← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

فَفَقَأتَ عينه، لم يكن عليك جُنَاح" متفق عليه وفى لفظ لأحمد والنسائى وصححه ابن حبان "فلا دية له ولا قصاص". [المفردات] أبو القاسم: هى كنية رسول اللَّه ﷺ وقد صح الخبر أن رسول اللَّه ﷺ قال: تسموا باسمى ولا تكنَّوا بكنيتى. لو أن امرأ: أى لو أن إنسانا. اطلع عليك بغير إذن: أى نظر إلى داخل سترك أو دارك من كُوَّة أو نحوها ولم تكن قد أذنت له فى ذلك، ولم يكن الباب مفتوحا أو الجدار غير ساتر. فحذفته بحصاة: أى فرميته بحجر صغير أو نحوه وبعضهم يقول: فخذفته بالخاء. ففقأت عينه: أى فشققت عينه وأتلفتها وأطفأت ضوءها. لم يكن عليك جُنَاح: أى لم يكن عليك حرج ولا مؤاخذة فيما فعلت. وفى لفظ لأحمد والنسائى: أى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه. فلا دية له ولا قصاص: أى فعينه هدر. [البحث] أورد البخارى هذا الحديث بهذا اللفظ فى كتاب الديات فى باب من اطلع فى بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية. وأورده فى باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان بلفظ: لو اطلع فى بيتك أحد ولم تأذن

стр. 3117

له حذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جُنَاح، وقد ساق من طريق يحيى عن حميد أن رجلا اطلع فى بيت النبى ﷺ فسدد إليه مِشْقَصًا. فقلت: من حدثك؟ قال: أنس بن مالك، وفى لفظ للبخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث أنس: أن رجلا اطلع من بعض حُجر النبى ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص فكأنى أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يختله ليطعنه" وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: من اطلع فى بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يَفْقَئُوا عينه. ولفظ حديث الباب عند مسلم: "لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح" أما الرواية التى أوردها أحمد والنسائى وصححها ابن حبان فقد أخرجها أيضا ابن أبى عاصم وصححها البيهقى أيضا وهى من طريق بشير بن نهيك عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه. هذا وسيأتى مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث السادس من أحاديث باب التعزير وحكم الصائل إن شاء اللَّه تعالى. [ما يفيده الحديث] ١ - لا يحل لأحد أن ينظر من جُحر أو كوة فى دار أحد بغير إذنه. ٢ - أن من نظر من فُرْجة أو نحوها فى دار أحد بغير إذنه ففقأ عينه فلا جناح عليه إن أثبت ذلك. ٣ - صيانة البيوت فى الإسلام.

стр. 3118

٤ - وعن البراء بن عازب رضى اللَّه عنه قال: قضى رسول اللَّه ﷺ أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل" رواه أحمد والأربعة إلا الترمذى وصححه ابن حبان وفى إسناده اختلاف. [المفردات] قضى رسول اللَّه ﷺ : أى حكم رسول اللَّه ﷺ . أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها: أى أن صيانة البساتين والمزارع بالنهار تكون على أصحابها. وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها: أى وأن صيانة الماشية من إفساد زروع الناس بالليل تكون على أصحاب الماشية. وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل: أى وأن أصحاب المواشى والبهائم مسئولون عما تفسده مواشيهم من مزارع الناس بالليل. [البحث] ذكر الحافظ فى التلخيص أن حديث حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة البراء بن عازب الخ قد أخرجه مالك فى الموطأ والشافعى عنه وأحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه والداقطنى وابن حبان والحاكم والبيهقى وقال الشافعى: أخذنا به لثبوته واتصاله، ومعرفة رجاله،

стр. 3119

قلت: ومداره على الزهرى واختلف عليه. فقيل هكذا، وهذه رواية الموطأ وكذلك رواية الليث عن الزهرى، عن ابن محيصة لم يسمه أن ناقة، ورواه معن بن عيسى عن مالك فَزَاد فيه عن جده محيصة ورواه معمر عن الزهرى عن حرام عن أبيه ولم يتابع عليه، أخرجه أبو داود وابن حبان ورواه الأوزاعى وإسماعيل بن أمية وعبد اللَّه بن عيسى كلهم عن الزهرى. عن حرام عن البراء وحرام لم يسمع من البراء. قاله عبد الحق تبعا لابن حزم. ورواه النسائى من طريق محمد بن أبى حفصة عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن البراء ورواه ابن عيينة عن الزهرى عن حرام وسعيد بن المسيب أن البراء، ورواه ابن جريج عن الزهرى أخبرنى أبو أمامة بن سهل: أن ناقة للبراء ورواه ابن أبى ذئب عن الزهرى قال: بلغنى أن ناقة للبراء. اهـ وقد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ على وجوب ضمان ما أتلفته الماشية بالليل لأن النفش هو أن تنتشر الماشية للرعى ليلا من غير راع. باعتبار أن شرع من قبلنا شرع لنا. هذا وسيأتى مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث السابع من أحاديث باب التعزير وحكم الصائل إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 3120

٥ - وعن معاذ بن جبل رضى اللَّه عنه فى رجل أسلم ثم تَهَوَّدَ: لا أجلس حتى يُقْتَل، قضاءُ اللَّه ورسوله، فأمر به فقتل. متفق عليه. وفى رواية لأبى داود: وكان قد استتيب قبل ذلك.

стр. 3121

[المفردات] أسلم ثم تَهَوَّد: أى دخل فى الإِسلام ثم ارتد وصار يهوديا. لا أجلس حتى يقتل: أى لا أقعد حتى يقتل لِرِدَّتِهِ. قضاء اللَّه ورسوله: أى حكم اللَّه وحكم رسوله ﷺ فيمن كفر بعد إسلام. فأمر به فقتل: أى فنفذ فيه القتل فورا. وفى رواية لأبى داود: أى من طريق أبى بردة عن أى موسى رضى اللَّه عنه. وكان قد استتيب قبل ذلك: أى وكان هذا المرتد قد طلب منه أن يتوب إلى اللَّه وأن يرجع إلى الإِسلام فأصر على ردته. [البحث] حديث معاذ بن جبل ساقه البخارى من طريق أبى بردة قال: بعث رسول اللَّه ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال: واليمن مخلافان. ثم قال: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" فانطلق كل واحد منهما إلى عمله وكان كل واحد منهما إذا سار فى أرضه كان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا فسلم عليه، فسار معاذ فى أرضه قريبا من صاحبه أبى موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس. وإذا رجل عنده قد جُمِعَتْ يداه إلى عنقه فقال له معاذ: أَيَّمَ هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه قال: لا أنزل حتى يقتل. قال: إنما جئ به لذلك فانزل، قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فَقُتِلَ ثم نزل. وفى لفظ: فزار معاذ أبا موسى فإذا رجل مُوثَق. فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودى

стр. 3122

أسلم ثم ارتد فقال معاذ: لأضربن عنقه. وفى لفظ من طريق أبى بردة عن أبى موسى: فلما قدم عليه ألقى له وسادة قال: انزل، فإذا رجل عنده مُوثَق. قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تَهَوَّدَ، قال: اجلس قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء اللَّه ورسوله ثلاث مرات. فأمر به فَقُتِلَ. وفى لفظ من طريق أبى بردة عن أبى موسى أن رجلا أسلم ثم تهود فأتى معاذ بن جبل وهو عند أبى موسى فقال: ما لهذا؟ قال: أسلم ثم تهود قال: لا أجلس حتى أقتله، قضاء اللَّه ورسوله. وقد أخرجه مسلم من طريق أبى بردة عن أبى موسى الأشعرى رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ بعثه على اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه قال: انزل وألقى له وسادة وإذا رجل عنده مُوثق، قال: ما هذا؟ قال هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السَّوْء فتهود، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاءُ اللَّه ورسوله، فقال اجلس، نَعَم، قال: لا أجلس حتى يقتل. قضاء اللَّه ورسوله ثلاث مرات فَأَمرَ به فَقُتِلَ. أما لفظ أبى داود الذى أشار إليه المصنف فقد أخرجه من طريق طلحة بن يحيى وبريد ابن عبد اللَّه بن أبى بردة عن أبى بردة عن أبى موسى قال: قدم علىَّ معاذ وأنا باليمن، ورجل كان يهوديا فأسلم فارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ قال: لا أنزل عن دابتى حتى يقتل، فَقُتِلَ. قال أحدهما: وكان قد استتيب قبل ذلك اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - أن من ارتد عن دين الإسلام يقتل.

стр. 3123

٢ - أنه ينبغى استتابة المرتد قبل قتله فإن تاب خلى سبيله وإن لم يتب قتل. ٣ - وجوب حفظ دين الإسلام وصيانته.

стр. 3124

٦ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخارى. [المفردات] من بدل دينه: أى من ارتد عن دين الإِسلام فاقتلوه: أى فاسفكوا دمه. [البحث] أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى كتاب استتابه المرتدين والمعاندين وقتالهم من طريق أيوب عن عكرمة قال: أُتى على رضى اللَّه عنه بزنادقة، فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أُحْرِقْهُمْ، لنهى رسول اللَّه ﷺ : "لا تعذبوا بعذاب اللَّه"، ولقتلتهم لقول رسول اللَّه ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". [ما يفيده الحديث] ١ - أن من بدل دينه وارتد عن الإسلام يقتل. ٢ - وجوب حفظ الدين وصيانته.

стр. 3125

٧ - وعنه رضى اللَّه عنه أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبى ﷺ -

стр. 3126

وتقع فيه، وينهاها فلا تنتهى، فلما كان ذات ليلة أخذ المِغْوَلَ فجعله فى بطنها، واتكأ عليها، فقتلها، فبلغ ذلك النبىَّ ﷺ فقال: "ألا اشهدوا، فإن دمها هدر" رواه أبو داود ورواته ثقات. [المفردات] وعنه: أى وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما. أعمى: أى فاقد البصر. له أم ولد: أى جارية يطؤها وله منها ولد. تشتم النبى ﷺ وتقع فيه: أى تسب رسول اللَّه ﷺ . وينهاها فلا تنتهى: أى ويزجرها عن سب رسول اللَّه ﷺ فلا تنزجر. المِغْول: هو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة قال فى القاموس: والمغول كمنبر حديدة تجعل فى السوط فيكون لها غلافا وشبه مِشمَل إلا أنه أدق وأطول منه، ونصل طويل أو سيف دقيق له قفا اهـ والمِشْمَل كمِنبر سيف قصير يتغطى بالثوب كما فى القاموس أيضا. فإن دمها هدر: أى لا دية فيها ولا قصاص. [البحث] أخرج أبو داود هذا الحديث فى باب الحكم فيمن سبَّ النبىَّ ﷺ -

стр. 3127

قال: حدثنا عباد بن موسى الختلى أخبرنا إسماعيل بن جعفر المدنى عن إسرائيل عن عثمان الشحام عن عكرمة قال: ثنا ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبى ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهى ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كان ذات ليلة جعلت تقع فى النبى ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه فى بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكِرَ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فجمع الناس فقال: "أنشد اللَّه رجلا فعل ما فعل لى عليه حق إلا قام" قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدى النبى ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ﷺ أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهى وأزجرها فلا تنزجر، ولى منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بى رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته فى بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبى ﷺ : "ألا اشهدوا أن دمها هدر" [ما يفيده الحديث] ١ - أن من سب النبى ﷺ يقتل. ٢ - أن من سب النبى ﷺ لا يستتاب قبل قتله.

стр. 3128

كتاب الحدود باب حد الزانى

стр. 3129

١ - عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى رضى اللَّه عنهما أن رجلا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لى بكتاب اللَّه، فقال الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وأْذَنْ لى، فقال: "قل" قال: إن ابنى كان عَسِيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإنى أُخْبِرْتُ أن على ابنى الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبرونى أن ما على ابنى جَلْدُ مائة وتغريبُ عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه ﷺ : والذى نفسى بيده لأقْضِيَنَّ بينكما بكتاب اللَّه: الوليدةُ والغنم رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أُنَيْسُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فَارْجُمْهَا" متفق عليه. وهذا اللفظ لمسلم. [المفردات] الحدود: هى جمع حد: قال الحافظ فى الفتح: وأصل الحد ما يحجر بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وحد الدار ما يميزها، وحد الشئ وصفه المحيط به المميز له عن غيره اهـ ويطلق الحد على العقوبة المقدرة شرعا، والجرائم التى حددت الشريعة العقوبة فيها

стр. 3130

وقدرتها هى الزنا، والقذف به، والسرقة، وشرب الخمر، والردة، والحرابة ما لم يتب قبل القدرة. وسميت العقوبة على هذه الجرائم حدا إما لأنها مقدرة لا تجوز الزيادة عليها أو النقص منها، وإما لأن الأصل فيها أن تمنع المعاودة. قال الحافظ فى الفتح: قال الراغب: وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصى كقوله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ وعلى فعل فيه شئ مقدر ومنه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدودا. فمنها ما زجر عن فعله ومنها ما زجر من الزيادة عليه والنقصان منه. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فهو من الممانعة، ويحتمل أن يراد استعمال الحديد إشارة إلى المقاتلة اهـ. الزانى: هو المسافح وهو الذى يواقع امرأة من غير نكاح ولا ملك ولا شبهة. من الأعراب: أى من سكان البادبة. أنشدك اللَّه: أى أسألك باللَّه. قال الحافظ فى الفتح: وضمن أنشدك معنى أذكرك فحذف الباء أى أذكرك رافعا نشيدتى أى صوتى، هذا أصله، ثم استعمل فى

стр. 3131

كل مطلوب مؤكد، ولو لم يكن هناك رفع صوت اهـ. إلا قضيت لى بكتاب اللَّه: أى لا أسألك إلا القضاء بكتاب اللَّه وحكم اللَّه ولا أترك السؤال إلا إذا فصلت بيننا. قال الحافظ فى الفتح: قيل: فيه استعمال الفعل بعد الاستثناء بتأويل المصدر وان لم يكن فيه حرف مصدرى لضرورة افتقار المعنى إليه، وهو من المواضع التى يقع فيها الفعل موقع الاسم ويراد به النفى الحصور فيه المفعول، والمعنى هنا: لا أسألك إلا القضاء بكتاب اللَّه، ويحتمل أن يكون "إلا" جواب القسم لما فيه من معنى الحصر، وتقديره: أسألك باللَّه لا تفعل شيئا إلا القضاء، فالتأكيد إنما وقع لعدم التشاغل بغيره لا لأن لقوله بكتاب اللَّه مفهوما اهـ. فقال الآخر: أى فقال رجل آخر جاء معه ليتخاصما إلى رسول اللَّه ﷺ . وهو أفقه منه: أى وهو أكثر فهما من الأعرابى الذى جاء معه وتكلم أولا. قيل إنما حكم الراوى عليه بأنه أفقه من المتكلم أولا لمعرفته بهما قبل ذلك، وقيل: لعل الراوى فهم ذلك استدلالا بحسن أدبه فى السؤال

стр. 3132

وطلبه الاستئذان قبل الكلام، وعدم رفع صوته عند رسول اللَّه ﷺ . وَأْذَنْ لِى: أى واسمح لى بالكلام. قل: أى تكلم. إن ابنى كان عسيفا على هذا: أى إن ولدى كان أجيرا عند هذا المتكلم أولا، والعسيف كالأجير وزنا ومعنى والتعبير بقوله "على" إما لثبوت أجرته عليه أو لعل الزوجة كانت أجبرت زوجها على استئجار هذا العسيف لخدمتها. أو ضَمَّنَ "على" معنى "عند". فزنى بامرأته: أى ارتكب معها جريمة الزنا. وإنى أخبرتُ أن على ابنى الرجم: أى وإنه قد أخبرنى بعض الناس من غير أهل العلم أن ولدى يستحق الرجم بسبب زناه بامرأة هذا الرجل. فافتديت منه بمائة شاة ووليدة: أى أنقذت ابنى من الرجم بأن دفعت لزوج المرأة مائة من الغنم وجارية على زعم أن الرجم حق لزوج المزنى بها وهو ظن باطل وزعم فاسد ممن أفتاه بذلك. فسألت أهل العلم: أى كنت غير مطمئن لفتوى هؤلاء المفتين أولا حتى عرفت أهل العلم والمعرفة بشريعة اللَّه فقصصت عليهم القصة واستفتيتهم فى ذلك،

стр. 3133

قال الحافظ فى الفتح: لم أقف على أسمائهم، ولا على عددهم، ولا على اسم الخصمين ولا الابن ولا المرأة اهـ. فأخبرونى أن ما على ابنى جلد مائة وتغريب عام: أى أفتونى بأن ولدى يستحق أن يجلد مائة جلدة وأن ينفى سنة لأنه بكر. وأن على امرأة هذا الرجم: أى وأن امرأة هذا الرجل تستحق الموت رجما بالحجارة يعنى إن أقرت بالزنا لأنها ثيب، والزانى الثيب حده الرجم. والذى نفسى بيده: أى واللَّه الذى روحى بقبضته. لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: أى لأحكمنَّ بينكما بما كتب اللَّه من الشرع فى حق الزانى البكر والثيب. الوليدة والغنم رد عليك: أى الجارية والغنم التى دفعتها لزوج المرأة مردودة عليك لا يستحقها فاستردها منه إن كنت دفعتها له. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام: أى وحد ابنك أن يجلد مائة جلدة وأن ينفى سنة. واغد يا أنيس إلى امرأة هذا: أى واذهب وتوجه يا أنيس إلى زوجة هذا الرجل وهى التى ذكر أن العسيف زنى بها، وأنيس قال الحافظ فى الفتح: وقال ابن عبد البر: هو ابن الضحاك الأسلمى وقيل: ابن مرثد اهـ وقد زعم بعض الناس أنه أنس بن مالك وقد صغر لأن الذى

стр. 3134

أمره رسول اللَّه ﷺ بالغدو على المرأة أسلمى فقد جاء فى بعض ألفاظ الحديث الصحيح: وأما أنت يا أنيس -لرجل من أسلم- فاغد وفى لفظ: وأمر أنيسا الأسلمى يأتى امرأة الآخر. وفى لفظ: ثم قال لرجل من أسلم يقال له أنيس: قم يا أنيس فسل امرأة هذا. فإن اعترفت فارجمها: أى فإن أقرت بزنا العسيف بها فأقم عليها الحد برجمها بالحجارة حتى تموت. [البحث] أورد البخارى هذا الحديث بلفظ عن أبى هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبى ﷺ فقام رجل فقال: أنشُدُكَ اللَّهَ إلا قضيت بيننا بكتاب اللَّه، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض سننا بكتاب اللَّه وأذن لى. قال: "قل" قال: إن ابنى كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منهِ بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام وعلى امرآته الرجم، فقال النبى ﷺ : "والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه جل ذكره، المائة شاة والخادم رَدٌّ، وعلى ابنك جلدُ مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" فغدا عليها فاعترفت فرجمها. وفى بعض نسخ البخارى فى هذا الحديث: إن ابنى هذا كان عسيفا على هذا. وفى لفظ

стр. 3135

للبخارى: إذ قام رجل من الأعراب. وفى لفظ للبخارى من طريق عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن أبى هريرة وزيد بن خالد أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب اللَّه وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول اللَّه فاقض بيننا بكتاب اللَّه وأذن لى أن أتكلم، فقال: "تكلم" الحديث أما مسلم فقد أورده بقريب من اللفظ الذى ساقه المصنف، إذ عند مسلم: "فقال الخصم الآخر"؛ أن لفظ مسلم: "الوليدة والغنم رد" ولم يذكر كلمة "عليك" التى ساقها المصنف. وتمام الحديث عند مسلم كذلك: قال: فغدا علها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فَرُجِمَتْ. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب استئذان الحاكم أو المفتى فى الكلام قبل عرض الدعوى أو السؤال. ٢ - تفاوت الناس فى الفقه والفهم. ٣ - جواز استئجار الحر. ٤ - وجوب الاحتياط عند العمل الذى قد يؤدى إلى الاختلاط. ٥ - أن بعض الناس قد يفتى بغير علم حتى فى القرون المفضلة. ٦ - نقض الفتوى إذا خالفت قواعد الشرع وأحكامه. ٧ - لا ينبنى على الصلح الفاسد أحكام بل يبطل الصلح وما ترتب عليه.

стр. 3136

٨ - لا يجوز الصلح لإسقاط الحدود. ٩ - حد الزانى الحر البكر جلد مائة وتغريب عام. ١٠ - حد الثيب الزانى الرجم. ١١ - أن الرجم حق فى شرع اللَّه وكتابه. ١٢ - يجوز للامام أن يأمر غيره بإقامة الحد. ١٣ - أن الإقرار حجة قاصرة على المقر. ١٤ - أن من اعترف بالزنا أقيم عليه الحد. ١٥ - وجوب الرجوع إلى كتاب اللَّه نصا أو استنباطا. ١٦ - جواز الحلف على الشئ لتأكيده. ١٧ - جؤاز الحلف من غير استحلاف. ١٨ - ينبغى للحاكم أن يتغاضى عما قد يبدر من أحد الخصمين كرفع الصوت ونحوه. ١٩ - جواز أن يأذن الحاكم لمن يشاء من الخصمين فى الكلام. ٢٠ - أن المرأة المخدرة التى لا تعتاد البروز لا تكلف الحضور لمجلس الحكم بل ينيب الحاكم من يسمع كلامها وإن كانت منسوبة إلى فعل فاحشة.

стр. 3137

٢ - وعن عبادة بن الصامت رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خذوا عنى، خذوا عنى، فقد جعل اللَّه لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة

стр. 3138

والرجم" رواه مسلم. [المفردات] خذوا عنى خذوا عنى: أى تَلَقَّوْا هذا الحكم منى واحفظوه، فقد جعل اللَّه لهن سبيلا: أى فقد بيَّن اللَّه ﵎ السبيل الذى أجمله فى قوله : ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ونسخ به ما كان شرعه فى حق اللائى يأتين الفاحشة من النساء بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة: أى حد زنا البكر بالبكر أن يضرب كل واحد مهما مائة جلدة وأن يُغرَّب عاما والمراد بالبكر هنا هو من لم يجامع فى نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم: أى وحد زنا الثيب أن يضرب مائة جلدة وأن يرجم بالحجارة حتى يموت. والمراد بالثيب هنا هو الحر البالغ العاقل المجامع فى نكاح صحيح. [البحث] قوله "البكر بالبكر" إنما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له فلو زنى بكر

стр. 3139

بثيب أو ثيب ببكر فإن حد الثيب غير حد البكر فلكل واحد منهما حده الذى بينه الحديث الأول من أحاديث هذا الباب وكذلك قوله: "الثيب بالثيب". وإنما جاء التعبر بهذا الأسلوب لأن الغالب أن يكون زنى البكر بالبكر وزنى الثيب بالثيب. وأما قوله فى الثيب "جلد مائة والرجم" فالظاهر أنه قد نسخ جلد الثيب قبل رحمه، بدليل الحديث الأول من أحاديث هذا الباب فإنه لم يأمر بجلد التى زنى بها العسيف وإنما جعل حدها الرجم فقط كما أنه رجم ماعزا والغامدية والجهنية واليهودى واليهودية ولم يثبت بخبر صحيح أنه جلدهم قبل الرجم. [ما يفيده الحديث] ١ - أن حد الزانى البكر هو جلد مائة وتغريب عام. ٢ - وجوب الرجم للزانى الثيب حتى يموت. ٣ - أن هذا هو السبيل الذى وعد اللَّه ﵎ بجعله للاتى يأتين الفاحشة من النساء ونسخ حبسهن فى البيوت حتى الموت.

стр. 3140

٣ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: أتى رجل من المسلمين رسولَ اللَّه ﷺ وهو فى المسجد فناداه فقال: يا رسول اللَّه إنى زنيت، فأعرض عنه حتى تلقاء وجهه فقال: يا رسول اللَّه إنى زنيت، فأعرض عنه حتى ثَنَى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "أبك جنون؟ " قال: لا. قال: " فهل أحصنت؟ " قال: نعم، فقال النبى ﷺ : "اذهبوا به فارجموه" متفق عليه.

стр. 3141

[المفردات] أتَى رجلٌ من المسلمين: أى جاء رجل من أهل الإسلام وهو ماعز بن مالك الأسلمى رضى اللَّه عنه. قيل: اسمه عريب ولقبه ماعز. وهو فى المسجد: أى ورسول اللَّه ﷺ بالمسجد النبوى. إنى زنيت: أى ارتكبت جريمة الزنا. فأعرض عنه: أى فنحىَّ رسول اللَّه ﷺ وجهه عن جهة الرجل الذى اعترف بالزنا إلى جهة أخرى. فتنحىَّ تلقاء وجهه: أى فتحول الرجل من الجانب الذى أعرض عنه النبى ﷺ إلى الجانب الذى أقبل عليه رسول اللَّه ﷺ . حتى ثَنَى ذلك عليه أربع مرات: أى حتى ردَّدَ كرر الاعتراف عند رسول اللَّه ﷺ أربع مرات. "وثنى" بفتح الثاء والنون المخففة من الثنى بمعنى التكرير والترديد والترجيع. فلما شهد على نفسه أربع شهادات: أى فلما أقر على نفسه بالزنا أربع مرات. دعاه رسول اللَّه ﷺ : أى ناداه رسول اللَّه ﷺ ليقبل عليه. فقال: "أبك جنون؟ ": أى فقال له رسول اللَّه ﷺ : هل أنت مصاب بمرض عقلى؟ . قال: لا: أى قال الرجل للنبى ﷺ : لست مجنونا. قال: فهل أحصنت: أى قال له رسول اللَّه ﷺ هل تزوجت وواقعت

стр. 3142

زوجتك؟ . قال: نعم: أى قال الرجل: نعم تزوجت وصرت محصنا. اذهبوا به فارجموه: أى خذوه وارموه بالحجارة حتى يموت. [البحث] أخرج البخارى من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى أن رجلا من أسلم أتى رسول اللَّه ﷺ فحدثه أنه قد زنى، فشهد على نفسه أربع شهادات فأمر به رسول اللَّه ﷺ فرُجِمَ وكان قد أُحْصِنَ. وقد روى البخارى ومسلم عن ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف وسعيد بن المسيب عن أبى هريرة نحو حديث الباب الذى ساقه المصنف وفيه بعد قوله ﷺ : "اذهبوا فارجموه" قال ابن شهاب: فأخبرنى من سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه. وفى لفظ للبخارى من حديث جابر: أن رجلا من أسلم جاء النبى ﷺ فاعترف بالزنا فأعرض عنه النبى ﷺ حتى شهد على نفسه أربع مرات. قال له النبى ﷺ : "أبك جنون؟ " قال: لا. قال: "أحصنت؟ " قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فَرَّ، فَأُدْرِكَ، فرُجِمَ حتى مات، فقال له النبى ﷺ خيرا، وصلى عليه. وفى لفظ لمسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قال لماعز بن مالك: "أحق ما بلغنى عنك؟ " قال: وما بلغك عنى؟ قال:

стр. 3143

"بلغنى أنك وقعت بجارية آل فلان" قال: نعم، قال: فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم. كما أخرج مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جئ به إلى النبى ﷺ رجل قصير أعضلُ ليس عليه رداء فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى فقال رسول اللَّه ﷺ : "فلعلك؟ " قال: لا واللَّه إنه قد زنى الأخِر قال: فرجمه، ثم خطب فقال: "ألا كلما نفرنا غازين فى سبيل اللَّه خَلَفَ أحدُهم له نَبِيبٌ كنبيب التيس يمنح أحدهم الكثبة أما واللَّه إن يُمْكِنِّى من أحدهم لَأنَكِّلنَّهُ عنه" ومعنى قوله فى حديث جابر بن سمرة "الأخر" أى الأبعد قال ابن الأثير: الأخر بوزن الكبد هو الأبعد المتأخر عن الخير اهـ وقوله: له نبيب أى توقان وشدة شهوة وأصل النبيب صوت التيس عند السِّفاد ومعنى: يمنح أحدهم الكثبة أى يخدع المغيبة بقليل من مائه. ويمنح أى يعطى والكثبة هى القليل فن اللبن وغيره. كما روى مسلم من حديث أبى سعيد رضى اللَّه عنه أن رجلا من أسلم يقال له ماعز بن مالك أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إنى أصبت فاحشة فأقمه علىَّ، فرده النبى ﷺ مرارا، قال: ثم سأل قومه فقالوا: ما نعلم به بأسا، إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد. قال: فرجع إلى النبى ﷺ فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم، والمدر، والخزف، قال: فاشتد واشتددنا خلفه، حتى أتى عُرض الحرة

стр. 3144

فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة (يعنى الحجارة) حتى سكت. قال: ثم قام رسول اللَّه ﷺ خطيبا من العشىِّ فقال: "أوَكلما انطلقنا غُزَاة فى سبيل اللَّه تحلف رجل فى عيالنا له نبيب كنبيب التيس؟ علىَّ أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به. قال: فما استغفر له ولا سبه. وأخرج مسلم من طريق سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول اللَّه طهرنى فقال: ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرنى فقال رسول اللَّه ﷺ : "ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه" قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرنى فقال النبى ﷺ مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : فيم أطهرك؟ قال: من الزنى، فسأل رسول اللَّه ﷺ : "أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: "أشرب خمرا؟ " فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال فقال رسول اللَّه ﷺ : "أزنيت؟ " فقال: نعم. فأمر به فرجم الحديث. [ما يفيده الحديث] ١ - أن الزنا وهو من أكبر الكبائر لا يخرج الزانى من الإِسلام. ٢ - أن الإِقرار بالزنا أربع مرات. ٣ - لا عبرة بإقرار المجنون والسكران.

стр. 3145

٤ - ينبغى درء الحد بقدر الاستطاعة. ٥ - وجوب رجم الزانى المحصن. ٦ - أنه لا جلد مع الرجم للزانى المحصن. ٧ - صيانة الأعراض والدماء.

стр. 3146

٤ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبى ﷺ قال له: "لعلك قَبَّلتَ أو غَمَزْتَ أو نظرتَ؟ " قال: لا يا رسول اللَّه. رواه البخارى. [المفردات] لما أتى ماعز بن مالك إلى النبى ﷺ : أى لما جاء ماعز بن مالك إلى النبى ﷺ ليقر أمامه بالزنا حتى يقام عليه الحد. قال له: أى قال رسول اللَّه ﷺ لماعز رضى اللَّه عنه. لعلك قبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت؟ : أى لعلك لم يقع منك الزنا الحقيقى وهو المسافحة وإنما أطلقتَ الزنا على القبلة أو الغمز أو النظر إذ أن زنا الفم التقبيل وزنا العين النظر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه والحد إنما يجب بالوقاع والفجور والمسافحة. والغمز هو الإشارة كالرمز بالعين والحاجب، ويطلق على الجس واللمس

стр. 3147

باليد أيضا. [البحث] روى البخارى فى صحيحه من طريق ابن عباس عن أبى هريرة عن النبى ﷺ : إن اللَّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تَمَنَّى وتشتهى، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه. وقد أخرجه مسلم أيضا من طريق ابن عباس عن أبى هريرة عن النبى ﷺ بلفظ البخارى إلا أنه قال: "فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق" وقال: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" كما أخرجه مسلم من طريق أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: كُتِبَ على ابن آدم نَصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يَهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه اهـ ولما أُطْلِقَ لفظُ الزنا على هذه الأعمال، وأقر ماعز على نفسه بالزنا سأله رسول اللَّه ﷺ بقوله "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ " احتياطا لصيانة دمه، وتأكيدا لصحة إقراره، وسلامته، وليدرأ الحد ما استطاع، فصلوات اللَّه عليه وسلامه ورحمته وبركاته. [ما يفيده الحديث] ١ - أن النظر إلى امرأة لا تحل قد يسمى زنا ولكنه لا حد فيه وكذلك الغمز والتقبيل.

стр. 3148

٢ - أنه يجب على الحاكم أن لا يعاجل المقر بالزنا بإقامة الحد عليه حتى يتأكد من صحة إقراره. ٣ - حرص الشريعة الإسلامية على صيانة الدماء والأعراض.

стр. 3149

٥ - وعن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه أنه خطب فقال: "إن اللَّه بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل اللَّه عليه آية الرجم، قرأناها، ووعيناها، وعقلناها، فرجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمانٌ أن يقول قائل: ما نجد الرجم فى كتاب اللَّه، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه، وإن الرجم حق فى كتاب اللَّه على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه. [المفردات] خطب: أى تحدث إلى الناس يوم الجمعة من فوق منبر رسول اللَّه ﷺ فى أول خطبة جمعة خطبها بعد أن قدم من الحج سنة ثلاث وعشرين، وقبل استشهاده رضى اللَّه عنه بزمن قليل. بعث محمدا بالحق: أى أرسل محمدا ﷺ بالدين الثابت القيم. الكتاب: أى القرآن وبيانه.

стр. 3150

آية الرجم: أى آية فيها حكم رجم المحصن من الرجال والنساء سواء كانوا شبابا أو شيوخا، ولم ينقل لنا بالتواتر لفظ الآية التى أشار إليها عمر رضى اللَّه عنه ولا شك أنه لا تثبت القرآنية إلا بالنقل المتواتر أما ما نقل آحادا فلا تثبت به القرآنية. ولا شك أنه قد نسخ اللفظ الذى أثبت حكم الرجم وبقى الحكم ثابتا بإجماع أهل السنة والجماعة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ وخلفائه الراشدين رضى اللَّه عنهم. قرأناها: أى تلونا آية الرجم عند نزولها وقبل نسخ لفظها. ووعيناها: أى وحفظنا المراد منها. وعقلناها: أى وضبطاها ضبطا، وفهمناها فهما. فرجم رسول اللَّه ﷺ : أى ونفذ رسول اللَّه ﷺ حكم الرجم فى الزانى المحصن والزانية المحصنة إذ رجم ماعزا والغامدية والجهنية والتى زنى بها العسيف واليهودى واليهودية. ورجمنا بعده: أى ونفذنا نحن حكم الرجم بعد رسول اللَّه ﷺ ولم ينكره أحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ . فأخشى إن طال بالناس زمان: أى فأخاف إن تقادم العهد وتطاول الزمان على الناس بعد رسول اللَّه ﷺ . أن يقول قائل: ما نجد الرجم فى كتاب اللَّه: أى أن يدعى

стр. 3151

إنسان أن الرجم غير مشروع لأنه ليس بموجود فى القرآن نصا. وقد وقع ما توقعه الخليفة الراشد الملهم المحدث عمر رضى اللَّه عنه فقد أنكر الرجم بعض أهل الأهواء وزعموا أنه ليس بموجود فى القرآن. فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه: أى فينخرفوا عن الصراط المستقيم بإنكار حد من حدود اللَّه تعالى التى شرعها وأنزل حكمها. وإن الرجم حق فى كتاب اللَّه: أى وإن الرجم ثابت قد جاء فى القرآن فى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فهو السبيل الذى ذكره اللَّه مجملا وبينه رسول اللَّه ﷺ بأنه جلد البكر ورجم الثيب. إذا أحصن من الرجال والنساء: أى كان رجلا بالغا عاقلا حرا قد تزوج تزويجا صحيحا وجامع زوجته أو كانت امرأة حرة بالغة عاقلة قد تزوجت تزويجا صحيحا وجامعها زوجها. إذا قامتَ البينة: أى إذا ثبت الزنا بشهادة أربعة من الشهداء الذين يثبت بشهادتهم حد الزنا. أو كان الحبل: أى أو كانت المرأة وجدت حبلى من غير زوج ولم تدع أنها استكرهت أو كانت نائمة أو نحو ذلك

стр. 3152

ولم تدع أية شبهة تدرأ عنها الحد. أو الاعتراف: أى أو إقرار من زنى على نفسه إقرارا صحيحا خاليا من الشبهات. [البحث] أخرج البخارى ﵀ هذا الحديث مطولا فى "باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت" من طريق ابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: كنت أُقْرِئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا فى منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب فى آخر حجة حجها إذ رجع إلىَّ عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك فى فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا؟ فواللَّه ما كانت بيعة أبى بكر إلا فَلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال: إنى إن شاء اللَّه لقائم العشية فى الناس فَمُحَذِّرُهُمْ هؤلاء الذين يريدون أن يغْصِبُوهُم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رَعَاعَ الناس وَغَوغَاءَهُم، فإنهم هم الذين يغلبُون على قربك حين تقوم فى الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يُطرهَا عنك كلُّ مُطَيِّر، وأن لا يعوهَا، وأن لا يَضَعُوهَا على مواضعها، فأمهل حتى تقْدَمَ المدينة، فإنها دار الهجرة والسُّنَّة، فَتَخْلُصَ بأهْل الفِقه وأشراف الناس، فتقول ما قلتَ مُتَمَكِّنًا، فَيعى أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما واللَّه إن شاء اللَّه لأقومن بذلك أوَّل مَقَالح أقومُهُ بالمدينة. قال ابن عباس

стр. 3153

فقدمنا المدينة فى عقِبِ ذى الحجة، فلما كان يومُ الجمعة عَجَّلْنَا الرَّواحَ حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تَمَسُّ رُكْبَتى رُكْبَتَهُ، فلم أنشَبْ أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: لَيَقُولَنَّ العَشِيَّةَ مَقَالَةً لم يَقُلْهَا مُنذُ استُخْلِفَ. فأنكر عَلَىَّ وقال: ما عَسَيتَ أن يقول ما لم يقل قبله؟ فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فإنى قائل لكم مقالة قد قُدِّرَ لى أن أقولها، لا أدرى لعلها بين يدى أجلى، فمن عقلها ووعاها فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حيث انتهت به راحلته ومن خَشِىَ أن لا يَعْقِلَهَا فلا أحِلُّ لأحد أن يكذب علىَّ. إنْ اللَّه بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد آية الرجم فى كتاب اللَّه، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه، والرجم فى كتاب اللَّه حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحَبَلُ، أو الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ من كتاب اللَّه: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن أبائكم أو إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا ثُمَّ إن رسول اللَّه ﷺ قال: لا تُطرونى كما أطْرِىَ عيسى بن مريم، وقولوا: عبد اللَّه ورسوله" ثم إنه بلغنى أن قائلا منكم يقول: واللَّه

стр. 3154

لو مات عمر بايعتُ فلانا، فلا يَغْتَرَّنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبى بكر فلتة وتمت، أَلَا وإنها قد كانت كذلك، ولكنَّ اللَّه وَقَى شَرَّهَا، وليس منكم مَنْ تُقْطعُ الأعْنَاقُ إليه مثل أبى بكر، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايَعُ هو ولا الذى بَايعَهُ تَغِرَّةَ أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى اللَّه نبيَّهُ ﷺ إلا أن الأنصار خَالَفُونَا، واجتمعوا بِأسْرِهم فى سقيفة بنى ساعدة، وخالف عنا علىٌ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: يا أبا بكر انطَلِقْ بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دَنَوْنَا منهم لَقِيَنَا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تَمَالَى عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقْرَبُوهُمْ، اقْضُوا أمْرَكُمْ، فقلت: واللَّه لَنَاتِيَنَّهُمْ، فانطلقنا حتى أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة، فإذا رجل مُزَمَّلٌ بين ظَهْرَانَيْهِمْ، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد ابن عُبادة، فقلت: ماله؟ قالوا: يُوعَكُ، فلما جَلَسْنَا قليلا تَشَهَّدَ خَطيبُهُمْ، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فَنَحنُ أنصار اللَّه وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفَّتْ دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يَحْضنُنُونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت زَوَّرْتُ مَقَاَلَة أعجبتنى أريد أن أُقَدِّمَهَا بين يدى أبى بكر، كنت أدارى منه بعض الحدِّ، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رِسْلِكِ، فكرهت أن اُغْضبَهُ، فتكلم أبو بكر فكان هو أحْلَمَ منى وأوقَرَ، واللَّه ما ترك من

стр. 3155

كلمة أعجبتنى فى تزويرى، إلا قال فى بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أو افْضَلَ منها حتى سَكَتَ فقال: "ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يُعْرَفَ هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نَسَبًا ودارًا، وقد رَضِيت. لكم أحد هذين الرجلين، فَبَايِعُوا أيَّهُمَا شئتم، فأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا فلم أكْرَهْ مما قال غيرها. كان واللَّه أن أقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِى لا يُقَرِّبُنى ذلك من إثم أحبَّ إلىَّ من أن أتَأمَّرَ على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تُسَوِّلَ إلىَّ نفسى عند الموت شيئا لا أجدُه الآن، فقال قائلُ الأنصار: أنا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وارتفعت الأصوات، حتى فَرِقْتُ من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فَبَايَعْتُهُ وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونَزَونَا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قَتَلَ اللَّه سعدَ بن عبادة، قال عمر: وإنا واللَّه ما وجدنا فيما حَضَرْنَا من أمر أقوى من مبايعة أبى بكر، خشينا إن فَارَقْنَا القومَ ولم تكن بيعةٌ أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما نرضى وإما نخالفهم فيكون فسادا، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يُتَابَعُ هو ولا الذى بَايَعَة تَغِرَّةَ أن يُقْتَلَا. اهـ هذا وقد روى البخارى من طريق سلمة بن كهيل قال: سمعت الشعبى يحدث عن على رضى اللَّه عنه حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قد رجمتها بسنة رسول اللَّه ﷺ . وقد وهم المجد
следующие страницы →