← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

ثم قال البخارى: باب الوَصْل فى الشَّعَر ثم ساق من طريق حُمَيْد ابن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبى سفيان عَامَ حج وهو على المنبر وهو يقول -وتناول قُصَّةً من شعر كانت بيد حَرَسِىٍّ: - أين علماءكم؟ سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عن مثْل هذه ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم" ثم ساق البخارى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. ثم ساق من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت، فتمعَّط شعرها، فأراد أن يصلوها، فسألوا النبى ﷺ فقال: "لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة" وفى لفظ عن عائشة رضى اللَّه عنها أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعَّط شعر رأسها فجاءت إلى النبى ﷺ فذكرت ذلك له فقالت: إن زوجها أمرني أن أصل فى شعرها فقال: "لا، إنه قد لُعِنَ الموصِّلات" وساق البخارى من حديث أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه عنهما أن امرأة جاءت إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: إنى أنكحت ابنتى ثم أصابها شَكْوَى فَتَمَرَّقَ رأسها، وزوجها يستحثنى بها، أفأصل رأسها؟ فَسَبَّ رسول اللَّه ﷺ الواصلة والمستوصلة. ثم ساق من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما باللفظ الذى ساقه المصنف إلا أنه قال فى آخره: قال نافع: الوشم فى اللِّثَة. ثم ساق من حديث سعيد بن المسيب قال: قدِم معاوية المدينة آخر قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، فخطبنا فأخرج كُبَّةً من شَعَر قال: ما كنت أرى

стр. 2522

أحدا يفعل هذا غير اليهود، إن النبى ﷺ سمَّاه الزُّور -يعنى الواصلة فى الشعر. ثم قال البخارى: باب المتنمصات وساق من طريق علقمة قال: لعن عبدُ اللَّه الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق اللَّه، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد اللَّه: وما لى لا ألعن من لعن رسولُ اللَّه، وفى كتاب اللَّه. قالت: واللَّه لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته قال: واللَّه لئن قرأتيه لقد وَجَدْتِيهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ثم قال البخارى: "باب الموصلة" وساق من حديث ابن عمر باللفظ الذى ساقه المصنف. ثم قال البخارى: باب الواشمة وساق من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "العين حق" ونهى عن الوشم. أما مسلم ﵀ فقد أخرج من حديث أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه عنهما قالت: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إن لى ابنة عُرَيِّسًا، أصابتها حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شعرها أفأصله؟ فقال: لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة. وفى لفظ لها رضى اللَّه عنها: فَتَمَرَّطَ شعرُها. ثم ساق من حديث عائشة رضى اللَّه عنها نحو الحديث الذى ساقه البخارى عنها إلا أنه جاء فى لفظها عند مسلم "فَتَمَرَّطَ شعرها" بدل قولها عند البخارى: "فتمعط شعرها" وفى لفظ لها عند مسلم: "فاشتكت فتساقط شعرها" ثم ساق مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما باللفظ الذى ساقه المصنف. ثم ساق من

стр. 2523

طريق علقمة عن عبد اللَّه قال: لعن اللَّه الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه. قال: فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغنى عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه؟ فقال عبد اللَّه: وما لى لا ألعن من لعن رسولُ اللَّه ﷺ وهو فى كتاب اللَّه؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لَوْحَى المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنتِ قرأتِيه لقد وجدتيه قال اللَّه : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فقالت المرأة: فإنى أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبى فانظرى. قال: فدخلت على امرأة عبد اللَّه فلم تر شيئا. فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئا. فقال: أَمَا لو كان ذلكِ لم نجامعها. ثم روى مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه يقول: زجر النبى ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئا. ثم ساق مسلم ما رواه حميد بن عبد الرحمن بن عوف من حديث معاوية رضى اللَّه عنه إلا أنه قال فيه: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ ثم ساق مسلم من طريق سعيد بن المسيب من حديث معاوية رضى اللَّه عنه بقريب من اللفظ الذى ساقه البخارى عنه إلا أنه لم يذكر فيه قوله: "آخر قَدْمَةٍ قدمها" وقال فى آخره: "إن رسول اللَّه ﷺ بلغه فسماه الزور" وفى لفظ له من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب أن معاوية قال ذات يوم: إنكم قد أحدثتم زِىَّ سَوْءٍ، وإن

стр. 2524

نبى اللَّه ﷺ نهى عن الزور قال: وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة قال معاوية: ألا وهذا الزُّور. قال قتادة يعنى ما يُكَثِّرُ به النساء أشعارهن من الخرق. اهـ [ما يفيده الحديث] ١ - يحرم على المرأة أن تطلب من أحد أن يصل شعرها بشعر آخر للتجمل ولو لزوجها. ٢ - يحرم على المرأة أن تصل شعرها بشعر آخر للتجمل ولو لزوجها. ٣ - يحرم الوشم. ٤ - يحرم على المرأة أن تكون واشمة أو مستوشمة. ٥ - أن وصل الشعر من الزور والباطل. ٦ - أن الوصل والوشم من تغيير خلق اللَّه الذى حرمه الإسلام.

стр. 2525

١١ - وعن جُدَامةَ بنت وهب رضى اللَّه عنها قالت: حضرتُ رسول اللَّه ﷺ فى أُنَاسٍ وهو يقول: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلَةِ، فنظرت فى الروم وفارس فإذا هم يُغِيلُونَ أولادهم فلا يضر ذلك أولادهم شيئا" ثم سألوه عن العزل فقال رسول اللَّه ﷺ "ذلك الوَأْدُ الْخَفِىُّ" رواه مسلم. [المفردات] جدامة بنت وهب: اختلف فى ضبط اسمها كما اختلف فى اسم

стр. 2526

أبيها هل هى بالذال المعجمة أو بالدال المهملة وهل هى بنت وهب أو بنت جندل فقال ابن سعد فى الطبقات: جذامة بنت جندل الأسدية أسلمت قديما بمكة وبايعت وهاجرت إلى المدينة مع أهلها وأشار إلى أنها من بنى غنم بن دودان بن أسد وهم حلفاء حرب بن أمية، أهل إسلام، أسلموا بمكة وأوعبوا فى الهجرة رجالهم ونساؤهم حتى غلقت أبوابهم فخرج من النساء فى الهجرة زينب وحبيبة وحمنة بنات جحش وجذامة بنت جندل وأم قيس بنت محصن وآمنة بنت رقيش وأم حبيبة بنت نباتة. ثم قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى قال حدثنا مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن عائشة زوج النبى ﷺ عن جذامة الأسدية قالت: أخبرتنى أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم. قال مالك بن أنس: الغيلة أن يمس الرجل امرأته وهى ترضع اهـ. وقال الحافظ ابن حجر فى التقريب: جدامة بنت وهب ويقال جندل الأسدية أخت عكاشة بن محصن

стр. 2527

لأمه، صحابية، لها سابقة وهجرة، قال الدارقطنى من قالها بالذال المعجمة صحف اهـ وقد أشار الحافظ إلى تخريج أصحاب السنن الأربعة حديثها. وفاته أن مسلما ﵀ قد خرج حديثها كذلك. وقال النووى فى شرح مسلم: ذكر مسلم اختلاف الرواة فيها هل هى بالدال المهملة أم بالذال المعجمة قال: والصحيح أنها بالدال يعنى المهملة وهكذا قال جمهور العلماء أن الصحيح أنها بالمهملة والجيم مضمومة بلا خلاف، وقوله جدامة بنت وهب وفى الرواية الأخرى جدامة بنت وهب أخت عكاشة قال القاضى عياض: قال بعضهم إنها أخت عكاشة على قول من قال إنها جدامة بنت وهب بن محصن وقال آخرون: هى أخت رجل آخر يقال له عكاشة بن وهب ليس بعكاشة بن محصن المشهور وقال الطبرى: هى جدامة بنت جندل هاجرت قال: والمحدثون قالوا فيها جدامة بنت وهب، هذا ما ذكره القاضى، والمختار أنها جدامة بنت وهب الأسدية أخت عكاشة بن محصن المشهور الأسدى وتكون أخته من أمه اهـ وقد روى حديثها مسلم من طريق خلف بن هشام عن مالك بن أنس ومن طريق يحيى

стр. 2528

ابن يحيى عن مالك بن أنس بلفظ: جدامة ثم قال مسلم: وأما خلف فقال: عن جذامة الأسدية والصحيح ما قاله يحيى بالدال اهـ وقد انقلب الأمر على الصنعانى فى سبل السلام فقال: بضم الجيم وذال معجمة ويروى بالدال المهملة قيل وهو تصحيف اهـ. فى أناس: أى فى جماعة من أصحابه ﷺ ورضى اللَّه عنهم. لقد هممت أن أنهى عن الغيلة: أى لقد أردت أن أمنع الناس عن الغيلة. والغيلة بكسر الغين ويقال لها الغَيَل بفتح الغين والياء والغيال بكسر الغين والمراد بها مجامعة الرجل زوجته وهى ترضع كما قال مالك والأصمعى وغيرهما وقيل هى أن ترضع المرأة وهى حامل وكان العرب يرون أن ذلك داء وقد يشاهد أثر ذلك على الطفل بما يحدث منه من اسهال وضعف جسم، والظاهر أن الأطفال ليسوا فيه سواء، فكثير منهم لا يضره ذلك. وقد قال النووى: وقال جماعة من أهل اللغة: الغيلة بالفتح المرة الواحدة وأما بالكسر فهى الاسم من الغيل وقيل إن أريد بها وطء المرضع جاز الغيلة والغيلة بالكسر والفتح واختلف العلماء فى المراد بالغيلة فى هذا الحديث فقال مالك فى الموطأ

стр. 2529

والأصمعى وغيره من أهل اللغة: أن يجامع امرأته وهى مرضع يقال منه أغال الرجل وأغيل إذا فعل وقال ابن السكيت: هو أن ترضع المرأة وهى حامل يقال منه غالت وأغيلت، قال العلماء: سبب همه ﷺ بالنهى عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع قالوا والأطباء يقولون: إن ذلك اللبن داء والعرب تكرهه وتتقيه اهـ ثم نظرت فى الروم وفارس الخ: أى ثم تفكرت فى الأمتين المشهورتين المعروفتين بالقوة فى أجسامهم وهم سكان أروبا وسكان بلاد فارس من العجم فإذا هم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم. ثم سألوه عن العزل: أى ثم سأل أصحاب رسول اللَّه ﷺ رسولُ اللَّه ﷺ عن العزل وهو الجماع مع النزع عند الإنزال حتى لا تحمل المرأة. أو لا يستضر رضيعها. ذلك: أى العزل. هو الوأد الخفى: أى هو شبيه بالوأد إلا أنه ليس وَأْدًا حقيقيا. والوأد الحقيقى هو ما كان يفعله أهل الجاهلية من دفن البنت وهى حية وقد أعظم الإسلام ذلك الجرم ونهى عنه أشد النهى حيث قال اللَّه تعالى

стр. 2530

"وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت" قال النووى: تسميته الوأد الخفى لأنه قطع طريق الولادة كما يقتل المولود بالوأد اهـ. [البحث] روى مسلم ﵀ فى صحيحه هذا الحديث بعدة ألفاظ فقال: حدثنا خلف بن هشام حدثنا مالك بن أنس ح وحدثنا يحيى ابن يحيى واللفظ له قال: قرأت على مالك عن محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل عن عروة عن عائشة عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم". قال مسلم: وأما خلف فقال عن جذامة الأسدية والصحيح ما قاله يحيى بالدال. حدثنا عبيد اللَّه بن سعيد ومحمد بن أبى عمر قالا: حدثنا المقرئ حدثنا سعيد بن أبى أيوب، حدثنى أبو الأسود عن عروة عن عائشة عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول اللَّه ﷺ الحديث باللفظ الذى ساقه المصنف إلا أنه قال فى آخره: زاد عبيد اللَّه فى حديثه عن المقرئ وهى "وإذا الموءودة سئلت" ثم قال مسلم: وحدثناه أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا يحيى بن أيوب عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشى عن عروة عن عائشة عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ فذكر بمثل حديث سعيد بن أبى

стр. 2531

أيوب فى العزل والغيلة غير أنه قال: الغيال. حدثنى محمد بن عبد اللَّه بن نمير وزهير بن حرب واللفظ لابن نمير قالا: حدثنا عبد اللَّه ابن يزيد المقبرى حثنا حَيْوَةُ حدثنى عياش بن عباس أن أبا النضر حدثه عن عامر بن سعد أن أسامة بن زيد أخبر وَالِدَه سعدَ بن أبى وقاص أن رجلا جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إنى أعزل عن امرأتى فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لِمَ تفعلُ ذلك؟ " فقال الرجل: أشفق على ولدها أو على أولادها فقال رسول اللَّه ﷺ لو كان ذلك ضارا ضَرَّ فارس والروم" قال زهير فى روايته: إن كان لذلك فلا. ما ضار ذلك فارس ولا الروم. قال النووى فى قوله: ما ضار ذلك الخ هو بتخفيف الراء أى ما ضارهم يقال ضاره يضيره ضيرا، وضره يضره ضرا واللَّه أعلم اهـ وقال البخارى فى صحيحه: باب العزل ثم ساق عن جابر رضى اللَّه عنه قال: كنا نعزل على عهد رسول اللَّه ﷺ وفى لفظ له عن جابر رضى اللَّه عنه: "كنا نعزل والقرآن ينزل" وفى لفظ له عن جابر رضى اللَّه عنه قال: "كنا نعزل على عهد رسول اللَّه ﷺ والقرآن ينزل" ثم ساق البخارى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: أصبنا سَيْبًا، فكنا نعزل، فسألنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أوَ إنكم لتفعلون؟ -قالها ثلاثا- ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هى كائنة" وفى لفظ لمسلم من طريق ابن محيريز قال: دخلت أنا وأبو صِرمة على أبى سعيد الخدرى فسأله أبو صرمة فقال: يا أبا سعيد هل سمعَت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه

стр. 2532

وسلم يذكر العزل؟ فقال: نعم غزونا مع رسول اللَّه ﷺ غزوة بَلْمُصطلق فسبينا كرائم العرب فطالت علينا العُزْبَةُ ورغبنا فى الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا: نفعل ورسول اللَّه ﷺ بين أظْهُرِنا لا نسأله؟ فسألنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب اللَّه خلق نَسَمة هى كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون، وفى لفظ لمسلم: "فإن اللَّه كتب من هو خالق إلى يوم القيامة" وفى لفظ، فقال لنا: "وإنكم لتفعلون. وإنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون. ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هى كائنة". وفى لفظ له قال: "لا عليكم أن لا تفعلوا فإنما هو القَدرُ" وفى لفظ عن أبى سعيد قال: ذُكِرَ العزل عند النبى ﷺ فقال: "وما ذاكم؟ " قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له الأمة فيصيب منها ويكره أن تحمل منه قال: "فلا عليكم أن لا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القدر" وفى لفظ له قال: ذكر العزل عند رسول اللَّه ﷺ فقال: وَلِمَ يفعلُ ذلك أحدكم" ولم يقل: "فَلَا يفْعَلْ ذلك أحدكم، فإنه ليست نفسٌ مخلوقةٌ إلا اللَّه خالقها" وفى لفظ له قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن العزل فقال: "ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد اللَّه خلق شئ لم يمنعه شئ" ثم ساق مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه أن رجلا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن لى جارية هى خادمنا وسانيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: "اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها" فلبث الرجل ثم

стр. 2533

أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت فقال: "قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قُدِّرَ لها" وفى لفظ له: إن الجارية التى كنت ذكرتها لك حملت فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنا عبد اللَّه ورسوله" ثم ساق مسلم من حديث جابر بالألفاظ التى ساقها عنه البخارى فيما تقدم من هذا البحث وفى لفظ لمسلم عن جابر رضى اللَّه عنه: "كنا نعزل على عهد رسول اللَّه ﷺ فبلغ ذلك نبىَّ اللَّه ﷺ فلم ينهنا" وفى لفظ لمسلم من طريق أبى بكر بن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم عن سفيان عن عمرو عن عطاء عن جابر قال: كنا نعزل والقرآن ينزل زاد إسحاق قال سفيان: "لو كان شئ يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن" هذا ولما كان العزل إنما يحدث إما بسبب دفع ضرر عن المرأة كالتى يضرها الحمل، وإما بسبب كراهية الإِنجاب فإذا كان من أجل كراهية الإِنجاب ففيه شبه من الوأد الجاهلى وإن كان صاحبه لم يباشر وَأْدا. ولذلك سمى الوأْد الخفى. هذا وسيأتى مزيد بحث لذلك عند الكلام على الحديثين اللذين يليان هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى. [ما يفيده الحديث] ١ - جواز العزل إذا كان لدفع ضرر عن المرأة. ٢ - كراهية العزل إذا كان بسبب كراهية الإِنجاب. ٣ - يجوز للرجل أن يطأ زوجته الحامل ولا ضرر فى ذلك. ٤ - يجوز للرجل أن يطأ زوجته المرضع ولا ضرر على الطفل فى ذلك.

стр. 2534

١٢ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه أن رجلا قال: يا رسول اللَّه إن لى جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تَحَدَّثُ أن العزل الموءودة الصغرى؟ قال: "كذبت اليهود لو أراد اللَّه أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه" رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، والنسائى والطحاوى ورجاله ثقات. [المفردات] جارية: المراد بها هنا الأمة. أعزل عنها: أى أمنع وصول المنى إليها عند الوطء. أكره أن تحمل: أى لا أحب أن تنجب. أريد ما يريد الرجال: أى أرغب فى وقاعها. تَحَدَّثُ: أى تتحدث وتزعم. أن العزل الموءودة الصغرى: أى أن العزل هو شبيه بدفن البنت وهى حية وإن كان أصغر إثما من دفنها وهى حية. ما استطعتَ أن تَصْرِفَه: أى لم تقدر على رد قضاء اللَّه إذا كان قد قضى ولدا من هذا الوقاع لأنه يسبقه الماء فلا يقدر على دفعه ولا ينفعه الحرص على عدم الإِنجاب، وينعدم الشعور عند العازل ليتم ما قدره اللَّه. [البحث] قال ابن القيم ﵀: الذى كذبت فيه اليهود زعمهم أن

стр. 2535

العزل لا يتصور معه الحمل أصلا وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء اللَّه خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدًا حقيقة، وإنما سماه وأدا خفيا فى حديث جدامة لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد. لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد صِرْفًا فلذلك صفه بكونه خفيا اهـ. وقال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: العزل هو الوأد الخفى" مسلم من رواية جدامة بنت وهب فى حديث. والظاهر أنه منسوخ فقد روى أصحاب السنن من حديث أبى سعيد قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ : إن اليهود زعموا أن العزل الموءودة الصغرى فقال: "كذبت يهود، لو أراد اللَّه أن يخلقه لم يستطع أن يصرفه" ونحوه للنسائى عن جابر وعن أبى هريرة اهـ

стр. 2536

١٣ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: "كنا نعزل على عهد رسول اللَّه ﷺ والقرآن ينزل، ولو كان شيئا يُنْهَى عنه لنهانا عنه القرآن" متفق عليه، ولمسلم: "فبلغ ذلك نبىَّ اللَّه ﷺ فلم ينهنا عنه". [المفردات] كنا نعزل: أى نواقع ونمنع المنى من الانصباب فى الفرج.

стр. 2537

على عهد رسول اللَّه ﷺ والقرآن ينزل: أى فى وقت تقرير الأحكام ونزول الأوامر والنواهى فأقرنا رسول اللَّه ﷺ ولم يحرم القرآن ذلك. فبلغ ذلك نبىَّ اللَّه ﷺ فلم يَنْهَنا عنه: أى ولم يكن عملنا فى العزل خافيا على رسول اللَّه ﷺ بل علم به فأقره ولو كان محرما ما أقرنا عليه ﷺ . [البحث] قد تقدم فى بحث الحديث الحادى عشر من أحاديث هذا الباب ألفاظ حديث جابر رضى اللَّه عنه عند البخارى ومسلم، كما تقدم تحقيق الكلام فيما يفيده هذا الحديث وغيره من الأحاديث التى وردت فى شأن العزل. [ما يفيده الحديث] ١ - أن العزل لم يرد عنه نهى فى كتاب اللَّه ولا فى سنة رسوله ﷺ . ٢ - أن العزل قررته الشريعة الإسلامية ما دام لم يقصد منه تحديد النسل أو كراهية الإِنجاب كما تقدم.

стр. 2538

١٤ - وعن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد" أخرجاه واللفظ لمسلم.

стр. 2539

[المفردات] يطوف على نسائه: أى يدور على نسائه ويجامعهن. بغسل واحد: أى ويؤخر الغسل حتى ينتهى منهن جميعا فلا يغتسل من جماعه لكل واحدة، بل يغتسل غسلا واحدا بعد فراغه من جماعهن حميعًا. [البحث] قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث "كان يطوف على نسائه بغسل واحد وهن تسع" متفق عليه من حديث أنس. اهـ وقال البخارى فى صحيحه: "باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه بغسل واحد" ثم ساق البخارى من طريق هشام عن قتادة من حديث أنس رضى اللَّه عنه قال: كان النبى ﷺ يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة قال: قلت لأنس: أوَ كان يُطيقُه؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعْطِىَ قوةَ ثلاثين، وقال سعيد عن قتادة: "إن أنسا حدثهم: تِسْعُ نسوة" وساقه البخارى فى "باب الجنب يخرجْ ويمشى فى السوق وغيره" من حديث سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك حدثهم أن نبى اللَّه ﷺ كان يطوف على نسائه فى الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة" وساقه بهذا اللفظ فى كتاب النكاح فى أكثر من باب فأورده فى باب كثرة النساء وفى باب من طاف على نسائه فى غسل واحد. اهـ هذا وقد اجتمع عند رسول اللَّه ﷺ تسع نسوة وتوفى عنهن وهن عائشة وحفصة وسودة، وزينب، وأم سلمة، وأم حبيبة، وميمونة، وجويرية، وصفية

стр. 2540

رضى اللَّه عنهن. وهن اللاتى كان يقسم لهن رسول اللَّه ﷺ أما لفظ البخارى عن أنس رضى اللَّه عنه: وهن إحدى عشرة فالمراد مارية القبطية وريحانة رضى اللَّه عنهما مع الزوجات التسع وقد تدخل الأمَة فى النساء على سبيل التغليب، ولا معارضة بين القسم بين الزوجات المتعددات وبين الطواف عليهن فى ليلة، لأنه يفعل ذلك مع جميعهن فلا ظلم على واحدة منهن ما دام يطيق ذلك وسيأتى مزيد بحث لهذا فى باب القسم إن شاء اللَّه تعالى. [ما يفيده الحديث] ١ - أنه يجوز لمن كان له أكثر من زوجة أن يطوف على نسائه فى ليلة واحدة ولا يعتر ذلك مَيلا عن العدل ما دام قادرا على ذلك وموفيا لصاحبة الليلة. ٢ - أن الحب وكثرة الجماع لإِحدى الزوجات لا ينافى العدل بين الزوجات ما دام لا يحبس نفسه عن واحدة دون الأخرى.

стр. 2541

باب الصداق

стр. 2542

١ - عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" متفق عليه. [المفردات] الصداق: هو المهر ويسمى أيضا صَدُقَة بضم الدال. ونحلة وفريضة وأجرا. أعتق صفية: أى حررها من الرق لأنها من السبى يوم خيبر. صفية: هى أم المؤمنين صفية بنت حُيَىِّ بن أخطب بن سعية بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج ابن أبى حبيب بن النضير بن النحام بن ينحوم من بنى إسرائيل من سبط هارون بن عمران ﷺ . وأمها برة بنت سموأل أخت رفاعة ابن سموأل من بنى قريظة إخوة النضير. وكانت صفية تزوجها سلَّام بن مشكم القرظى ثم فارقها فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق النضرى فقتل عنها يوم خيبر. ووقعت فى سهم دحية الكلبى فقيل لرسول اللَّه ﷺ : إنه قد وقع فى سهم دحية الكلبى جارية جميلة فاشتراها رسول اللَّه ﷺ بسبعة أرؤس ودفعها إلى أم سليم حتى تُصَنِّعَهَا

стр. 2543

وتهيئها وتعتد عندها، وقال الناس: واللَّه ما ندرى أتزوجها رسول اللَّه ﷺ أم تسرَّى بها، فلما حملها على بعيره سترها وأردفها خلفه فعرف الناس أنه قد تزوجها. وقد جعل رسولُ اللَّه ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن فأكل الناس حتى شبعُوا، ولما حوصر عثمان رضى اللَّه عنه جعلت صفية رضى اللَّه عنها خشبا بين منزلها ومنزل عثمان رضى اللَّه عنه تنقل عليه له الماء والطعام، وتوفيت صفية رضى اللَّه عنها سنة اثنتين وخمسين فى خلافة معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنهما ودفنت بالبقيع. وجعل عتقها صداقها: أى واعتبر تحريرها من الرق مَهْرَها. [البحث] روى البخارى فى صحيحه فى باب غزوة خيبر من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضى اللَّه عنه قال: صلى النبى ﷺ الصبح قريبا من خيبر بغَلَسٍ ثم قال: "اللَّه أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَسَاءَ صباحُ المنذَرِيِن" فخرجوا يسْعَون فى السِّكَكِ، فقتل النبى ﷺ المقاتلة، وسَبى الذرية، وكان فى السبى صفية فصارت إلى دحية الكلبى ثم صارت إلى النبى ﷺ فجعل عتقها صداقها. فقال عبد العزيز بن صهيب لثابت: يا أبا محمد: آنت قلتَ لأنس ما أصدقها؟ فَحَرَّكَ ثابت رأسه تصديقا له ثم ساق البخارى

стр. 2544

من طريق شعبة عن عبد العزيز بن صهيب قال سمعت أنس بن مالك رضى اللَّه عنه يقول: سَبَى النبى ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأَعتقها" أما مسلم ﵀ فقد روى من طريق عبد العزيز عن أنس رضى اللَّه عنه فى قصة غزوة خيبر قال: وأصبناها عَنْوَةً، وجُمِعَ السَّبْىُ فجاءه دحية فقال: يا رسول اللَّه ﷺ أعطنى جارية من السبى فقال: اذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيى فجاء رجل إلى نبى اللَّه ﷺ فقال: يا نبى اللَّه أَعْطَيْتَ دحية صفية بنت حيى سيد قريظة والنضير، ما تصلح إلا لك. قال: ادعوه بها قال: فجاء بها فلما نظر إليها النبىُّ ﷺ قال: "خذ جارية من السبى غيرها" قال: وأعتقها وتزوجها فقال له ثابت: يا أبا حمزة: ما أصدقها؟ قال: نَفْسَهَا، أعتقها وتزوجها حتى إذا كان بالطريق جَهَّزَتْهَا له أمُّ سليم. فأهدتها له من الليل، فأصبح النبىُّ ﷺ عَرُوسًا فقال: "من كان عنده شئ فليجئ به" قال: وبَسَطَ نِطَعًا قال: فجعل الرجل يجئ بالأقط، وجعل الرجل يجئ بالتمر وجعل الرجل يجئ بالسمن فَحَاسُوا حيْسًا، فكانت وليمة رسول اللَّه ﷺ . ثم رواه مسلم من عدة طرق عن ثابت وعبد العزيز بن صهيب وشعيب بن الحَبْحَاب عن أنس عن النبى ﷺ أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. وفى لفظ له: أنه تزوج صفية وأصدقها عِتْقَهَا اهـ وقوله فى الحديث: وحاسوا. حيْسا الحيس هو الأقط والتمر

стр. 2545

والسمن يخلط ويعجن. ثم ساق مسلم من طريق ثابت عن أنس رضى اللَّه عنه قال: كنت ردف أبى طلحة يوم خيبر وقدمى تمس قدم رسول اللَّه ﷺ قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بِفُؤُسهم ومكاتلهم وَمُرُورِهِمْ فقالوا: محمد والخميس قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَسَاءَ صباحُ المُنْذرين" قال: وهزمهم اللَّه ووقعت فى سهم دحيةَ جارية جميلة فاشتراها رسول اللَّه ﷺ بسبعة أرؤس ثم دفعها إلى أم سُلَيْم تُصَنِّعُهَا له وتُهَيِّئُهَا قال: وأحسبه قال: وَتَعْتَدُّ فى بيتها. وهى صفية بنت حيى قال: وجعل رسول اللَّه ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن. فُحِصَت الأرض أَفَاحيص وجئ بالأنطاع فوضعت فيها، وجئ بالأقط والسمن فشبع الناس قال: وقال الناس: لا ندرى أتزوجها أم اتخذها أم ولد؟ قالوا: إن حجبها فهى امرأة وإن لم يحجبها فهى أم ولد فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عَجُزِ البعير فعرفوا أنه قد تزوجها. الحديث. وقوله فى الحديث: "ومكاتلهم ومُرُورهم" المكاتل حمع مكتل وهو القفة والزنبيل، والمرور جمع مَر بفتح الميم وهو مثل المجرفة وأكبر منها يقال لها المساحِى وقيل المراد بالمرور هنا الحبال كانوا يصعدون بها إلى النخيل وواحدها مر بفتح الميم كسرها لأنه يُمَرُّ حين يفتل. وقوله: "فُحِصت الأرض أفاحيص" أى كشف التراب من أعلاها وحفرت شيئا يسيرا ليجعل الأنطاع فى المحفور ويصب فيها السمن فيثبت

стр. 2546

ولا يخرج من جوانبها، وأصل الفحص الكشف. والأفاحيص جمع أفحوص، وقد روى البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث أبى موسى قال قال رسول اللَّه ﷺ فى الذى يعتق جاريته ثم يتزوجها له أجران. [ما يفيده الحديث] ١ - جواز أن يكون عتق الأمة مهرا لها. ٢ - يستحب للرجل أن يعتق الأمة ويتزوجها. ٣ - إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العتق والعقد والمهر.

стр. 2547

٢ - وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن رضى اللَّه عنه أنه قال: سألت عائشة زوج النبى ﷺ : كم كان صداقُ رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثِنْتَى عَشَرَةَ أَوقِيَّةً ونَشًّا، قالت: أتدرى ما النَّشُّ؟ قال: قلت لا. قالت: نصف أوقية، فتلك خَمْسُمِائَةِ درهم، فهذا صداق رسول اللَّه ﷺ لأزواجه" رواه مسلم. [المفردات] أبو سلمة بن عبد الرحمن: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى القرشى الزهرى المدنى. قيل اسمه عبد اللَّه وقيل

стр. 2548

إسماعيل. ولد سنة اثنتين وعشرين من الهجرة وقال فى التقريب: وكان مولده سنة بضع وعشرين اهـ وقد ولى القضاء فى المدينة لسعيد بن العاص بن سعيد ابن العاص بن أمية فى خلافة معاوية رضى اللَّه عنه وكان صبيح الوجه كأن وجهه دينار وكان يخضب بالحناء والكتم. وكان من أئمة الفقهاء وشيوخهم وقد حدث عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضى اللَّه عنهم وكان ثقة كثير الحديث. وقد توفى أبو سلمة بالمدينة سنة أربع وتسعين فى خلافة الوليد بن عبد الملك وهو ابن اثنتين وسبعين سنة قال ابن سعد فى الطبقات: وهذا أثبت من قول من قال: إنه توفى سنة أربع ومائة ﵀. كم كان صداق رسول اللَّه ﷺ : أن ما مقدار المهر الذى دفعه رسول اللَّه ﷺ لزوجاته. أوقية: هى بضم الهمزة وتشديد الياء وهى عند أهل الحجاز أربعون درهما. أتدرى ما النش: أى أتعلم مقدار النش؟ والنش بفتح النون وتشديد الشين. قال: قلت: لا: أى قال أبو سلمة: قلت لعائشة رضى اللَّه عنها لا أعلم مقدار النش.

стр. 2549

قالت: نصف أوقية: أى قالت عائشة رضى اللَّه عنها: مقدار النش هو نصف أوقية، تعنى عشرين درهما. فتلك خمسمائة درهم: أى فجميع مقدار هذا الصداق خمسمائة درهم وهى حاصل ضرب اثنى عشر ونصف فى أربعين وهو يساوى ٥٠٠ درهم. فهذا صداق رسول اللَّه ﷺ لأزواجه: أى فالخمسمائة درهم وهى مقدار مهر رسول اللَّه ﷺ الذى دفعه للزوجة من زوجاته ﷺ ورضى اللَّه عنهن. [البحث] ليس المراد من قول عائشة رضى اللَّه عنها: فهذا صداق رسول اللَّه ﷺ لأزواجه" أن جميع زوجات رسول اللَّه كان مهر الواحدة منهن خمسمائة درهم بل المراد أن هذا هو الغالب فى مهور نساء رسول اللَّه ﷺ فقد كان مهر صفية عتقها كما تقدم فى الحديث الأول من أحاديث هذا الباب كما أن مهر أم حبيبة رضى اللَّه عنها كان أربعة آلاف درهم أو أربعمائة دينار وإن كان النجاشى ﵀ هو الذى تبرع بهذا المهر وأداه عن رسول اللَّه ﷺ تكريما للنبى صلوات اللَّه وسلامه ورحمته وبركاته عليه وعلى آله وصحبه. وقد ذكر ابن هشام فى سيرة النبوية أن رسول اللَّه ﷺ أصدق

стр. 2550

خديجة رضى اللَّه عنها عشرين بكرة. قال الحافظ فى الفتح: وقد أخرج الطحاوى من طريق نافع عن ابن عمر فى قصة جويرية بنت الحارث "أن النبى ﷺ جعل عتقها صداقها" وقال الحافظ فى الفتح أيضا: أخرج أبو داود من طريق عروة عن عائشة فى قصة جويرية أن النبى ﷺ قال لها لما جاءت تستعين به فى كتابتها: "هل لك أن أقضى عنك كتابتك وأتزوجك؟ " قالت: قد فعلت. هذا وقد ذكر ابن هشام فى السيرة النبوية أن مهور نساء رسول اللَّه ﷺ كانت أربعمائة درهم لكن حديث الباب يقدم على ما ذكره ابن هشام، لأن حديث الباب أصح منه. قال الحافظ فى التلخيص: حديث أبى سلمة: سألت عائشة ما كان صداق رسول اللَّه ﷺ قالت: كان صداق لأزواجه اثنتى عشرة أوقية ونَشًّا. أتدرى ما النش؟ قلت لا. قالت: نصف أوقية: مسلم فى صحيحه، واستدركه الحاكم فوهم وفى الباب عن عمر عند مسلم أيضا وعن أم حبيبة عند النسائى (تنبيه) إطلاق أن جميع الزوجات كان صداقهن كذلك محمول على الأكثر وإلا فخديجة وجويرية بخلاف ذلك وصفية كان عتقها صداقها، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشى أربعة آلاف كما رواه أبو داود والنسائى وقال ابن إسحاق عن. أبى جعفر: أصدقها أربعمائة دينار اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب عدم المغالاة فى المهور.

стр. 2551

٢ - ينبغى أن يكون المهر خمسمائة درهم.

стр. 2552

٣ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: "لما تزوج على فاطمة رضى اللَّه عنهما قال له رسول اللَّه ﷺ : "أعطها شيئا" قال: ما عندى شئ، قال: "فأين دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟ " رواه أبو داود وصححه الحاكم. [المفردات] فاطمة رضى اللَّه عنها: هى الطيبة الطاهرة البتول الزهراء بنت محمد رسول اللَّه ﷺ ، سيدة نساء العالمين، وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى رضى اللَّه عنها، وقد ولدت فاطمة الزهراء قبل البعثة بخمس سنوات وقريش تبنى الكعبة، وتزوجها على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه ودخل بها بعد غزوة بدر فى السنة الثانية من الهجرة، وولدت له السبطين الشهيدين الحسن والحسين سيدى شباب أهل الجنة، كما ولدت له المحسن وزينب ورقية وأم كلثوم وكانت فاطمة تشبه رسول اللَّه ﷺ كما كان ابنها الحسن رضى اللَّه عنه يشبهه

стр. 2553

قال ابن سعد فى الطبقات: أخبرنا الفضل بن دكين حدثنا زكرياء بن أبى زائدة عن فراس عن الشعبى عن مسروق عن عائشة قالت: كنت جالسة عند رسول اللَّه ﷺ فجاءت فاطمة تمشى كأن مِشْيَتَها مِشْيَةُ رسول اللَّه ﷺ فقال مرحبا بابنتى فأجلسها عن يمينه أو عن يساره فأسر إليها شيئا فبكت ثم أسر إليها شيئا فضحكت قالت: قلت ما رأيت ضحكا أقرب من بكاء، استخصك رسول اللَّه ﷺ بحديث ثم تبكين؟ قلت: أى شئ أسر إليك رسول اللَّه ﷺ قالت: ما كنت لأفشى سره قالت: فلما قبض رسول اللَّه سألتها فقالت: قال: إن جبريل كان يأتينى كل عام فيعارضنى بالقرآن مرة وإنه أتانى العام فعارضنى مرتين ولا أظن أجلى إلا قد حضر ونعم السلف أنا لك وقال: أنت أسرع أهلى بى لحوقا قالت: فبكيت لذلك ثم قال: "أما ترضين أن تكونى سيدة نساء هذه الأمة أو نساء العالمين؟ قالت: فضحكت. ورجال هذا الحديث كلهم من رجال الشيخين وقد صح عن رسول اللَّه ﷺ قال: فاطمة بضعة منى يريبنى ما يريبها. وقد توفيت بعد رسول اللَّه ﷺ بستة أشهر على القول الصحيح، ولم تبلغ ثلاثين سنة رضى اللَّه عنها.

стр. 2554

أعطها شيئا: أى اجعل لها صداقا وسلمه لها. ما عندى شئ: أى لا أجد شيئا أُصْدِقُهَا إياه. الْحُطَمِيَّةُ: بضم الحاء المهملة وفتح الطاء نسبة إلى حُطَمة بن محارب ومحارب بطن من عبد القيس كانوا يعملون الدروع. وقيل: الحطمية هى التى تحطم السيوف أى تكسرها. وقيل: هى العريضة الثقيلة. [البحث] هذا الحديث أورده أبو داود فى باب الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئا من طريق إسحاق بن إسماعيل الطالقانى عن عبدة عن سعيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وقال النسائى فى باب "تحلة الخلوة" أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا هشام بن عبد الملك قال حدثنا حماد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن عليا قال: تزوجت فاطمة رضى اللَّه عنها فقلت: يا رسول اللَّه ابْنِ بِى، قال: أعطها شيئا" قلت: ما عندى من شئ قال: "فأين درعك الحطمية؟ " قلت: هى عندى، قال: "فأعطها إياه" أخبرنا هارون بن إسحاق عن عَبْدَةَ عن سعيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما تزوج على رضى اللَّه عنه فاطمة رضى اللَّه عنها قال له رسول اللَّه ﷺ : "أعطها شيئا" قال: ما عندى. قال: "فأين درعك الحطمية؟ " وقد أخرج أبو داود من طريق كثير بن عبيد الحمص عن أبى حَيْوَةَ عن شعيب يعنى ابن أبى حمزة عن غيلان بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن رجل من أصحاب النبى ﷺ أن عليا رضى اللَّه عنه لما تزوج فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ أراد أن يدخل

стр. 2555

بها فمنعه رسول اللَّه ﷺ حتى يعطيها شيئا فقال يا رسول اللَّه ليس لى شئ فقال له النبى ﷺ أعطها درعك فأعطاها درعه ثم دخل بها ثم ساقه بنفس السند عن غيلان عن عكرمة عن ابن عباس مثله اهـ وقد سكت عنها أبو داود والمنذرى وقوله فى حديث عمرو بن منصور: ابْنِ بِى. قال فى النهاية: البناء والابتناء الدخول بالزوجة والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله اهـ وسند هذا الحديث حرى بالتصحيح. هذا وحمل حديث ابن عباس هنا على شئ يهدى للمرأة عند الدخول بها غير المهر مستبعد. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب تيسير الصداق. ٢ - أن كل شئ يتمول يصح أن يكون صداقا. ٣ - يجوز أن تعطى المرأة فى صداقها درعا من حديد.

стр. 2556

٤ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى اللَّه عنهم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيما امرأة نكحت على صَدَاق أو حِباءٍ أو عِدَةٍ قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لِمَن أُعْطِيَهُ، وأحق ما أُكْرِمَ الرجلُ عليه ابنته أو أخته" رواه أحمد والأربعة إلا الترمذى. [المفردات] نُكِحَتْ: أى زُوِّجَتْ. حِبَاء: بكسر الحاء والمراد به العطية التى يعطيها الزوج للزوجة أو لغيرها من أقاربها زائدة على المهر وقد يسمى الحُلْوَان. عِدة: بكسر العين وفتح الدال المخففة. والمراد به: ما يعد الزوج

стр. 2557

الزوجة أو أقاربها به غير المهر. قبل عصمة النكاح: أى قبل تمام عقد الزواج الذى يجعل المرأة فى عصمة الرجل. والعصمة ما يعتصم به من عقد أو سبب. فهو لها: أى فهو حق للزوجة وحدها دون غيرها. فهو لمن أُعْطِيَهُ: أى فهو لمن دفعه الزوج له من زوجة أو قريب أو غيرهما. وأحق ما أكرم الرجل عليه ابنته أو أخته: أى وأولى ما أهدى للرجل تكريما هو ما أهدى إليه بسبب ابنته أو أخته يعنى من راغب الزواج بها أو من زوجها. [المفردات] هذا الحديث عند أبى داود من طريق محمد بن معمر أخبرنا محمد ابن بكر البرسانى أنبأنا ابن جريج عن عمرو بن شعيب الخ. وعند ابن ماجه من طريق أبى كريب ثنا أبو خالد عن ابن جريج الخ ولفظ ابن ماجه (أو هبة) بدل قوله فى حديث الباب (أو عدة) وهو فى مسند أحمد من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو أن النبى ﷺ قال: أيما امرأة نكحت. الخ الحديث. وقد أشار السيوطى فى الجامع الصغير إلى أن هذا الحديث حسن وهو حرى بالتحسين فإنه وإن كان من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لكنه صرح فى رواية أحمد بقوله

стр. 2558

عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو، وقد تقدم بحث هذا السند أكثر من مرة، كما تقدم فى الحديث الثالث والعشرين من أحاديث كتاب النكاح: إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج وهو متفق عليه. وقد أشار حديث الباب إلى أن ما يدفع أو يوهب للمرأة أو لأهلها على سبيل الإِجمال قبل العقد فهو للمرأة وما دفع بعد تمام العقد فهو لمن سمى والعلم عند اللَّه .

стр. 2559

٥ - وعن علقمة عن ابن مسعود رضى اللَّه عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى مات؟ فقال ابن مسعود: لها مِثْلُ صداق نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعى فقال: قضى رسولُ اللَّه ﷺ فى بَرْوَعَ بنت واشق امرأة منا مِثْلَ ما قضيتَ ففرح بها ابن مسعود. رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذى وحسَّنه جماعة. [المفردات] علقمة: هو علقمة بن قيس بن عبد اللَّه بن مالك ابن علقمة بن سلامان بن كَهْل بن بكر بن عوف ابن النخع من مذحج، أبو شبل النخعى، وهو عم الأسود بن يزيد النخعى وخال إبراهيم بن يزيد

стр. 2560

ابن الأسود بن عمرو النخعى. وقد ولد علقمة ﵀ فى حياة رسول اللَّه ﷺ وأدرك الجاهلية وسمع من عمر وعثمان وابن مسعود وعلى وأبى الدرداء وحذيفة وجود القرآن على ابن مسعود وتفقه به وكان من أنبل أصحابه، قال قابوس ابن أبى ظبيان قلت لأبى: لأى شئ كنت تدع الصحابة وتأتى علقمة؟ قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وهم يسألون علقمة ويستفتونه. وقد روى عنه إبراهيم بن يزيد النخعى وإبراهيم بن سويد النخعى وأبو الضحى مسلم بن صبيح والقاسم بن مخيمرة ويحيى بن وثاب وتوفى سنة اثنتين وستين رحمه اللَّه تعالى. ولم يفرض لها صداقا: أى لم يسم لها صداقا ولم يحدد لها مهرا عند عقد الزواج. ولم يدخل بها حتى مات: أى ومات دون أن يمس زوجته التى لم يعين لها مهرا. لها مثل صداق نسائها: أى تستحق مهرا مماثلا لما يدفع عادة لعماتها وبنات عمها ونساء قومها. لا وكس: بفتح الواو وسكون الكاف بعدها سين مهملة أى لا ينقص عن مهر قريباتها من النساء ولا يحط عنه.
следующие страницы →