بن سعنة -فذكر الحديث إلى أن قال: فقال زيد بن سعنة: يا محمد هل لك أن تبيعنى تمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بنى فلان؟ قال: "لا يا يهودى، ولكنى أبيعك تمرا معلوما إلى كذا وكذا من الأجل، ولا أسمى من حائط بنى فلان"
стр. 1933
فقلت: نعم، فبايعنى، فأطلقت هميانى وأعطيته ثمانين دينارا فى تمر معلوم إلى كذا وكذا من الأجل. اهـ ومنع الشريعة من أن يكون السلم فى ثمر حائط معين أو شجر معين لأنه ربما لا يثمر هذا الحائط أو يصاب بآفة وكذلك الشجر المعين فإنه قد لا يثمر أو يصاب بآفة. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - مشروعية السلم.
٢ - أنه يجوز أن يكون الأجل إلى سنة أو سنتين أو ثلاثة بشرط تحديد وقت الأجل.
٣ - أنه إذا كان السلم فيما يكال فلابد فيه من كيل معلوم.
٤ - وأنه إذا كان السلم فيما يوزن فلابد فيه من وزن معلوم.
٥ - وأنه إذا كان السلم فيما لا يكال ولا يوزن لكنه مما يضبط بالعدد فلابد فيه من عدد معلوم.
٦ - لابد من معرفة صفة الشئ المسلم فيه صفة تميزه عن غيره.
٧ - ولابد أن تتوفر فى السلم جميع الشروط التى يجب أن تتوفر فى عقد البيع.
٨ - يجب فى السلم تسليم رأس المال فى مجلس العقد.
٩ - لا يجوز أن يكون السلم فى ثمر حائط معين أو شجر معين.
стр. 1934
٢ - وعن عبد الرحمن بن أبْزَى وعبد اللَّه بن أبى أوفى رضى اللَّه عنهما قالا: كنا نصيب المغانم مع رسول اللَّه ﷺ وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فَنُسْلِفُهم فى الحنطة والشعير والزبيب" وفى رواية -والزيت إلى أجل مسمى" قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك" رواه البخارى.
стр. 1935
[المفردات]
" عبد الرحمن بن أَبْزَى" هو الخزاعى مولى نافع بن الحارث قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: قال البخارى: له صحبة، وذكره غير واحد فى الصحابة وقال أبو حاتم أدرك النبى ﷺ وصلى خلفه. ثم قال الحافظ: وقد ذكره ابن سعد فيمن مات رسول اللَّه ﷺ وهم أحداث الأسنان. وممن جزم بأن له صحبة خليفة بن خياط والترمذى ويعقوب بن سفيان وأبو عروبة والدارقطنى والبرقى، وبقى بن مخلد وغيرهم اهـ وقد استخلفه نافع بن الحارث على أهل مكة أيام عمر وقال لعمر: إنه قارئ لكتاب اللَّه عالم بالفرائض ثم سكن الكوفة، واستعمله على بن أبى طالب على خراسان. والعجيب أن ابن حبان ذكره فى ثقات التابعين مع تصريحه فى حديث الباب هذا بأنه كان يصيب المغانم مع رسول اللَّه ﷺ . هذا وأبزى بوزن أعلى قد اختلف فى صحبته ورجح الحافظ فى الفتح أن لأبزى صحبة.
"أنباط من أنباط الشام" قال الحافظ فى الفتح: وهم قوم من العرب دخلوا فى العجم والروم واختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم ينزلون البطائح بين العراقين، والذين اختلطوا بالروم ينزلون فى بَوَادى الشام ويقال لهم النبط بفتحتين، والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، والأنباط، قيل: سموا بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء أى استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة اهـ.
стр. 1936
"فنسلفهم" أى نتعامل معهم بالسلف أى السلم.
"وفى رواية" أى للبخارى: من طريق عهد الواحد -هو ابن زياد عن الشيبانى ومن طريق سفيان عن سليمان الشيبانى أيضا.
"أجل مسمى" أى إلى مدة معلومة.
"قيل" فى لفظ البخارى: قال: قلت: أكان لهم زرع الخ والقائل هو محمد بن أبى المجالد راوى الحديث عن عبد الرحمن بن أبزى وعبد اللَّه بن أبى أوفى.
[البحث]
أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى كتاب السلم من صحيحه بعدة ألفاظ قال: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن ابن أبى المجالد ح وحدثنا يحيى حدثنا وكيع عن شعبة عن محمد بن أبى المجالد ح وحدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة قال: أخبرنى محمد أبو عبد اللَّه بن أبى المجالد قال: اختلف عبد اللَّه بن شداد وأبو بردة فى السلف فبعثونى إلى ابن أبى أوفى رضى اللَّه عنه فسألته فقال: انا كنا نسلف على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبى بكر وعمر فى الحنطة والشعير والزبيب والتمر، وسألت ابن أبزى، فقال مثل ذلك، ثم قال البخارى: باب السلم إلى من ليس عنده أصل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الوحد حدثنا الشيبانى، حدثنا محمد بن أبى المجالد قال: بعثنى عبد اللَّه بن شداد وأبو بردة إلى عبد اللَّه بنى أبى أوفى رضى اللَّه عنهما فقالا: سَله هل كان أصحاب النبى ﷺ فى عهد النبى ﷺ يسلفون فى الحنطة؟ فقال عبد اللَّه: كنا نسلف نبيط أهل الشام فى الحنطة والشعر والزيت فى كيل معلوم
стр. 1937
إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ماكنا نسألهم عن ذلك، ثم بعثانى إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال: كان أصحاب النبى ﷺ يسلفون على عهد النبى ﷺ ولم نسألهم: ألهم حرث أم لا؟ . حدثنا إسحاق حدثنا خالد بن عبد اللَّه عن الشيبانى عن محمد بن أبى مجالد بهذا. وقال: فنسلفهم فى الحنطة والشعير وقال عبد اللَّه بن الوليد عن سفيان حدثنا الشيبانى وقال: والزيت. حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الشيبانى وقال: فى الحنطة والشعير والزبيب. ثم قال البخارى فى باب السلم إلى أجل معلوم حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد اللَّه أخبرنا سفيان عن سليمان الشيبانى عن محمد بن أبى المجالد قال: أرسلنى أبو بردة وعبد اللَّه بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد اللَّه بن أبى أوفى فسألتهما عن السلف فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول اللَّه ﷺ فكان يأتينا انباط من أنباط الشام فنسلفهم فى الحنطة والشعر والزيت إلى أجل مسمى. قال: قلت: أكان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع؟ . قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز السلم فى المعدوم حال العقد.
٢ - يصح عقد السلم وإن لم يذكر فيه مكان قبض المسلم فيه.
٣ - جواز مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم.
٤ - جواز السلم فى الحنطة والشعير والزبيب والتمر والزيت ونحوها.
٥ - لا يشترط أن يكون البائع فى السلم له زرع وحرث.
٦ - أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه ليس من باب السلم ولا صلة له به.
стр. 1938
٣ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى اللَّه عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه اللَّه" رواه البخارى.
[المفردات]
" أخذ أموال الناس" أى على سبيل السلم أو القرض أو الحفظ أو نحو ذلك.
"يريد أداءها" أى وهو عازم على قضائها وردها إلى مستحقها.
"أدى اللَّه عنه" أى يسر اللَّه له قضاءها وبراءة ذمته منها.
"إتلافها" أى تضييعها على صاحبها وعزمه على عدم ردها.
"أتلفه اللَّه" أى أهلكه اللَّه وأوقعه فى البلايا وضيق عليه ومحق بركته.
[البحث]
هذا الحديث ليس خاصا بالسلم وإنما هو للتنفير من محاولة أخذ أموال الناس بشتى الأسباب مع عزم الآخذ على عدم أدائها كأن يطلب منهم مالا ليكون ثمنا فى السلم ويبيعه الشئ المسلم فيه وهو عازم على أن لا يوفيه، أو أن يأخذ من شخص قرضا وهو عازم على عدم أدائه، أو يأخذ على سبيل العارية وهو عازم على جحدها، أو على سبيل الأمانة وهو ناو أن لا يؤديها أو نحو ذلك. وهذا الحديث مَثل من أمثلة حرص الشريعة الإسلامية على صيانة أموال الناس وعدم أكلها بالباطل، وهو كذلك عامل من أهم عوامل تفريج كرب المكروبين. لأن ما يربيه فى النفس المؤمنة من خشية عقوبة اللَّه على إتلاف أموال الناس
стр. 1939
مُسَهِّل على الموسرين قضاء حاجة المعسرين لغلبة ظنهم أن المستدين سيدفعه الخوف من عقوبة اللَّه على قضاء ما فى ذمته من الدين. هذا مع ما أخبر به رسول اللَّه ﷺ من أن اللَّه يغفر للشهيد باستشهاده فى سبيل اللَّه كل شئ إلا الدين فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين. كما روى مسلم من حديث أبى قتادة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قام فيهم فذكر أن الجهاد فى سبيل اللَّه والإِيمان باللَّه أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه أرأيت إن قتلت فى سبيل اللَّه تكفر عنى خطاياى، فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم إن قتلت فى سبيل اللَّه، وأنت صابر محتسب، مقبل، غير مدبر" ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف قلت؟ " قال: أرأيت إن قتلت فى سبيل اللَّه أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر. إلا الدين فإن جبرائيل قال لى ذلك".
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من استدان ناويا الإِيفاء أعانه اللَّه ويسر له قضاء دينه.
٢ - أن من استدان وهو لا ينوى الأداء أوقعه اللَّه فى المهالك.
٣ - أنه ينبغى للإِنسان أن يحسن نيته.
٤ - أن سوء نية الإِنسان يوقعه فى البلايا.
٥ - وأن حسن نيته يجلب له الخير.
стр. 1940
٤ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قلت يا رسول اللَّه إن فلانا قدم له بَزٌّ من الشام فلو بَعَثْتَ إليه فأخذت منه ثوبين نسيئة إلى ميسرة فبعث إليه فامتنع" أخرجه الحاكم والبيهقى ورجاله ثقات.
[المفردات]
" فلانا" هو كناية عن شخص وقد كان يهوديا.
"بَزٌّ" قال فى القاموس: البز الثياب أو متاع البيت من الثياب ونحوها وبائعه البزاز، وحرفته البِزازة.
"نسيئة" أى دينا تعنى أن يأخذ منه الثوبين ويكون ثمنهما دينا عند رسول اللَّه ﷺ .
"إلى ميسرة" أى يقضى ثمنهما عند ما يوسع اللَّه عليه ويتمكن من قضاء هذا الدين.
"فامتنع" أى رفض أن يبيع بثمن مؤجل.
[البحث]
هذا الحديث ليس من أحاديث السلم بل هو من أحاديث جواز شراء سلعة حاضرة بثمن مؤجل على عكس السلم، وقد أورده الترمذى فى باب ما جاء فى الرخصة فى الشراء إلى أجل قال: حدثنا أبو حفص عمرو بن على ثنا يزيد بن زريع ثنا عمارة بن أبى حفصة ثنا عكرمة عن عائشة قالت: كان على رسول اللَّه ﷺ ثوبان قطريان غليظان، فكان إذا قعد فعرق ثقلا عليه فقدم بز من الشام لفلان اليهودى. فقلت: لو بعثت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة،
стр. 1941
فأرسل إليه فقال: قد علمت ما يريد: إنما يريد أن يذهب بمالى أو بدراهمى، فقال رسول ﷺ : "كذب قد علم أنى من أتقاهم وأدَّاهم للأمانة" وفى الباب عن ابن عباس وأنس وأسماء ابنة يزيد. حديث عائشة حديث حسن صحيح غريب، قد رواه شعبة أيضا عن عمارة بن أبى حفصة سمعت محمد بن فراس البصرى يقول: سمعت أبا داود الطيالسى يقول: سئل شعبة يوما عن هذا الحديث فقال: لست أحدثكم حتى تقوموا إلى حرمى بن عمارة فتقبلوا رأسه. قال: وحرمى فى القوم اهـ وقوله فى حديث الترمذى: قطريان منسوب إلى قطر وهو موضع بين البحرين وعمان وضبطه بعضهم بقاف فطاء فراء كنسب وسبب قال: وهو نوع من برود تصنع باليمن. وفى القاموس: وثياب قطرية بالكسر على غير قياس. وقال بعضهم: القطرى بكسر القاف ضرب من البرود فيه حمرة ولها أعلام فيها بعض الخشونة. هذا وفى بعض نسخ الترمذى ثوبين قطريين. وأورده النسائى بلفظ: وكان على رسول اللَّه ﷺ بردين قطريين الخ والمعروف فى اللغة هو لفظ الترمذى الذى سقته.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز الشراء إلى أجل أعنى فى غير الربويات.
٢ - جواز الشراء من أهل الذمة ومبايعتهم.
٣ - حلم رسول اللَّه ﷺ على أعدائه.
٤ - صبر رسول اللَّه ﷺ على الأذى.
стр. 1942
٥ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذى يركب ويشرب النفقة" رواه البخارى.
[المفردات]
" الظهر" أى ظهر الدابة المرهونة.
"يركب بنفقته" أى يجوز للمرتهن أن يركبه بمقابلة قيمة العلف الذى يعلف به الدابة المرهونة.
"إذا كان مرهونا" أى إذا كانت الدابة التى يركب ظهرها محبوسة عند المرتهن.
"ولبن الدر" قال الحافظ فى الفتح: (قوله الدر) بفتح المهملة وتشديد الراء مصدر بمعنى الدارة أى ذات الضرع.
وقوله "لبن الدر" هو من إضافة الشئ إلى نفسه وهو كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ اهـ وتعقبه العينى بأنه إذا كان المراد بالدر الدارة فلا يكون من إضافة الشئ إلى نفسه لأن اللبن غير الدارة.
"يشرب بنفقته" أى يجوز للمرتهن أن يشرب من لبن الدارة بقدر نفقته عليها.
"إذا كان مرهونا" أى إذا كانت الدارة محبوسة عند المرتهن.
"وعلى الذى يركب ويشرب النفقة" أى ويتحتم على من يستفيد من ظهر المرهون أو لبنه أن ينفق على المرهون ما دام محبوسا عنده
стр. 1943
[البحث]
أورد البخارى فى صحيحه فى كتاب الرهن فى الحضر فى باب: "الرهن مركوب ومحلوب" حديثين قال فى الأول منهما: حدثنا أبو نعيم حدثنا زكرياء عن عامر عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ أنه كان يقول: "الرهن يركب بنفقته، ويشرب لبن الدر إذا كان مرهونا. حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد اللَّه أخبرنا زكرياء عن الشعبى عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : الظهر يركب بنفقته الخ الحديث باللفظ الذى ذكره المصنف هنا. وقد وقع فى أكثر من نسخة من صحيح البخارى المطبوع بدل قوله: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا" "الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا" وهو خطأ بين. وقد وقع هذا الخطأ فى طبعة مطبعة الفجالة الجديدة التى قام بطبعها مكتبة النهضة الحديثة لعبد الحفيظ وعبد الشكور فدا بمكة المكرمة وكذلك فى نسخة فتح البارى طبع الحلبى بمصر سنة ١٣٧٨ هـ وفى نسخ أخرى مع أن الحافظ ﵀ قال فى شرح الحديث الأول من حديثى "الرهن مركوب ومحلوب" "قوله الرهن يركب بنفقته" كذا للجميع بضم أول يركب على البناء للمجهول وكذلك يشرب وهو خبر بمعنى الأمر لكن لم "يتعين فيه المأمور، والمراد بالرهن: المرهون. وقد أوضحه فى الطريق الثانية حيث قال: الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا اهـ وفى نسخة فتح البارى طبع المكتبة السلفية بمصر على الصواب: الظهر الخ. وقد استنبط البخارى ﵀ من هذين الحديثين ترجمة هذا الباب وأن
стр. 1944
الانتفاع بالعين المرهونة إنما يكون بقدر ما ينفقه المرتهن عليها وأشار إلى أن هذا المعنى قد نقله كذلك مغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعى حيث قال البخارى بعد الترجمة: وقال مغيرة عن إبراهيم: تركب الضالة بقدر علفها، وتحلب والرهن مثله اهـ قال الحافظ فى الفتح: وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور عن هشيم عن مغيرة به "قوله والرهن مثله" أى فى الحكم المذكور وقد وصله سعيد بن منصور بالإسناد المذكور ولفظه "الدابة إذا كانت مرهونة تركب بقدر علفها، وإذا كان لها لبن يشرب منه بقدر علفها" ورواه حماد بن سلمة فى جامعه عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم بأوضح من هذا، ولفظه: إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر ثمن علفها فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا" اهـ ولا شك أنه ما دام المرتهن لم ينتفع من العين المرهونة إلا بقدر ما ينفقه عليها لبقائها فإنه لا شبهة فى ذلك، لأنه لم ينتفع فى نظير ماله عند الراهن بشئ، وإنما صار كمن يشترى اللبن أبى يكترى الظهر من شخص ليس بينه وبينه معاملة. والمفهوم من الحديثين ومن الأثر المذكور أنه لو تكفل الراهن بنفقة المرهون عند المرتهن فإنه لا يحل للمرتهن أن يشرب من لبنه أو يركب ظهره. وعلى هذا فلا وجه ألبتة للطعن على هذا الحديث الصحيح الثابت بوجه فقول ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف فى صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر الماضى فى أبواب المظالم "لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه" انتهى. أقول: هذا القول مردود ولا وجه له بحال
стр. 1945
ولا معارضة بين هذا الحديث وبين شئ من الأصول الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ فهو ليس من باب بيع اللبن فى الضرع ولا من باب كل قرض جر منفعة فهو ربا ولا من باب حلب الماشية بغير إذن صاحبها، بل هذا الحديث من أعظم محاسن الشريعة الإسلامية بما اشتمل عليه من الرفق بالدابة المرهونة والإِحسان إليها ودفع الضرر عنها وعن المرتهن وعن الراهن كذلك. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز انتفاع المرتهن من العين المرهونة بقدر نفقته عليها فقط دون زيادة.
٢ - أن انتفاع المرتهن من العين المرهونة بقدر نفقته عليها ليس من الربا.
٣ - دقة نظام الإِسلام فى الأموال وغيرها، وبناؤه على الرحمة والإحسان.
стр. 1946
٦ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يغلق الرهن من صاحبه الذى رهنه، له غنمه وعليه غرمه" رواه الدارقطنى والحاكم ورجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبى داود وغيره إرساله.
[المفردات]
" وعنه" أى وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
"لا يغلق الرهن" قال فى القاموس: وغلق الرهن كفرح استحقه المرتهن وذلك إذا لم يفتكك فى الوقت المشروط اهـ فمعنى "لا يغلق الرهن" أى لا يستحقه المرتهن بمجرد حلول الأجل فهو لا يزال فى ملك الراهن وإن استمر محبوسا بيد المرتهن حتى يفكه الراهن بقضاء ما عليه.
стр. 1947
للمرتهن أو يبيعه على المرتهن أو على غيره وتأدية ما عليه.
"من صاحبه" أى من الراهن.
"له غنمه" أى للراهن زيادته ونماؤه مدة كونه مرهونا.
"وعليه غرمه" أى وعلى الراهن مايحصل على المرهون من نقص أو تلف أو نفقة أو غيرها.
"عند أبى داود" أى فى المراسيل.
"وغيره" كالبزار والدارقطنى وابن القطان.
"إرساله" أى عن سعيد بن المسيب عن النبى ﷺ وليس فيه أبو هريرة رضى اللَّه عنه.
[البحث]
هذا الحديث والحديث الذى يليه كلاهما فى الرهن قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: "لا يغلق الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه" ابن حبان فى صحيحه والدارقطنى والحاكم والبيهقى من طريق زياد بن سعد عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة مرفوعا لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه. وأخرجه ابن ماجه من طريق إسحاق بن راشد عن الزهرى، وأخرجه الحاكم من طرق عن الزهرى موصولة أيضا، ورواه الأوزاعى ويونس وابن أبى ذئب عن الزهرى عن سعيد مرسلا. ورواه الشافعى عن ابن أبى فديك، وابن أبى شيبة عن وكيع، وعبد الرزاق عن الثورى، كلهم عن ابن أبى ذئب كذلك. ولفظه: لا يغلق الرهن من صاحبه الذى رهنه له غنمه وعليه غرمه. قال الشافعى: غنمه زيادته. وغرمه هلاكه. وصحح أبو داود والبزار
стр. 1948
والدارقطنى وابن القطان إرساله، وله طرق فى الدارقطنى والبيهقى كلها ضعيفة، وصحح ابن عبد البر وعبد الحق وصله، وقوله: له غنمه وعليه غرمه قيل: إنها مدرجة من قول سعيد بن المسيب، فتحرر طرقه، قال ابن عبد البر: هذه اللفظة اختلف الرواة فى رفعها ووقفها فرفعها ابن أبى ذئب ومعمر وغيرهما، مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن أبى ذئب، ووقفها غيرهم. وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوده وبين أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيب، وقال أبو داود فى المراسيل: قوله له غنمه وعليه غرمه، من كلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزهرى. وقال عبد الرزاق: نا معمر عن الزهرى عن ابن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يغلق الرهن ممن رهنه" قلت للزهرى: أرأيت قول النبى ﷺ : لا يغلق الرهن. أهو الرجل يقول إن لم آتك بمالك فالرهن لك؟ قال: نعم، قال معمر: ثم بلغنى عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا، إنما هلك من رب الرهن، له غنمه وعليه غرمه. وروى ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ نا محمد ابن إبراهيم نا يحيى بن أبى طالب الأنطاكى وغيره من أهل الثقة نا نصر ابن عاصم الأنطاكى نا شبابة عن ورقاء عن ابن أبى ذئب عن الزهرى عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه. قال ابن حزم: هذا سند حسن. قلت: أخرجه الدارقطنى من طريق عبد اللَّه بن نصر الأصم الأنطاكى عن شبابة به. وصححها عبد الحق، وعبد اللَّه بن نصر له أحاديث منكرة ذكرها ابن
стр. 1949
عدى وظهر أن قوله فى رواية ابن خزم: نصر بن عاصم تصحيف وإنما هو عبد اللَّه بن نصر الأصم، وسقط عبد اللَّه وحرف الأصم بعاصم اهـ.
стр. 1950
٧ - وعن أبى رافع رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضى الرجل بكره. فقال: لا أجد إلا خيارا رباعيا. فقال أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء" رواه مسلم.
[المفردات]
" أبى رافع" هو مولى رسول اللَّه ﷺ .
"استسلف" أى استقرض.
"بكرا" هو ولد الناقة أو الفتى من الإِبل أو الثنى إلى أن يجذع أو ابن المخاض إلى أن يثنى أو ابن اللبون أو الذى لم يبزل.
"إبل الصدقة" أى الإِبل التى تؤخذ من الأغنياء من زكاة إبلهم.
"أن يقضى الرجل" أى أن يؤدى للرجل الذى استسلف منه رسول اللَّه ﷺ بكره.
"خيارا" قال فى المرقاة: يقال حمل خيار وناقة خيارة أى مختارة.
"رباعيا" هو الذى استكمل ست سنوات ودخل فى السابعة.
"أعطه إياه" أى أده له وفاء لدينه وقضاء لقرضه.
"خيار الناس" أى أفاضل الناس وذوى الأخلاق الحسنة.
"أحسنهم قضاء" أى أفضلهم فى توفية الدين وتأديته لمستحقه.
стр. 1951
[البحث]
قد تقدم فى بحث الحديث العاشر والحديث الرابع عشر من أحاديث باب الربا مزيد بحث لمبادلة الحيوان بالحيوان نسيئة. وقد روى مسلم حديث أبى رافع بعدة ألفاظ منها ما قدمته فى بحث الحديث الرابع عشر من أحاديث باب الربا وفى لفظ عن أبى رافع رضى اللَّه عنه قال: استسلف رسول اللَّه ﷺ بكرا بمثله غير أنه قال: فإن خير عباد اللَّه أحسنهم قضاء. كما روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة قال: كان لرجل على رسول اللَّه ﷺ حق فأغلظ له فهمَّ به أصحاب النبى ﷺ . الخ الحديث المتقدم فى بحث الحديث الرابع عشر من باب الربا. وأخرج البخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رجلا أتى النبى ﷺ يتقاضاه بعيرا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أعطوه" فقالوا: ما نجد إلا سِنًّا أفضلَ من سِنِّه فقال الرجل: أوفيتنى أوفاك اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أعطوه فإن من خيار الناس أحسنهم قضاء وفى لفظ للبخارى من حديث أبى هريرة قال: كان لرجل على النبى ﷺ سِنٌّ من الإبل فجاءه يتقاضاه فقال ﷺ : "أعطوه" فطلبوا سنه فلم يجدوا له إلا سنا فوقها. فقال: "أعطوه" فقال: أوفيتنى وفى اللَّه بك. قال النبى ﷺ : "إن خياركم أحسنكم قضاء" وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: استقرض رسول اللَّه ﷺ سنا فأعطى سنا فوقه وقال: "خياركم محاسنكم قضاء. وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: جاء رجل يتقاضى رسول اللَّه ﷺ بعيرا فقال: "أعطوه فوق سنه" وقال: "خيركم أحسنكم
стр. 1952
قضاء" هذا ورسول اللَّه ﷺ إنما استقرض البعير على إبل الصدقة لدفع حاجة المساكين. إذ أن رسول اللَّه ﷺ لا تحل له الصدقة ولا يستقرض عليها لنفسه الشريفة ولا لأهل بيته ﷺ ورضى اللَّه عنهم.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز استقراض الإبل ونحوها من الحيوانات.
٢ - جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله.
٣ - أن للإِمام أن يقترض على بيت المال للمساكين ودفع حاجة بعض المحتاجين.
٤ - جواز الوفاء بما هو أفضل من المثل المقترض ما دام لم يشترط ذلك فى العقد، ولم يكن مرادا من الاقتراض.
٥ - أن الزيادة فى وفاء الدين تبرعا وإحسانا لا يعتبر من باب القرض الذى جر نفعا.
٦ - تربية المسلمين على مكارم الأخلاق والوفاء.
стр. 1953
٨ - وعن على رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كل قرض جر منفعة فهو ربا" رواه الحارث بن أبى أسامة وإسناده ساقط، وله شاهد ضعيف عن فضالة بن عبيد عند البيهقى، وآخر موقوف عن عبد اللَّه بن سلام عند البخارى.
[المفردات]
" جر منفعة" أى جلب للمقرض مصلحة.
"ساقط" أى لا يحتج به.
стр. 1954
"وآخر" أى وشاهد آخر.
"عند البخارى" أى فى باب مناقب عبد اللَّه بن سلام رضى اللَّه عنه.
[البحث]
وصف المصنف ﵀ حديث على رضى اللَّه عنه الذى أخرجه الحارث بن أبى أسامة فى مسنده بأن إسناده ساقط، وسبب سقوط إسناده أنه من رواية سوار بن مصعب الهمدانى الأعمى المؤذن وهو متروك. قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: أن النبى ﷺ نهى عن قرض جر منفعة وفى رواية: كل قرض جر منفعة فهو ربا. . قال عمر بن بدر فى المغنى: لم يصح فيه شئ وأما إمام الحرمين فقال: إنه صح وتبعه الغزالى. وقد رواه الحارث بن أبى أسامة فى مسنده من حديث على باللفظ الأول، وفى إسناده سوار بن مصعب وهو متروك ورواه البيهقى فى المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا ورواه فى السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبى بن كعب وعبد اللَّه بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم اهـ أما ما أشار إليه المصنف ﵀ من الشاهد الآخر الموقوف على عبد اللَّه بن سلام عند البخارى فقد أورده البخارى ﵀ فى باب مناقب عبد اللَّه بن سلام رضى اللَّه عنه قال البخارى: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه: أتيت المدينة فلقيت عبد اللَّه بن سلام رضى اللَّه عنه فقال: ألا تجئ فأطعمك سويقا وتمرا وتدخل فى بيت. ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا" ولا شك أن هذا هو معنى أن القرض إذا جر
стр. 1955
نفعا فهو ربا، وكأن الصنعانى ﵀ لم يتفطن لذلك فقال عند قول المصنف: وآخر موقوف عن عبد اللَّه بن سلام عند البخارى" قال الصنعانى: لم أجده فى البخارى فى باب الاستقراض ولا نسبه المصنف فى التلخيص إلى البخارى بل قال: إنه رواه البيهقى فى السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبى بن كعب وعبد اللَّه بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم انتهى فلو كان فى البخارى لما أهمل نسبته إليه فى التلخيص اهـ وبهذه المناسبة أشير إلى أن البخارى ﵀ قد يورد لفظا من حديث فى مكان من صحيحه لا يخطر على بال الكثيرين أنه يورده فيه. وقد كنت أثناء تدريسى لسبل السلام بكلية الشريعة بالرياض عام ١٣٧٩ هـ أشرح الحديث التاسع والثلاثين من كتاب البيوع وهو: عن عروة البارقى رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ أعطاه دينارا يشترى به أضحية أو شاة فاشترى به شاتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له بالبركة فى بيعه فكان لو اشترى ترابا لربح فيه" رواه الخمسة إلا النسائى وقد أخرجه البخارى فى ضمن حديث ولم يسق لفظه وأورد الترمذى له شاهدا من حديث حكيم بن حزام اهـ فبحثت فى البخارى فى البيوع والوكالة وما يتعلق بالأضاحى فلم أعثر عليه وسألت الكثيرين من أهل العلم فلم أجد عند أحد خبرا عنه وبعد زمن طويل من البحث وسؤال أهل العلم تذكر الشيخ عبد العزيز بن باز وفقه اللَّه للخير وكان وقتئذ مدرسا بكلية الشريعة أنه مرَّ به وأنه علقه على نسخة خطة عنده من بلوغ المرام ولما طلبها وجد تعليقة له على هذا الحديث بأن البخارى أخرجه فى ذكر صفة الخيل فى الباب الأخير من كتاب المناقب، فرجعت إليه فوجدته هناك. هذا وقد
стр. 1956
انعقد إجماع المسلمين على صحة قاعدة: كل قرض جر نفعا فهو ربا. وقد أشرت فى الحديث السابق إلى أن الزيادة فى وفاء الدين تبرعا وإحسانا لا يعتبر من باب القرض الذى جر نفعا ما دامت لم تقصد فى العقد. والعلم عند اللَّه .
باب التفليس والحجر
стр. 1957
١ - عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره" متفق عليه، ورواه أبو داود ومالك من رواية أبى بكر بن عبد الرحمن مرسلا بلفظ "أيما رجل باع متاعا فأفلس الذى ابتاعه، ولم يقبض الذى باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به فإن مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء" ووصله البيهقى وضعفه تبعا لأبى داود. ورواه أبو داود وابن ماجه من رواية عمر بن خلدة قال: أتينا أبا هريرة فى صاحب لنا قد أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول اللَّه ﷺ : "من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به" وصححه الحاكم وضعفه أبو داود وضعف أيضا هذه الزيادة فى ذكر الموت.
[المفردات]
" التفليس" هو مصدر فلس قال فى القاموس: وفلسه القاضى تفليسا حكم بإفلاسه أهـ وقال الحافظ فى الفتح: والمفلس شرعا من تزيد ديونه على موجوده، سمى مفلسا لأنه صار
стр. 1958
ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال وهى الفلوس. أو سمى بذلك لأنه يمنع التصرف إلا فى الشئ التافه كالفلوس لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا فى الأشياء الحقيرة. أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسا، فعلى هذا فالهمزة فى أفلس للسلب اهـ والمفلس المعدم. وقال الصحابة رضى اللَّه عنهم للنبى ﷺ : "المفلس من لا درهم له ولا متاع.
"والحجر" هو فى اللغة المنع وشرعا أن يمنع الحاكم المديون أو السفيه من التصرف فى ماله.
"أبى بكر بن عبد الرحمن" هو قاضى المدينة المنورة وأحد الفقهاء السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم القرشى. قيل اسمه محمد وقيل اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن وقيل اسمه المغيرة والصحيح أن اسمه وكنيته واحد. روى عن أبيه وأبى هريرة وعمار بن ياسر وعائشة وأم سلمة وأم معقل الأسدية وغيرهم وروى عنه أولاده عبد الملك وعمر وعبد اللَّه وسلمة وابن أخيه القاسم بن محمد بن عبد الرحمن والزهرى وعمر بن عبد العزيز وغيرهم قال ابن سعد: ولد فى خلافة عمر. وقد كان ﵀ ثقة فقيها عالما شيخا كثير الحديث وكان يقال له: راهب قريش وكان أحد أئمة المسلمين وكان من سادات قريش. وقد توفى سنة ثلاث وتسعين أو
стр. 1959
أربع وتسعين أو خمس وتسعين. ﵀.
"أدرك" أى وجد.
"بعينه" أى لم يتغير بزيادة أو نقص أو غيرهما ولم يتصرف فيه الذى هو بيده أو يفرقه.
"قد أفلس" أى صار مفلسا وهو من زادت ديونه على موجوده كما تقدم سبب تسميته مفلسا.
"فهو" أى صاحب المال الموجود عند المفلس.
"أحق به من غيره" أى أولى به من سائر الغرماء.
"مرسلا" أى لم يذكر فيه أبو بكر بن عبد الرحمن أبا هريرة وأضافه هو إلى رسول اللَّه ﷺ .
"متاعا" أى سلعة.
"الذى ابتاعه" أى الذى اشتراه.
"فإن مات المشترى" أى قبل أن يدرك البائع متاعه بعينه وإنما أدركه بعد موت المشترى.
"فصاحب المتاع" أى البائع الذى لم يقبض من ثمن متاعه شيئا.
"أسوة الغرماء" أى حظه من هذا المتاع كحظ سائر الدائنين لا مزية له فيه عليهم.
"وضعفه البيهقى تبعا لأبى داود" أى ضعف البيهقى الموصول وقد تبع فى تضعيفه أبا داود فإنه قال بعد أن أخرجه من طريق الزبيدى: حديث مالك أصح يعنى المرسل.
"عمر بن خلدة" هو قاضى المدينة المنورة عمر بن خلدة -ويقال
стр. 1960
عمر بن عبد الرحمن بن خلدة- الزرقى الأنصارى أبو حفص، روى عن أبى هريرة وروى عنه ربيعة بن أبى عبد الرحمن، كان ثقة قليل الحديث وكان مهيبا ورعا صارما عفيفا. قال ابن سعد: ولى قضاء المدينة فى زمن عبد الملك بن مروان.
"وصححه الحاكم" أى وصحح الحاكم طريق عمر بن خلدة عن أبى هريرة.
[البحث]
قال البخارى فى صحيحه: باب إذا وجد ماله عند مفلس فى البيع والقرض والوديعة فهو أحق به ثم ساق من طريق أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه سمع أبا هريرة رضى اللَّه عنه يقول: قال رسول اللَّه ﷺ أو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره. ورواه مسلم بنفسى سند البخارى وبلفظ قريب من لفظه حيث قال: من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره" وفى لفظ لمسلم: "أيما امرئ فلس" يعنى أعلن القاضى إفلاسه وحكم عليه به وقد ساق مسلم كذلك من حديث أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبى ﷺ فى الرجل الذى يعدم إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذى باعه" كما أخرج مسلم من طريق بشير بن نهيك عن أقوله هريرة عن النبى ﷺ قال: "إذا أفلس الرجل فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به" وفى لفظ: "فهو أحق به من الغرماء" كما روى مسلم من طريق خثيم بن عراك عن أبيه عن
стр. 1961
أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أفلس الرجل فوجد الرجل عنده سلعته بعينها فهو أحق بها" ولا شك هنا أن الرجل المعرف أولا هو غير الرجل المعرف ثانيا إذ الأول هو المفلس والثانى هو الدائن. وهو يدل على أن المعرفة إذا أعيدت قد تدل القرينة على التغاير بينهما كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وإن كان الأصل أن المعرفة إذا أعيدت كانت الثانية عين الأولى، بخلاف النكرة فإنها إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى وأن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ وقد ساق مالك فى الموطأ عن ابن شهاب عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعا فأفلس الذى ابتاعه منه، ولم يقبض الذى باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذى ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء" ثم روى مالك عن يحيى ابن سعيد عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره" وأخرجه أبو داود من هذا الطريق بهذا اللفظ ثم قال: حدثنا عبد اللَّه بن سلمة عن مالك عن ابن شهاب عن أبى بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعا فأفلس الذى ابتاعه ولم يقبض الذى باعه من ثمنه شيئا
стр. 1962
فوجد متاعه بعينه فهو أحق به. وإن مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء" حدثنا سليمان بن داود ثنا عبد اللَّه يعنى بن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب قال: أخبرنى أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام أن رسول اللَّه ﷺ فذكر معنى حديث مالك زاد: وإن كان قد قضى من ثمنها شيئا فهو أسوة الغرماء فيها. حدثنا محمد بن عوف ثنا عبد اللَّه بن عبد الجبار يعنى الخبايرى ثنا إسماعيل يعنى ابن عياش عن الزبيدى عن الزهرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبى ﷺ نحوه قال: فإن كان قضاه من ثمنها شيئا فما بقى فهو أسوة الغرماء، وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئا أو لم يقتضه فهو أسوة الغرماء قال أبو داود حديث مالك أصح حدثنا محمد بن بشار ثنا أبو داود ثنا ابن أبى ذئب عن أبى المعتمر عن عمر بن خلدة قال: أتينا أبا هريرة فى صاحب لنا أفلس فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول اللَّه ﷺ : من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به" اهـ وقال ابن ماجه: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى وعبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقى قال: ثنا ابن أبى فديك عن ابن أبى ذئب عن أبى المعتمر بن عمرو بن رافع عن ابن خلدة الزرقى وكان قاضيا بالمدينة، قال: جئنا أبا هريرة فى صاحب لنا قد أفلس فقال: هذا الذى قضى فيه النبى ﷺ : أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصى ثنا اليمان بن عدى حدثنى الزبيدى محمد بن عبد الرحمن عن الزهرى عن أبى سلمة عن
стр. 1963
أبى هريرة قال قال رسول اللَّه ﷺ : "أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه، اقتضى منه شيئا أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء". اهـ وقول المصنف فى حديث عمر بن خلدة: وضعفه أبو داود غير ظاهر لأنى قد سقت لك لفظ أبى داود فى سياقه لحديث عمر بن خلدة وليس فيه تضعيف له، إلا أن يكون قد ضعفه فى غير هذا المقام وقد قال الشيخ محمد زكريا الكاندهلوى فى كتابه أوجز المسالك إلى موطأ مالك نقلا عن الزرقانى بعد أن ساق حديث عمر بن خلدة عند أبى داود قال: وقد قال أبو داود عقب روايته: من يأخذ بهذا؟ أبو المعتمر من هو؟ يعنى أنه لا يعرفه اهـ فلعل بعض نسخ أبى داود فيها هذا التضعيف الذى أشار إليه المصنف ﵀ وقد قال الصنعانى فى سبل السلام: وقد راجعت سنن أبى داود فلم أجد فيها تضعيفا لرواية عمر بن خلدة اهـ وقد وهم الصنعانى ﵀ فى قوله على قول المصنف: "ووصله البيهقى وضعفه تبعا لأبى داود" راجعنا سنن أبى داود فلم نجد فيها تضعيفا للرواية هذه بل قال فى هذه الرواية بعد إخراجه لها من طريق مالك: وحديث مالك أصح اهـ فإن أبا داود ﵀ لم يخرج هذه الرواية الموصولة من طريق مالك بل من طريق إسماعيل بن عياش عن الزبيدى عن الزهرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبى ﷺ كما أشرت إلى ذلك فى مفردات هذا الحديث. هذا وفى سند حديث الزبيدى عند أبى داود محمد ابن عوف ابن سفيان الطائى أبو جعفر الحمصى قال فى التقريب: ثقة حافظ. وعبد اللَّه بن عبد الجبار الخبايرى أبو القاسم الحمصى قال فى التقريب: صدوق. وإسماعيل بن عياش بن سليم العنسى أبو عتبة الحمصى قال فى التقريب: صدوق فى أهل بلده مختلط فى غيرهم. وفى سند ابن
стр. 1964
ماجه عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصى قال فى التقريب: صدوق. واليمان بن عدى الحضرمى أبو عدى الحمصى قال فى التقريب لين الحديث أما الزبيدى فهو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدى (بضم الزاى مصغرا) أبو الهذيل الحمصى القاضى من رجال البخارى ومسلم قال فى التقريب: ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهرى.
وذكر فى تهذيب التهذيب عن ابن معين: الزبيدى أثبت من ابن عيينة يعنى فى الزهرى وقال: وقال الوليد بن مسلم سمعت الأوزاعى يفضل محمد بن الوليد على جميع من سمع من الزهرى. والعجيب ما رأيت فى ابن ماجه من تسمية الزبيدى محمد بن عبد الرحمن كما سماه الشوكانى فى نيل الأوطار: الحارث الزبيدى وتبعه على ذلك أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى فى التعليق المغنى على الدارقطنى، وهو وهم ظاهر. أما حديث عمر بن خلدة ففيه أبو المعتمر بن عمرو بن رافع المدنى قال فى التقريب: مجهول الحال وقال فى تهذيب التهذيب: ذكره ابن حبان فى الثقات. قلت: وقال ابن عبد البر: ليس بمعروف بحمل العلم اهـ وقال الطحاوى وابن المنذر: هو مجهول. وعلى هذا فحديث الزبيدى أولى من حديث أبى المعتمر واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من وجد سلعته بعينها عند المدين له المفلس فهو أحق بها من سائر الغرماء.
٢ - أنه إن وجدها بعد ما تغيرت فهو فيها أسوة الغرماء.
٣ - أنه إن كان قيض من ثمنها شيئا فهو أسوة الغرماء.
٤ - أنه إن وجدها بعد موت المدين المفلس فهو أسوة الغرماء ولو كانت بعينها.
стр. 1965
٢ - وعن عمرو بن الشريد عن أبيه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَىُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" رواه أبو داود والنسائى وعلقه البخارى وصححه ابن حبان.
[المفردات]
" عمرو بن الشريد" بفتح الشين بوزن الطويل وهو عمرو بن الشريد بن سُوَيد الثقفى أبو الوليد الطائفى، لوالده الشريد صحبة وقيل إن الشريد من حضرموت وعداده فى ثقيف. وقد روى عمرو عن أبيه وأبى رافع وسعد بن أبى وقاص وابن عباس والمسور بن مخرمة وغيرهم وروى عنه إبراهيم بن ميسرة وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يعلى ويعلى بن عطاء ومحمد بن ميمون بن مسيكة الطائفيون، وبكير بن الأشج وعمرو بن شعيب وغيرهم. قال فى تهذيب التهذيب: قال العجلى حجازى تابعى ثقة وذكره ابن حبان فى الثقات.
"لَىُّ الواجد" أى مطل الغنى القادر على قضاء دينه. ولَىُّ بفتح اللام وتشديد الياء أى مطل يقال: لواه بدينه يلويه ليا أى مطله والواجد: الغنى الموسر.
"يحل عرضه" أى يبيح لدائنه وصفه بكونه ظالما وأنه مماطل وأنه لا يحب نقاء ذمته وبراءة نفسه، وأصل العرض بكسر العين هو موضع المدح والذم من الإنسان وما يصونه من نفسه وحسبه أن ينتقص ويثلب.
следующие страницы →