← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

آدم خلق من تراب من غير أب ولا أم فقد خلقت حواء من ضلعه، من غير أم. كما خلق اللَّه تعالى عيسى بالنفخ فى أمه مريم من غير أب وقد أغرب النووى فقال فى قوله: "إن المرأة خلقت من ضلع": فيه دليل لما يقوله الفقهاء أو بعضهم أن حواء خلقت من ضلع آدم قال اللَّه تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وبين النبى ﷺ أنها خلقت من ضلع" وقد جعل الحافظ فى الفتح هذا القول من غرائب النووى إذ قال الحافظ ﵀ فى قوله: فإنهن خلقن من ضلع": وكأن فيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق فى "المبتدأ" عن ابن عباس أن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم وكذا أخرجه ابن أبى حازم وغيره من حديث مجاهد، وأغرب النووى فعزاه للفقهاء أو بعضهم" اهـ. وليس لقائل أن يقول: إن المراد تشبيه المرأة فى اعوجاج طبيعتها بالضلع الأعوج بدليل ما رواه البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المرأة كالضلع" أقول: إنه لا معارضة بين حديث: خلقن من ضلع. وحديث: المرأة كالضلع لأن تشبيه الشئ بأصله أمر شائع ذائع فى اللغة العربية فإنك تقول للرجل: أنت من أبيك وتقول له: أنت كأبيك. وقال الحافظ فى الفتح فى قوله "خلقن من ضلع" وهذا لا يخالف الحديث الماضي من تشبيه المرأة بالضلع بل يستفاد من هذا نكتة التشبيه وأنها عوجاء مثله لكون أصلها منه اهـ هذا والمقصود من هذا الحديث العظيم هو حث الأزواج على حسن معاملة الزوجات

стр. 2487

والصبر على ما قد يقع منهن من الأذى فى غير عفافهن، وهو عامل مهم من عوامل تثبيت أركان الأسرة فى الإسلام وصيانة الحياة الزوجية من أسباب الانهيار لما جُرِّبَ من شدة انسياق المرأة وراء عواطفها، بخلاف الرجل الذى هو المسئول الأول فى البيت وله القوامة فيه، وعليه تبعات هذه القوامة وقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أن المرأة المؤمنة لا تخلوا من خير فإن كره الرجل منها خلقا رضى منها خلقا آخر ففى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضى منها آخر أو قال: غيره. وقوله فى أول هذا الحديث: من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذى جاره" ثم قوله: "واستوصوا بالنساء خيرا" قال الحافظ فى الفتح: هما حديثان يأتى شرح الأول منهما فى كتاب الأدب، وقد أخرجه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن حسين بن على الجعفى شيخ شيخ البخارى فيه فلم يذكر الحديث الأول، وذكر بدله: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فإذا شهد امرؤ فليتكلم بخير أو ليسكت" والذى يظهر أنها أحاديث كانت عند حسين الجعفى عن زائدة بهذا الإسناد فربما جمع وربما أفرد، وربما استوعب وربما اقتصر اهـ هذا وقد روى البخارى ﵀ هذا الحديث فى باب المداراة مع النساء" من طريق الأعرج عن أبى هريرة بلفظ: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المرأة كالضِّلْعِ إن أقمتَها كسرتَها وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عِوَجٌ. وساقه فى باب الوصاة بالنساء من طريق أبى حازم عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه

стр. 2488

عن النبى ﷺ باللفظ الذى ساقه المصنف. أما مسلم ﵀ فقد ساقه بعدة ألفاظ فرواه من طريق ابن المسيب عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه بلفظ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن المرأة كالضلع، إذا ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها استمتعت بها وفيها عوج" وأخرجه من طريق الأعرج عن أبى هريرة بلفظ قال: "قال رسول اللَّه ﷺ : إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" وأخرجه من طريق أبى حازم عن أبى هريرة عن النبى ﷺ بلفظ: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شئ فى الضلع أعلاه. إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرا" اهـ [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم أذى الجار ولا سيما الزوجة. ٢ - وجوب الإحسان إلى الزوجات. ٣ - ينبغى للزوج أن يصبر على ما قد يبدر من زوجته من أذى ما دام لم يتصل بعفافها. ٤ - أن المرأة قد يسبق لسانها بأذى لزوجها رغما عنها وهى لا تريد أن تؤذيه. ٥ - حرص الإسلام على صيانة الأسرة من أسباب الانهيار.

стр. 2489

٦ - قوامة الرجل على المرأة.

стр. 2490

٤ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: كنا مع النبى ﷺ فى غزاة فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: "أَمْهِلُوا حتى تدخلوا ليلا (يعنى عِشَاءً) لكى تمتشط الشَّعِثَةُ، وتستحد المُغِيبَةُ" متفق عليه. وفى رواية للبخارى: إذا أطال أحدكم الغَيْبَةَ فلا يَطْرُقْ أهله ليلا". [المفردات] كنا: يريد جابر رضى اللَّه عنه أنه كان فى جملة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضى اللَّه عنهم. فى غزاة: أى فى غزوة والمراد بها هنا غزوة تبوك. فلما قدمنا المدينة: أى اقتربنا من المدينة المنورة قافلين. ذهبنا لندخل: أى تهيأنا لدخول المدينة المنورة. أمهلوا: أى تريثوا ولا تَتَعَجَّلُوا فى الدخول على زوجاتكم. حتى تدخلوا ليلا: أى حتى يكون وصولكم إلى أهلكم عِشَاء كما جاء مفسرا فى الحديث فالمراد من الليل هنا أوله فى وقت العشاء. تمتشط: أى ترتب الشعر بالمشط وتجعله على هيئة حسنة فالامتشاط هو استعمال المشط. الشَّعِثَةُ: بفتح الشين كسر العين بعدها ثاء هى التى لم تدهن

стр. 2491

شعرها ولم تمشطه فاغبر وتلبد وتوسخ. وكان من عادات النساء أن تتشعث المرأة إذا سافر زوجها فتترك شعرها دون تمشيط أو دهان. وتستحد المُغِيبَةُ: أصل الاستحداد هو استعمال الحديدة فى شعر العانة وهو إزالته بالموسى والمراد هنا إزالته بأى مزيل كان. والمُغِيبَةُ بضم الميم كسر الغين وإسكان الياء هى التى غاب عنها زوجها. ويقال للتى حضر زوجها مُشْهِد بلا هاء. وفى رواية للبخارى: أى من حديث جابر رضى اللَّه عنه. الغَيْبَة: بفتح الغين هى الغياب فى السفر. بخلاف الغيبة بكسر الغين فهى ذكرك أخاك بالعيب فى ظهر الغيب وليست مرادة هنا. بل المراد الأول. يطرق: قال الحافظ فى الفتح: قال أهل اللغة: الطُّروق بالضم المجئ بالليل من سفر أو من غيره على غفلة. ويقال لكل آت بالليل طارق اهـ ثم قال فى موضع آخر: وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب وبذلك سميت الطريق لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمى الآتى بالليل طارقا لأنه يحتاج غالبا إلى دق الباب، وقيل أصل الطروق: السكون ومنه أطرق رأسه، فلما كان

стр. 2492

الليل يُسكن فيه سمى الآتى فيه طارقا اهـ ويظهر أن هذا الاستعمال هو الغالب وقد يقال لمن يأتى على غفلة ولو كان بالنهار طارقا، ولذلك يقال فى الاستعاذة: ونعوذ بك من شر كل طارق يطرق بليل أو نهار إلا طارقا يطرق بخير يارحمن. ولذلك جاء فى لفظ حديث البخارى: "فلا يطرق أهله ليلا" مما يشعر باستعمالها للقادم المفاجئ بليل أو نهار. [البحث] هذا الحديث أيضا من وصايا رسول اللَّه ﷺ فى الحرص على الإِحسان إلى الزوجات وحسن معاشرتهن، والعمل على صيانة الحياة الزوجية من أسباب الانهيار، وهو من أمثلة رفق الإسلام بالمرأة ومراعاة شعورها مما لا نظير له فى غير دين الإسلام، هذا الدين العظيم الذى رفع المرأة من الحضيض التى كانت فيه فى الجاهلية الأولى، والتى لا تزال فيه فى الجاهلية الأخيرة كذلك. وفى كل مجتمع لا يستمسك بدين الإسلام، وهو رد على هؤلاء الببغاوات من مقلدة أعداء الإسلام الداعين إلى ما يسمونه بتحرير المرأة وهم لا يريدون سوى تحريرها من كل خلق كريم ووقوعها فى كل رجس أثيم. وقد أورد البخارى ﵀ هذا الحديث عن جابر رضى اللَّه عنه بلفظ قال: كان النبى ﷺ يكره أن يأتى الرجل أهله طروقا. وباللفظ الذى ساقه المصنف فى الرواية الأخرى عنه وساقه أيضا من طريق مسدد عن هشيم

стр. 2493

عن سيَّار عن الشعبى عن جابر قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ فى غزوة، فلما قفلنا تَعَجَّلْتُ على بعير قَطُوفٍ، فلحقنى راكب من خلفى، فالتفت، فإذا أنا برسول اللَّه ﷺ قال: "ما يُعْجِلُكَ؟ " قلت: إنى حديث عهد بعرس، قال: "فبكرا تزوجت أم ثيبا؟ " قلت: بلى ثيبا. قال: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك" قال: فلما قدمنا ذهبنا لندخل، فقال: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلا -أى عشاء- لكى تمتشط الشعثة وتستحد المُغِيبَة" قال: وحدثنى الثقة أنه قال فى هذا الحديث "الكَيْسَ الكيس يا جابر" يعنى الولد اهـ وقوله هنا: حدثنى الثقة المراد بالثقة هنا هو هشيم شيخ مسدد، ثم ساقه البخارى أيضا من حديث جابر رضى اللَّه عنه بلفظ: أن النبى ﷺ قال: "إذا دخلت ليلا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة" قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فعليك بالكيس الكيس" وساقه أيضا بلفظ عن جابر رضى اللَّه عنه قال: كنا مع النبى ﷺ فى غزوة فلما قفلنا كنا قريبا من المدينة، تعجلت على بعير لى قَطوف، فلحقنى راكب من خلفى، فنخس بعيرى بعنزة كانت معه، فسار بعيرى كأحسن ما أنت راءٍ من الإِبل، فالتفت فإذا أنا برسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه إنى حديث عهد بعرس قال: "أتزوجت؟ " قلت نعم. قال: "أبكرا أم ثيبا؟ قال: قلت بل ثيبا. قال: "فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟ " قال: فلما قدمنا ذهبنا لندخل، فقال: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلا -

стр. 2494

أى عشاء- لكى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة" وقد تقدمت بعض ألفاظ حديث البخارى أيضا فى بحث الحديث الخامس من أحاديث البيوع. أما مسلم ﵀ فساقه من طريق يحيى بن يحيى عن هشيم عن سيار عن الشعبى عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ فى غزاة فلما أقبلنا تعجلت على بعير لى قطوف فلحقنى راكب خلفى فنخس بعيرى بِعَنَزَةَ كانت معه، فانطلق بعيرى كأجود ما أنت راء من الإِبل، فالتفتُّ فإذا أنا برسول اللَّه ﷺ فقال: "ما يعجلك يا جابر؟ " قلت: يا رسول اللَّه إنى حديث عهد بعرس فقال: "أبكرا تزوجتها أم ثيبا؟ " قال: قلت: بل ثيبا. قال: "هلا جارية تلاعبها وتلاعبك" قال فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: "أمهلوا حتى ندخل ليلا -أى عِشاء- كى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة" قال: وقال: "إذا قدمت فالكيسَ الكيس" وفى لفظ لمسلم قال: قال: "أما إنك قادم، فإذا قدمت. فالكيسَ الكيس" وفى لفظ له عن جابر رضى اللَّه عنه قال قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قدم أحدكم ليلا فلا يأتين أهله طروقا حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة" وفى لفظ له من حديث جابر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتى أهله طروقا. وفى لفظ له من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يلتمس عثراتهم. قال سفيان: لا أدرى هذا فى الحديث

стр. 2495

أم لا يعنى أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم. وقوله فى الحديث "على بعير لى قطوف" القطوف بفتح القاف هو البطئ فى المشى. هذا ولا معارضة بين قوله فى الحديث: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلا" وبين رواية البخارى: "فلا يطرق أهله ليلا" فإن المراد بالليل فى الحديث الأول هو أوله وهو وقت العشاء كما جاء مفسرا فى نفس الخبر. والمراد بالليل المنهى عن الدخول على الأهل فيه هو ما كان بعد ذلك مما تكون المرأة فيه قد نامت غالبا وقد بين رسول اللَّه ﷺ الحكمة فى النهى عن الطروق ليلا وهو عدم مفاجأة المرأة حتى تتهيأ لزوجها بإزالة شعثها والاستعداد له حتى لا تقع عينه منها على شئ قد ينفره منها. وعلى هذا فإذا أخبر الزوج زوجته بوقت وصوله قبل أن يصل بوقت كاف تتمكن فيه من التهيؤ له جاز له أن يدخل عليها بلا حرج فى ليل أو نهار قال فى الفتح وقد صرح بذلك ابن خزيمة فى صحيحه ثم ساق من حديث ابن عمر قال قدم النبى ﷺ من غزوة فقال: لا تطرقوا النساء وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون اهـ كما أنه لا ينبغى له أن يفاجئها بوصوله حتى ولو كان بالنهار لنفس الحكمة التى أشار إليها رسول اللَّه ﷺ . وقد أورد مسلم من حديث أنس رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ كان لا يطرق أهله ليلا وكان يأتيهم غدوة أو عشية. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب أن تتزين المرأة لزوجها.

стр. 2496

٢ - كراهة مفاجأة الرجل المسافر زوجته بالحضور عندها دون علم سابق لها بوقت وصوله. ٣ - استحباب التلطف فى معاملة النساء. ٤ - الحض على ما يجلب التحابب بين الزوجين. ٥ - تكريم الإسلام للمرأة. ٦ - الحض على قضاء حاجة الزوج من زوجته. ٧ - الحض على قضاء حاجة الزوجة من زوجها. ٨ - حض الزوجين على طلب الولد. ٩ - الحظر من تحديد النسل. ١٠ - الاحتراز من تتبع عورات المسلمين. ١٢ - كراهية مباشرة المرأة فى حالة لا تكون متهيئة فيها لزوجها. ١٣ - أن ما أمرت به الشريعة من إزالة الشعر من بعض مواضع الجسم ليس داخلا فى النهى عن تغيير خلق اللَّه. ١٤ - الحض على الابتعاد عما يسئ الظن بالمسلم. ١٥ - لا ينبغى للزوج أن يعمل مع زوجته عملا تظن منه أنه ينسبها للخيانة.

стр. 2497

٥ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن شر الناس عند اللَّه منزلةً يوم القيامة الرجلُ يُفْضِى إلى امرأته وتُفْضِى إليه ثم يَنْشُرُ سرَّها" أخرجه مسلم.

стр. 2498

[المفردات] شر الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة: أى أسوأ بنى آدم مكانة عند اللَّه فى الدار الآخرة. يفضى إلى امرأته وتفضى إليه: أشار فى القاموس إلى أن قولهم: أفضى إلى امرأته بمعنى واقعها أو خلابها. وظاهر قوله: يفضى إليها وتفضى إليه يفيد أن المراد أنه يُوقفها من سره وتوقفه من سرها على ما لا يطلع عليه عادة سواهما مما يحصل بين الزوج وزوجته. ثم ينشر سِرَّها: أى ثم يفضحها ويذيع ما من حقه أن يبقى مستورا بينهما. [البحث] هذا الحديث العظيم مثلٌ آخر من أمثلة تربية الزوجين على صيانة أسرارهما ومحافظة الزوج على ما قد يقع عليه من مستور زوجته، ومحافظة الزوجة على ما قد تقع عليه من مستور زوجها، وفيه تنمية للمروءة بينهما مما يعمل على صيانة البيوت الإِسلامية من أسباب الانهيار وأنه لا يحل لأحد الزوجين أن يذكر لأحد ما يكون بينه وبين زوجه ولا سيما فيما يتصل بحالة الاستمتاع بينهما، وما يتصل بذلك، وقد ساق المصنف هذا الحديث فى البلوغ هنا بلفظ "إن شر الناس" ولكن الذى فى مسلم هو: "إن من أشر الناس" ولعل المصنف ذكر الرواية بالمعنى. ولعل الذى حمله على ذلك هو ما يدعيه أهل النحو

стр. 2499

من أنه لا يجوز أن يقال: أشر، وأخير وإنما يقال: هو خير منه كما يقال: هو شر منه. قال النووى نقلا عن القاضى: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة باللغتين جميعا وهى حجة فى جوازهما جميعا وأنهما لغتان اهـ وقد روى مسلم ﵀ عقب هذا الحديث فى صحيحه من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن من أعظم الأمانة عند اللَّه يوم القيامة الرجل يفضى إلى امرأته وتفضى إليه ثم ينشر سرها" وفى لفظ: إن أعظم الأمانة. وهو إشعار بأن ما يفضى به الرجل إلى امرأته وتفضى به إليه هو أمانة فى أعناقهما لا يحل لهما بحال أن يخونا فيها بإفشاء هذا السر الذى يكون بينهما. هذا. أما ما قد يضطر إليه الرجل أو تضطر إليه المرأة من وصف ما يكون بينهما عند الحاكم فإن ذلك يجوز بقدر الضرورة، كما مر فى بحث الحديث رقم ٣٠ من كتاب النكاح من قصة المرأة التى طلقها زوجها ثلاثا فتزوجت بعده ولم تجد عنده شيئا فوصفته لرسول اللَّه ﷺ بأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب ولم ينكر عليها رسول اللَّه ﷺ . هذا وقد حرمت الشريعة الإسلامية كذلك على المرأة أن ترى امرأة أجنبية فتصفها لزوجها أو لغيره دون قصد شرعى لما فى ذلك من المفاسد، فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال النبى ﷺ : "لا تباشر المرأة المرأة فَتَنْعَتَهَا لزوجها كأنه ينظر إليها" وإذا كانت الشريعة تحرم على المرأة أن تنعت امرأة أجنبية لزوجها

стр. 2500

كأنه ينظر إليها فإنها تحرم عليها أن تنعتها لغير زوجها من باب أولى إلا لقصد شرعى كما أشرت. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم إفشاء المرأة سر زوجها وما يكون بينهما لغير قصد شرعى. ٢ - تحريم إفشاء الرجل سر زوجته وما يكون بينهما لغير قصد شرعى. ٣ - أن إفشاء هذا السر من الكبائر. ٤ - حرص الإسلام على صيانة البيوت الإِسلامية من أسباب الانهيار. ٥ - الحض على حسن العشرة بين الزوجين.

стр. 2501

٦ - وعن حكيم بن معاوية عن أبيه رضى اللَّه عنه قال: قلت: يا رسول اللَّه ما حق زوج أحدنا عليه؟ قال: "تُطْعِمُهَا إذا أكلتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضربِ الوجهَ، ولا تُقَبِّحْ، ولا تَهْجُرْ إلا فى البيت" رواه أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه وعلق البخارى بعضه، وصححه ابن حبان والحاكم. [المفردات] حكيم بن معاوية: هو حكيم بن معاوية بن حيدة بن معاوية بن قشير ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيرى أبو بهز من الثالثة، وقد تقدمت ترجمة بهز فى الحديث السادس من كتاب الزكاة. وقد علق البخارى له ولأبيه

стр. 2502

فى غير موضع من صحيحه وقال فى كتاب الغسل فى باب من اغتسل عريانا وقال بهز عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ : اللَّه أحق أن يستحيا منه من الناس اهـ. عن أبيه: هو معاوية بن حيدة القشيرى أحد أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضى اللَّه عنهم. ما حق زوج أحدنا عليه: أى ماذا يثبت للزوجة على زوجها من الحق. تُطْعِمُهَا إذا أكلت: أى تطعمها من طعامك وتعطيها حاجتها من الأكل الذى يتيسر لك بالمعروف. وتكسوها إذا اكتسيت: أى وتقدم لها من الكسوة التى تتيسر لك ما تحتاجها بالمعروف. ولا تضرب الوجه: أى وإذا ضربتها تأديبا فاجتنب أن تصيب وجهها. ولا تقبح: أى ولا تسمعها كلاما تكرهه ولا تقل لها: قَبَّحَكِ اللَّه، ولا تعب حديثها، ومنه قوله فى حديث أم زرع: "فعنده أقول فلا أقبح". ولا تهجر إلا فى البيت: أى لا يكن هجرك لامرأتك إلا فى المنزل إن أردت تأديبها بالهجران، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ قال الحافظ فى الفتح: واختلف أهل التفسير فى المراد بالهجران، فالجمهور على أنه ترك الدخول عليهن والإِقامة عندهن على ظاهر الآية وهو من الهجران وهو

стр. 2503

البعد، وظاهره أنه لا يضاجعها وقيل: المعنى يضاجعها ويوليها ظهره، وقيل يمتنع عن جماعها، وقيل يجامعها ولا يكلمها، وقيل "اهجروهن" مشتق من الهُجر بضم الهاء وهو الكلام القبيح، أى أغلظوا لهن فى القول. وقيل مشتق من الهجار وهو الحبل الذى يشد به البعير يقال: هجر البعير إذا ربطه، فالمعنى أوثقوهن فى البيوت واضربوهن قاله الطبرى وقواه واستدل له، ووهاه ابن العربى فأجاد اهـ وأضم رأيى إلى رأى ابن العربى والحافظ ابن حجر فى توهين هذا التفسير الأخير لمعنى الهجران الذى قواه الطبرى، وهو قمن بالرد والهجر. وعلق البخارى بعضه: أى قال البخارى فى صحيحه فى باب هجرة النبى ﷺ نساءه فى غير بيوتهن. قال: ويُذكر عنَ معاوية بن حيدة رفعه: "غير أن لا تهجر إلا فى البيت" والأول أصح اهـ ويعنى بقوله: والأول أصح هو حديث أنس الذى قبل هذا الباب عند البخارى أن النبى ﷺ آلى من نسائه شهرا وقعد فى مشرُبة له" إذ هو دليل على جواز الهجر فى غير البيت. وهو أصح سندا من حديث معاوية ابن حكيم القشيرى عن أبيه رضى اللَّه عنه.

стр. 2504

[البحث] قال الحافظ فى الفتح فى قوله "رفعه ولا تهجر إلا فى البيت": فى رواية الكشميهنى "غير أن لا تهجر إلا فى البيت" وهذا طرف من حديث طويل أخرجه أحمد أبو داود والخرائطى فى "مكارم الأخلاق" وابن منده فى "غرائب شعبة" كلهم من رواية أبى قزعة سويد عن حكيم بن معاوية عن أبيه وفيه: "ما حق المرأة على الزوج؟ قال: "يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا فى البيت" اهـ وأبو قزعة سويد هو سويد بن حجير -بضم الحاء وفتح الجيم على التصغير- الباهلى البصرى قال الحافظ فى التقريب: ثقة من الرابعة وأشار إلى أنه من رجال مسلم. ولا شك أن حديث حكيم بن معاوية عن أبيه أقرب إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ وأما ما أشار إليه البخارى بقوله: والأول أصح يعنى حديث أنس الذى أشرت إليه فى مفردات هذا الحديث فإن حديث أنس أصح إسنادا من حديث حكيم بن معاوية عن أبيه لكن هذا لا يدل على أن حديث معاوية القشيرى ليس بصحيح. وحديث أنس يدل على جواز الهجران فى غير البيت وحديث معاوية القشيرى يدل على أولوية الهجران فى البيت. وقد أشار بعض أهل العلم إلى أن هذا الأمر قد يختلف باختلاف أحوال النساء فبعضهن يربيه ويؤدبه الهجران فى البيت وبعضهن يربيه الهجران فى غير البيت. والحكيم من الرجال هو من يراعى المصلحة وما يتأتى به

стр. 2505

التأديب. قال الحافظ فى الفتح: قال المهلب: هذا الذى أشار إليه البخارى كأنه أراد أن يستن الناس بما فعله النبى ﷺ من الهجر فى غير البيوت رفقا بالنساء، لأن هجرانهن مع الإِقامة معهن فى البيوت آلم لأنفسهن وأوجع لقلوبهن، بما يقع من الإِعراض فى تلك الحال، ولما فى الغيبة عن الأعين من التسلية عن الرجال، قال: وليس ذلك بواجب لأن اللَّه قد أمر بهجرانهن فى المضاجع فضلا عن البيوت، وتعقبه ابن المنير بأن البخارى لم يرد ما فهمه، وإنما أراد أن الهجران يكون فى البيوت وفى غير البيوت وأن الحصر المذكور فى حديث معاوية بن حيدة غير معمول به بل يجوز الهجر فى غير البيوت كما فعل النبى ﷺ اهـ ثم قال الحافظ: والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال فربما كان الهجران فى البيوت أشد من الهجران فى غيرهما، وبالعكس اهـ وقال البخارى فى صحيحه: باب ما يكره من ضرب النساء وقول اللَّه تعالى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أى ضربا غير مُبَرِّح. وأراد ﵀ أن قوله تعالى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ليس لاستحباب ضرب النساء بل إنما هو للجواز عند الضرورة بل فيه ما يكره كراهة تنزيه أو يكره كراهة تحريم. وقد جاء فى حديث عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول اللَّه ﷺ فذكر حديثا طويلا وفيه: "فإن فعلن فاهجروهن فى المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح" الحديث قال الحافظ فى الفتح: أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذى واللفظ له اهـ. وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث جابر رضى اللَّه عنه الذى وصف فيه حجة رسول اللَّه ﷺ فذكر فى خطبته فى عرفة أنه ﷺ قال: "فاتقوا

стр. 2506

اللَّه فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مُبَرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". [ما يفيده الحديث] ١ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها على زوجها. ٢ - وأن نفقة الزوجة على زوجها بقدر سعته. ٣ - جواز تأديب المرأة. ٤ - لا ينبغى للرجل تقبيح زوجته. ٥ - لا ينبغى للرجل أن يضرب وجه زوجته. ٦ - يجوز للزوج أن يهجر زوجته بالقدر الذى يراه مناسبا لتأديبها.

стр. 2507

٧ - وعن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دُبُرها فى قُبُلها كان الولد أحول فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ متفق عليه واللفظ لمسلم. [المفردات] إذا أتى الرجل امرأته: أى واقعها.

стр. 2508

من دبرها: أى وهى باركة. فى قبلها: أى فى فرجها. كان الولد أحول: أى جاء الولد الذى يثمره هذا الوطء أحول أى به ميلان فى بياض العين وسوادها والحَوَل عيب بخلاف الحَوَر وهو اتساع بياض العين مع اتساع سوادها وقد وصف اللَّه ﵎ نساء الجنة بالحور حيث يقول: "حور عين". نساؤكم: أى زوجاتكم. حرث لكم: الحرث محل الإِنبات والمراد به فى المرأة موضع النسل وهو الفرج إذ الموضع الآخر لا ينبت إلا الغائط ونحوه. وموضع الحرث معروف فى الأنثى بالفطرة التى فطر اللَّه خلقه عليها حتى الحيوانات العجماوات والوحوش المفترسة لا تعرف غيره فى هذا السبيل، ولذلك استمرت الخليقة الحيوانية وتكاثرت فى الأرض. فأتوا حرثكم: أى واقعوا زوجاتكم فى موضع الحرث وهو الفرج. أنّى شئتم: أى على أى جهة كانت المرأة سواء كانت مقبلة أو مدبرة أو باركة أو مستلقية أو مضطجعة أو واقفة أو على جنب ما دام الإِتيان فى موضع الحرث وهو الفرج.

стр. 2509

[البحث] قد سقت فى بحث الحديث الأول من أحاديث هذا الباب لفظ هذا الحديث عند الشيخين رحمهما اللَّه وذكرت هناك ما نقله الحافظ ﵀ فى تلخيص الحبير من رواية آدم عن شعبة عن محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول فى قول اللَّه : ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يقول كيف شئتم فى الفرج يريد بذلك موضع الولد للحرث، يقول: ائت الحرث كيف شئت اهـ وقال الإمام أحمد: نا عفان نا وهيب نا عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط قال: دخلت على حفصة ابنة عبد الرحمن فقلت: إنى سائلك عن أمر وأنا أستحى أن أسألك، قالت: فلا تستحى يا ابن أخى، قال: عن اتيان النساء وكانت اليهود تقول: إنه من جَبَى امرأته كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا فى نساء الأنصار فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها، وقالت: لن نفعل ذلك، حتى آتى رسول اللَّه ﷺ فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسى حتى يأتى رسول اللَّه ﷺ فلما جاء رسول اللَّه ﷺ استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت، فحدثت أمُّ سلمة رسول اللَّه ﷺ فقال: "ادع الأنصارية" فدعيت، فتلا عليها هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ صماما واحدا اهـ وقد أورد مسلم حديث الباب أيضا عن جابر رضى اللَّه عنه بلفظ: أن يهود كانت تقول إذا أوتيت

стр. 2510

المرأة من دبرها فى قبلها ثم حملت كان ولدها أحول قال: فأنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وزاد فى لفظ: إن شاء مُجَبِّيَةً وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك فى صمام واحد اهـ والمجبية بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء المكسورة هى المكبوبة على وجهها والصمام الثقب والمراد به هنا القُبُل. [ما يفيده الحديث] ١ - يجوز للرجل وقاع زوجته مقبلة ومدبرة ومستلقية وعلى جنب وعلى أى جهة ما دام الوقاع فى الفرج. ٢ - بطلان عقيدة اليهود فى زعمهم أن الرجل إذا واقع امرأته فى فرجها وهى باركة جاء الولد أحول. ٣ - أن الإسلام يوجه البشر للاعتقاد الصحيح ويباعدهم عن الخرافات.

стр. 2511

٨ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتى أهله قال: بسم اللَّه، اللهم جَنِّبنا الشيطان، وجَنِّبِ الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يُقَدَّرْ بينهما ولد فى ذلك لم يَضُرَّهُ الشيطانُ أبدا" متفق عليه. [المفردات] إذا أراد أن يأتى أهله: أى إذا رغب أحدكم فى وقاع زوجته.

стр. 2512

قال: أى قبل الشروع فى الوقاع. جنبنا الشيطان: أى اجعل الشيطان بعيدا عنا مجانبا لنا، فالجنيب البعيد على حد قول الشاعر: هواى مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثمانى بمكة مُوثَق والشيطان يطلق على المتمرد من الإِنس والجن والدواب والمراد به هنا شيطان الجن وهو إبليس لعنه اللَّه، وأصله من شاط بمعنى احترق أو من شطن بمعنى ابتعد ومنه قول الشاعر: نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين فالشطون البعيدة ويقال شطنت دارى عن دارك أى بعدت والشيطان بعيد عن كل خلال البر والخير والإِحسان. وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا: أى وباعد بين الشيطان وبين ما تتفضل به علينا من الولد فى هذا الوقاع حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل. فإنه: أى فإن الحال والشأن. إن يُقَدَّرْ بينهما ولد فى ذلك: أى إن يقض اللَّه تبارك وتعالى

стр. 2513

بإيجاد ولد من هذا الجماع. لم يضره الشيطان أبدا: أى لم يكن للشيطان عليه سلطان حتى يموت على الفطرة. [البحث] ليس معنى قوله ﷺ : "لم يضره الشيطان أبدا" أنه يسلم من حميع وساوس الشيطان فقد نقل النووى وغيره عن القاضى عياض أنه قال: ولم يحمله أحد على العموم فى جمع الضرر والوسوسة والإِغواء اهـ بل معنى: "لم يضره الشيطان أبدا" أنه لا يتسلط عليه تسلطا يخرجه به عن الإسلام والفطرة، بل قد يمسه الشيطان لكنه سرعان ما يتفطن ويتنبه لذلك فيرجع إلى ربه ويتذكر مقامه بين يديه على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. هذا وقد روى البخارى هذا الحديث فى كتاب بدء الخلق من صحيحه من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ قال: "أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال: بسم اللَّه اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فَرُزِقَا ولدا لم يضره الشيطان" وأخرجه فى كتاب النكاح فى باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله" عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما بلفظ قال: قال النبى ﷺ : "أما لو أن أحدهم يقول حين يأتى أهله: بسم اللَّه، اللهم جنبنى الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ثم قُدِّرَ بينهما فى ذلك أو قُضِىَ ولد لم يضره شيطان أبدا". أما مسلم فقد ساقه

стр. 2514

باللفظ الذى ساقه المصنف غير أنه قال: "لو أن أحدهم" بدل قوله فيما ساقه المصنف "لو أن أحدكم" كما أن لفظ مسلم: "لم يضره شيطان أبدا" بدل قوله فيما ساقه المصنف "لم يضره الشيطان أبدا". [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب التسمية قبل الجماع. ٢ - استحباب الدعاء بهذا الذكر الذى ذكره رسول اللَّه ﷺ قبل المباشرة. ٣ - أن من وفقه اللَّه تعالى لهذا الذكر قبل المباشرة فإنه يُقدِّم خيرا كثيرا لنسله. ٤ - أنه ينبغى للآباء أن يسعوا إلى ما يدفع تسلط الشياطين على أبنائهم.

стр. 2515

٩ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجئ فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تُصبِحَ" متفق عليه واللفظ للبخارى، ولمسلم "كان الذى فى السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها". [المفردات] إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه: أى طلبها للجماع. فأبت أن تجئ: أى فامتنعت عن طاعته فى قضاء شهوته. فبات غضبان: أى فاستمر ليلته وهو ساخط متكدر الخاطر من أجل امتناعها.

стр. 2516

لعنتها الملائكة: أى دعت عليها الملائكة باللعنة وطلبت من اللَّه أن يطردها من رحمته. والملائكة أجسام لطيفة مخلوقة من النور، شأنها الطاعة ومسكنها، الأصلى السموات، لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد فى الخلق ما يشاء، منهم جبريل رآه رسول اللَّه ﷺ له ستمائة جناح يسد الأفق. ولهم قدرة على التشكل الجميل، يصطفى اللَّه منهم رسلا، ومنهم الكرام الكاتبون، ومنهم حفظة موكلون بالإِنسان معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه بسبب أمر اللَّه لهم بذلك. ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فى وظائف لهم لا يحيط بها إلا اللَّه . حتى تصبح: أى يستمر دعاء الملائكة عليها باللعنة حتى يطلع النهار. ولمسلم: أى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه. كان الذى فى السماء: المراد بالذى فى السماء هو اللَّه والمراد بالسماء جهة العلو أى كان العلى الأعلى، فالسماء قد تطلق ويراد بها السموات السبع المبنية وقد تطلق ويراد بها جهة العلو. وهذا هو المراد هنا لأن اللَّه ﵎ فوق عرشه، وعرشه

стр. 2517

فوق السموات العُلَى. هذا ويحتمل أن المراد بالذى فى السماء هنا هو سكانها من الملائكة فيكون بدل قوله فى الرواية الأخرى: لعنتها الملائكة. ساخطا عليها: أى غاضبا عليها غير راض عنها. حتى يرضى عنها: أى إلى أن يسمح زوجها عنها ويعفو عن خطيئتها هذه، ويترك حقه. [البحث] هذا الحديث رواه البخارى بعدة ألفاظ فرواه فى كتاب بدء الخلق عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه بلفظ: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" وأررده فى كتاب النكاح فى باب (إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها) عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه بلفظ: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجئ لعنتها الملائكة حتى تصبح" ثم ساقه بلفظ: "إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع" وقد أورده مسلم ﵀ بعدة ألفاظ كذلك فرواه من طريق زرارة بن أوفى عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح" وفى لفظ: "حتى ترجع". ورواه من طريق أبى حازم عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذى نفسى بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذى فى السماء

стр. 2518

ساخطا عليها حتى يرضى عنها" وفى لفظ له: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" قال الحافظ فى الفتح: قال ابن أبى جمرة: الظاهر أن الفراش كناية عن الجماع. ويقويه قوله: "الولد للفراش" أى لمن يطأ فى الفراش" والكناية عن الأشياء التى يستحى منها كثيرة فى القرآن والسنة، قال: وظاهر الحديث اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلا لقوله: "حتى تصبح" وكأن السر تأكد ذلك الشأن فى الليل، وقوة الباعث عليه، ولا يلزم من ذلك أنه يجوز لها الامتناع فى النهار، وإنما خص الليل بالذكر لأنه المظنة لذلك اهـ. وفى قوله فى الحديث: "بات غضبان" إشعار بأنه إذا طلبها إلى فراشه فأبت فلم يغضب فلا وزر عليها. هذا وإذا كان امتناعها لعذر كمرض لا تتمكن معه من طاعته فإنه لا شئ عليها"، أما إذا كان العذر غير شرعى كالحيض مثلا فإنها لا يجوز لها أن تمتنع عنه لأن له الحق فى الاستمتاع بما فوق الإِزار، قال النووى ﵀ فى كلامه على هذا الحديث: هذا دليل على تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعى وليس الحيض بعذر فى الامتناع لأن له حقا فى الاستمتاع بها فوق الإِزار، ومعنى الحديث أن اللعنة تستمر عليها حتى تزول المعصية بطلوع الفجر والاستغناء عنها أو بتوبتها ورجوعها إلى الفراش اهـ [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها.

стр. 2519

٢ - أن امتناعها عن فراشه لغير عذر شرعى كبيرة من الكبائر. ٣ - تعظيم حق الزوج على زوجته. ٤ - أنه لا يجوز للمرأة أن تتسبب فى التشويش على زوجها.

стр. 2520

١٠ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة. والواشمة والمستوشمة" متفق عليه. [المفردات] الواصلة: هى المرأة التى تصل شعرها بشعر غيرها سواء فعلته لنفسها أو لغيرها. المستوصلة: هى التى تطلب فعل ذلك. والواشمة: هى فاعلة الوشم وهو أن تغرز إبرة ونحوها فى بدن المستوشمة حتى يسيل الدم فتحشوه بالكحل أو النيل أو النورة فيخضر. والمستوشمة: هى التى تطلب ذلك. [البحث] قال البخارى فى صحيحه: باب المتفلجات للحُسن ثم ساق من طريق علقمة عن عبد اللَّه: لعن اللَّه الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المُغَيِّرَاتِ خلق اللَّه، ما لى لا ألعن من لعن النبىُّ ﷺ وهو فى كتاب اللَّه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

стр. 2521

ثم قال البخارى: باب الوَصْل فى الشَّعَر ثم ساق من طريق حُمَيْد ابن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبى سفيان عَامَ حج وهو على المنبر وهو يقول -وتناول قُصَّةً من شعر كانت بيد حَرَسِىٍّ: - أين علماءكم؟ سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عن مثْل هذه ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم" ثم ساق البخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. ثم ساق من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت، فتمعَّط شعرها، فأراد أن يصلوها، فسألوا النبى ﷺ فقال: "لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة" وفى لفظ عن عائشة رضى اللَّه عنها أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعَّط شعر رأسها فجاءت إلى النبى ﷺ فذكرت ذلك له فقالت: إن زوجها أمرني أن أصل فى شعرها فقال: "لا، إنه قد لُعِنَ الموصِّلات" وساق البخارى من حديث أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه عنهما أن امرأة جاءت إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: إنى أنكحت ابنتى ثم أصابها شَكْوَى فَتَمَرَّقَ رأسها، وزوجها يستحثنى بها، أفأصل رأسها؟ فَسَبَّ رسول اللَّه ﷺ الواصلة والمستوصلة. ثم ساق من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما باللفظ الذى ساقه المصنف إلا أنه قال فى آخره: قال نافع: الوشم فى اللِّثَة. ثم ساق من حديث سعيد بن المسيب قال: قدِم معاوية المدينة آخر قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، فخطبنا فأخرج كُبَّةً من شَعَر قال: ما كنت أرى

стр. 2522

أحدا يفعل هذا غير اليهود، إن النبى ﷺ سمَّاه الزُّور -يعنى الواصلة فى الشعر. ثم قال البخارى: باب المتنمصات وساق من طريق علقمة قال: لعن عبدُ اللَّه الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق اللَّه، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد اللَّه: وما لى لا ألعن من لعن رسولُ اللَّه، وفى كتاب اللَّه. قالت: واللَّه لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته قال: واللَّه لئن قرأتيه لقد وَجَدْتِيهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ثم قال البخارى: "باب الموصلة" وساق من حديث ابن عمر باللفظ الذى ساقه المصنف. ثم قال البخارى: باب الواشمة وساق من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "العين حق" ونهى عن الوشم. أما مسلم ﵀ فقد أخرج من حديث أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه عنهما قالت: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إن لى ابنة عُرَيِّسًا، أصابتها حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شعرها أفأصله؟ فقال: لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة. وفى لفظ لها رضى اللَّه عنها: فَتَمَرَّطَ شعرُها. ثم ساق من حديث عائشة رضى اللَّه عنها نحو الحديث الذى ساقه البخارى عنها إلا أنه جاء فى لفظها عند مسلم "فَتَمَرَّطَ شعرها" بدل قولها عند البخارى: "فتمعط شعرها" وفى لفظ لها عند مسلم: "فاشتكت فتساقط شعرها" ثم ساق مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما باللفظ الذى ساقه المصنف. ثم ساق من

стр. 2523

طريق علقمة عن عبد اللَّه قال: لعن اللَّه الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه. قال: فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغنى عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه؟ فقال عبد اللَّه: وما لى لا ألعن من لعن رسولُ اللَّه ﷺ وهو فى كتاب اللَّه؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لَوْحَى المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنتِ قرأتِيه لقد وجدتيه قال اللَّه : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فقالت المرأة: فإنى أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبى فانظرى. قال: فدخلت على امرأة عبد اللَّه فلم تر شيئا. فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئا. فقال: أَمَا لو كان ذلكِ لم نجامعها. ثم روى مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه يقول: زجر النبى ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئا. ثم ساق مسلم ما رواه حميد بن عبد الرحمن بن عوف من حديث معاوية رضى اللَّه عنه إلا أنه قال فيه: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ ثم ساق مسلم من طريق سعيد بن المسيب من حديث معاوية رضى اللَّه عنه بقريب من اللفظ الذى ساقه البخارى عنه إلا أنه لم يذكر فيه قوله: "آخر قَدْمَةٍ قدمها" وقال فى آخره: "إن رسول اللَّه ﷺ بلغه فسماه الزور" وفى لفظ له من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب أن معاوية قال ذات يوم: إنكم قد أحدثتم زِىَّ سَوْءٍ، وإن

стр. 2524

نبى اللَّه ﷺ نهى عن الزور قال: وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة قال معاوية: ألا وهذا الزُّور. قال قتادة يعنى ما يُكَثِّرُ به النساء أشعارهن من الخرق. اهـ [ما يفيده الحديث] ١ - يحرم على المرأة أن تطلب من أحد أن يصل شعرها بشعر آخر للتجمل ولو لزوجها. ٢ - يحرم على المرأة أن تصل شعرها بشعر آخر للتجمل ولو لزوجها. ٣ - يحرم الوشم. ٤ - يحرم على المرأة أن تكون واشمة أو مستوشمة. ٥ - أن وصل الشعر من الزور والباطل. ٦ - أن الوصل والوشم من تغيير خلق اللَّه الذى حرمه الإسلام.

стр. 2525

١١ - وعن جُدَامةَ بنت وهب رضى اللَّه عنها قالت: حضرتُ رسول اللَّه ﷺ فى أُنَاسٍ وهو يقول: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلَةِ، فنظرت فى الروم وفارس فإذا هم يُغِيلُونَ أولادهم فلا يضر ذلك أولادهم شيئا" ثم سألوه عن العزل فقال رسول اللَّه ﷺ "ذلك الوَأْدُ الْخَفِىُّ" رواه مسلم. [المفردات] جدامة بنت وهب: اختلف فى ضبط اسمها كما اختلف فى اسم
следующие страницы →