← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

١٥ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى اللَّه عنها. فمن ألم بها فليستتر بسَتر اللَّه، وليتب إلى اللَّه فإنه من يُبْدِ لَنَا صفحته نُقِمْ عليه كتابَ اللَّه" رواه الحاكم وهو فى الموطأ من مراسيل زيد بن أسلم.

стр. 3187

[المفردات] اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى اللَّه عنها: أى ابتعدوا عن هذه المحرمات التى حرمها اللَّه . والقاذورات جمع قاذورة وهى الفعل القبيح والقول السئ. فمن ألَمَّ بها: أى فمن أصاب شيئا من هذه المعاصى وارتكب شيئا من هذه المحرمات. فليستتر بستر اللَّه: أى فلا يفضح نفسه ولا يجاهر بالمعصية. ولْيَتُبْ إلى اللَّه: أى وليرجع إلى اللَّه ولْيَسْتَغفِرْ لذنبه. فإنه من يُبْدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب اللَّه: أى فإنه من تظهر منه الجريمة وترفع إلى الإمام فإنه ينفذ عقوبة اللَّه التى جعلها لمرتكب هذا الجريمة. زيد بن أسلم: هو أبو أسامة أو أبو عبد اللَّه زبد بن أسلم العدوى المدنى الفقيه مولى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه روى عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وعنه أولاده الثلاثة أسامة وعبد اللَّه وعبد الرحمن ومالك وابن عجلان وابن جريج وغيرهم. وكان من الفقهاء الثقات وتوفى سنة ست وثلاثين ومائة ﵀. [البحث] ذكر الحافظ فى التلخيص أن هذا الحديث أخرجه مالك فى الموطأ عن زيد بن أسلم ثم قال: ورواه الشافعى عن مالك وقال: هو

стр. 3188

منقطع. وقال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه انتهى ومراده بذلك من حديث مالك، وإلا فقد روى الحاكم فى المستدرك عن الأصم عن الربيع عن أسد بن موسى عن أنس بك عياض عن يحيى بن سعيد وعبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر أن النبى ﷺ قال بعد رجه الأسلمى: "اجتنبوا هذه القاذورات" الحديث ورويناه فى جزء هلال الحفار عن الحسين بن يحيى القطان عن حفص بن عمرو الربالى عن عبد الوهاب الثقفى عن يحيى بن سعيد الأنصارى به إلى قوله: "فليستتر بستر اللَّه" وصححه ابن السكن، وذكره الدارقطنى فى العلل، وقال: روى عن عبد اللَّه بن دينار مسندا ومرسلا، والمرسل أشبه، (تنبيه) لما ذكر إمام الحرمين هذا الحديث فى النهاية قال: إنه صحيح متفق على صحته. وتعقبه ابن الصلاح فقال: هذا مما يتعجب منه العارف بالحديث، وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها اطراحه صناعة الحديث التى يفتقر إليها كل فقيه وعالم اهـ. وقد تم بحمد اللَّه تعالى الجزء الثامن بعد مغرب الاثنين الخامس من ربيع الأول عام ١٤٠٣ هـ بمنزلنا بالمدينة المنورة ويليه إن شاء اللَّه تعالى الجزء التاسع وأوله "باب حد القذف" وما توفيقى إلا باللَّه صلى اللَّه على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد القادر شيبة الحمد عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والمدرس بالمسجد النبوي الشريف

стр. 3189

فقه الإسلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ تأليف عبد القادر شيبة الحمد عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوي الشريف [الجزء التاسع]

стр. 3190

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب حد القذف

стр. 3191

١ - عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: لما نَزَلَ عُذرِى قام رسول اللَّه ﷺ على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أَمَرَ برجلين وامرأة فَضربُوا الحَدَّ. أخرجه أحمد والأربعة وأشار إليه البخارى. [المفردات] حد القذف: أى العقوبة المقدرة على من ورمى محصنا بالزنا، والقذف لغة هو الرمى مطلقا وشرعا هو رمى المحصن بالزنا مع العجز عن الإثبات شرعا. لما نزل عُذْرِى: أى لما أنزل اللَّه تعالى فى سورة النور براءتى مما رمانى به أهل الإفك الذين يَرْأُسُهُمْ عبد اللَّه بن أُبَىّ ابن سلول رأس المنافقين عليه لعنة اللَّه، وكان عبد اللَّه بن أبى لعنة اللَّه عليه قد رمى أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضى اللَّه تعالى عنها بارتكاب الفاحشة وأخذ يذيعها، فأنزل اللَّه براءتها فى سورة النور من قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قام رسول اللَّه ﷺ على المنبر: أى وقف رسول اللَّه ﷺ -

стр. 3192

خطيبا على منبر مسجده ﷺ . فذكر ذلك: أى فذكر ما افتراه رأس المنافقين عبد اللَّه بن أُبَىّ وَرَوَّجَهُ ضد الحصان الرزان الطبة الطاهرة عائشة رضى اللَّه تعالى عنها. وتلا القرآن: أى وقرأ على الناس ما أنزل اللَّه على رسول اللَّه ﷺ فى كتابه الكريم من براءة أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه تعالى عنها. فلما نزل: أى فلما انتهى من خطبته ونزل من فوق المنبر. أمر برجلين وامرأة فضربوا الحد: أى أمر رسول اللَّه ﷺ بأن يُجْلَد رجلان وامرأة حد القذف ثمانين جلدة. وقد وردت فى رواية عند أبى داود تسميتهم: حسان ابن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بن جحش رضى اللَّه تعالى عنهم. وأشار إليه البخارى: أى وأشار البخارى إلى ضرب الرامين فى كتاب الاعتصام بالكتاب، والسنة من صحيحه. [البحث] هذا الحديث مداره عند أحمد والأربعة على محمد بن إسحاق وقد عنعنه، ومحمد بن إسحاق معروف بالتدليس فلا يقبل حديثه إذا كان معنعنا. قال الحافظ فى الفتح: قلت: ووقع التصريح بتحديثه فى بعض طرقه اهـ أقول: إن هذه الرواية التى أشار إليها الحافظ وجاء فيها أن

стр. 3193

ابن إسحاق قال: حدثنى. إنما هى من رواية أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال حدثنى عبد اللَّه بن أبى بكر يعنى ابن محمد بن عمرو بن حزم الخ وأحمد بن عبد الجبار هو أحمد ابن عبد الجبار بن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة العطاردى أبو عمر الكوفى قال فى تهذيب التهذيب: قال ابن أبى حاتم: كتبت عنه وأمسكت عن الرواية عنه لكثرة كلام الناس فيه، وقال مطين: كمان يكذب وقال أبوأحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم تركه ابن عقدة، وقال ابن عدى: رأيت أهل العراق مجمعين على ضعفه، وكان ابن عقدة لا يحدث عنه، وذكر أن عنده قمطرا على أنه لا يتورع أن يحدث عن كل أحد اهـ وشيخه يونس بن بكير هو يونس بن بكير بن واصل الشيبانى فى أبو بكر ويقال أبو بكير الجمال الكوفى مختلف فيه، وإن كان مسلم قد روى له فقد أشرت فيما مضى إلى أن البخارى أو مسلما قد يخرج للشيخ حديثا لأنه موثق فيه فى هذا الموضع، ولا يخرج له فى موضع آخر لضعفه فيه. وقال الآجرى عن أبى داود: ليس هو عندى بحجة كان يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله بالأحاديث، وقال النسائى: ليس بالقوى وقال مرة: ضعيف، أقول: ليصر بمثل هذا السند يُنَالُ من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم ورضى اللَّه تعالى عنهم، والواقع أن الناس عند ما رميت الصديقة بنت الصديق بالإِفك كانوا أربعة أقسام: قسم وهم أكثر الناس، حَمَوْا أسماعهم وألسنتهم فسكتوا ولم ينطقوا إلا بخير

стр. 3194

ولم يصدقوا ولم يكذبوا. وقسم سارع إلى التكذيب وهو أبو أيوب الأنصارى وأم أيوب رضى اللَّه تعالى عنهما فقد وصفوه عند سماعه بأنه الإِفك وبَرَّءوا عائشة مما نسبت إليه فى الحال. أما القسم الثالث فكانوا جملة من المسلمين لم يصدقوا ولم يكذبوا ولم ينفوا. ولكنهم يتحدثون بما يقول أهل الإِفك وهم يحسبون أن الكلام بذلك أمر هَيِّن لا يعرضهم لعقوبة اللَّه لأن ناقل الكفر ليس بكافر وحاكى الإِفك ليس بقاذف ومن هؤلاء حمنة بنت جحش وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة أما القسم الرابع فهم الذين جاءوا بالإِفك وعلى رأس هؤلاء عدو اللَّه عبد اللَّه بن أبى بن سلول رأس المنافقين لعنه اللَّه وهو الذى تولى كبره وقد أشار اللَّه إلى فضل القسم الثانى من هذه الأقسام وأنه كان ينبغى لجميع المسلمين أن يقفوا هذا الموقف فقال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ وأما القسم الثالث فقد أشار اللَّه إلى أنه ما كان ينبغى لهم أن يتحدثوا بمثل هذا الحديث حيث يقول: "إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند اللَّه عظيم، ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم" وقد أثبت اللَّه لأهل هذا القسم فضائلهم التى عملوها حيث أثبت لمسطح هجرته وإيمانه عندما حلف أبو بكر أنه لن ينفق على مسطح ولن يتصدق عليه وهو من ذوى قرابته فقال : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا

стр. 3195

أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أما القسم الرابع وهم جماعة عبد اللَّه بن أبى الذين جاءوا بالإِفك واخترعوا هذا الكذب فقد أشار اللَّه إلى موتهم على الكفر، وأنه لن يقبل منهم قولة، وأنه أنزل عليهم لعنته فى الدنيا والآخرة حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ وحسان هو شاعر رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم الذى كان يقول له رسول اللَّه ﷺ : "قل وروح القدس معك" ويقول: "اللهم أيده بروح القدس" وهو القائل فى عائشة رضى اللَّه تعالى عنها: حصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل عقيلة حى من لؤى بن غالب ... كرام المساعى مجدهم غير زائل حليلة خير الخلق دينا ومنصبا ... نبى الهدى والمكرمات الفواضل مهذبة قد طَيَّبَ اللَّه خيمها ... طهَّرَهَا من كل سوء وباطل فإن كنت قد قلت الذى قد زعمتموا ... فلا رفعت سوطى إلىَّ أناملى فكيف وَوُدِّى ما حييت ونصرتى ... لآل رسول اللَّه زَيْن المحافل وقد أثر عن عائشة رضى اللَّه تعالى عنها أنها قالت: ما تمثلت بقول حسان لأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: هَجَوْتَ محمدا فَأجبت عنه ... وعند اللَّه فى ذاك الجزاء فإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وقاء

стр. 3196

أتشتمه ولست له بكفءٍ ... فشركما لخيركما الفداء لسانى صارم لا عيب فيه ... ويجرى لا تكدره الدلاء إلا رجوت له الجنة أما ما ذكر المصنف أن البخارى أشار إليه فهو ما قاله البخارى من كلامه هو دون أن يسوق له أى سند فى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه فى باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال: وشَاوَرَ عليًّا وأسامة فيما رمى أهل الإفك عائشة فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمره اللَّه اهـ قال الحافظ فى الفتح: وأما جلده الرامين فلم يأت فيه بإسناد ثم قال: وأما قوله فجلد الرامين فلم يقع فى شئ من طرق حديث الإِفك فى الصحيحين ولا أحدهما اهـ واللَّه تعالى أعلم.

стр. 3197

٢ - وعن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: أوَّلُ لعان كان فى الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "البينةَ وإلا فحدّ فى ظهرك" الحديث، أخرجه أبو يعلى، ورجاله ثقات، وفى البخارى نحوه من حديث ابن عباس. [المفردات] قذفه هلال بن أمية بامرأته: أى رماه هلال بن أمية بأنه زنى بامرأته. البينة: أى أقم البينة وأت بأربعة شهداء على ما تقول.

стр. 3198

وإلا فحد فى ظهرك: أى وإلا جُلدت وضُرِبَ ظهرك ثمانين جلدة. الحديث: أى أكمل الحديث. نحوه: أى نحو حديث أنس بن مالك رضى اللَّه تعالى عنه. [البحث] قال أبو يعلى رحمه اللَّه تعالى: حدثنا مسلم بن أبى مسلم الجرمى حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: لأول لعان كان فى الإِسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعته إلى رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أربعة شهود وإلا فحد فى ظهرك" فقال: يا رسول اللَّه إن اللَّه يعلم أنى لصادق ولينزلن اللَّه عليك ما يبرئ به ظهرى من الجلد، فأنزل اللَّه آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إلى آخر الآية، قال فدعاه النبى ﷺ فقال: "اشهد باللَّه إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا" فشهد بذلك أربع شهادات ثم قال له فى الخامسة: "ولعنة اللَّه عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا" ففعل، ثم دعاها رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "قومى فاشهدى باللَّه إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا" فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها فى الخامسة: "وغضب اللَّه عليك إن كان من الصادقين فيما رماكِ به من الزنا" قال: فلما كانت فى الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت لا أفضح قومى سائر اليوم فمضت على القول، ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما وقال: "انظروا فإذا جاءت به جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطا، ضيق العينين فهو

стр. 3199

لهلال بن أمية" فجاءت به جعدا حمش الساقين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لولا ما نزل فيهما من كتاب اللَّه لكان لى ولها شأن" اهـ أما ما أخرجه البخارى من حديث ابن عباس فلفظه: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبى ﷺ : "البينة أو حد فى ظهرك" فقال: يا رسول اللَّه إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبى ﷺ يقول: "البينة وإلا حد فى ظهرك" فقال هلال: والذى بعثك بالحق إنى لصادق، ولينزلَنَّ اللَّه ما يبرئ ظهرى من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبى ﷺ فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد والنبى ﷺ يقول: "إن اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " ثم قامت فشهدت فلما كان فى الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومى سائر اليوم فمضت فقال النبى ﷺ : "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الاليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء" فجاءت به كذلك فقال النبى ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لى ولها شأن" اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - أن من رمى امرأته بالزنا ولم يأت بأربعة شهداء لإثبات ما يقول جُلدَ ثمانين جلدة وهى حد القذف.

стр. 3200

٢ - أنه إذا لم يستطع إثبات ما رمى به امرأته وتلاعنا سقط عنه حد القذف. ٣ - دقة نظام الإِسلام فى التفريق بين رمى الزوج زوجته وبين من رَمى غير الزوجة من المحصنات.

стр. 3201

٣ - وعن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة رضى اللَّه عنه قال: لقد أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بَعْدَهُمْ فلم أرهم يضربون المملوك فى القذف إلا أربعين" رواه مالك والثورى فى جامعه. [المفردات] عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة رضى اللَّه تعالى عنه: تقدمت ترجمته فى مفردات الحديث السابع من أحاديث باب الصداق، ووهم الصنعانى فى سبل السلام فحسبه عبد اللَّه بن عامر قارئ أهل الشام فقال: فى قوله: "وعن عبد اللَّه بن عامر ابن ربيعة" هو أبو عمران عبد اللَّه بن عامر القارئ الشامى كان عالما ثقة حافظا لما رواه، فى الطبقة الثانية من التابعين، أحد القراء السبعة روى عن واثلة بن الأسقع وغيره وقرأ القرآن على المغيرة بن شهاب المخزومى عن عثمان بن عفان ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة ومات سنة ثمان عشرة ومائة اهـ ولم يتفطن الصنعانى لقوله: أدركت أبا بكر وعمر وعثمان الخ إذ كيف يدرك أبا بكر من ولد سنة ٢١ هجرية.

стр. 3202

والواقع أن راوى هذا الحديث هو عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة العنزى المولود فى عهد رسول اللَّه ﷺ أحد الفقهاء كما تقدم فى ترجمته فى باب الصداق. أما عبد اللَّه بن عامر قارئ أهل الشام الذى يقول فيه الشاطبى: وأما دمشق الشام دار ابن عامر ... فتلك بعبد اللَّه طابت مُحَلَّلَا فهو عبد اللَّه بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبى المقرئ الدمشقى أبو عمران وقيل أبو عبيد اللَّه وقيل أبو عامر وقيل أبو نعيم وقيل أبو عثمان وقيل أبو سعيد وقيل أبو محمد وقيل غير ذلك فى كنيته. وهو المولود سنة إحدى وعشرين واللَّه أعلم. يضربون المملوك فى القذف إلا أربعين: أى يجلدون الرقيق إذا رمى محصنا بالزنا أربعين جلدة لا غير وهى نصف حد الحر إذا قذف محصنا. رواه مالك: أى فى الموطأ. والثورى فى جامعه: أى ورواه الثورى فى جامعه والثورى هو أبو عبد اللَّه سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفى. قيل هو نسبة لثور بن عبد مناة بن أدبن طابخة. قيل من ثور همدان قال فى تهذيب التهذيب:

стр. 3203

والصحيح الأول، روى عن أبيه وأبى إسحاق الشيبانى وأبى إسحاق السبيعى وعبد الملك بن عمير وعبد الرحمن ابن عابس بن ربيعة وغيرهم، كما روى عنه خلق لا يحصون منهم بعض شيوخه كابن إسحاق وجعفر بن برقان وخصيف بن عبد الرحمن وغيرهم، وشعبة ومالك والأوزاعى وغيرهم من أقرانه. قال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين فى الحديث وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان اهـ وقد ولد رحمه اللَّه تعالى سنة سبع وتسعين وتوفى بالبصرة سنة إحدى وستين. وكان ثقة مأمونا عابدا ثبتا. رحمه اللَّه تعالى ورضى عنه. [البحث] أخرج مالك هذا الحديث فى الموطأ فقال: عن أبى الزناد أنه قال: جلد عمر بن عبد العزيز عبدا فى فرية ثمانين قال أبو الزناد: فسألت عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة عن ذلك فقال: أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، والخلفاء هلم جرا. فما رأيت أحدا جلد عبدا فى فرية أكثر من أربعين. قال البيهقى: ورواه الثورى عن أبى الزناد عبد اللَّه بن ذكوان حدثنى عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة قال: لقد أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أهم يضربون المملوك فى القذف إلا

стр. 3204

أربعين اهـ قال الموفق: أجمع أهل العلم على وجوب الحد على العبد إذا قذف الحر المحصن اهـ وحديث الباب يؤيده قول اللَّه فى حق الأمة إذا زنت: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - أن حد العبد أو الأمة نصف حد الحر الذى يقبل التنصيف وهو الجلد. ٢ - أن حد الرقيق إذا قذف محصنا هو أربعون جلدة.

стр. 3205

٤ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قذف مملوكه يُقامُ عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال" متفق عليه. [المفردات] من قذف مملوكه: أى من رمى عبده أو أمته بالزنا من غير برهان يقام عليه الحد يوم القيامة: أى كان للَّه فى ظهر هذا القاذف حدٌّ يوم القيامة وهو حد القذف. إلا أن يكون كما قال: أى إلا أن يكون هذا المملوك قد ارتكب الفاحشة فإنه لا شئ على مالكه فيما قال. [البحث] لفظ هذا الحديث عند البخارى من طريق ابن أبى نُعْمٍ عن

стр. 3206

أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "من قذف مملوكه وهو برئ مما قال جُلدَ يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال" وأخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبى نعم حدثنى أبو هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ "من قذف مملوكه بالزنا يُقامُ عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال" اهـ [ما يفيده الحديث] ١ - أن السيد إذا قذف عبده بالزنا لم يُحد للقذف فى الدنيا. ٢ - التحذير من قذف المملوك بالزنا إذا كان بريئا.

стр. 3207

باب حَدِّ السَّرِقَةِ

стр. 3208

١ - عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُقْطَعُ يَدُ السارق إلا فى رُبع دينار فصاعدا" متفق عليه، واللفظ لمسلم، ولفظ البخارى: "تقطع يد السارق فى ربع دينار فصاعدا" وفى رواية لأحمد: "اقْطَعُوا فى ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك". [المفردات] حد السرقة: أى العقوبة المقدرة فى السرقة، والسرقة بفتح السين كسر الراء ويجوز إسكانها ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه: هى لغة الأخذ خفية، وشرعا هو أخذ مال محروز قيمته ربع دينار فصاعدا على وجه الخفية وليس للآخذ حق فيه ولا شبهة. قال الحافظ فى الفتح: ويقال لسارق الإِبل الخارب بخاء معجمة، وللسارق فى المكيال مطفف، وللسارق فى الميزان مخسر، فى أشياء أخرى ذكرها ابن خالويه فى كتاب (ليس) قال المازرى ومن تبعه: صان اللَّه الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب، ولسهولة إقامة

стр. 3209

البينة على ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ فى الزجر، ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع به حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفى ذلك إشارة إلى الشبهة التى نسبت إلى أبى العلاء المعرى فى قوله: يَدٌ بِخَمْس مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فى رُبْعِ دينار فأجابه القاضى عبد الوهاب المالكى بقوله: صيانة العضو أغلاها وأرخصها ... صيانةُ المال فافهم حكمة البارى وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدى، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة فى الجانبين، وكان فى ذلك صيانة من الطرفين اهـ وفى رواية أخرى لبيت القاضى عبد الوهاب المالكى، وقيل هو لعلم الدين السخاوى: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذُلُّ الخيانة فافهم حكمة البارى ومن قول القاضى عبد الوهاب فى الرد على شبهة أبى العلاء المعرى: لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت.

стр. 3210

إلا فى ربع دينار فصاعدا: أى إلا إذا سرق شيئا قيمته ربع دينار فأكثر، فلا تقطع يد من سرق أقل من ربع دينار. وفى رواية لأحمد: أى من طريق أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة رضى اللَّه تعالى عنها. فيما هو أدنى من ذلك: أى فيما قيمته أقل من ربع دينار. [البحث] أورد البخارى من طريق ابن شهاب عن عمرة عن عائشة: قال النبى ﷺ : "تقطع اليد فى ربع دينار فصاعدا" ثم رواه من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة عن عائشة عن النبى ﷺ قال: "تُقْطعُ يَدُ السارق فى ربع دينار" ثم أخرجه من طريق محمد بن عبد الرحمن الأنصارى عن عمرة بنت عبد الرحمن حدثته أن عائشة رضى اللَّه عنها حدثتهم عن النبى ﷺ قال: "يُقْطعُ فى ربع دينار" أما مسلم فقد أورده باللفظ. الذى ذكره المصنف عنه من طريق ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة رضى اللَّه عنها وساقه من طريق الزهرى عن عمرة عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقطع السارق فى ربع دينار فصاعدا" وساقه من طريق سليمان بن يسار عن عمرة أنها سمعت عائشة تحدث أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تُقْطعُ الْيَدُ إلا فى ربع دينار فما فوقه" وساقه من طريق أبى بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة أنه سمعت النبى ﷺ -

стр. 3211

يقول: "لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا" هذا وإذا سقط القطع عمن سرق أقل من ربع دينار فإنه لا يسقط عنه التعزير الرادع له عن المعاودة. [ما يفيده الحديث] ١ - أن السارق لا تقطع يده إلا إذا كان المال المسروق ربع دينار فصاعدا. ٢ - أن من سرق أقل من ربع دينار لا تقطع يده.

стр. 3212

٢ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قطع فى مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم" متفق عليه. [المفردات] مِجَنٍّ: قال الحافظ فى الفتح: المجن بكسر الميم وفتح الجيم مِفْعَل من الاجتنان وهو الاستتار مما يحاذره المستتر، وكسرت ميمه لأنه آلة فى ذلك. اهـ وقد يكون المجن حَجَفَةً أو ترسا، والحجفة بفتح الحاء والجيم ثم فاء هى الدرقة وقد تكون من خشب أو عظم وتغلف بالجلد أو غيره. والترس مثل الحجفة إلا أنه يطارق فيه بين جلدين قال الحافظ فى الفتح وقيل هما بمعنى واحد اهـ ثمنه ثلاثة دراهم: أى قيمة المجن كانت ثلاثة دراهم.

стр. 3213

[البحث] لا معارضة بين حديث عائشة رضى اللَّه تعالى عنها: "لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا" وبين هذا الحديث فإن ربع دينار صرفه ثلاثة دراهم على أساس أن الدينار اثنا عشر درهما، وقد روى البخارى رحمه اللَّه تعالى حديث ابن عمر هذا من عدة طرق بهذا اللفظ فأخرجه من طريق مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر وأخرجه من طريق جويرية عن نافع عن ابن عمر وأخرجه من طريق عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر، وأخرجه من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه تعالى عنهما. كما أخرجه مسلم من طريق يحيى بن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ: أن رسول اللَّه ﷺ قطع سارقا فى مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم. ثم قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد وابن رمح عن الليث بن سعد ح وحدثنا زهير بن حرب وابن المثنى قالا: حدثنا يحيى (وهو القطان) ح وحدثنا ابن نمير حدثنا أبى ح وحدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة حدثنا على بن مُسْهِر كلهم عن عبيد اللَّه ح وحدثنى زهير بن حرب حدثنا إسماعيل (يعنى ابن عُلَيَّةَ) ح وحدثنا أبو الربيع وأبو كامل قالا: حدثنا حماد ح وحدثنى محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن أيوب السختيانى وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية ح وحدثنى عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمى أخبرنا أبو نُعَيْم حدثنا سفيان عن أيوب وإسماعيل بن أمية وعبيد اللَّه وموسى بن

стр. 3214

عقبة ح وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنى إسماعيل بن أمية ح وحدثنى أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب عن حنظلة بن أبى سفيان الجمحى وعبيد اللَّه بن عمر ومالك بن أنس وأسامة بن زيد الليثى كلهم عن نافع عن ابن عمر عن النبى ﷺ بمثل حديث يحيى عن مالك غير أن بعضهم قال: قيمته، وبعضهم قال: ثمنه ثلاثة دراهم. اهـ هذا ولم يرد حديث فى قوة الحديث الأول والحديث الثانى من أحاديث هذا الباب اللذين يبينان أن قول رسول اللَّه ﷺ وفعله يقرران أن أقل نصاب السرقة الموجب لقطع اليد هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم أقول لم يرد حديث فى قوتهما يقوى على معارضتهما، واللَّه تعالى أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - أن أقل نصاب السرقة هو ثلاثة دراهم أو ما قيمته ثلاثة دراهم. ٢ - أن من سرق أقل من ثلاثة دراهم لا تقطع يده.

стр. 3215

٣ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لعن اللَّه السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" متفق عليه أيضا. [المفردات] لعن اللَّه السارق: أى أبعد اللَّه من يأخذ أموال الناس المحروزة خفية

стр. 3216

البيضة: قال البخارى: قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد اهـ وبيضة الحديد التى تتخذ جُنَّةً للرأس ويقال لها المِغْفَر لأنها تستر الرأس وهى من ملابس الحرب وقد تكون قيمتها ربع دينار فصاعدا. وقيل المراد: التحذير من سرقة البيضة لأنها وإن كانت لا تساوى شيئا فقد يؤدى ذلك إلى اعتياد السرقة فيسرق مقدار النصاب فتقطع يده. الحبل: نقل البخارى عن الأعمش أنه قال فى الحبل هنا: والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوى دراهم اهـ وحمله بعضهم على أن المراد التحذير من سرقة القليل التافه لأنه قد يؤدى إلى أن يتعود السرقة حتى يسرق النصاب الذى تقطع فيه يده. متفق عليه أيضا: أى رواه البخارى ومسلم كالحديث الذى قبله. [البحث] هذا الحديث أورده البخارى من طريق عمر بن حفص بن غياث حدثنى أبى حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح عن أبى هريرة باللفظ الذى ساقه المصنف وزاد: قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوى دراهم اهـ قال الحافظ فى الفتح: "قوله قال الأعمش" هو موصول بالإسناد المذكور اهـ وأخرج مسلم هذا الحديث من طريق أبى بكر بن أبى شيبة وأبى كريب قالا:

стр. 3217

حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة باللفظ الذى ساقه المصنف ثم قال: حدثنا عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم وعلى بن خشرم كلهم عن عيسى بن يونس عن الأعمش بهذا الإسناد مثله غير أنه يقول: إن سرق حبلا وإن سرق بيضة اهـ [ما يفيده الحديث] ١ - التحذير من سرقة القليل التافه مخافة أن يجره ذلك إلى السرقة التى تقطع فيها يده. ٢ - أن تشريع الحدود فى الإسلام للوقاية والعلاج. ٣ - أن السرقة من الكبائر.

стр. 3218

٤ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ " ثم قام، فخطب، فقال: "أيها الناس إنما أهْلَكَ الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريف تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد" الحديث متفق عليه، واللفظ لمسلم وله من وجه آخر عن عائشة قالت: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبىُّ ﷺ بقطع يدها. [المفردات] قال: أتشفع فى حد من حدود اللَّه: أى قال رسول اللَّه ﷺ لأسامة بن زيد رضى اللَّه تعالى عنهما لما كلمه فى

стр. 3219

أمر المخزومية التى سرقت ليسقط الحد عنها: أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ ثم قام، فخطب: أى ثم وقف رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم خطيبا ليحذرهم من الشفاعة فى الحدود وليبين لهم أن تضييع حدود اللَّه سبب لهلاك الأمم وضلالها وأنه يجب إقامتها على الشريف والضعيف على حد سواء. إنما أهلك الذين قبلكم: أى إنما ضل من كان قبلكم من المنتسبين للشرائع السماوية فحلت بهم عقوبة اللَّه. أنهم: أى من كان قبلكم. الشريف: أى العزيز فى قومه الرفيع القوى. تركوه: أى لم يقيموا عليه الحد ولم يقطعوا يده. الضعيف: أى الوضيع الذى ليست له مكانة عندهم. أقاموا عليه الحد: أى نفذوا فيه العقوبة المقدرة شرعا فقطعوا يده. الحديث: أى أكمل الحديث. وله من وجه آخر عن عائشة: أى ولمسلم من طريق معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى اللَّه تعالى عنها وكان الوجه الأول من طريق الليث ويونس بن يزيد عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى اللَّه عنها. امرأة: هى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد اللَّه ابن عمرو بن مخزوم، وهى بنت أخى أبى سلمة بن عبد الأسد الذى كان زوج أم سلمة قبل رسول اللَّه ﷺ -

стр. 3220

وقد قتِلَ أبوها يوم بدر كافرا. تستعير المتاع وتجحده: أى تطلب من بعض الناس أن يعيروها بعض متاعهم ثم إذا طلبوا منها رد العارية جحدتها وأنكرت أن تكون أخذت منهم شيئا، وقد كان هذا المتاع حليا فقد قال الحافظ فى الفتح: وقد بينه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح إليه، أن امرأة جاءت امرأة فقالت: إن فلانة تستعيرك حليا الخ الحديث. [البحث] أورد البخارى رحمه اللَّه تعالى هذا الحديث فى غزوة الفتح من كتاب المغازى قال: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد اللَّه أخبرنا يونس عن الزهرى قال أخبرنى عروة بن الزبير: أن امرأة سرقت فى عهد رسول اللَّه ﷺ فى غزوة الفتح فَفَزِعَ قومُها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه، قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تَلَوَّنَ وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "أتكلمنى فى حد من حدود اللَّه؟ " قال أسامة: استغفر لى يا رسول اللَّه، فلما كان العشى قام رسول اللَّه خطيبا، فأثنى على اللَّه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لَقَطَعتُ يدها"

стр. 3221

ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بتلك المرأة فَقُطِعَتْ يَدُهَا. فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بعد ذلك وتزوجت قالت عائشة: فكانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ . واورده فى كتاب الحدود فى باب إقامة الحد على الشريف والوضيع من طريق أبى الوليد يعنى الطيالسى حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن أسامة كَلَّمَ النبى ﷺ فى امرأة فقال: "إنما هلك من كانَ قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف، والذى نفسى بيده لو فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها" ثم قال البخارى: باب كراهية الشفاعة فى الحد إذا رُفِعَ إلى السلطان. حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضى اللَّه عنها: أن قريشا أهَمَّتهُم المرأة المخزوميةُ التى سرقت، فقالوا: مَنْ يُكَلِّمُ رسول اللَّه ﷺ ومن يَجْتَرِىُّ عليه إلا أسامةُ حبُّ رسول اللَّه ﷺ ؟ فكلَّمَ رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ ثم قام فخطب، فقال: يا أيها الناس إنما ضَلَّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وَأيْمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يَدَهَا". أما مسلم فقد ساقه من طريق قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح عن الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أَن قريشا أهَمَّهُمْ شأنُ

стр. 3222

المرأة المخزومية التى سرقت، فقالوا: من يُكَلِّمُ فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يَجْتَرِئُ عليه إلا أسامة حبُّ رسول اللَّه ﷺ ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه ﷺ : "أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ " ثم قام فاختطب، فقال: "أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" وفى حديث ابن رمح: "إنما هلك الذين من قبلكم" قال مسلم: وحدثنى أبو الطاهر وحرملة بن يحيى (واللفظ لحرملة) قالا: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال أخبرنى عروة ابن الزبير عن عائشة زوج النبى ﷺ أن قريشا أهَمَّهُمْ شَأْنُ المرأة التى سرقت فى عهد النبى ﷺ فى غزوة الفتح، فقالوا: من يُكَلِّمُ فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئُ عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسولِ اللَّه ﷺ ؟ فَأُتِىَ بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فَتَلَوَّنَ وجهُ رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ " فقال له أسامة: اسِتغفر لى يا رسول اللَّه، فلما كان العَشىُّ قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإنى والذى نفسى

стр. 3223

بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التى سرقت فَقُطعَتْ يَدُهَا، قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة فحسنت توبتها بعد وتَزَوَّجَتْ، وكانت تأتينى بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ . وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبىُّ ﷺ أن تُقْطَعَ يَدُهَا، فأتى أهلها أسامة بن زيد، فكلموه، فكلَّمَ رسول اللَّه ﷺ فيها ثم ذكر نحو حديث الليث ويونس. وحدثنى سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعْيَنَ حدثنا معقل عن أبى الزبير عن جابر أن امرأة من بنى مخزوم سرقت، فَأُتِىَ بها النبىُّ ﷺ فعاذت بأم سلمة زوج النبى ﷺ فقال النبى ﷺ : "واللَّه لو كانت فاطمة لقطعت يدها" فَقُطِعَتْ. اهـ هذا وقد أجمع أهل العلم على أنه لا قطع فى جحد غير العارية، والظاهر أن المخزومية التى سرقت وقطعت هى المخزومية التى كانت تستعير المتاع وتجحده كما أنه يبدو أن المرأة أرادت الاستشفاع بأم سلمة من أجل قرابتها وأن أهلها رغبوا فى الاستشفاع بأسامة رضى اللَّه تعالى عنه قال الحافظ فى الفتح. ووقع عند أبى الشيخ من طريق أشعث عن أبى الزبير عن جابر "أن امرأة من بنى مخزوم سرقت فعاذت بأم سلمة" وكأنها جاءت مع قومها فكلموا أسامة بعد أن استجارت بأم سلمة اهـ واللَّه أعلم.

стр. 3224

[ما يفيده الحديث] ١ - وجوب إقامة حدود اللَّه على الشريف والوضيع دون تمييز. ٢ - لا تجوز الشفاعة فى حد من حدود اللَّه إذا رفعت للسلطان.

стр. 3225

٥ - وعن جابر رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "ليس على خَائِنِ ولا مُخْتَلِسٍ ولا مُنْتَهِبٍ قَطعٌ" رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذى وابن حبان. [المفردات] ليس على خائن الخ: أى لا تقطع يد من أخذ المال بطريقة من هذه الطرق. خائن: المراد به هنا هو من يأخذ المال خفية من مالكه مع إظهاره له النصيحة والحفظ. مُخْتَلِس: أى الذى يختلس المال أى يسلبه على غرة. مُنْتَهِب: المراد به من يأخذ المال بطريق القهر والغارة. [البحث] نقل الحافظ فى الفتح عن القرطبى أنه قال عن هذا الحديث: وهو حديث قوى ثم قال الحافظ: قلت أخرجه الأربعة وصححه أبو عوانة والترمذىِ من طريق ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر رفعه، وصرح ابن جريج فى روايته للنسائى بقوله: أخبرنى أبو الزبير، ووهم بعضهم هذه الزيادة فقد صرح أبو داود بأن ابن جريج لم يسمعه من أبى الزبير قال: وبلغنى عن أحمد: إنما سمعه ابن جريج من ياسين
следующие страницы →