Полный текст (4 105 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
[المفردات]
محمود بن لبيد: هو محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن ريد بن عبد الأشهل الأنصارى رضى اللَّه عنه قال ابن سعد: ولد محمود بن لبيد فى عهد النبى ﷺ وفى أبيه لبيد بن عقبة جاءت رخصة الإِطعام لمن لا يقدر على الصوم، وسمع محمود بن لبيد من عمر اهـ وقال البخارى: له صحبة وقال فى التقريب: صحابى صغير وجل روايته عن الصحابة اهـ وقد كان محمود من كبار الفقهاء المفتين. وتوفى سنة ست وتسعين عن تسع وتسعين سنة.
ثلاث تطليقات جميعا: يعنى قال لها بلفظ واحد: أنت طالق ثلاثًا.
أيلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم: أى أيهمل العمل بكتاب اللَّه ويستخف بتطبيق أحكامه ويستهزأ بها وأنا حى بينكم؟ .
ألا أقتله: أى أتأذن لى أن أضرب عنقه؟ .
[البحث]
قال النسائى: أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب قال: أخبرنى مخرمة عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: أُخْبِر
стр. 2697
رسول اللَّه ﷺ عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا. فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم حتى قام رجل وقال: يا رسول اللَّه ألا أقتله؟ اهـ قال المصنف هنا: ورواته موثقون وقال فى الفتح ورجاله ثقات لكن محمود بن لبيد ولد فى عهد النبى ﷺ ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم فى الصحابة فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد فى مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شئ صرح فيه بالسماع وقد قال النسائى بعد تخريجه: لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير يعنى ابن الأشج عن أبيه اهـ ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم فى عدة أحاديث، وقد قيل: إنه لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحة حديث محمود فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة أو لا؟ فأقل أحواله أن يدل على تحريم ذلك وإن لزم وقد تقدم فى الكلام على حديث ابن عمر فى طلاق الحائض أنه قال لمن طلق ثلاثًا مجموعة: عصيت ربك وبانت منك امرأتك اهـ وقال فى التقريب: مخرمة بن بكير بن عبد اللَّه بن الأشج أبو المسور المدنى، صدوق وروايته عن أبيه وجادة من كتابه قاله أحمد وابن معين وغيرهما وقال ابن المدينى: سمع من أبيه قليلا اهـ.
стр. 2698
٥ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: طلق أبو رُكانة أُمَّ رُكانة فقال له رسول اللَّه ﷺ : "راجع امرأتك" فقال: إنى
стр. 2699
طلقتها ثلاثًا. قال: "قد علمت راجعها" رواه أبو داود وفى لفظ لأحمد: طلق أبو ركانة امرأته فى مجلس واحد ثلاثًا فحزن عليها فقال له رسول اللَّه ﷺ : "فإنها واحدة" وفى سندهما ابن إسحاق، وفيه مقال: وقد روى أبو داود من وجه آخر أحسن منه: أن أبا ركانة طلق امرأته سُهَيْمَةَ ألبَتَّة فقال: واللَّه ما أردت بها إلا واحدة فردها إليه النبى ﷺ .
[المفردات]
أبو ركانة: قوله "أبو ركانة" الظاهر أنه خطأ وصوابه "ركانة" وكذلك قوله: "أم ركانة" وركانة بضم أوله وتخفيف الكاف هو ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبى من مسلمة الفتح، نزل المدينة ومات فى أول خلافة معاوية رضى اللَّه عنهما.
قد علمت راجعها: أى قد علمت أنك طلقتها ثلاثًا ومع ذلك رُدَّها.
وفى لفظ لأحمد: أى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما.
فإنها واحدة: أى إن الثلاث بلفظ واحد تقع واحدة.
وفى سندهما ابن إسحاق وفيه مقال: أى وفى سند أبى داود وأحمد محمد بن إسحاق بن يسار وهو مختلفٌ فيه.
стр. 2700
محمد بن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبى مولاهم المدنى نزيل العراق إمام المغازى قال فى التقريب: صدوق يدلس ورمى بالتشيع والقدر مات سنة خمسين ومائة وقيل بعدها اهـ.
من وجه آخر أحسن منه: أى من طريق أخرى أحسن من الطريق الأولى وهذه الطريق هى طريق نافع بن عجير ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب المطلبى. قيل له صحبة أن ركانة إلخ.
[البحث]
ذكر الحافظ فى الفتح أن هذا الحديث رواه محمد بن إسحاق صاحب المغازى عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا فى مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدًا فسأله النبى ﷺ كيف طلقتها؟ قال: ثلاثًا فى مجلس واحد فقال النبى ﷺ . تلك واحدة فارتجعها إن شئت فارتجعها. اهـ وابن إسحاق فيه ما أشرت إليه فى مفردات هذا الحديث. وشيخه داود بن الحصين ثقة إلا فى عكرمة وهذا الحديث عنه عن عكرمة. وقال الحافظ فى التلخيص: حديث: أن ركانة بن عبد يزيد أتى رسول اللَّه ﷺ فقال إنى طلقت امرأتى سهيمة ألبتة وواللَّه ما أردت إلا واحدة، فردها عليه، الشافعى وأبو داود والترمذى وابن ماجة واختلفوا هل هو من مسند ركانة أو مرسل عنه وصححه أبو داود
стр. 2701
وابن حبان والحاكم. وأعله البخارى بالاضطراب، وقال ابن عبد البر فى التمهيد: ضعفوه. وفى الباب عن ابن عباس رواه أحمد والحاكم وهو معلول أيضًا. اهـ وقال الشوكانى فى نيل الأوطار عن حديث ركانة: فى إسناده الزبير بن سعيد الهاشمى وقد ضعفه غير واحد.
стр. 2702
٦ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ثلاث جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهزلهنَّ جِد: النكاح والطلاق والرجعة. رواه الأربعة إلا النسائى وصححه الحاكم وفى رواية لابن عدى من وجه آخر ضعيف: "الطلاق والنِّكَاح والعتاق" وللحارث بن أبى أسامة من حديث عبادة بن الصامت رفعه: لا يجوز اللعب فى ثلاث: الطلاق والنكاح والعتاق فمن قالهن فقد وَجَبْنَ" وسنده ضعيف.
[المفردات]
جِدُّهُنَّ جِدٌّ: أى التلفظ بن على سبيل القصد والعزم مُلْزِمٌ. والجد بكسر الجيم.
وهَزْلُهُنَّ جِد: أى والتلفظ بن على سبيل المزح واللعب مُلْزِم.
النكاح: أى التزويج.
والطلاق: أى والألفاظ التى يقع بها مفارقة الزوجة.
والرجعة: أى وإعادة الزوجة المطلقة إلى عصمة الزوج.
وفى رواية لابن عدى: أى من طريق أبى هريرة رضى اللَّه عنه
стр. 2703
والعتاق: أى وتحرير الأرقاء.
رفعه: أى أسنده إلى النبى ﷺ .
لا يجوز اللعب فى ثلاث: أى لا يحل التلفظ بالتطليق أو التزويج أو تحرير الأرقاء على سبيل الهزل والمزح دون إرادة ذلك.
فمَن قَالَهُنَّ فَقَدْ وَجَبْنَ: أى فمن تلفظ بهذه الألفاظ على سبيل المزح والهزل فقد لزمه ما قال.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والعتاق" الطبرانى من حديث فضالة ابن عبيد بلفظ: ثلاث لا يجوز اللعب فيهن: "الطلاق والنكاح والعتق" وفيه ابن لهيعة ورواه الحارث بن أبى أسامة فى مسنده عن بشر بن عمر عن ابن لهيعة عن عبيد اللَّه بن أبى جعفر عن عبادة بن الصامت رفعه "لا يجوز اللعب فى ثلاث: الطلاق والنكاح والعتاق. فمن قالهن فقد وجبن" وهذا منقطع. وفى الباب عن أبى ذر رفعه: من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتاقه جائز، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز. أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن صفوان بن سليم عنه، وهو منقطع، وأخرج عن على وعمر نحوه موقوفا. وفى هذا رد على ابن العربى وعلى النووى حيث أنكرا على الغزالى إيراد هذا اللفظ ثم قال النووى: المعروف اللفظ الأول بالرجعة بدل الطلاق، وقال أبو بكر ابن العربى: لا يصح قوله:
стр. 2704
ويروى: بدل العتاق الرجعة، قلت: هذا هو المشهور فيه. وكذا رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه والحاكم والدارقطنى من حديث عطاء عن يوسف بن ماهك عن أبى هريرة باللفظ المذكور أولًا. وفيه بدل العتاق الرجعة. قال الترمذى: حسن وقال الحاكم: صحيح وأقره صاحب الإِلمام. وهو من رواية عبد الرحمن بن أردك وهو مختلف فيه. قال النسائى: منكر الحديث ووثقه غيره، فهو على هذا حسن (تنبيه) عطاء المذكور فيه هو ابن أبى رباح صرح به فى رواية أبى داود والحاكم ووهم من ابن الجوزى فقال: هو عطاء بن عجلان وهو متروك. اهـ هذا وقد قال الحافظ فى التقريب: عبد الرحمن بن حبيب ابنْ أردك المدنى المخزومى مولاهم ويقال حبيب بن عبد الرحمن: لين الحديث اهـ.
стр. 2705
٧ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "إن اللَّه تجاوز عن أمتى ما حَدَّثَتْ به أنفُسَهَا ما لم تَعْمَلْ أو تَكَلَّم" متفق عليه.
[المفردات]
تجاوز: أى عفا.
ما حدثت به أنفسها: أى ما وسوست به صدورها وجرى فى خواطرها دون اقتناع به.
ما لم تعمل أو تكلم: أى ما لم يخرج إلى التطبيق العملى أو يفصح به اللسان.
стр. 2706
[البحث]
إيراد هذا الحديث هنا للدلالة على أن الإِنسان لو حدثته نفسه بطلاق امرأته فإن اللَّه تعالى لا يؤاخذه بذلك ولا يعتبر ذلك طلاقا، حتى يتلفظ به والمعروف عند اليهود أنه متى نوى اليهودى الطلاق حرمت عليه امرأته بمجرد نيته. وقد وضع اللَّه ﵎ هذا الإِصر عن أمة محمد ﷺ حيث يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ولفظ هذا الحديث عند البخارى من طريق أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى قال: "إن اللَّه تجاوز عن أمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" وقال قتادة: إذا طلق فى نفسه فليس بشئ اهـ قال الحافظ فى الفتح: وقوله "ما حدثت به أنفسها بالفتح على المفعولية وذكر المطرزى عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم يريدون بغير اختيارها اهـ وقد نقل الحافظ فى الفتح عن الخطابى الإِجماع على أن من عزم على الظهار لا يصير مظاهرا قال: كذلك الطلاق. وكذا لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفا اهـ وفى هذا الحديث دليل ظاهر للرد على الذين يدعون أن حقيقة الكلام هى الكلام النفسى وأن الألفاظ هى دليل الكلام وليست هى الكلام وقد استدلوا
стр. 2707
لباطلهم ببيت مكذوب منسوب للأخطل النصرانى زعموا أنه يقول فيه:
إن الكلام لفى الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فإن رسول اللَّه ﷺ أثبت فى هذا الحديث المتفق عليه أن حديث النفس غير الكلام.
والحمد للَّه فإن مذهب أهل السنة والجماعة قائم على الأدلة الصريحة من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ إذ أنك لا تمر بمسألة فى العقائد عند أهل السنة إلا وتجد دليلها آية أو آيات من كتاب اللَّه أو حديثا أو أحاديث صحيحة صريحة عن رسول اللَّه ﷺ بخلاف مذهب غيرهم فإنك لا تجد لديهم إلا تَخَبُّطًا أو قياسًا غير صحيح أو نحو ذلك مما زعموا أنهم استنتجوه بعقولهم المُخَبَّلة وأرائهم المضللة. والحمد للَّه رب العالمين.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من نوى أن يطلق امرأته ولم يتلفظ بالطلاق أو لم يعمل عملا ينافى الحياة الزوجية فإنه لا يقع عليه شئ.
٢ - فضل اللَّه ﵎ على أمة محمد ﷺ بوضع الإِصر عنهم.
٣ - الرد على من زعم أن حقيقة الكلام هى النفسى.
стр. 2708
٨ - وعن ابن عباس عن النبى ﷺ قال: "إن اللَّه وضع
стр. 2709
عن أمتى الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهُوا عليه" رواه ابن ماجه والحاكم وقال أبو حاتم: لا يثبت.
[المفردات]
وضع عن أمتى: أى أسقط عن أمتى.
الخطأ: أى إثم ما قد يرتكبونه على غير وجه العمد وما يقعون فيه بدون قصد.
والنسيان: أى وما يرتكبونه وهم ذاهلون عما يفعلونه.
وما استكرهوا عليه: أى وما يفعلونه وهم مكرهون على فعله ممن يقدر على تنفيذ ما تهددهم به، وما أجبروا على فعله دون إرادة منهم بل رغم أنوفهم.
[البحث]
هذا الحديث قد روى بعدة أسانيد قال ابن أبى حاتم: إنه سأل أباه عن أسانيده فقال: هذه أحاديث منكرة كلها موضوعة، وقال عبد اللَّه بن أحمد فى العلل: سألت أبى عنه فأنكره جدا وقال: ليس يروى إلا عن الحسن عن النبى ﷺ اهـ والظاهر من نصوص الشريعة أن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر وفى ذلك يقول اللَّه : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا
стр. 2710
مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ وقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما الأعمال بالنية ولكل امرئٍ ما نوى" وغير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل وكذلك الغالط والناسى والمكره على الشئ. قال البخارى فى صحيحه: وقال على: "ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق وعن الصبى حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ" قال الحافظ فى الفتح: وصله البغوى فى "الجعديات" عن على بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس أن عمر أتى بمجنونة قد زنت وهى حبلى فأراد أن يرجمها فقال له على: أما بلغك أن القلم قد وضع عن ثلاثة. فذكره. وتابعه ابن نمير وكيع وغير واحد عن الأعمش، ورواه جرير بن حازم عن الأعمش فصرح فيه بالرفع، أخرجه أبو داود وابن حبان من طريقه وأخرجه النسائى من وجهين آخرين عن أبى ظبيان مرفوعا وموقوفا لكن لم يذكر فيهما ابن عباس جعله عن أبى ظبيان عن على ورجح الموقوف على المرفوع اهـ وقد قال النسائى فى باب من لا يقع طلاقه من الأزواج: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال: حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبى ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق. وسيأتى آخر الباب وهو الحديث الرابع عشر من أحاديث هذا الباب.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الطلاق إنما يقع من الشخص إذا كان متأهلا للأحكام الشرعية
стр. 2711
٢ - وأن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر.
стр. 2712
٩ - عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: إذا حرَّم الرجلُ امرأته ليس بشئ، وقال: "لقد كان لكم فى رسول اللَّه أسوة حسنة" رواه البخارى. ولمسلم عن ابن عباس: إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها.
[المفردات]
إذا حرم الرجل امرأته: أى قال هى علىَّ حرام أو محرمة أو نحو ذلك ليس بشئ: أى لا يكون ذلك طلاقا.
وقال: أى ابن عباس مستدلا على ما ذهب إليه.
أسوة حسنة: أى قدوة صالحة.
فهو يمين يكفرها: أى فإنه يلزمه فى ذلك كفارة يمين فقط وهى إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وليس ذلك بطلاق.
[البحث]
قد يفهم من قول المصنف: ولمسلم عن ابن عباس: إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها. أن مسلم تفرد بهذا اللفظ وليس الأمر كذلك فقد أخرج البخارى أيضًا عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما هذا الحديث بلفظ: إذا حرم
стр. 2713
الرجل امرأته فإنما هى يمين يكفرها" وقد قال المصنف فى تلخيص الحبير: وفى الصحيحين عن ابن عباس فى الحرام بيمين يكفرها اهـ وهذا فهم من ابن عباس رضى اللَّه عنهما واستنباط من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ والصحيح أن سبب نزول هاتين الأيتين هو أن رسول اللَّه ﷺ حرم على نفسه العسل ابتغاء مرضات بعض نسائه ﷺ والظاهر الفرق بين تحريم الطعام والشراب وتحريم الزوجة إذ أن من قال على طعام أو شراب مباح هو حرام لا يكون حراما بتحريمه لكن لو حلف أن لا يتناوله فكفارته هى كفارة اليمين بخلاف الزوجة فإنه قد يحرمها على نفسه بالطلاق والظهار وقد أشار البخارى ﵀ إلى هذا الفرق فقال: باب من قال لامرأته: أنت علىَّ حرام وقال الحسن: نيته، وقال أهل العلم: إذا طلق ثلاثًا فقد حرمت عليه، فسموه حراما بالطلاق والفراق، وليس هذا كالذى يحرم الطعام لأنه لا يقال للطعام الحل حرام، ويقال للمطلقة حرام وقال فى الطلاق ثلاثًا "لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره" وقال الليث عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سئل عمن طلق ثلاثًا، قال: لو طلقت مرة أو مرتين؟ فإن النبى ﷺ أمرنى بهذا، فإن طلقتها ثلاثًا حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك" اهـ وسبب نزول صدر سورة التحريم قد ثبت فى الصحيحين أنه من أجل أن رسول اللَّه ﷺ حرَّم شرب العسل على
стр. 2714
نفسه، أما كون سبب النزول هو تحريم مارية فليس بصحيح، والعجيب قول الحافظ فى الفتح: وقد أخرج النسائى بسند صحيح عن أنس أن النبى ﷺ كانت له أمة يطؤها. فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها فأنزل اللَّه تعالى الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وهذا أصح طرق هذا السبب اهـ ومن العجيب كذلك أن الصنعانى نقل فى سبل السلام حديث النسائى هذا ثم قال: وهذا أصح طرق سبب النزول. اهـ وقد ذكر القرطبى ﵀ فى سبب النزول ثلاثة أقوال: الأول أنها نزلت فى قصة شرب رسول اللَّه ﷺ العسل عند بعض نسائه "زينب بنت جحش أو حفصة بنت عمر رضى اللَّه عنهم" وقول عائشة وبعض نسائه رضى اللَّه عنهن له ﷺ : أكلت مغافير وقوله ﷺ "شربت عسلا ولن أعود إليه" فنزل: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وقد سقت ألفاظ هذا الحديث عند الشيخين فيما تقدم قريبا عند الكلام على الحديث السادس من أحاديث باب القَسْم. والثانى أنها نزلت فى المرأة التى وهبت نفسها للنبى ﷺ قال القرطبى: وقول ثالث: إن التى حرم مارية القبطة، وقد كان أهداها له المقوقس ملك الإِسكندرية، وساق أثر أنه ﷺ واقعها فى بيت حفصة فلما علمت حفصة بذلك حرَّم رسول اللَّه ﷺ مارية على نفسه. ثم قال القرطبى: أصح هذه الأقوال أولها، وأضعفها أوسطها قال ابن العربى: أما ضعفه فى السند فلعدم عدالة رواته وأما ضعفه فى معناه فلأن رد
стр. 2715
النبى ﷺ الموهوبة ليس تحريما لها، لأنَّ من رد ما وُهبَ له لم يحرم عليه. إنما حقيقة التحريم بعد التحليل، وأما من روى أنه حرم مارية القبطية فهو أمثل فى السند وأقرب إلى المعنى لكنه لم يدون فى الصحيح، وروى مرسلا اهـ قلت: وليس قوله: أمثل فى السند أنه مقدم على ما رواه البخارى ومسلم فى سبب النزول بل المعنى أنه أمثل من سند القول الثانى أنها نزلت فى تحريم الموهوبة. وكذلك قوله: أقرب للمعنى فهو أقرب كذلك من القول الثانى. أما القول الأول فى سبب النزول فهو متفق عليه كما ذكرت قريبا. هذا وقد قال القاضى عياض فى قصة مارية هذه: إن هذه القصة لم تأت من طريق صحيح.
стр. 2716
١٠ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن ابنة الجَوْن لما أُدْخِلَتْ على رسول اللَّه ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ باللَّه منك فقال: "لقد عُذت بعظيم الْحَقِى بأهلكِ" رواه البخارى.
[المفردات]
عذت بعظيم: أى استَجَرْتِ بكبير.
الحقى بأهلك: أى قد فارقتك فاذهبى إلى دار أبيك.
[البحث]
قد تقدم الكلام على حديث عائشة رضى اللَّه عنها هذا عند بحث الحديث الحادى عشر من أحاديث باب الصداق. والمقصود من ذكر
стр. 2717
هذا الحديث هنا هو أن هذا اللفظ إذا أريد به الطلاق كان طلاقا بالنية. أما إذا قال الرجل لزوجته: الحقى بأهلك ولم يرد طلاقا فإنه لا يكون هذا القول طلاقا لما ثبت فى الصحيحين من حديث كعب بن مالك رضى اللَّه عنه فى قصة الثلاثة الذين خلفوا وهم كعب بن مالك ومُرارة بن الربيع العَمرى وهلال بن أمية الواقفى، قال كعب: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رسولِ اللَّه ﷺ يأتينى فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أُطلِّقُهَا أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها ولا تَقْرَبْها، وأرسل إلى صاحِبَيَّ مثلَ ذلك، فقلت لامرأتى: الحقى بأهلك فتكونى عندهم حتى يقضى اللَّه فى هذا الأمر. الحديث وهو دليل ظاهر على أن كلمة "الحقى بأهلك" قد تكون طلاقا وقد لا تكون طلاقا والذى يحدد ذلك هو نية المتكلم بها.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن كلمة "الحقى بأهلك" قد تستعمل كناية عن الطلاق إذا أريد بها ذلك.
٢ - أن الألفاظ التى تحتمل الطلاق وغيره لا تكون طلاقا إلا بالنية.
стр. 2718
١١ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد مِلْكٍ" رواه أبو يعلى وصححه الحاكم، وهو معلول، وأخرج ابن ماجه عن المسور بن
стр. 2719
مخرمة مثلَه، وإسناده حسن لكنه معلول أيضًا.
[المفردات]
لا طلاق إلا بعد نكاح: أى لا يملك الرجل حق تطليق المرأة ويعتبر طلاقه طلاقا إلا بعد أن يكون قد عقد عليها.
ولا عتق إلا بعد ملك: أى ولا يملك الإِنسان تحرير رقيق إلا إذا كان يملكه فمن عتق رقيقا وهو لا يملكه فلا قيمة لعتقه.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك. هذا الحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك وصححه من حديث جابر وقال: أنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه فقد صح على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة وعبد اللَّه ابن عباس ومعاذ بن جبل وجابر، انتهى. أما حديث ابن عمر فرواه نافع عنه بلفظ: لا طلاق إلا بعد نكاح، وإسناده ثقات، أخرجه ابن عدى عن ابن صاعد، قال ابن صاعد: غريب لا أعرف له علة. قلت: وقد بين ابن عدى علته. وأما حديث عائشة فمن رواية الزهرى عن عروة عنها قال ابن أبى حاتم فى العلل عن أبيه: حديث منكر، قلت: وسيأتى له طرق فى الكلام على حديث المسور، وقد رواه الحاكم من طريق حجاج بن منهال عن هشام الدستوائى عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة مرفوعا، وأما حديث ابن عباس فمن رواية عطاء بن أبى رباح عنه
стр. 2720
أخرجه الحاكم من رواية أيوب بن سليمان الجزرى عن ربيعة عنه، وفيه من لا يعرف، وله طريق أخرى عند الدارقطنى من طريق سليمان بن أبى سليم عن يحيى بن أبى كثير عنه، وسليمان ضعيف، وأما حديث معاذ فمن رواية طاوس عن معاذ وهو مرسل، وله طريق أخرى عند الدارقطنى عن سعيد بن المسيب عن معاذ وهى منقطعة أيضًا وفيها يزيد بن عياض وهو متروك. وأما حديث جابر فمن رواية محمد بن المنكدر، وله طرق عنه بينتها فى تعليق التعليق، وقد قال الدارقطنى: الصحيح مرسل ليس فيه جابر وأعله ابن معين وغيره بشئ آخر سيأتى، ومن رواية أبى الزبير، رواه أبو يعلى الموصلى وفى إسناده مبشر بن عبيد وهو متروك قلت: وفى الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال الترمذى: هو أحسن شئ روى فى هذا الباب وهو عند أصحاب السنن بلفظ: ليس على رجل طلاق فيما لا يملك -الحديث- ورواه البزار من طريقه بلفظ: لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك، وقال البيهقى فى الخلافيات: قال البخارى: أصح شئ فيه وأشهره حديث عمرو بن شعيب، وحديث الزهرى عن عروة عن عائشة وعن على ومداره على جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن على وجويبر متروك، ورواه ابن الجوزى فى العلل من طريق أخرى عن على وفيه عبد اللَّه بن زياد بن سمعان وهو متروك، وفى الطبرانى من طريق عبيد اللَّه بن أبى أحمد بن جحش عن على وقد سبق فى باب الفئ والغنيمة، وعن المسور بن مخرمة
стр. 2721
رواه ابن ماجه بإسناد حسن وعليه اقتصر صاحب الإِلمام لكنه اختلف فيه على الزهرى فقال على بن الحسين بن واقد عن هشام بن سعد عنه عن عروة عن المسور، وقال حماد بن خالد عن هشام بن سعد عن الزهرى عن عروة عن عائشة، وفيه عن أبى بكر الصديق وأبى هريرة وأبى موسى الأشعرى وأبى سعيد الخدرى وعمران بن حصين وغيرهم، ذكرها البيهقى فى الخلافيات. وروى الحاكم من طريق ابن عباس قال: ما قالها ابن مسعود وإن كان قالها فزلة من عالم فى الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهى طالق، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يقل: إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن، ورواه عنه بلفظ آخر، وفى آخره: فلا يكون طلاق حتى يكون نكاح، وهذا علقه البخارى. وقد أوضحته فى تعليق التعليق ثم قال الحافظ: ومقابل تصحيح الحاكم قول يحيى بن معين: لا يصح عن النبى ﷺ : لا طلاق قبل نكاح، وأصح شئ فيه حديث ابن المنكدر عمن سمع طاوسا عن النبى ﷺ مرسلا. وقال أبو داود الطيالسى: نا ابن أبى ذئب حدثنى من سمع عطاء عن جابر نحوه ورواه ابن أبى شيبة عن وكيع عن ابن أبى ذئب عن عطاء وابن المنكدر عن جابر، واستدرك الحاكم من حديث وكيع وهو معلول. ورواه أبو قرة فى سننه عن ابن جريج عن عطاء عن جابر مرفوعا. وقال ابن عبد البر فى الاستذكار: روى من وجوه إلا أنها عند أهل العلم بالحديث معلولة. اهـ وقوله قال ابن صاعد: غريب لا أعرف له
стр. 2722
علة. قلت: وقد بين ابن عدى علته ثم يبين صاحب التلخيص هنا هذه العلة وبينها فى فتح البارى حيث قال: ولحديث ابن عمر طريق أخرى أخرجها ابن عدى من رواية عاصم بن هلال عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رفعه: لا طلاق إلا بعد نكاح. قال ابن عدى: قال ابن صاعد لما حدث به: لا أعلم له علة. قلت: استنكروه على ابن صاعد ولا ذنب له فيه. وإنما علته ضعف حفظ عاصم اهـ
وقد قال البخارى فى صحيحه: باب لا طلاق قبل نكاح وقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وقال ابن عباس: جعل اللَّه الطلاق بعد النكاح، ويروى فى ذلك عن على وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبى بكر ابن عبد الرحمن وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة وأبان بن عثمان وعلى بن حسين وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وسالم وطاوس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبى أنها لا تطلق اهـ وقد بين الحافظ ﵀ فى فتح البارى مَن وصل هذه التعليقات ومراتب أسانيدها عن هؤلاء الأئمة. ووصف أثر ابن عباس "لا طلاق قبل نكاح" بأن أحمد أخرجه -فيما رواه عنه حرب من مسائله من طريق قتادة عن عكرمة عنه وقال: سنده جيد، وأثر على رجاله ثقات إلا أنه من رواية
стр. 2723
الحسن البصرى عن على ولم يسمع منه، وما رواه النزال بن سبرة عن على فى سنده ضعف. وأما أثر سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء بن أبى رباح فسنده صحيح. وكذلك أثر عروة بن الزبير سنده صحيح أيضًا. ونقل الحافظ فى الفتح أن الترمذى ذكر فى العلل أنه سأل البخارى: أى حديث فى الباب أصح؟ فقال: حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وحديث هشام بن سعد عن الزهرى عن عروة عن عائشة، قلت: إن البشر بن السرى وغيره قالوا: عن هشام بن سعد عن الزهرى عن عروة مرسلا قال: فإن حماد بن خالد رواه عن هشام بن سعد فوصله. قلت: أخرجه ابن أبى شيبة عن حماد بن خالد كذلك وخالفهم على بن الحسين بن واقد فرواه عن هشام بن سعد عن الزهرى عن عروة عن المسور بن مخرمة مرفوعا أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة فى صحيحه لكن هشام بن سعد أخرجا له فى المتابعات ففيه ضعف. وقد ذكر ابن عدى هذا الحديث فى مناكيره. قال الحافظ: ولما أورد الترمذى فى الجامع حديث عمرو ابن شعيب قال: ليس بصحيح اهـ كما صحح الحافظ فى الفتح أيضًا سند أثر على بن الحسين وأثر شريح وأثر القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق وأثر سالم بن عبد اللَّه بن عمر. أما أثر جابر بن زيد وهو أبو الشعثاء فأخرجه سعيد بن منصور من طريقه وفى سنده راوٍ لم يسم. ثم قال الحافظ: وقد تجوز البخارى فى نسبة جميع من ذكر عنهم إلى القول بعدم الوقوع مطلقا مع أن بعضهم يفصل
стр. 2724
وبعضهم يختلف عليه، ولعل ذلك هو النكتة فى تصديره النقل عنهم بصيغة التمريض اهـ واللَّه أعلم. وسيأتى مزيد بحث لهذا فى الحديث الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 2725
١٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى اللَّه عنهم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك" أخرجه أبو داود والترمذى وصححه ونقل عن البخارى أنه أصح ما ورد فيه.
[المفردات]
نذر: هو ما يوجبه الإِنسان على نفسه من الطاعات.
لابن آدم: المراد به الإنسان المكلف.
[البحث]
تقدم فى بحث الحديث السابق ما ذكره الحافظ فى الفتح أن الترمذى لما أورد حديث عمرو بن شعيب فى الجامع قال: ليس بصحيح. وقال الحافظ فى الفتح: رواه عامر الأحول مطر الوراق وعبد الرحمن بن الحارث وحسين المعلم كلهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والأربعة ثقات وأحاديثهم فى السنن ومن ثَمَّ صححه من يقوى حديث عمرو بن شعيب وهو قوى لكن فيه علة الاختلاف، وقد اختلف عليه فيه اختلافا آخر فأخرج سعيد بن منصور من وجه آخر عن عمرو بن شعيب أنه سئل عن ذلك فقال:
стр. 2726
كان أبى عرض علىَّ امرأة يزوجنيها فأبيت أن أتزوجها وقلت: هى طالق ألبتة يوم أتزوجها ثم ندمت فقدمت المدينة فسألت سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير فقالا: قال رسول اللَّه ﷺ "لا طلاق إلا بعد نكاح" وقد أشار الحافظ ﵀ إلى أنه لو كان عنده عن أبيه عن جده لما احتاج أن يرحل فيه إلى المدينة ويكتفى فيه بحديث مرسل قال الحافظ: وقد تقدم أن الترمذى حكى عن البخارى أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أصح شئ فى الباب اهـ أقول: ليس قول أحد الأئمة فى الحديث: إنه أصح شئ فى الباب أن يكون الحديث نفسه صحيحا وإنما المراد أنه أقوى ما ورد فى هذا الباب لا أنه قوى فى نفسه. واللَّه أعلم.
على أن ما نقله الحافظ فى فتح البارى عن الترمذى أنه قال فى جامعه عن حديث عمرو بن شعيب هذا عن أبيه عن جده "ليس بصحيح" يعارض ما ذكره المصنف هنا فى البلوغ حيث قال: والترمذى وصححه. والصواب من ذلك هو ما ذكره الحافظ هنا فى البلوغ من تصحيح الترمذى له فقد قال الترمذى فى جامعه: حدثنا أحمد ابن منيع أخبرنا هشيم أخبرنا عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك" وفى الباب عن على ومعاذ بن جبل وجابر وابن عباس وعائشة. حديث عبد اللَّه بن عمرو حديث حسن صحيح وهو أحسن شئ رُوِىَ فى
стр. 2727
هذا الباب، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبى ﷺ ، روى ذلك عن على بن أبى طالب وابن عباس وجابر بن عبد اللَّه وسعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير وعلى بن الحسين وشريح وجابر بن ريد وغير واحد من فقهاء التابعين اهـ.
стр. 2728
١٣ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها عن النبى ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق" رواه أحمد والأربعة إلا الترمذى وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان.
[المفردات]
رفع القلم عن ثلاثة: أى لا يؤاخذهم اللَّه بما يقع منهم من مخالفة.
حتى يستيقظ: أى حتى يتنبه من نومه.
وعن الصغير حتى يكبر: أى وعن الصبى حتى يدرك.
وعن المجنون حتى يفيق: أى وعن فاقد العقل حتى يرجع إليه عقله.
[البحث]
تقدم فى بحث الحديث الثامن من أحاديث هذا الباب قول البخارى فى صحيحه: وقال على: ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبى حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ. وقد ذكرت هناك من وصل هذا التعليق، ومن أخرجه،
стр. 2729
وما قيل فيه. وغرض المصنف من إيراد هذا الحديث هنا هو أنه لا يقع طلاق هؤلاء لو تلفظوا بالطلاق وهم بهذا الحال من النوم أو الصغر أو الجنون، إذ أن هذه الأحوال تمنعهم من الاختيار وصحة الإرادة. وعدم مؤاخذة هؤلاء لا تقتضى أن ما قد يقع منهم من اعتداء على الغير لا يؤاخذون به ولا يضمن، إنما المراد أنه لا يتوجه إليهم خطاب التكليف، لكن اللَّه ﵎ قد جعل فى خطاب الوضع ما يحفظ به حقوق العباد من مثل اعتداء هؤلاء. وهو خطاب اللَّه ﵎ بجعل الشئ سببًا أو علة أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو فاسدًا، فلو أتلفت بهيمة إنسان مالًا لآخر أو أتلف مجنون أو صبى نحو ذلك أو انقلب نائم على شخص فقتله، فإن ذلك كلُّه وإن ارتفع فيه الإثم فإنه لا يرتفع فيه ثبوت الحق لصاحبه بالسببية ونحوها. ولذلك وجبت الكفارة والدية على من قتل خطأ مع أن الإثم مرفوع عنه، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
стр. 2730
باب الرجعة
стр. 2731
١ - عن عمران بن حصين رضى اللَّه عنهما أنه سئل عن الرجل يطلق ثم يراجع ولا يُشْهِدُ؟ فقال: "أَشْهِد على طلاقها وعلى رجعتها" رواه أبو داود هكذا موقوفا وسنده صحيح، وأخرجه البيهقى بلفظ: أن عمران بن حصين سئل عمن راجع امرأته ولم يُشْهِدْ فقال: راجع فى غير سُنَّة، فَلْيُشْهِد الآن" وزاد الطبرانى فى رواية: ويستغفر اللَّه.
[المفردات]
الرجعة: أى رد الزوجة المطلقة.
ثم يراجع: أى يرد زوجته.
ولا يُشْهِد: أى على الطلاق والرجعة.
رَاجَعَ فى غير سنة: أى رد زوجته على غير الطريق المسنون.
فَلْيُشْهِد الآن: أى فليشهد شاهدين على طلاقه ورجعته الآن ويكفيه ذلك وأن كان لم يفعل ذلك عند وقت حدوث الطلاق وحدوث الرجعة.
وزاد الطبرانى فى رواية: أى عن عمران بن حصين رضى اللَّه عنهما.
ويستغفر اللَّه: أى ويطلب من اللَّه عفوه ومغفرته على ما قَصَّرَ فيه من الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة. هذا وقد قال الحافظ فى التلخيص: زاد الطبرانى فى رواية: واستغفر اللَّه، بدل قوله هنا: ويستغفر اللَّه.
стр. 2732
[البحث]
قال أبو داود فى باب الرجل يراجع ولا يشهد: حدثنا بشر بن هلال أن جعفر بن سليمان حدثهم عن يزيد الرِّشْكِ عن مطرف بن عبد اللَّه أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يُشْهِد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: "طَلّقْتَ لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أَشْهِدْ على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعُدْ" وقال ابن ماجه فى باب الرجعة: حدثنا بشر بن هلال الصَّوّاف ثنا جعفر ابن سليمان الضُّبعى عن يزيد الرِّشْكِ عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير أن عمران بن الحصين سُئِلَ عن رجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يُشْهِد على طلاقها ولا على رجعتها فقال عمران: طَلّقْتَ بغير سنة وراجعت بغير سنة. أشْهِد على طلاقها وعلى رجعتها.
وقال البيهقى فى السنن الكبرى فى باب ما جاء فى الإِشهاد على الرجعة: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب نا العباس بن محمد نا الأسود بن عامر نا حماد عن قتادة ويونس عن الحسن وأيوب عن ابن سيرين أن عمران بن حصين رضى اللَّه عنه سئل عن رجل طلق امرأته ولم يُشْهِد وراجع ولم يُشْهِد قال عمران: طلق فى غير عدة. وراجع فى غير سنة، فَلْيُشْهِد الآن اهـ قال ابن التركمانى فى الجوهر النقى: قلت: ظاهره أن الإشهاد ليس بواجب لأنه جعله مراجعا وإن ترك السنة. قال الطحاوى: ولا نعلم له مخالفا من الصحابة، وروى بسنده عن إبراهيم
стр. 2733
والشعبى قالا: إذا جامع ولم يُشْهِد فهىَ رجعة. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ أى راجعوهن ﴿بِمَعْرُوفٍ أو فَارِقُوهُنَّ﴾ أى خلوا عنهن حتى يَبِنَّ منكم ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ فينكحن من بدالهن، ثم قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ أى على هذين الفعلين. قال ابن عباس: أراد الرجعة والطلاق. ذكره ابن عطية فى تفسيره. والإِشهاد على الطلاق ليس بواجب، فكذا الرجعة، والأمر بالإِشهاد للندب كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. اهـ قال القرطبى وفائدة الإِشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم فى إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعى الباقى ثبوت الزوجية ليرث اهـ ولما كانت الرجعة لا تفتقر إلى القبول فإنها لا تفتقر إلى الإِشهاد كسائر الحقوق. والرجعة أن يقول الرجل: راجعت فلانة أو يعمل معها عملا لا يكون إلا من زوج. هذا وإنما يملك الرجل حق الرجعة على المرأة إذا كان طقها تطليقة واحدة أو تطليقتين ولا تزال فى العدة ولذلك قال البخارى فى صحيحه: باب "وبعولتهن أحق بردهن" فى العدة، كيف يراجع المرأة إذا طلقها واحدة أو ثنتين اهـ. وهى لا تحتاج إلى عقد جديد ولا إلى رضا المرأة ولا إلى ولىٍّ ولا مهر حتى ولو كرهت المرأة ذلك. قال فى الفتح: وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك. فإن لم يراجع حتى انقضت العدة فتصير أجنبية فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف اهـ أما غير المدخول بها فإنه لا يملك عليها حق الرجعة لأنها تبين منه
стр. 2734
بمجرد تطليقها ولو كان طلقها تطليقة واحدة لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الإشهاد على الرجعة مستحب.
٢ - وأن الأمر فى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. للاستحباب لا للإِيجاب.
стр. 2735
٢ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه لَمَّا طلَّق امرأته قال النبى ﷺ لعمر: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" متفق عليه.
[البحث]
تقدم حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما فى قصة تطليقه امرأته وقول النبى ﷺ لعمر: "مره فليراجعها" وقد سقته بتمامه وألفاظه فى بحث الحديث الثانى من أحاديث كتاب الطلاق، وإيراد المصنف لهذه القطعة هنا فى باب الرجعة لقوله ﷺ : "مره فليراجعها" والأمر بمراجعة المطلقة إنما يتأكد إذا طلقها حالة الحيض، أما إذا طلقها فى طهر لم تجامع فيه، فإن الأمر فى ذلك راجع إلى الزوج إن شاء راجع وإن شاء تركها حتى تنتهى عدتها وتصير بائنة. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه يتأكد على من طلق امرأته وهى حائض ويملك حق رجعتها أن يراجعها.
٢ - حرص الإسلام على استقرار الحياة الزوجية.
следующие страницы →