Полный текст (4 105 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
وعند البخارى من حديث سهل هذا قول رسول اللَّه ﷺ : قد أنزل اللَّه القرآن فيك وفى صاحبتك فاذهب فأت بها. وجاء فى حديث أنس بن مالك عند مسلم فى قصة قذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن سحماء "وكان أول رجل لاعن فى الإسلام" وجاء فى حديث ابن عباس عند البخارى أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبى ﷺ : البينة أو حدٌّ فى ظهرك" وفيه "فقال هلال: والذى بعثك بالحق إنى لصادق فَلَيُنزلَنَّ اللَّهُ ما يبرئ ظهرى من الحد، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبى ﷺ فأرسل إليها فجاء هلال فشهد. الحديث. وقد أشار الحافظ فى الفتح إلى احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله فجاء عويمر فى المرة الثانية التى قال فيها: إن الذى سألتك عنه قد ابتليت به فوجد الآية نزلت فى شأن هلال فأعلمه النبى ﷺ بأنها نزلت فيه يعنى أنها نزلت فى كل من وقع لى ذلك لأن ذلك لا يختص بهلال. هذا ولفظ حديث الباب عند مسلم قال: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير حدثنا أبى ح وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة (واللفظ له) حدثنا عبد اللَّه بن نمير حدثنا عبد الملك ابن أبى سليمان عن سعيد بن جبير قال: سُئِلتُ عن المتلاعنين فى إِمْرَةِ مصعب: أَيُفَرَّق بينهما؟ قال: فما دَرَيْتُ ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة فقلت للغلام: استأذن لى. قال إنه قائل. فسمع صوتى قال: ابنُ جُبَيْر؟ قلتُ: نعم. قال: ادخل فواللَّه ما جاء بك هذه
стр. 2767
الساعة إلا حاجة، فدخلت فإذا هو مفترش بَرْذَعَةً، مُتَوَسِّدٌ وِسادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ، قلت: أبا عبد الرحمن: المتلاعنان أَيُفَرَّقُ بينهما؟ قال: سبحان اللَّه، نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان. قال: يا رسول اللَّه: أرأيتَ أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبى ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذى سألتُكَ عنه قد ابتليت به، فأنزل اللَّه هؤلاء الآيات فى سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فتلاهن عليه، ووعظه، وذَكَّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قال: لا والذى بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها، فوعظها، وذكَّرهَا، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قالت: لا والذى بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل. فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثَنَّى بالمرأة فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. ثم فرَّق بينهما. وحدثنيه على بن حُجْر السَّعْدى حدثنا عيسى بن يونس حدثنا عبد الملك بن أبى سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سئلت عن المتلاعنين زمن مصعب بن الزبير فلم أدر ما أقول فأتيت عبد اللَّه بن عمر فقلت: أرأيت المتلاعنين أيفرق بينهما؟ ثم ذكر بمثل حديث ابن نمير. وقد
стр. 2768
أخرج البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث سهل بن سعد الساعدى أن عويمرا أتى عاصم بن عدى -وكان سيد بنى عجلان- فقال: كيف تقولون فى رجل وجد مع امرأته رجلا؟ أيقتله فققتلونه؟ أم كيف يصنع؟ سل لى رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فأتى عاصمٌ النبىَّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه. فكره رسولُ اللَّه ﷺ المسائل، فسأله عويمر فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كره المسائل وعابها، قال عويمر: واللَّه لا أنتهى حتى أسأل رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فجاء عويمرٌ فقال: يا رسول اللَّه رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد أنزل اللَّه القرآن فيك وفى صاحبتك" فأمرهما رسولُ اللَّه بالملاعنة بما سمَّى اللَّهُ فى كتابه فلاعنها، ثم قال: يا رسول اللَّه إن حَبَسْتُها فقد ظلمتها، فطلقها، فكانت سنة لمن كان بعدهما فى المتلاعنين، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "انظروا فإن جاءت به أَسْحَمَ أَدْعجَ العينين، عَظِيم الألْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أُحَيْمِرَ كأنه وَحَرَةٌ. فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها" فجاءت به على النعت الذى نعت به رسولُ اللَّه ﷺ من تصديق عويمر فكان بعد يُنْسَبُ إلى أمه. كما روى البخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبى ﷺ : "البينةَ أو حَدٌّ فى
стр. 2769
ظهرك؟ " فقال: يا رسول اللَّه إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبى ﷺ يقول: "البينة وإلا حدٌّ فى ظهرك" فقال هلال: والذى بعثك بالحق إنى لصادق فَليُنْزِلَنَّ اللَّه مَا يُبَرِّئ ظهرى من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبى ﷺ فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد والنبى ﷺ يقول: "إن اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وَقَّفُوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فَتَلَكَّأتْ ونَكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومى سائر اليوم، فمضت، فقال النبى ﷺ "أبْصِرُوهَا فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الالْيَتَيْن، خَدَلَّجَ الساقين، فهو لشريك بن سحماء" فجاءت به كذلك، فقال النبى ﷺ "لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لى ولها شأن" وقد ساق مسلم من حديث أنس بن مالك رضى اللَّه عنه: أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء -وكان أخا البراء بن مالك لأمه- وكان أول رجل لاعن فى الإسلام قال: فلاعنها، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أبصروها فإن جاءت به أبيض سَبِطًا قَضِئَ العينين، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحلَ جَعْدًا حَمْشَ الساقين فهو لشريك بن سحماء" قال: فأُنبئتُ أنها جاءت به أكحل جعْدًا حمش الساقين.
[ما يفيده الحديث]
١ - مشروعية اللعان.
стр. 2770
٢ - استحباب عدم المبادرة إلى إجابة طالب اللعان.
٣ - لا يحل اللعان إلا إذا كان الزوج متحققا مما يقول.
٤ - البداعة فى اللعان بالزوج.
٥ - وجوب التفريق بين الزوجين بعد تمام اللعان.
٦ - أن اللعان يسقط حد القذف عن الرجل.
٧ - أن اللعان يدرأ حد الزنا عن الزوجة.
٨ - يجب التقيد فى التلاعن بالألفاظ الواردة فى ذلك.
٩ - استحباب وعظ الزوجين قبل الشروع فى اللعان وتخويفهما من عذاب اللَّه فى الآخرة.
١٠ - أن عقوبة الدنيا مهما كانت فهى دون عقوبة الآخرة.
١١ - أن من أخذ من المؤمنين بذنبه فى الدنيا لا يعاقبه اللَّه به فى الآخرة.
стр. 2771
٢ - وعنه رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال للمتلاعنين: "حِسَابكما على اللَّه، أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها" قال: يا رسول اللَّه مَالِى؟ فقال: "إن كنتَ صَدَقْتَ عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنتَ كذبتَ فذاك أبعد لك منها" متفق عليه.
[المفردات]
وعنه: أى وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
стр. 2772
للمتلاعنين: أى للزوج والزوجة وقت تلاعنهما أو بعده وهو الظاهر حضا لهما على التوبة وتخويفا لهما من عقوبة اللَّه واشعارًا بأن هذا التلاعن إنما يمنع عنهما عقوبة الدنيا فقط. والمراد بالمتلاعنين هنا هما عويمر العجلانى وزوجته.
حسابكما على اللَّه: أى جزاء الكاذب منكما عند اللَّه يوم القيامة.
أحدكما كاذب: أى لابد أن يكون أحدكما كاذبا فى الواقع ونفس الأمر، وأن يكون أحدكما صادقا فى الواقع ونفس الأمر.
لا سبيل لك عليها: أى وقعت الفرقة بينكما ولا طريق لك عليها ما دام قد تم التلاعن بينكما.
مَالِى: أى تَردُّ علىَّ صداقى الذى كنت أصدقتها إياه أو أيذهب مالى؟ .
صدقت عليها: أى كنت صادقا فى دعواك أنها زانية.
فهو بما استحللت من فرجها: أى فقد استحقت الصداق الذى دفعته لها لأنك استبحت فرجها.
وإن كنت كذبت فذاك أبعد لك منها: أى وإن كنت غير صادق فى دعواك أنها زانية، فلا شئ لك من الصداق لأنك استحللت فرجها. وزدت على ذلك أنك ظلمتها بالكذب عليها.
стр. 2773
[البحث]
هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هو أقرب إلى لفظ مسلم، وأبعد من لفظ البخارى فلفظه عند مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ للمتلاعنين: "حسابكما على اللَّه أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها" قال: يا رسول اللَّه: مالى؟ قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبتَ عليها فذاك أبعد لك منها" أما لفظ البخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال النبى ﷺ للمتلاعنين: "حسابكما على اللَّه أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: مالى، قال: "لا مال لك، إن كنت صَدَقْتَ عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فذاك أبعد لك" وقد أورد البخارى من طريق إسماعيل عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: قلتُ لابن عمر: رجلٌ قذف امرأته. فقال: فرَّق النبى ﷺ بين أخوى بنى العجلان، وقال: "اللَّه يعلم أن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب؟ " فأبَيَا، وقال: "اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " فأبيا، فقال: "اللَّه يعلم أن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب؟ " فأبيا. ففرَّق بينهما. قال أيوب: فقال لى عمرو بن دينار: إن فى الحديث شيئا لا أراك تُحَدِّثُه، قال: قال الرجل: مالى قال: قيل: لا مال لك، إن كنت صادقا فقد دخلتَ بها، وإن كنت كاذبا فهو أبعد منك اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب التفريق بين المتلاعنين.
стр. 2774
٢ - أن الرجل الملاعن لا يستحق شيئا من الصداق الذى أصدقه للمرأة.
٣ - أن أحد المتلاعنين كاذب فى نفس الأمر.
٤ - أن اللَّه تعالى بالمرصاد لمن يحلف كاذبا ليسقط ما عليه من الحد أو الحق.
стр. 2775
٣ - وعن أنس رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال: "أبصروها فإن جاءت به أبيض سَبْطًا فهو لزوجها، وإن جاءت به أكحلَ جعْدًا فهو للذى رماها به" متفق عليه.
[المفردات]
أبصروها: أى انظروا ما تجئ به من الولد.
سبطا: قال النووى: السبط بكسر الباء وإسكانها وهو الشعر المسترسل اهـ. وقيل: السبط: التام الخلق.
فهو لزوجها: أى فهو لهلال بن أمية.
أكحل: بفتح الهمزة وسكون الكاف وهو الذى منابت أجفانه كلها سود كأن فيها كحلا.
جعدا: قال النووى: أما الجعد بفتح الجيم وإسكان العين قال الهروى: الجعد فى صفات الرجال يكون مدحا ويكون ذما فإذا كان مدحا فله معنيان: أحدهما أن يكون معصوب الخَلْق شديد الأسر. والثانى أن يكون شعره غير سبط لأن السبوطة أكثرها فى شعور
стр. 2776
العجم وأما الجعد المذموم. فله معنيان: أحدهما القصير المتردد والآخر البخيل يقال: جعد الأصابع وجعد اليدين أى بخيل اهـ وقد جاء فى حديث أنس رضى اللَّه عنه فى وصف رسول اللَّه ﷺ : ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمهق ولا بالآدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط.
فهو للذى رماها به: أى فهو لشريك بن سحماء.
[البحث]
أشرت فى مفردات الحديث الأول من أحاديث هذا الباب إلى أنه يتضح من سياق أحاديث الشيخين فى قصتى لعان عويمر العجلانى وهلال بن أمية أن المتهم بالمرأتين هو شريك بن سحماء، وأوضح هنا أن الصفات التى ذكرت عن المتهم فى القصتين واحدة أو متقاربة بخلاف صفات هلال بن أمية وعويمر العجلانى فهى مختلفة. فالمتهم بالعجلانية: أكحل أسود جعد والمتهم بامرأة هلال بن أمية أكحل جعد حمش الساقين. كما جاء فى حديث مسلم وقد جاء فى وصف المتهم بالعجلانية عند البخارى: أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خَدَلَّج الساقين. كما جاء فى وصف المتهم بامرأة هلال بن أمية عند البخارى: أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين. وفى لفظ للشيخين: آدم خدلا كثير اللحم. وقد صرح فى رواية البخارى ومسلم بأنه شريك بن سحماء. وقد وصف عويمر العجلانى بأنه مصفر قليل اللحم سبط الشعر أحيمر قصير كأنه وَحَرة (وهى دويبة تترامى
стр. 2777
على الطعام واللحم فتفسده، وهى من نوع الوزغ). وجاء فى وصف هلال. أبيض مصفر قليل اللحم سبط قضئ العينين. والأسحم والأسود بمعنى وأدعج العينين أكحل بمعنى فأدعج العينين
واسعهما شديد سوادهما ... وخدلج ممتلئ وسابغ
الآليتين وعظيم الأليتين بمعنى أى ضخم الأليتين وآدم أى قريب من السواد والخدل الممتلئ الساق. وقوله فى وصف هلال: قضئ العينين. أى فاسدهما بسبب كثرة دمع أو حمرة أو غير ذلك. ولفظ حديث الباب عند مسلم: "أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضئ العينين فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدا، حمش الساقين اهـ وقول المصنف فى حديث أنس هذا: متفق عليه. غير ظاهر إذ قد تتبعت باب اللعان فى صحيح البخارى وكذلك تفسير سورة النور فيه فلم أجد لأنس رضى اللَّه عنه هذا الحديث فيه. واللَّه أعلم. قال النووى: وأما حمش الساقين فبحاء مهملة مفتوحة ثم ميم ساكنة ثم شين معجمة أى رقيقهما والحموشة: الدقة اهـ وتفسير حمش الساقين بهذا المعنى غير واضح وإن كان عليه أكثر علماء اللغة. لأنه يعارض ما رواه البخارى فى هذه القصة من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما ولفظه: فقال النبى ﷺ : "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين خَدَلَّج الساقين، فهو لشريك بن سحماء" فهو يدل على
стр. 2778
أن حمش الساقين بمعنى خدلج الساقين أى عظيمهما وجاء نفس هذا اللفظ فى حديث سهل بن سعد عند البخارى فى قصة عويمر العجلانى: انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين، عظيم الأليتين خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها. قال فى اللسان: حمش الشئ جمعه والحموشة والحموشة الدقة ثم قال: الليث: ساق حمشة جَزْمٌ، ثم قال: وحمش الشر اشتد اهـ وهو يشعر بأنه قد يراد بحمش الساقين خدلج الساقين. هذا وقد جاء فى لفظ للبخارى ومسلم من حديث سهل بن سعد قال: فجاءت به على النعت الذى نعت به رسول اللَّه ﷺ من تصديق عويمر فكان بعد ذلك ينسب إلى أمه. وفى لفظ للبخارى ومسلم: وكانت حاملا فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها. وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث ابن عباس فجاءت شبيها بالرجل الذى ذكر زوجها أنه وجده. وفى لفظ للبخارى من حديث سهل: فجاءت به على المكروه من ذلك.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه يجوز ملاعنة الحامل قبل وضع حملها.
٢ - جواز ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة الداعية لذلك ولا يكون ذلك من باب الاغتياب.
٣ - أنه إذا تم اللعان بين الزوجين وقامت الشبهة على المرأة بعد ذلك فإنها لا تعاقب.
стр. 2779
٤ - أن الغالب فى شبه الولد أن ينزعه العرق القريب من آبائه.
стр. 2780
٤ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ أمر رجلا أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال: "إنها مُوجِبَةٌ" رواه أبو داود والنسائى ورجاله ثقات.
[المفردات]
عند الخامسة: أى بعد أن شهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين. فلما أراد أن يقول فى الخامسة: لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين.
على فيه: أى على فم الملاعن تخويفا له وزجرا خشية أن يكون كاذبا.
إنها موجبة: أى إن الشهادة الخامسة بها يتم لعان الرجل فيستحق لعنة اللَّه إن كان من الكاذبين.
[البحث]
قال النسائى: باب الأمر بوضع اليد على فى المتلاعنين عند الخامسة. أخبرنا على بن ميمون قال: حدثنا سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس أن النبى ﷺ أمر رجلا حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده عند الخامسة على فيه وقال: إنها موجبة.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب تخويف المتلاعنين من عقوبة اللَّه للكاذبين.
стр. 2781
٢ - استحباب أمر الإِمام أو القاضى من يقوم بوضع يده عند الخامسة على فم الرجل لعله أن ينزجر ويمتنع.
стр. 2782
٥ - وعن سهل بن سعد رضى اللَّه عنه فى قصة المتلاعنين قال: فلما فَرَغَا من تلاعنهما قال: كذبتُ عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ . متفق عليه.
[المفردات]
فى قصة المتلاعنين: أى فى حديث المتلاعنين وهما عويمر العجلانى وزوجته.
فلما فرغا من تلاعنهما: أى فلما انتهيا من شهادتهما ولعنة الرجل نفسه فى الخامسة إن كان من الكاذبين ودعوة المرأة على نفسها بغضب اللَّه إن كان من الصادقين.
قال: كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها: أى قال عويمر العجلانى: افتريت عليها فيما ذكرت إن تمسكت بحبلها بعد ذلك وإن حبستها فقد ظلمتها.
فطلقها ثلاثا قبل أن يأمُرَهُ رسولُ اللَّه ﷺ : أى فعاجلها بأن طلقها ثلاثا فى لفظ واحد قبل أن يطلب منه رسولُ اللَّه ﷺ طلاقها ومفارقتها.
[البحث]
ساق البخارى ﵀ هذا الحديث بلفظ: أن رجلا
стр. 2783
من الأنصار جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أرأيتَ رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل اللَّه فى شأنه ما ذكر فى القرآن من أمر المتلاعنين. فقال النبى ﷺ : "قد قضى اللَّه فيك وفى امرأتك" قال: فتلاعنا فى المسجد وأنا شاهد، فلما فرَغَا قال: كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسولُ اللَّه ﷺ حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبى ﷺ فقال: "ذاك تفريق بين كل متلاعنين". قال ابن جريج قال ابن شهاب: فكانت السنة بعدهما أن يُفَرَّقَ بين المتلاعنين، وكانت حاملا، وكان ابنها يُدْعَى لأمه. قال: ثم جرت السنة فى ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض اللَّه له اهـ وفى لفظ لمسلم: قال: قال عويمر: واللَّه لا أنتهى حتى أسأله عنها فأقبل عويمر حتى أتى رسولَ اللَّه ﷺ وسط الناس فقال: يا رسول اللَّه أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد نزل فيك وفى صاحبتك فاذهب فأت بها" قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول اللَّه ﷺ ، فلما فَرَغَا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها، فطَلَّقَهَا ثلاثا قبل أن يأمره رسولُ اللَّه ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت سنةَ المتلاعنين. وفى لفظ لمسلم قال سهل: فكانت حاملا فكان ابنها يُدْعى إلى أمه. ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض اللَّه لها، وفى لفظ لمسلم: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسولُ اللَّه ﷺ ، ففارقها عند النبى ﷺ فقال
стр. 2784
فقال النبى ﷺ : "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين" اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه لابد من التفريق بين المتلاعنين.
٢ - أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع وتبين منه ألبتة لأن النبى ﷺ لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة.
стр. 2785
٦ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ فقال: إن امرأتى لا تَرُدُّ يَدَ لَامس، قال: "غَرَّبها" قال: أخاف أن تَتْبَعهَا نفسى! قال: فاستمتع بها. رواه أبو داود والترمذى والبزار ورجاله ثقات، وأخرجه النسائى من وجه آخر عن ابن عباس بلفظ قال: طلقها. قال: لا أصبر عنها. قال: فأمسكها.
[المفردات]
لا تَرَدُّ يَدَ لَامِس: أى لا تمنع أحدا عن نفسها. وتفسيره بأنها مسرفة فى ماله تفسير بعيد.
غَرِّبْهَا: أى أبعدها عنك وفارقها.
أخاف أن تتبعها نفسى: أى أخشى أن يشتد تعلقى بها ولا أصبر عليها.
فاستمتع بها: أى فأبقها وتلذذ منها.
من وجه آخر: أى من طريق آخر.
لا أصبر عنها: أى لا أطيق فراقها.
فأمسكها: أى فأبقها فى عصمتك.
стр. 2786
[البحث]
قال النسائى أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا يزيد قال حدثنا حماد بن سلمة وغيره عن هارون بن رئاب عن عبد اللَّه بن عُبَيْد بن عمير وعبدُ الكريم عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير عن ابن عباس عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه -قالا: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن عندى امرأة هى من أحب الناس إلىَّ وهى لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال: لا أصبر عنها قال: استمتع بها، قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوى، وهارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم اهـ وقد نقل ابن الجوزى عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا يثبت عن النبى ﷺ فى هذا الباب شئ، وليس له أصل اهـ وقد عده ابن الجوزى فى الموضوعات. وقد نقل عن أحمد ﵀ أنه قال: لم يكن ليأمره بإمساكها وهى تفجر اهـ. أقول: إن أمارة الوضع على هذا الحديث ظاهرة فهو يناقض ما علم من دين الإسلام بالضرورة من تحريم مصاحبة الفاجرة، وإبقائها فى العصمة، ولا يأمر رسولُ اللَّه ﷺ الرجل أن يكون ديوثا، وقد قال اللَّه : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أو مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أو مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 2787
٧ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول حين نزلت آية المتلاعنين: "أيما امرأة أدخلت على قوم من
стр. 2788
ليس منهم فليست من اللَّه فى شئ ولن يُدْخِلَهَا اللَّه جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب اللَّه عنه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين" أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه وصححه ابن حبان.
[المفردات]
حين نزلت آية المتلاعنين: أى لما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
أدخلت على قوم من ليس منهم: أى جاءت بولد من زنا وهى فى فراش الزوجية، فنسب إلى الزوج وهو ليس منه.
فليست من اللَّه فى شئ: أى ليست أهلا لرحمة اللَّه.
جحد ولده وهو ينظر إليه: أى انتفى من ولده وهو يعلم أنه ولده.
احتجب اللَّه عنه: أى حرمه اللَّه من النظر إليه يوم القيامة.
وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين: أى وأظهر خزيه عند المتقدمين والمتأخرين يعنى يوم القيامة.
[البحث]
هذا الحديث عند أبى داود والنسائى وابن ماجه من طريق عبد اللَّه ابن يونس عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه. وقد تفرد به عبد اللَّه بن يونس وهو مجهول الحال قال فى التلخيص: وصححه الدارقطنى فى العلل مع اعترافه بتفرد عبد اللَّه بن
стр. 2789
يونس به عن سعيد المقبرى وأنه لا يعرف إلا بهذا الحديث وفى الباب عن ابن عمر فى مسند البزار وفيه إبراهيم بن سعيد الخوزى وهو ضعيف اهـ وقوله إبراهيم بن سعيد الخوزى صوابه إبراهيم بن يزيد الخوزى. قال فى التقريب: إبراهيم بن يزيد الخوزى بضم المعجمة وبالزاى أبو إسماعيل المكى متروك الحديث اهـ قال البزار: حدثنا عمرو بن عيسى الضبعى ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثنا إبراهيم بن يزيد عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : اشتد غضب اللَّه على امرأة أدخلت على قوم ولدا ليس منهم، يطلع على عوراتهم، ويشركهم فى أموالهم اهـ. قال البزار: لا نعلمه عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، وإبراهم لين الحديث اهـ. وقال الهيثمى: رواه البزار والطبرانى فى الأوسط وفيه إبراهيم بن يزيد وهو ضعيف اهـ واللَّه أعلم.
стр. 2790
٨ - وعن عمر رضى اللَّه عنه قال: من أَقَرَّ بولده طَرْفَةَ عين فليس له أن ينفيه. أخرجه البيهقى وهو حسن موقوف.
[المفردات]
أقر بولده: أى اعترف بأن ما حملت به زوجته هو ابنه.
طرفة عين: أى ولو كان اعترافه وإقراره بولده لمدة لحظة واحدة.
فليس له أن ينفيه: أى فلا يقبل منه الانتفاء من هذا الولد بعد
стр. 2791
ذلك مهما كان.
موقوف: أى على عمر رضى اللَّه عنه وليس مرفوعا إلى رسول اللَّه ﷺ .
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث عمر: إذا أقر بولده طرفة عين لم يكن له نفيه. موقوف البيهقى من رواية مجالد عن الشعبى عن شريح عن عمر، ومن طريق قبيصة بن ذؤيب أنه كان يحدث عن عمر: أنه قضى فى رجل أنكر ولدا من المرأة وهو فى بطنها ثم اعترف به وهو فى بطنها حتى إذا ولدت أنكره فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها، ثم ألحق به الولد. إسناده حسن اهـ.
هذا وقد قال البيهقى: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنا على ابن عمر الحافظ نا أبو محمد بن صاعد نا سعد بن عبد اللَّه بن الحكم نا قدامة بن محمد نا مخرمة بن بكير عن أبيه قال سمعت محمد بن مسلم بن شهاب يزعم أن قبيصة بن ذؤيب كان يحدث عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه أنه قضى فى رجل أنكر ولد امرأته وهو فى بطنها، ثم اعترف به وهو فى بطنها، حتى إذا ولد أنكره، فأمر به عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها ثم ألحق به ولدها. وأخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد أنا إسماعيل بن محمد الصفار، نا سعدان بن نصر نا أبو معاوية عن مجالد بن سعيد عن الشعبى عن شريح عن عمر رضى اللَّه عنه قال: إذا
стр. 2792
أقر الرجل بولده طرفة عين فليس له أن ينفيه. واللَّه أعلم اهـ وما يقرره أثر عمر رضى اللَّه عنه هذا من أنه لا يقبل نفى الولد بعد الإِقرار به هو أمر انعقد عليه إجماع المسلمين، واللَّه أعلم.
стр. 2793
٩ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رجلا قال: يا رسول اللَّه إن امرأتى ولدت غلاما أسود، قال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم. قال: "فما ألوانُها؟ " قال: حُمْرٌ. قال: هل فيها من أوْرَق؟ " قال: نعم. قال: "فأنَّى ذلك؟ " قال: لعله نزعه عِرْقٌ. قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق" متفق عليه. وفى رواية لمسلم: وهو يُعَرِّضُ بأن ينفيه. وقال فى آخره: ولم يُرَخِّصْ له فى الانتفاء منه.
[المفردات]
أن رجلا: هو ضمضم بن قتادة وهو أعرابى من بنى فزارة. كما ذكره عبد الغنى بن سعيد فى كتاب (المبهمات) له.
إن امرأتى ولدت غلاما: قال الحافظ فى الفتح: لم أقف على اسم المرأة ولا على اسم الغلام اهـ. وهذه المرأة من بنى عجل كما ذكر ذلك عبد الغنى بن سعيد فى كتاب (المبهمات) أيضا.
أسود: أى لا يشبهنى ولا يشبه أمه فى اللون فلست بأسود
стр. 2794
وليست أمه بسوداء. فأنا أبيض وهى بيضاء.
هل لك من إبل: أى هل عندك جِمَال؟ .
وهل فيها من أورق: أى هل يوجد بين جمالك الحمر جمل أورق. والأورق بوزن الأحمر هو ما فيه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الغبرة ومنه قيل للحمامة ورقاء.
فأنَّى ذلك: أى فمن أين أتاها اللون الذى خالفها؟ هل هو بسبب فحل أجنبى من غير لونها طرأ عليها أو لأمر آخر؟ .
لعله نزعه عرق: أى ربما كان فى أصولها ما هو باللون المذكور فاجتذبه إليه فجاء على لونه. والمراد بالعرق هنا الأصل من النسب تشبيها بعرق الثمرة. ومعنى نزعه اجتذبه إليه وأظهر لونه عليه، وأصل النزع الجذب. وقد ينزع لولد إلى أبيه وقد ينزع إلى أمه. ويقال: نزعه أبوه ونزعته أمه ومنه حديث عبد اللَّه بن سلام: ما بال الولد ينزع إلى أبيه أو ينزع إلى أمه قال: إن سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته.
فلعل ابنك هذا نزعه عرق: أى فربما يكون ابنك هذا قد اجتذبه عرق من أصوله البعيدة فجاء بهذا اللون المغاير لألوان إبلك الموجودة لديك، أى وأنت تعلم
стр. 2795
أنه لم يطرأ على إبلك فحل أجنبى. وقد علمنا أن محمدا رسول اللَّه ﷺ قد اجتذبه عرق أبيه إبراهيم خليل الرحمن ﵊ فجاء أشبه الناس بأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام كما جاء فى الأخبار الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ فى قصة الإِسراء والمعراج.
وفى رواية لمسلم: أى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه من طريق معمر عن الزهرى.
وهو يُعَرِّض بأن ينفيه: أى والرجل وهو يتكلم بهذا الكلام كان يُلَمِّح بأن ينتفى من ولده والتعريض هو ذكر شئ يفهم منه شئ آخر لم يذكر. ويفارق الكناية بأنها ذكر شئ بغير لفظه الموضوع له يقوم مقامه.
وقال فى آخره: أى وذكر فى آخر الرواية الأخرى التى جاءت عند مسلم من طريق معمر عن الزهرى. وسيأتى فى بحث هذا الحديث أن قوله: ولم يرخص له الخ فى البخارى أيضا.
ولم يرخص له فى الانتفاء منه: أى ولم يجزْ له أن ينتفى من ولده لهذه العلة، ولم يوسع له أن يتبرأ منه.
[البحث]
هذا الحديث أخرجه البخارى فى كتاب الطلاق فى باب إذا
стр. 2796
عَرَّض بنفى الولد من طريق يحيى بن قزعة عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رجلا أتى النبى ﷺ فقال: يا رسول اللَّه وُلِدَ لى غلام أسود، فقال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم. قال: "ما ألوانها؟ " قال: حُمْرٌ. قال: "هل فيها من أَوْرق؟ " قال: نعم. قال: "فأَنَّى ذلك؟ " قال: لعل نزعه عِرْقٌ: قال: "فلعل ابنك هذا نزعه" وأورده فى كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة فى باب ما جاء فى التعريض من طريق إسماعيل عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ جاءه أعرابى فقال يا رسول اللَّه إن امرأتى ولدت غلاما أسود، فقال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم. قال: "ما ألوانها؟ " قال: حُمْرٌ. قال: "فيها من أورق؟ " قال: نعم. قال: "فأنى كان ذلك؟ " قال: أُراهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ. قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق" وأورده فى كتاب الاعتصام فى باب من شَبَّهَ أصلا معلوما بأصل مُبَيَّن قد بين اللَّه حكمهما لِيُفْهِمَ السائلَ من طريق أصبغ بن الْفَرَج عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أن أعرابيا أتى رسولَ اللَّه ﷺ فقال: إن امرأتى وَلَدَتْ غلاما أسود وإنى أنكرته، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟ " قال: حُمْرٌ. قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: إن فيها لَوُرْقًا. قال: "فأنَّى تُرَى ذلك
стр. 2797
جاءها؟ " قال: يا رسول اللَّه عرق نزعها. قال: "ولعل هذا عرق نزعه" ولم يرخص له فى الانتفاء منه. أما مسلم ﵀ فقد أخرجه من طريق قتيبة بن سعيد وأبى بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب (واللفظ لقتيبة) قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: جاء رجل من بنى فزارة إلى النبى ﷺ فقال: إن امرأتى ولدت غلاما أسود فقال النبى ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال: نعم قال: "فما ألوانها؟ " قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورْقا. قال: "فأنَّى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" قال مسلم: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد قال ابن رافع حدثنا وقال الآخران أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ح وحدثنا ابن رافع حدثنا ابن أبى فديك أخبرنا ابن أبى ذئب جميعا عن الزهرى بهذا الإسناد نحو حديث ابن عيينة غير أن فى حديث معمر فقال: يا رسول اللَّه ولدت امرأتى غلاما أسود وهو حينئذ يُعَرِّضُ بأن ينفيه وزاد فى آخر الحديث: ولم يرخص له فى الانتفاء منه. وحدثنى أبو الطاهر وحرملة بن يحيى (واللفظ لحرملة) قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرنى يونس عن ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أن أعرابيا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إن امرأتى ولدت غلاما أسود وإنى أنكرته فقال له النبى ﷺ : "هل لك
стр. 2798
من إبل؟ " قال: نعم. قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر. قال: "فهل فيها من أورق؟ " قال: نعم. قال رسول اللَّه ﷺ : "فأنَّى هو؟ " قال: لعله يا رسول اللَّه أن يكون نزعه عرق له فقال له النبى ﷺ : "وهذا لعله يكونُ نزعه عرق له" ومعنى قوله (وإنى أنكرته) أى استغربته بقلبى أن يكون منى لا أنه نفاه عن نفسه بلفظه فهو لم يرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه وإلا لكان تصريحا بالنفى لا تعريضا.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن التعريض بنفى الولد ليس نفيا.
٢ - وأنه لا يجوز للوالد أن ينتفى من ولده بمجرد الظن أو اختلاف اللون.
٣ - وأن الولد يلحق بأبيه مهما اختلف لونه.
٤ - صحة الاستدلال بالقياس.
٥ - أنه ينبغى العمل على إزالة الشبه من قلوب الناس بضرب الأمثال.
٦ - الاحتياط للأنساب وإلحاقها بمجرد إمكان ذلك.
٧ - أن تشبيه المجهول بالمعلوم تقريبا لفهم السائل من وسائل التربية والتعليم فى الإسلام.
٨ - أن الأصل هو أن الولد للفراش.
٩ - كراهية ظن السوء بالمسلمين دون برهان واللَّه أعلم.
стр. 2799
تم بحمد اللَّه الجزء السابع من فقه الإِسلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام بمنزلنا بمدينة أبها فى اليوم الثانى والعشرين من شهر ذى القعدة الحرام عام ١٤٠٢ هـ ويليه إن شاء اللَّه تعالى - الجزء الثامن وأوله (باب العدة والإحداد) وما توفيقى إلا باللَّه تعالى. وصلى اللَّه على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد القادر شيبة الحمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة المدرس بالمسجد النبوي الشريف
стр. 2800
فقه الإسلام
شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀
تأليف
عبد القادر شيبة الحمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوي الشريف
[الجزء الثامن]
стр. 2801
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بابُ العِدَّةِ والإِحداد
стр. 2802
١ - عن المسور بن مخرمة رضى اللَّه عنه أن سُبَيْعَةَ الاسلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بعد وفات زوجها بِلَيَالٍ، فجاءت إلى النبى ﷺ فاستأذنته أن تنكِح، فأذِنَ لَها فنَكَحَتْ" رواه البخارى، وأصله فى الصحيحين، وفى لفظ أنها وَضَعَتْ بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة. وفى لفظ لمسلم قال الزهرى: ولا أرى بأسا أن تَزَوَّجَ وهى فى دمها غير أنه لا يَقْرَبُهَا زوجها حتى تطهر.
[المفردات]
العدة: بكسر العين وتشديد الدال هى اسم لمدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها تنتهى إما بالولادة أو بالأقراء أو بالأشهر بحسب أحول المرأة.
والإِحداد: قال أهل اللغة: الإحداد والحداد مشتق من الحد وهو المنع يقال: أحدت المرأة وحدت وهى حاد ولا يقال حادة. وأنكر الأصمعى أن يقال: حدت المرأة من الثلاثى فلا يقال: إلا أحدت. أما الإِحداد فى الشرع فهو ترك الطيب والزينة للمعتدة عن وفاة.
سبيعة الأسلمية: بضم السين وفتح الباء هى سبيعة بنت الحارث
стр. 2803
الأسلمية ذكرها ابن سعد فى الطبقات فى غرائب نساء العرب المسلمات المهاجرات المبايعات. وقد تزوجها سعد بن خولة من بنى عامر بن لؤى يعنى من حلفائهم وكان ممن شهد بدرا وتوفى عنها فى حجة الوداع وهى حامل. فلما وَلَدَتْ تجملت للخطاب فأنكر عليها أبو السنابل بن بَعْكَكٍ أحد رجال بنى عبد الدار فأتت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته فأذن لها أن تتزوج، وهى لم يمض على وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر. وقد كان أبو السنابل خطبها فأبت أن تنكحه.
نُفِسَتْ: بضم النون وكسر الفاء أى وَلَدَتْ.
بليال: بينتها رواية البخارى أنها أربعون ليلة والمراد أنها لم تجلس أربعة أشهر وعشرا. وأما ما وقع فى البخارى: فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبى ﷺ فقال: انكحى. فإن المراد منه بيان مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبى ﷺ لا فى مدة بقية الحمل.
فاستأذنته أن تنكح: أى فجاءت إلى رسول اللَّه ﷺ واستفته هل يجوز لها أن تتزوج ما دامت قد وضعت حملها.
فأذن لها فنكحت: أى فأباح لها رسولُ اللَّه ﷺ فتزوجت
стр. 2804
وهى لم يمض على وفاة زوجها سعد بن خولة أربعة أشهر وعشر.
وفى لفظ: أى للبخارى من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمن عن زينب بنت أبى سلمة عن أمها أم سلمة رضى اللَّه عنها.
وَضَعَتْ: أى ولدت.
بعد وفاة زوجها: أى بعد موت زوجها سعد بن خولة رضى اللَّه عنه فى حجة الوداع.
وفى لفظ لمسلم: أى من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب.
لا أرى بأسا أن تَزَوَّجَ وهى فى دمها: أى لا أعلم مانعا يمنعها أن تتزوج وهى فى نفاسها وإن لم يمض على وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر.
لا يقربها زوجها حتى تطهر: أى إلا أنه لا يجوز لزوجها أن يمسها حتى تخرج من نفساها.
[البحث]
ذكر اللَّه ﵎ فى سورة البقرة عدة المتوفى عنها زوجها فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ وكان هذا فى أول الأمر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقد استمر ذلك سبع سنوات ثم نزلت سورة الطلاق فذكر
стр. 2805
اللَّه ﵎ فيها عدة الحامل سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها فقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وبهذا تكون عدة المطلقة ذات الأقراء ثلاثة قروء لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يعنى ما لم تكن حاملا، وقد نبه لذلك بقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ وتكون عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا يعنى ما لم تكن حاملا أيضا. وعدة المطلقة اليائسة والصغيرة ثلاثة أشهر بدل ثلاثة أقراء فى ذوات الأقراء. أما عدة الحامل فوضع الحمل مطلقا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها. قال البخارى فى صحيحه: "باب وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج قال أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن زينب ابنة أبى سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة زوج النبى ﷺ أن امرأة من أسلم يقال لها سُبَيْعة كانت تحت زوجها توفى عنها وهى حبلى فخطبها أبو السنابل ابن بعكك فأبت أن تنكحه، فقال: واللَّه ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدى آخر الأجلين فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبى ﷺ فقال: "انكحى" حدثنا يحيى بن بكير عن الليث عن يزيد أن ابن شهاب كتب إليه أن عُبَيْدَ اللَّه بن عَبْد اللَّه أخبره عن أبيه أنه كتب إلى ابن الأرقم أن يسأل سبيعة الأسلمية كيف أفتاها
следующие страницы →