← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

بدمشق سنة اثنتين وثلاثين أو إحدى وثلاثين. وقيل بعد ذلك. والعجيب أن بالاسكندرية من أرض مصر قبرا يقال له: قبر أبى الدرداء. وكلها ضعيفة: يعنى حديث معاذ عند الدارقطنى وحديث أبى الدرداء عند أحمد والبزار وحديث أبى هريرة عند ابن ماجه. [البحث] حديث معاذ بن جبل أخرجه الدارقطنى من طريق الحسين بن إسماعيل نا محمد بن عبد اللَّه بن منصور الفقيه نا سليمان بن بنت شرحبيل نا إسماعيل بن عياش نا عتبة بن حميد عن القاسم عن أبى أمامة عن معاذ بن جبل عن النبى ﷺ قال: "إن اللَّه قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم، ليجعلها لكم زكاة فى أعمالكم" قال الحافظ فى تلخيص الحبير: وفيه إسماعيل بن عياش وشيخه عتبة بن حميد وهما ضعيفان، ورواه أحمد من حديث أبى الدرداء ولفظه: إن اللَّه تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم" ورواه ابن ماجه والبزار والبيهقى من حديث أبى هريرة بلفظ: إن اللَّه تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم فى أعمالكم. وإسناده ضعيف، وفى الباب عن أبى بكر الصديق رواه العقيلى فى تاريخ الضعفاء من طريق حفص بن عمر بن ميمون وهو متروك عن خالد بن عبد اللَّه السلمى وهو مختلف فى صحبته، رواه عنه ابنه

стр. 2312

الحارث وهو مجهول اهـ وحديث أبى الدرداء عند أحمد والبزار قد أخرجه الطبرانى أيضا وفى إسناده عندهم جميعا أبو بكر بن أبى مريم قال الهيثمى: قد اختلط اهـ وقد قال البزار: حدثنا إبراهيم ثنا أبو اليمان ثنا أبو بكر بن أبى مريم عن ضمرة بن حبيب عن أبى الدرداء عن النبى ﷺ قال: إن اللَّه : تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم. قال البزار: وهذا قد روى من غير وجه، وأعلى من روى فى ذلك أبو الدرداء. ولا نعلم له طريقا غير هذا، وضمرة وابن أبى مريم معروفان بالنقل للعلم، واحتمل عنهما الحديث اهـ وحديث أبى هريرة عند ابن ماجه من طريق على بن محمد ثنا وكيع عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ "إن اللَّه تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم فى أعمالكم" قال فى الزوائد: فى إسناده طلحة بن عمرو الحضرمى ضعفه غير واحد. وقال الزيلعى: وروى عن أبى هريرة أيضا أخرجه ابن ماجه من طريق طلحة بن عمرو المكى عن عطاء بن أبى رباح عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ إن اللَّه تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم فى أعمالكم" ورواه البزار فى مسنده وقال: لا يعلم رواه عن عطاء إلا طلحة بن عمرو، وهو وإن روى عنه جماعة فليس بالقوى اهـ

стр. 2313

باب الوديعة

стр. 2314

١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى اللَّه عنهم عن النبى ﷺ قال: "من أودِعَ وَدِيعَةً فليس عليه ضمان" أخرجه ابن ماجه، وإسناده ضعيف. وباب قَسْم الصدقات تقدم فى آخر الزكاة، وباب قسم الفئ والغنيمة يأتى عقب الجهاد إن شاء اللَّه تعالى [المفردات] الوديعة: هى العين التى يضعها مالكها أو نائبه عند آخر ليحفظها. من أودِعَ وديعة: أى من وضعت عنده عين ليحفظها. فليس عليه ضمان: أى فلو هلكت من غير تقصير منه فإنه لا يلزم بقيمتها أو بمثلها. وباب قسم الصدقات الخ: إنما ذكر المصنف ذلك لأن عادة فقهاء الشافعية جعل هذين البابين قبيل كتاب النكاح فى كتبهم فأشار المصنف ﵀ بذلك إلى أن الأليق جعل باب قسم الصدقات فى آخر الزكاة وجعل باب قسم الفئ والغنيمة عقب الجهاد. والفئ هو ما يحصل عليه الإِمام من العدو بغير قتال والغنيمة هى ما يحصل عليها المسلمون من

стр. 2315

العدو بقتال. والواقع أن المصنف ﵀ خصص بابا فى آخر الزكاة لقسم الصدقات. أما قسم الفئ والغنيمة فلم يخصص لهما بابا عقب الجهاد وإنما ذكر حديثهما فى كتاب الجهاد تبعا ولم يخصص لهما بابا. [البحث] قال ابن ماجه: حدثنا عبيد اللَّه بن الْجَهْم الأنْمَاطِىُّ ثنا أيوب بن سُوَيْد عن المثنى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أُودِعَ وديعة، فلا ضمان عليه". وفى إسناده أيوب بن سويد قال فى التقريب: أيوب بن سويد الرملى أبو مسعود الحميرى السَّيْبَانى -بمهملة مفتوحة ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة- صدوق يخطئ، من التاسعة مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل سنة اثنتين ومائتين اهـ وفى إسناده كذلك المثنى بن الصبَّاح قال فى التقريب: المثنى بن الضبَّاح بالمهملة والموحدة الثقيلة، اليمانى، الأبناوى بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون. أبو عبد اللَّه أو أبو يحيى، نزيل مكة، ضعيف، اختلط بآخره، اهـ وقال فى تلخيص الحبير: حديث من أودع وديعة فلا ضمان عليه. ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وفيه المثنى بن الصَّباح وهو متروك، وتابعه ابن لهيعة فيما ذكره البيهقى اهـ هذا ويكاد الإجماع ينعقد على أن من اودِعَ وديعة ولم يُقَصِّرْ فى حفظها وهلكت فلا ضمان عليه. واللَّه أعلم.

стр. 2316

كتاب النكاح

стр. 2317

١ - عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه قال: "قال لنا رسول اللَّه ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء" متفق عليه. [المفردات] النكاح: هو فى اللغة الضم والتداخل، ويستعمل فى عقد الزواج وفى الوطء قال أبو على الفارسى: إذا قالوا نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد العقد وإذا قالوا: نكح زوجته فالمراد الوطء اهـ أكثر ما يستعمل فى الكتاب والسنة بمعنى العقد وقد أفاد أبو الحسين ابن فارس أن النكاح لم يرد فى القرآن إلا للتزويج إلا فى قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فإن المراد به الحلم. وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فإن معناه أيضا العقد أى حتى تتزوج زوجا غيره لكن السنة قيدت هذا الإِطلاق بأنه لابد من ذوق العسيلة. كما أنه لابد من التطليق وتمام العدة بعد ذوق العسيلة أيضا.

стр. 2318

قال لنا: أى للشباب. يا معشر الشباب: المعشر هم الجماعة الذين يشملهم وصف من الأوصاف فالشباب معشر والشيوخ معشر والأنبياء معشر والنساء معشر والشباب جمع شاب ومجمع أيضا على شَبَبَة وشُبان. وأصله الحركة والنشاط قيل: هو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل الثلاثين وقال الحافظ فى الفتح: قال القرطبى فى (المفهم): يقال له حدث إلى ستة عشر سنة ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين ثم كهل، وكذا ذكر الزمخشرى فى الشباب أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين، وقال ابن شاس المالكى فى (الجواهر): إلى أربعين وقال النووى: الأصح المختار أن الشاب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين ثم هو شيخ اهـ. الباءة: قال النووى: اختلف العلماء فى المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد: أصحهما أن المراد معناها اللغوى وهو الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه -وهى مؤن النكاح- فليتزوج. ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع

стр. 2319

شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبا. والقول الثانى أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فليصم لدفع شهوته. والذى حمل القائلين بهذا على ما قالوه قوله ﷺ : "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن اهـ هذا ويقال فيها: الباءة والباهة والباه والباء. فإنه أغض للبصر: أى فإن الزواج أشد حملا للبصر على الانكسار وعدم حدادة النظر إلى النساء. وأحصن للفرج: أى وأشد منعا للإنسان من الوقوع فى الفاحشة لأنه إذا وقعت عينه فجأة على امرأة أعجبته انصرف إلى أهله فقضى شهوته، فيكون ذلك تحصينا لفرجه. كما روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر رفعه: "إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت فى قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يَرُدُّ ما فى نفسه".

стр. 2320

فعليه بالصوم: أى فَعَلَى غير المستطيع مؤن الزواج الذى لا يقدر على النكاح بالصوم. وليس هذا من باب إغراء الغائب بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم بقوله: من استطاع منكم. . فالهاء فى قوله: "فعليه" ليست لغائب وإنما هى للحاضر المبهم المنزل منزلة الغائب، إذ لا يتوجه خطابه بالكاف هنا. قال الحافظ فى الفتح نقلا عن عياض: ونظير هذا قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ومثله لو قلت لاثنين: من قام منكما فله درهم. فالهاء للمبهم من المخاطبين لا لغائب اهـ هذا والأمر بالصوم دون الأمر بالجوع وقلة ما يثير الشهوة ليجمع للشاب فضل عبادة الصوم مع الجوع وقلة ما يثير الشهوة. والصوم كذلك يورث التقوى التى تحمل الإنسان على البعد عما حرم اللَّه. فإنه له وجاء: أى فإن الصوم يعمل فى كسر الشهوة كما يعمل الوجاء وأصل الوجاء بكسر الواو: الغمز والدفع. تقول: وجأه فى عنقه إذا غمزه دافعا له، ووجأه بالسيف إذا طعنه به، ووجأ أنثييه غمزهما حتى رضَّهما. والوجاء كالإخصاء فى قطع عمل الأنثيين غير أن

стр. 2321

الوجاء إبطال مفعولهما برضهما حتى ينتفخا، والإخصاء سل البيضتين. [البحث] أورد البخارى هذا الحديث من طريق الأعمش قال: حدثنى إبراهيم عن علقمة قال: كنت مع عبد اللَّه، فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبد الرحمن إن لى إليك حاجة فَخَلَيَا، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن فى أن نزوجك بكرا، تذكرك ما كنت تعهد؟ فلما رأى عبد اللَّه أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلىَّ فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أَمَا لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبى ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" وفى لفظ من طريق الأعمش قال: حدثنى عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد اللَّه فقال عبد اللَّه: كنا مع النبى ﷺ شبابا لا نجد شيئا. فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. أما مسلم ﵀ فقد أورد من طريق الأعمش عن عمارة ابن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه باللفظ الذى ساقه المصنف وأورده من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: كنت أمشى مع عبد اللَّه بمنى فلقيه عثمان فقام معه يحدثه فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ قال: فقال عبد اللَّه: لئن قلت ذاك لقد قال لنا رسول اللَّه ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء.

стр. 2322

ثم ساقه من طريق جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: إنى لأمشى مع عبد اللَّه بن مسعود بمنى إذ لقيه عثمان بن عفان فقال: هَلُمَّ يا أبا عبد الرحمن قال: فاستخلاه فلما رأى عبد اللَّه أن ليست له حاجة قال: قال لى تعال يا علقمة قال: فجئت، فقال له عثمان: ألا نزوجك يا أبا عبد الرحمن جارية بِكْرًا لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد؟ فقال عبد اللَّه: لئن قلتَ ذاك، فذكر بمثل حديث أبى معاوية اهـ هذا والترغيب فى الجارية الشابة لأنها تجمع مقاصد النكاح غالبا فهى -كما قال النووى- ألذ استمتاعا وأطيب نكهة، وأرغب فى الاستمتاع الذى هو مقصود النكاح، وأحسن عِشرة، وأفكه محادثة، وأجل منظرا، وألين ملمسا، وأقرب إلى أن يُعَوِّدَها زوجها الأخلاق التى يرتضيها اهـ وفى الحديث المتفق عليه أن النبى ﷺ قال لجابر رضى اللَّه عنه: "هَلَّا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك" زاد مسلم: "وتضاحكها وتضاحكك". [ما يفيده الحديث] ١ - الحض على الزواج والترغيب فيه للقادر عليه. ٢ - جواز تخفيف الشهوة الجامحة بواسطة الأدوية. ٣ - استحباب الصيام للشاب العاجز عن مؤن النكاح. ٤ - جواز أداء عبادة معينة كالصوم مع إرادة مصلحة منها لدين الإِنسان أو بدنه مع ما يبتغى بها من وجه اللَّه وهذا بخلاف الرياء. ٥ - الحث على تحصيل ما يغض به البصر ويحصن به الفرج.

стр. 2323

٢ - وعن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ حمد اللَّه وأثنى عليه وقال: "لكِنِّى أنا أصلى وأنام، وأصوم وافْطِرُ، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتى فليس منى" متفق عليه.

стр. 2324

[المفردات] وأثنى عليه: أى وشَكرَ اللَّه . أصلى: أى أتهجد بعض الليل. وأنام: أى بعض الليل. وأفطر: أى بعض الأيام نافلة. فمن رغب عن سنتى: أى أعرض عن طريقتى السهلة السمحة المباكة. فليس منى: أى ليس على منهاجى وما أدعوا إليه من اليسر ودفع الحرج. [البحث] هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هو لفظ مسلم، ولهذا الحديث سبب فقد روى البخارى ﵀ من طريق حميد بن أبى حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك رضى اللَّه عنه يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى ﷺ يسألون عن عبادة النبى ﷺ فلما أُخْبِرُوا كأنهم تقَالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبى ﷺ ؟ قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أمَّا أنا فأنا أصلى الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال، آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول اللَّه ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ ، أمَا واللَّه إنى لأخشاكم للَّه، وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى" وأخرجه مسلم من طريق ثابت عن أنس بلفظ: أن نفرا من أصحاب النبى ﷺ سألوا أزواج النبى ﷺ عن عمله فى السر فقال بعضهم. لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد اللَّه وأثنى عليه فقال: "ما بال

стр. 2325

أقوام قالوا كذا وكذا. لكنى أصلى وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى" وهذا الحديث قاعدة من أمهات قواعد الإِسلام التى قررت أن الإِسلام هو دين الفطرة، ودين الحياة الطيبة، وأن مبناه اليسر، وترك التنطع، وأن لا رهبانية فى الإسلام وأنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وقد ذكر اللَّه ﵎ هذه المعانى السامية فى آيات كثيرة حيث يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ ويقول: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ قال البخارى فى صحيحه: باب الدين يسر وقول النبى ﷺ : "أحب الدين إلى اللَّه الحنيفية السمحة" ثم ساق من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "إن الدين يسر ولن يُشَادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدُّلْجَة" كما روى البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال "من هذه؟ " قالت: فلانة تذكر من صلاتها، قال: "مَهْ، عليكم بما تطقون، فواللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حتى تَمَلُّوا" وكان أحبَّ الدِّين إليه ما داوم عليه صاحبه" اهـ حتى الموعظة والإرشاد والتذكير كان رسول اللَّه ﷺ يتخولهم بها مخافة السآمة عليهم. قال البخارى: باب ما كان النبى ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كى لا ينفروا. وساق هو

стр. 2326

ومسلم من حديث ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: كان النبى ﷺ يتخولنا بالموعظة فى الأيام كراهة السآمة علينا" كما روى البخارى ومسلم من حديث أنس رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "يَسروا ولا تُعَسِّرُو. وبَشِّروا ولا تنفروا اهـ وقد دلت التجارب على أن المتشددين فى الدين الغالين قد انقطعوا وصاروا من أهل الأهواء وأن السائرين إلى اللَّه على بصيرة هم أهل السنة والجماعة، وللَّه الحمد والمنة، فهم المتوسطون بين المُفْرطين والمُفَرِّطِين، وخير الأمور أوساطها. [ما يفيده الحديث] ١ - أن ترك التزوج من أجل الانقطاع للعبادة ليس من هدى رسول اللَّه ﷺ . ٢ - وأن المشروع هو الاقتصاد فى العبادات. ٣ - وأن مبنى الشريعة الإسلامية قائم على التيسير وعدم التعسير. ٤ - وأن الانهماك فى العبادة والإِضرار بالنفس ليس من هدى رسول اللَّه ﷺ . ٥ - الترغيب فى الزواج.

стр. 2327

٣ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يأمرنا بالباءة، ويَنْهَى عن التبَّتِّل نَهْيًا شديدا، ويقول: "تزوجوا الوُلودَ الوَدُودَ فإنى مُكاثرٌ بكم الأمَمَ يوم القيامة" رواه أحمد وصححه ابن حبان. وله شاهد عند أبى داود والنسائى وابن حبان أيضا من حديث معقل بن يسار.

стр. 2328

[المفردات] وعنه: أى وعن أنس رضى اللَّه عنه. بالباءة: أى بالنكاح والسعى فى تحصيل مؤنه. التَّبتُّل: المراد بالتبتل هنا هو الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة. وأصل التبتل الانقطاع مطلقا ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أى انقطع إلى اللَّه وحده انقطاعا وأخلص له العبادة إخلاصا فَيُبَتِّلُكَ تبتيلا أى فيجعلك خالصا له ويخلص قلبك من التوجه إلى غيره. وأشار ابن جرير ﵀ إلى أن قوله "تبتيلا" ليست مصدر "تَبَتَّلْ" وإنما هى فى الآية مصدر لفعل محذوف مرتب على "تَبَتَّلْ" أى فَيُبَتِّلُكَ، يعنى تَبَتَّل إليه تَبَتُّلًا، فيبتلك تبتيلا. والصدقة البَتْلة أى المنقطعة عن الملك، ومريم البتول لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة، وفاطمة الزهراء يقال لها البتول أى لانقطاعها عن نظائرها فى الحسن والشرف فكلهن دونها رضى اللَّه عنها. نهيا شديدا: أى حذر عنه تحذيرا مؤكدا بالغا. ويقول: أى وكان رسول اللَّه ﷺ يقول. الْوَدُود: أى التى تتحبب إلى زوجها وأهلها المحبوبة بكثرة ما هى عليه من خصال الخير والبر وحسن الخلق.

стр. 2329

الوَلُود: أى كثيرة الولادة والإِنجاب، ويعرف ذلك عادة فى البكر بحال أمها وقرابتها. مكاثر بكم الأم: أصل المكاثرة المفاخرة بالكثرة وأمة رسول اللَّه ﷺ هى أكثر الأمم يوم القيامة. وله شاهد: أى ولحديث أنس شاهد يعضده ويقويه. معقل بن يسار: هو معقل بن يسار بن عبد اللَّه بن مُعَبِّر بن حُرَّاق بن لأى بن كعب بن عبد بن ثور بن هُذْمة بن لاطم بن عثمان بن مزينة أبو عبد اللَّه أو أبو على المزنى رضى اللَّه عنه، قد كان يوم الحديبية مع رسول اللَّه ﷺ وهو يبايع الناس تحت الشجرة ومعقل بن يسار يرفع بيده غصنا من أغصان الشجرة عن رأس رسول اللَّه ﷺ وهو صاحب نهر معقل بالبصرة، وقد أمره عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه بحفره فحفره وقد ابتنى دارا بالبصرة، وتوفى بها أيام ولاية عبيد اللَّه بن زياد فى آخر خلافة معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنهم. [البحث] حديث أنس رضى اللَّه عنه عند أحمد فى سنده حفص بن عمر وفيه مقال، قال الهيثمى: وبقية رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الطبرانى والبزار من طريق حفص بن عمر كذلك. أما الشاهد الذين أشار إليه المصنف.

стр. 2330

فقد أخرجه أبو داود والنسائى كلاهما من طريق المستلم بن سعيد عن منصور ابن زاذان عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إنى أصبت امرأة ذات حسب ومنصب، إلا أنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فنهاه، وقال: "تزوجوا الولود الودود فإنى مكاثر بكم" والمستلم بن سعيد الثقفى الواسطى قال فى التقريب: صدوق عابد ربما وهم. ومنصور بن زاذان من رجال الجماعة وكذلك معاوية بن قرة. قال البخارى فى صحيحه: باب ما يكره من التبتل والخصاء وساق هو ومسلم من طريق سعيد بن المسيب عن سعد بن أبى وقاص قال: ردَّ رسول اللَّه ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا" وفى لفظ لمسلم من طريق سعيد بن المسيب أنه سمع سعد ابن أبى وقاص يقول: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول اللَّه ﷺ ولو أجاز لى ذلك لاختصنا" وقد اشتهر عند الصحابة أن رسول اللَّه ﷺ كان يكره التبتل والانقطاع إلى العبادة وترك الطيبات من الحياة الدنيا فقد روى مسلم من طريق سعيد بن هشام أنه قدم المدينة فأراد أن يبيع عقاره فيجعله فى سبيل اللَّه، ويجاهد الروم حتى يموت، فلقى ناسا بالمدينة فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك فى حياة رسول اللَّه ﷺ فنهاهم فلما حدثوه ذلك راجع امرأته وكان قد طلقها. ويظهر أن عثمان بن مظعون رضى اللَّه عنه كان رأس هؤلاء الستة وأن قصته غير قصة الثلاثة الرهط الذين ورد ذكرهم فى بحث

стр. 2331

الحديث الثانى من أحاديث هذا الباب. [ما يفيده الحديث] ١ - كراهية التبتل وترك الزواج للقادر عليه. ٢ - حرص الإسلام على أن لا يترك الإنسان طيبات الحياة الدنيا. ٣ - حرص الإسلام على تكثير النسل. ٤ - أن العمل على تحديد النسل ليس من هدى الإسلام.

стр. 2332

٤ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "تُنْكَحُ المرأةُ لأربع: لمالها لحسبها ولجمالها ولدينها. فاظفر بذات الدِّين تَرِبَتْ يداك" متفق عليه مع بقية السبعة. [المفردات] تُنْكَحُ المرأةُ: أى يُرْغبُ فى الزواج منها. لأربع: أى لأجل أربع خصال وصفات. لحسبها: بفتح الحاء والسين أى لشرفها والحسب فى الأصل الشرف بالآباء وبالأقارب مأخوذ من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عَدُّوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها فيحكم لمن زاد عدد مناقبه على غيره قال الحافظ فى الفتح: وقيل المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة.

стр. 2333

ولدينها: أى ولمحافظتها على تعاليم دينها واستمساكها بشعائر الإسلام. فاظفر بذات الدين: أى فاحرص واجتهد فى تحصيل الزوجة المتدينة الحريصة على العمل بكتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ . تربت يداك: أى لصقتا بالتراب وهو كناية عن الفقر وهو خبر بمعنى الدعاء ولكن لا وراد به حقيقته، فهو يجرى على على اللسان من غير قصد الدعاء: قال فى المصباح قولهم تربت يداك كلمة جاءت فى كلام العرب على صورة الدعاء ولا يراد بها الدعاء بل يراد بها الحث والتحريص اهـ. وقيل معناه: إذا لم تحرص على ذات الدين تربت يداك، فيكون دعاء على من لم يحرص على الزواج بذات الدين. متفق عليه مع بقية السبعة: يعنى أخرجه البخارى مسلم وأحمد وأبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه. [البحث] هذا الحديث أخرجه البخارى مسلم وغيرهما باللفظ المذكور وأخرجه مسلم من طريق عطاء عن جابر بدون ذكر الحسب وإنما اقتصر على الدين والمال والجمال ولفظه قال: تزوجت امرأة فى عهد رسول اللَّه ﷺ فلقيت النبى ﷺ فقال: "يا جابر تزوجت؟ " قلت: نعم. قال: بِكرٌّ أم ثيِّب؟ " قلت: ثيب. قال: "فهلا بِكْرًا تلاعبها؟ "

стр. 2334

قلت: يا رسول اللَّه إن لى أخواتٍ فخشيتُ أن تَدْخُل بينى وبينهن. قال: "فذَاكَ إذن، إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك" قال الحافظ فى الفتح: قال القرطبى: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هى التى يرغبُ فى نكاح المرأة لأجلها فهو خبر عما فى الوجود من ذلك لا أنه وقع الأمر بذلك بل ظاهره إباحة النكاح لقصد كُلٍّ من ذلك لكن قصد الدين أولى اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - الترغيب فى نكاح المرأة المحافظة على دينها. ٢ - أنه لا ينبغى للرجل أن يكون كل حريصه أن يتزوج المرأة الجميلة ولو لم تكن متدينة. ٣ - حرص الإسلام على بناء الأسرة الصالحة.

стр. 2335

٥ - وعنه رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ كان إذا رَفَأ إنسانا إذا تزوج قال: "بارك اللَّه لك، وبارك عليك، وجمع بينكما فى خير" رواه أحمد والأربعة، صححه الترمذى وابن خزيمة وابن حبان. [المفردات] عنه: أى وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه. كان إذا رفأ إنسانا إذا تزوج: أصل الرفاء الالتئام والاتفاق وحسن العشرة ومنه رفأ الثوب إذا أصلحه وكان أهل الجاهلية يقولون للمتزوج: بالرفاء والبنين. أى يتمنون له زواجا

стр. 2336

مصاحبا لحسن العشرة والموافقة وإنجاب الأولاد الذكور فغيَّر رسولُ اللَّه ﷺ أسلوب الجاهلية واستبدله بالدعاء بالبركة للزوجين والجمع بينهما فى خير. كما غيَّر ما كان عليه الجاهليون من تحايا كأنعم صباحا وعِمْ مساء بالسلام الذى هو تحية أهل الإسلام. وجمع بينكما: أى بينك وبين زوجك. فى خير: أى فى سرور ونماء ورفاهية وسعادة. [البحث] روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: قال لى رسول اللَّه ﷺ : تزوجتَ؟ " قلتُ: نعم. قال: "بارك اللَّه لك" وقال البخارى فى صحيحه: باب كيفى يُدْعَى للمتزوج، وساق من حديث أنس رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثَرَ صُفْرَةٍ فقال: "ما هذا؟ " قال: إنى تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: "بارك اللَّه لك. أولِمْ ولو بشاة" قال الحافظ فى الفتح: قال ابن بطال: إنما أراد بهذا الباب واللَّه أعلم ردَّ قول العامة عند العرس: بالرفاء والبنين. وقد ساق الحافظ فى الفتح حديث الباب ثم قال: وقوله "رفأ" بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دَعَا لَهُ فى موضع قولهم: بالرفاء والبنين. وكانت كلمة تقولها أهل الجاهلية فورد النهى عنها كما روى بقى بن مخلد من طريق غالب عن الحسن عن رجل من بنى تميم قال: كنا نقول فى الجاهلية

стр. 2337

بالرفاء والبنين فلما جاء الإسلام عَلَّمَنَا نبيُّنا قال: "قولوا: بارك اللَّه لكم وبارك فيكم وبارك عليكم" وأخرج النسائى والطبرانى من طريق أخرى عن الحسن عن عقيل بن أبى طالب أنه قدم البصرة فتزوج امرأة فقالوا له: بالرفاء والبنين فقال: لا تقولوا هكذا وقولوا كما قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم بارك لهم وبارك عليهم" ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل فيما يقال. ودل حديث أبى هريرة على أن اللفظ كان مشهورا عندهم غالبا حتى سمى كل دعاء للمتزوج ترفئة واختلف فى علة النهى عن ذلك فقيل: لأنه لَا حَمْدَ فيه ولا ثناء ولا ذكر اللَّه، وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر اهـ ثم نقل الحافظ عن ابن المنير قال: الذى يظهر أنه ﷺ كره اللفظ لما فيه من موافقة أهل الجاهلية اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب الدعاء للمتزوج بأن يبارك اللَّه له وأن يبارك عليه وأن يجمع بينهما فى خير. ٢ - أن قولهم للمتزوج: بالرفاء والبنين هو من ألفاظ أهل الجاهلية المكروهة.

стр. 2338

٦ - وعن عبد اللَّه ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: علمنا رسولُ اللَّه ﷺ لتشهد فى الحاجة "إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، من يهد اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى

стр. 2339

له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" ويقرأ ثلاث آيات. رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذى والحاكم. [المفردات] التشهد فى الحاجة: أى الخُطبة فى الحاجة كالنكاح وغيره وسميت الخطبة تَشَهُّدًا لأنه يبدأ فيها بعد الحمد والثناء بشهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله. ونستعينه: أى ونطلب العون منه وحده جل وعلا. ونعوذ باللَّه: أى ونستجير باللَّه. من شرور أنفسنا: أى مما قد تجلبه علينا نفوسنا من الشر والأذى. من يهد اللَّه: أى من يوفقه اللَّه تعالى للخير وسبيل الرشاد ويسدده ويسلك به الصراط المستقيم. فلا مضل له: أى فلا صارف له عن طريق الهدى. ومن يضلل: أى ومن يخذله اللَّه ويتركه لتدبير نفسه أو غيره من دون اللَّه ويصرفه عن طريق طاعته. فلا هادى له: أى فلن يجد من يَدُلُّه على الصراط المستقيم. ويقرأ ثلاث آيات: قيل: هى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿رَقِيبًا﴾ والثانية هى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ

стр. 2340

مُسْلِمُونَ﴾ والثالثة هى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قوله ﴿عَظِيمًا﴾. [البحث] قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث ابن مسعود موقوفا ومرفوعا: "إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من النكاح أو غيره فليقل: الحمد للَّه نحمده ونستعينه -الحديث- وفيه الآيات. البيهقى من حديث أبى داود الطيالسى عن شعبة نا أبو إسحاق سمعت أبا عبيدة بن عبد اللَّه يحدث عن أبيه قال: علمنا رسول اللَّه ﷺ خطبة الحاجة: الحمد للَّه أو إن الحمد للَّه نستعينه ونستغفره. فذكره. وفى آخره: قال شعبة: قلت لأبى إسحاق: هذه فى خطبة النكاح أو فى غيرها؟ قال: فى كل حاجة، ولفظ ابن ماجه فى أول هذا الحديث من هذا الوجه: إن رسول اللَّه ﷺ أوتى جوامع الخير وخواتيمه فعلمنا خُطبة الصلاة، وخطبة الحاجة، فذكر خطبة الصلاة ثم خطبة الحاجة، ورواه أبو داود والنسائى والترمذى والحاكم. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. إلا أن الحاكم رواه من طريق أخرى عن قتادة عن عبد ربه عن أبى عياض عن ابن مسعود، وليس فيه الآيات، ورواه أيضا من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص وأبى عبيدة أن عبد اللَّه قال فذكر نحوه، ورواه البيهقى من حديث: واصل الأحدب عن شقيق عن ابن مسعود بتمامه (تنبيه) الرواية الموقوفة رواها أبو داود والنسائى أيضا من هذا الوجه اهـ.

стр. 2341

٧ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، وصححه الحاكم، وله شاهد عند الترمذى والنسائى عن المغيرة، وعند ابن ماجه وابن حبان من حديث محمد بن مَسْلَمَةَ، ولمسلم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال لرجل تَزَوَّجَ امرأةً: "أَنظَرتَ إليها" قال: لا. قال: "اذهب فانظر إليها". [المفردات] إذا خطب أحدكم المرأة: أى إذا رغب أحدكم فى خِطْبَة المرأة، والخطبة بكسر الخاء هى ذكر المرأة وإبداء الرغبة فى الزواج منها. فإن استطاع: أى فإن تمكن وقَدَرَ. أن ينظر منها: أى أن يرى ويُبْصِرَ من المرأة التى يرغب فى خِطْبَتها للزواج منها. إلى ما يدعوه إلى نكاحها: أى إلى ما يُرَغبُهُ فى الزواج منها. فليفعل: أى فلينظر إلى ما يدعوه ويرغبه فى الزواج منها. وله: أى ولحديث جابر رضى اللَّه عنه. عن المغيرة: أى من طريق المغيرة بن شعبة رضى اللَّه عنه. وعند ابن ماجه الخ: أى ولحديث جابر شاهد آخر عند ابن ماجه

стр. 2342

وابن حبان من طريق محمد بن مسلمة رضى اللَّه عنه. محمد بن مسلمة: هو محمد بن مَسْلَمَةَ بن سلمة بن خالد بن عدى بن مَجْدَعَةَ بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو وهو النَّبِيت بن مالك من الأوس. وقد أسلم محمد بن مسلمة رضى اللَّه عنه بالمدينة على يد مصعب بن عمير وذلك قبل إسلام أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ رضى اللَّه عنهم. وقد آخى رسولُ اللَّه ﷺ بين محمد بن مسلمة وأبى عبيدة، وقد شهد محمد بدرا وأحدا وثبت مع رسول اللَّه ﷺ يومئذ حين ولَّى الناس، وشهد الخندق والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ ما خلا تبوك فإن رسول اللَّه ﷺ استخلفه على المدينة حين خرج إلى تبوك، واشترك فى قتل كعب بن الأشرف لعنه اللَّه. وبعثه رسول اللَّه ﷺ على عدد من السرايا، وقد اعتزل رضى اللَّه عنه الفتن كلها. وتوفى بالمدينة فى صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة رضى اللَّه عنه. تزوج امرأة: أى أراد الزواج منها. قال لا: أى قال الرجل لرسول اللَّه ﷺ : لم أنظر إليها.

стр. 2343

[البحث] يحرص الإِسلام على أن يكون بناء الأسرة على قواعد سليمة راسخة. كما يحرص الإِسلام أن يكون الود والمحبة والوئام والائتلاف من أهم عناصر تكوين البيت السعيد ولذلك نبَّه المسلم عند اختيار الزوجة أن يتخير المرأة الصالحة ذات الدِّين، النابتة فى المنابت الحسنة، وأن يكون على عِلْم بهيئتها العامة وما فيها من صفات خاصة، حتى لا يفاجأ منها بشئ يكرهه، ولذلك ندب المسلم إلى أن ينظر إلى المرأة قبل أن يتزوجها قال البخارى فى صحيحه: باب النظر إلى المرأة قبل التزويج. وساق من حديث عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال لى رسول اللَّه ﷺ : "أريتُكِ فى المنام يجئ بك المَلكُ فى سَرَقةٍ من حرير فقال لى: هذا امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب، فإذا أنت هى، فقلت: إن يك هذا من عند اللَّه يُمضِهِ" اهـ وحديث أبى هريرة عند مسلم الذى أشار إليه المصنف: لفظه قال: كنت عند النبى ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أنظرت إليها؟ " قال: لا. قال: "فاذهب فانظر إليها فإن فى أعين الأنصار شيئا" ونظر الإِنسان إلى من يريد التزوج منها يكون برؤية قوامها وهيئتها العامة وكذلك وجهها وكفيها ولعل فى حديث عائشة عند البخارى المذكور هنا "فكشفت عن وجهك الثوب" وكذلك فى حديث أبى هريرة عند مسلم: "فإن فى أعين الأنصار شيئا" ما يؤيد ذلك. وليس بلازم أن يكون طريق رؤية الرجل لمن يريد أن يتزوجها أن يجلس معها أو

стр. 2344

يعلن لها أنه يرغب فى رؤيتها للزواج منها فإن هذا قد تأباه نفوس كريمة وقد يُستغَلُّ استغلالا سيئا، بل يمكن أن تحصل الرؤية بطريق المفاجأة أو الغفلة أو نحو ذلك. قال النووى فى شرح مسلم: وحكى القاضى عن قوم كراهته، وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها اهـ. وأما ما فسر به بعض الناس قول رسول اللَّه ﷺ فى حديث جابر: أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها" بأنه ينظر إلى جميع بدنها فهو تفسير فاسد كاسد، وقول عاطل باطل، قال النووى: هذا خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإِجماع اهـ هذا وقد وصف المصنف ﵀ حديث جابر هنا بأن رجاله ثقات وقال فى الفتح: وسنده حسن، وقال فى تلخيص الحبير: حديث جابر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعانى إلى نكاحها فتزوجتها. الشافعى وأبو داود والبزار والحاكم من حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن واقد بن عبد الرحمن عنه، ورواه أحمد من هذا الوجه وفيه: أنها من بنى سلمة، وأعله ابن القطان بواقد ابن عبد الرحمن، وقال: المعروف واقد بن عمرو. قلت: رواية الحاكم فيها واقد بن عمرو وكذا هو عند الشافعى وعبد الرزاق اهـ وفيه أيضا محمد بن إسحاق وقد عنعن. أما الشاهد الذى أشار المصنف إلى أنه أخرجه الترمذى والنسائى من حديث المغيرة فلفظه: "أنه خطب امرأة

стр. 2345

فقال له النبى ﷺ : "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أى أن تدوم الألفة والمودة بينكما. قال فى التلخيص عن حديث المغيرة: ذكره الدارقطنى فى العلل، وذكر الخلاف فيه، وأثبت سماع بكر بن عبد اللَّه المزنى من المغيرة اهـ أما الشاهد الآخر الذى أخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث محمد بن مسلمة رضى اللَّه عنه فقد رواه ابن ماجه من طريق حفص بن غياث عن حجاج عن محمد بن سليمان عن عمه سهل بن أبى حثمة عن محمد بن مسلمة قال: "خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها حتى نظرت إليها فى نخل لها، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا ألقى اللَّه فى قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها" قال فى الزوائد: فى إسناده حجاج وهو ابن أرطأة الكوفى ضعيف ومدلس ورواه بالعنعنة لكن لم ينفرد به حجاج فقد رواه ابن حبان فى صحيحه بإسناد آخر اهـ وقد أخرجه البيهقى وقال: هذا الحديث إسناده مختلف فيه ومداره على الحجاج بن أرطأة اهـ هذا وفى بعض النسخ بلوغ المرام وسبل السلام وابن ماجه "محمد بن سلمة" وهو خطأ ظاهر، صوابه: محمد بن مسلمة. فهو الذى يروى عنه سهل ابن أبى حثمة وهذا الحديث من روايته عنه. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب نظر الرجل إلى المرأة التى يريد الزواج منها قبل العقد. ٢ - لا يجوز للرجل أن يختلى بالمرأة التى يريد الزواج منها قبل أن

стр. 2346

يعقد عليها. ٣ - لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة إذا لم يكن فى نيته الزواج منها. ٤ - أنه لا عيب على من حاول أن ينظر إلى المرأة التى يريد الزواج منها ما دامت محاولته مشروعة ولا تجلب له سوءا.

стр. 2347

٨ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يخطبْ أحدُكم على خِطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له" متفق عليه. واللفظ للبخارى. [المفردات] لا يخطب أحدكم على خِطبة أخيه: أى لا يتقدم أحدكم لطلب الزواج من امرأة قد سبقه وتقدم لخِطبتها رجل قبله. حتى يترك الخاطب قبله: أى حتى يتنازل الخاطب الأول الذى خطبها قبله ويدع خطتها. أو يأذن له: أى أو حتى يسمح الخاطب الأول للخاطب الثانى فى التقدم لخطبتها برضًى من نفسه. [البحث] هذا الحديث من الأحاديث الداعية إلى منع أى تشويش بين قلوب المسلمين، حتى يقوم المجتمع المسلم على قواعد متينة من التحابب والتعاطف والتراحم ليصيروا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا،

стр. 2348

وقد ساقه البخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما بلفظ: نهى النبى ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" وأخرج البخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ بلفظ: "ولا يخطب الرجلُ على خِطبة أخيه حتى يَنْكِح أو يَتْرُك" وقد أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض" وفى لفظ: لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له" وأخرجه من حديث أبى هريرة بلفظ: أن النبى ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد أو يتناجشوا أو يخطبَ الرجلُ على خطبة أخيه. وفى لفظ من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تناجشوا، ولا يبع المرءُ على بيع أخيه، ولا يبع حاضر لباد، ولا يخطب المرءُ على خطبة أخيه" وفى لفظ له وأن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يَسُمِ المسلم على سَوم أخيه. ولا يخطب على خطبته" وأخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" هذا ولا شك أن الخاطب الأول إذا رُدَّ ورُفِضَت خطبته جاز لمن شاء أن يتقدم للخطبة لأنه حينئذ لا يكون خاطبا على خطبة أخيه إذ لا وجود لها وقتئذ واللَّه أعلم.

стр. 2349

[ما يفيده الحديث] ١ - تحريم خطبة الرجل المرأة التى تقدم إليها خاطب قبله حتى يأذن لة الخاطب الأول أو يترك خطبتها. ٢ - أن الخاطب الأول إذا رُدت خِطبتُه جاز للخاطب الآخر أن يتقدم للخِطبة. ٣ - يجب على المسلم أن يحرض على ما فيه سلامة صدور المسلمين.

стр. 2350

٩ - وعن سهل بن سعد الساعدى رضى اللَّه عنهما قال: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه ﷺ أهب لك نفسى فنظر إليها رسولُ اللَّه ﷺ فصَعَّدَ النظر فيها وصَوَّبَه: ثم طَأطَأ رسولُ اللَّه ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جَلَسَتْ، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول اللَّه إن لم تكن لك بها حاجةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قال: "فهل عندك من شئ؟ " فقال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، فقال: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا؟ "فذهب ثم رجع فقال: لا واللَّه ما وجدت شيئًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "انظر ولو خاتَمًا من حديد" فذهب ثم رجع فقال: لا واللَّه يا رسول اللَّه ولا خاتمًا من حديد. ولكن هذا إزارى -قال سهل: ما له رداء- فلها نصفه، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما تصنع بإزارك؟ إن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شئ، وإن لَبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شئ" فجلس الرجل حتى إذا طال مَجْلِسُه قام فرآه
следующие страницы →