← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بتلك المرأة فَقُطِعَتْ يَدُهَا. فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بعد ذلك وتزوجت قالت عائشة: فكانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ . واورده فى كتاب الحدود فى باب إقامة الحد على الشريف والوضيع من طريق أبى الوليد يعنى الطيالسى حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن أسامة كَلَّمَ النبى ﷺ فى امرأة فقال: "إنما هلك من كانَ قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف، والذى نفسى بيده لو فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها" ثم قال البخارى: باب كراهية الشفاعة فى الحد إذا رُفِعَ إلى السلطان. حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضى اللَّه عنها: أن قريشا أهَمَّتهُم المرأة المخزوميةُ التى سرقت، فقالوا: مَنْ يُكَلِّمُ رسول اللَّه ﷺ ومن يَجْتَرِىُّ عليه إلا أسامةُ حبُّ رسول اللَّه ﷺ ؟ فكلَّمَ رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ ثم قام فخطب، فقال: يا أيها الناس إنما ضَلَّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وَأيْمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يَدَهَا". أما مسلم فقد ساقه من طريق قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح عن الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أَن قريشا أهَمَّهُمْ شأنُ

стр. 3222

المرأة المخزومية التى سرقت، فقالوا: من يُكَلِّمُ فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يَجْتَرِئُ عليه إلا أسامة حبُّ رسول اللَّه ﷺ ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه ﷺ : "أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ " ثم قام فاختطب، فقال: "أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" وفى حديث ابن رمح: "إنما هلك الذين من قبلكم" قال مسلم: وحدثنى أبو الطاهر وحرملة بن يحيى (واللفظ لحرملة) قالا: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال أخبرنى عروة ابن الزبير عن عائشة زوج النبى ﷺ أن قريشا أهَمَّهُمْ شَأْنُ المرأة التى سرقت فى عهد النبى ﷺ فى غزوة الفتح، فقالوا: من يُكَلِّمُ فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئُ عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسولِ اللَّه ﷺ ؟ فَأُتِىَ بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فَتَلَوَّنَ وجهُ رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ " فقال له أسامة: اسِتغفر لى يا رسول اللَّه، فلما كان العَشىُّ قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإنى والذى نفسى

стр. 3223

بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التى سرقت فَقُطعَتْ يَدُهَا، قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة فحسنت توبتها بعد وتَزَوَّجَتْ، وكانت تأتينى بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ . وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبىُّ ﷺ أن تُقْطَعَ يَدُهَا، فأتى أهلها أسامة بن زيد، فكلموه، فكلَّمَ رسول اللَّه ﷺ فيها ثم ذكر نحو حديث الليث ويونس. وحدثنى سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعْيَنَ حدثنا معقل عن أبى الزبير عن جابر أن امرأة من بنى مخزوم سرقت، فَأُتِىَ بها النبىُّ ﷺ فعاذت بأم سلمة زوج النبى ﷺ فقال النبى ﷺ : "واللَّه لو كانت فاطمة لقطعت يدها" فَقُطِعَتْ. اهـ هذا وقد أجمع أهل العلم على أنه لا قطع فى جحد غير العارية، والظاهر أن المخزومية التى سرقت وقطعت هى المخزومية التى كانت تستعير المتاع وتجحده كما أنه يبدو أن المرأة أرادت الاستشفاع بأم سلمة من أجل قرابتها وأن أهلها رغبوا فى الاستشفاع بأسامة رضى اللَّه تعالى عنه قال الحافظ فى الفتح. ووقع عند أبى الشيخ من طريق أشعث عن أبى الزبير عن جابر "أن امرأة من بنى مخزوم سرقت فعاذت بأم سلمة" وكأنها جاءت مع قومها فكلموا أسامة بعد أن استجارت بأم سلمة اهـ واللَّه أعلم.

стр. 3224

[ما يفيده الحديث] ١ - وجوب إقامة حدود اللَّه على الشريف والوضيع دون تمييز. ٢ - لا تجوز الشفاعة فى حد من حدود اللَّه إذا رفعت للسلطان.

стр. 3225

٥ - وعن جابر رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "ليس على خَائِنِ ولا مُخْتَلِسٍ ولا مُنْتَهِبٍ قَطعٌ" رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذى وابن حبان. [المفردات] ليس على خائن الخ: أى لا تقطع يد من أخذ المال بطريقة من هذه الطرق. خائن: المراد به هنا هو من يأخذ المال خفية من مالكه مع إظهاره له النصيحة والحفظ. مُخْتَلِس: أى الذى يختلس المال أى يسلبه على غرة. مُنْتَهِب: المراد به من يأخذ المال بطريق القهر والغارة. [البحث] نقل الحافظ فى الفتح عن القرطبى أنه قال عن هذا الحديث: وهو حديث قوى ثم قال الحافظ: قلت أخرجه الأربعة وصححه أبو عوانة والترمذىِ من طريق ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر رفعه، وصرح ابن جريج فى روايته للنسائى بقوله: أخبرنى أبو الزبير، ووهم بعضهم هذه الزيادة فقد صرح أبو داود بأن ابن جريج لم يسمعه من أبى الزبير قال: وبلغنى عن أحمد: إنما سمعه ابن جريج من ياسين

стр. 3226

الزيات، ونقل ابن عدى فى الكامل عن أهل المدينة أنهم قالوا: لم يسمع ابن جريج من أبى الزبير، وقال النسائى: رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه عن أبى الزبير فلم يقل أحد منهم أخبرنى ولا أحسبه سمعه. قلت: لكن وجد له متابع عن أبى الزبير أخرجه النسائى أيضا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبى الزبير لكن أبو الزبير مدلس أيضا وقد عنعنه عن جابر، لكن أخرجه ابن حبان من وجه آخر عن جابر بمتابعة أبى الزبير فقوى الحديث، وقد أجمعوا على العمل به إلا من شذ اهـ هذا وقد وقع فى صحيح مسلم التصريح بسماع ابن جريج من أبى الزبير فى مواضع شتى حيث يقول ابن جريج أخبرنى أبو الزبير. واللَّه أعلم. هذا وليس معنى سقوط حد القطع عمن ارتكب جريمة بطريق الاختلاس أو الانتهاب أو نحوهما أنه لا عقوبة فى ذلك بل تنقل العقوبة من الحد إلى التعزير بحسب ما يراه الحاكم واللَّه أعلم.

стр. 3227

٦ - وعن رافع بن خديج رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا قَطعَ فى ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" رواه المذكورون وصححه أيضا الترمذى وابن حبان. [المفردات] لا قطع فى ثَمَرٍ: أى لا تقطع يد من أخذ من حمل الشجر، ويقال للشجرة ثمرة أيضا. ولا كَثَر: أى ولا قطع فى من أخذ كَثَرًا والكَثَرُ بفتح الكاف والثاء هو جُمَّار النخل أو طلعها.

стр. 3228

رواه المذكورون: أى أحمد والأربعة. وصححه أيضًا: أى كما صحح الحديث الذى قبله. [البحث] قال الحافظ فى تلخيص الحبير: قوله روى أنه ﷺ قال: لا قطع فى ثمر ولا كثر. مالك وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم والبيهقى من حديث رافع بن خديج، واختلف فى وصله وإرساله، وقال الطحاوى: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول، ورواه أحمد وابن ماجه من حديث أبو هريرة. وفيه سعد بن سعيد المقبرى وهو ضعيف اهـ وقد تقدم فى بحث الحديث الخامس أن سقوط الحد لا يعنى سقوط العقاب مطلقا بل تنتقل العقوبة من الحدِ إلى التعزير بحسب ما يراه الإِمام واللَّه أعلم.

стр. 3229

٧ - وعن أبى أمية المخزومى رضى اللَّه عنه قال: أتى رسول اللَّه ﷺ بِلِصٍّ قد اعترف اعترافا، ولم يوجد معه مَتَاعٌ فقال له رسولُ اللَّه ﷺ "ما إِخَالُكَ سَرَقْتَ؟ " قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فَقُطِعَ، وجئ به، فقال: "استغفر اللَّه وتُبْ إليه" فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فقال: "اللهم تب عليه" ثلاثا. أخرجه أبو داود واللفظ له، وأحمد والنسائى ورجاله ثقات، وأخرجه الحاكم من حديث أبى هريرة فساقه بمعناه وقال فيه: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احْسِمُوه" وأخرجه البزار أيضا وقال: لا بأس بإسناده.

стр. 3230

[المفردات] وعن أبى أمية المخزومى: قال فى تهذيب التهذيب: أبو أمية المخزومى ويقال الأنصارى حجازى، روى عن النبى ﷺ أنه أتى بلص قد اعترف. الحديث. وعنه أبو المنذر مولى أبى. ذر ويقال مولى آل أبى ذر. قلت: لم يختلف على حماد بن سلمة. أنه مخزومى والذى قال، إنه من الأنصار همام بن يحيى واللَّه تعالى أعلم اهـ وقال فى التقريب: أبو أمية المخزومى أو الأنصارى صحابى له حديث اهـ واللَّه تعالى أعلم. أتى رسول اللَّه ﷺ بلص قد اعترف اعترافا: أى أُحْضِرَ إلى رسول اللَّه ﷺ سارقٌ قد أقر إقرارا صريحا بالسرقة واللص مثلثة اللام قال فى القاموس: اللَّصُّ فعل الشئ فى ستر وإغلاق الباب وإطْباقُهُ والسارق ويثلث ج لصوصٌ وألصاصٌ وهى لَصَّةٌ ج لَصَّاتٌ ولَصَائِصُ والمصدر اللَّصَصُ واللَّصَاصُ واللَّصُوصِيَّةُ واللُّصُوصِيَّةُ، وأرض مَلَصَّةٌ كثيرتهم اهـ ولم يوجد معه متاع: أى ولم يُعْثَرْ على الشئ المسروق بحوزته. ما إِخَالُكَ: أى أما أظنك. وإخال بكسر الهمزة وقد تفتح فى لُغَيَّةٍ والأول أفصح وأكثر استعمالا. قال بلى: أى قال اللص: قد سرقت.

стр. 3231

فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا: أى قال رسول اللَّه ﷺ للص: "ما إخالك سرقت" وكرر ذلك مرتين أو ثلاث مرات. فأمر به فقطع: أى فأمر رسول اللَّه ﷺ بتنفيذ حد السرقة فيه بقطع يده. وجئ به: أى وأُحضر اللص إلى مجلس رسول اللَّه ﷺ بعد تنفيذ الحد فيه. فقال: "استغفر اللَّه وتب إليه: أى قال رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم للص: اطلب من اللَّه مغفرته وعفوه وستره وارجع إلى مرضاته واندم على ما فعلت. فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه: أى قال اللص: أطلب من اللَّه مغفرته وعفوه وستره وأرجع إلى مرضاته وعدم معصيته وأندم على ما فعلتُ. فقال: "اللهم تب عليه" ثلاثا: أى فدعا رسول اللَّه ﷺ ربه أن يتوب على هذا اللص وأن يغفر له، وكرر رسول اللَّه ﷺ الدعاء ثلاث مرات. وأخرجه الحاكم من حديث أبى هريرة: أى وأخرج الحاكم قصة هذا اللص لكن ليست من حديث أبى أمية بل من حديث أبى هريرة رضى اللَّه تعالى عنه. فساقه بمعناه: أى فساق حديث هذا اللص بمعنى حديث أبى أمية لا بلفظه.

стр. 3232

وقال فيه: أى وقال رسول اللَّه ﷺ فى اللفظ الذى ساقه الحاكم من حديث أبى هريرة. ثم احسموه: أى ثم اكْووا محل القطع حتى لا يسيل دمه. وأخرجه البزار أيضا: يعنى من طريق أبى هريرة رضى اللَّه عنه. [البحث] وثق المصنف هنا رجال حديث أبى أمية المخزومى وقال فى تلخيص الجبير: قال الخطابى فى إسناده مقال، قال: والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة ولم يجب الحكم به اهـ أما حديث أبى هريرة رضى اللَّه تعالى عنه فقد قال البزار: حدثنا أحمد بن أبان القرشى ثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردى عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ولا أعلمه إلا عن أبى هريرة قال: أُتى النبى ﷺ بسارق، قالوا: سرق، قال: "ما إخاله سرق" قال: بلى قد فعلت يا رسول اللَّه قال: "اذهبوا به فاقطعوا ثم احسموه، ثم ائتونى به" فَذُهِبَ به، فَقُطِعَ، ثم حُسِمَ، ثم جئ به إلى النبى ﷺ فقال: "تُبْ إلى اللَّه" قال: تُبْتُ إلى اللَّه، قال: "تاب اللَّه عليك" أو قال: "اللهم تُبْ عليه" قال الهبزار: لا نعلمه عن أبى هريرة إلا بهذا الإِسناد اهـ قال الهيثمى: رواه البزار عن شيخه أحمد بن أبان القرشى وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - أنه لا يقطع مع احتمال الشك فى صحة الإِقرار. ٢ - وجوب إقامة الحد على المقر بالسرقة.

стр. 3233

٣ - الاحتراز عند القطع من إفساد بقية العضو. ٤ - ينبغى حسم العضو بعد القطع حتى يتوقف سيلان الدم إما بِالْكَىِّ أو بغيره من الأدوية. ٥ - استحباب تلقين الشخص التوبة بعد إقامة الحد عليه. ٦ - أن إقامة الحد وإن كانت مكفرة لذنب من أقيم عليه لكن يحسن استغفاره وتوبته إلى اللَّه والاستغفار له.

стр. 3234

٨ - وعن عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يَغْرَمُ السارق إذا أقيم عليه الحد" رواه النسائى وبين أنه منقطع، وقال أبو حاتم هو منكر. [المفردات] لا يغرم السارق: أى لا يلزمه أداء ما قطعت يده بسبب سرقته. إذا أقيم عليه الحد: أى إذا نفذ فيه حد السرقة بقطع يده. [البحث] قال النسائى: أخبرنى عمرو بن منصور قال: حدثنا حَسَّان بن عبد اللَّه قال: حدثنا الْمُفَضَّلُ بنُ فَضَالة عن يونس بن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن ابن عوف أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يُغَرَّمُ صَاحبُ سَرِقَةٍ إذا أقيم عليه الحد" قال أبو عبد الرحمن: وهذا مرسل، وليس بثابت اهـ.

стр. 3235

٩ - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلَّق فقال: "من أصاب بفيه من ذى حاجة غير مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ منه فعليه الغرامة والعقوبة، ومن خرج بشئ منه بعد أن يُؤْوِيَهُ الجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فعليه القطع" أخرجه أبو داود والنسائى صححه الحاكم. [المفردات] الثمر المُعَلَّق: أى الثمر الموجود فوق شجره قبل جداده. والثمر بالثاء المفتوحة والميم المفتوحة كما فى أبى داود والنسائى وهو يشمل ثمر النخل والعنب ونحوهما. أصاب بفيه: أى أخذ من الثمر المعلق وأكل بفمه. من ذى حاجة: أى وهو محتاج لدفع جوعه بالأكل من الثمر المعلق. غير مُتَّخِذٍ خُبْنَةً: أى غير حامل لشئ من الثمر معه فى ثيابه أو غيرها والخبنة بضم الخاء وسكون الباء بعدها نون مفتوحة هى معطف الإزار وطرف الثوب ونحوهما مما قد يحمل الإِنسان فيه بعض ما يخفيه، يقال: أَخْبَنَ الرجل إذا خبأ شيئا فى خبنة ثوبه أو سراويله. فلا شئ عليه: أى فلا عقوبة عليه.

стр. 3236

ومن خرج بشئ منه: أى ومن حمل معه شيئا من هذا الثمر ونقله من محله. بعد أن يُؤويه الجرين: أى بعد أن يُجِدَّه أهله ويضعوه فى الجرين والجرين بفتح الجيم هو موضع تجفيف الثمار وهو للثمار كالبيدر للحنطة. فبلغ ثمن المجن: أى فوصلت قيمة المأخوذ من الجرين ثمن المجن يعنى الذى قطع فيه رسول اللَّه ﷺ وهو ثلاثة دراهم. فعليه القطع: أى فعليه الحد وهو قطع يده. [البحث] هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائى من طريق قتيبة بن سعيد عن الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ولفظ أبى داود: عن رسول اللَّه ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: من أصاب بفيه من ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع. ولفظ النسائى: عن رسول اللَّه ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: ما أصاب من ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئا منه بعد أن

стр. 3237

يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة". [ما يفيده الحديث] ١ - أنه لا بأس على من مرَّ ببستان وهو محتاج أن يأكل منه بقدر حاجته. ٢ - أنه لا يحل له أن يحمل معه شيئا منه بدون إذن صاحبه. ٣ - أنه إن حمل معه من ثمر البستان شيئا قبل أن يُجِدَّهُ صاحبه ويؤويه الجرين فعليه الغرامة والعقوبة تعزيزا. ٤ - أنه إن حمل معه شيئا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ نصاب السرقة قطع. ٥ - أنه إن حمل معه شيئا منه بعد أن يؤويه الجرين ولكنه لم يبلغ نصاب السرقة فعليه الغرامة والعقوبة تعزيرا. ٦ - أن من ارتكب من جرائم الحدود شيئا واندفع الحد عنه لشبهة أو لعدم بلوغ النصاب فإنه يعاقب تعزيزا بحسب ما يراه الإِمام.

стр. 3238

١٠ - وعن صفوان بن أمية رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال له لما أمَرَ بقطع الذى سَرَقَ رداءه فشفع فيه: "هلا كان ذلك قبل أن تأتينى به؟ " أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن الجارود والحاكم.

стр. 3239

[المفردات] رداءه: أى ثوبه الذى يلتحف به. فشفع فيه: أى فطلب من رسول اللَّه ﷺ أن لا يقطع يده. هلا كان ذلك قبل أن تأتينى به: أى هلا تقدمت بالشفاعة قبل رفعه إلينا؟ . [البحث] قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث أن صوان بن أمية نام فى المسجد فتوسد رداءه، فجاء سارق فأخذه من تحت رأسه، فأخذ صفوان السارق وجاء به إلى رسول اللَّه ﷺ فأمر بقطع يده، فقال صفوان: إنى لم أرد هذا وهو عليه صدقة. فقال هلا كان قبل أن تأتينى به. مالك والشافعى واللفظ له وأصحاب السنن والحاكم من طرق منها عن طاوس عن صفوان، ورجحها ابن عبد البر وقال: إن سماع طاوس من صفوان ممكن، لأنه أدرك زمن عثمان، وقال البيهقى: روى عن طاوس عن ابن عباس وليس بصحيح، ورواه مالك عن الزهرى عن عبد اللَّه بن صفوان عن أبيه أنه طاف بالبيت وصلى، ثم لف رداء له من برد فوضعه تحت رأسه فنام، فأتاه لص فاستله من تحت رأسه، فأخذه، فذكر الحديث. وأخرجه ابن ماجه، وله شاهد فى الدارقطنى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وسنده ضعيف اهـ والذى فى الموطأ: مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد اللَّه بن صفوان أن صفوان ابن أمية قيل له: إنه من لم يهاجر هلك. فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام فى المسجد، وتوسد رداءه. فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول اللَّه ﷺ -

стр. 3240

فقال له النبى ﷺ "أسرقت رداء هذا؟ " قال: نعم فأمر به رسول اللَّه ﷺ أن يقطع يده. فقال له صفوان: إنى لم أرد هذا يا رسول اللَّه، هو عليه صدقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : فهلا قبل أن تأتينى به؟ اهـ قال ابن عبد البر: هكذا رواه أصحاب مالك مرسلا اهـ. هذا وقد قال البخارى فى صحيحه: باب كراهية الشفاعة فى الحد إذا رُفع إلى السلطان وساق قصة المخزومية وقول رسول اللَّه ﷺ لأسامة: أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ اهـ وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا أن الشفاعة فى ذوى الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان وإن عليه إذا بلغته إقامتها اهـ وقد انعقد الإِجماع على أنه إذا رفع الحد إلى الإمام لم تجز الشفاعة فيه. واللَّه أعلم.

стр. 3241

١١ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: جئ بسارق إلى النبى ﷺ فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: اقطعوه. فقطع، ثم جئ به الثانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثم جئ به الثالثة فذكر مثله، ثم جئ به الرابعة كذلك، ثم جئ به الخامسة فقال: اقتلوه. أخرجه أبو داود والنسائى واستنكره، وأخرج من حديث الحارث ابن حاطب نحوه. وذكر الشافعى أن القتل فى الخامسة منسوخ. [المفردات] إنما سرق: أى إن حده قطع يده لا قتله. فقطع: أى قطع يده اليمنى. جئ به الثانية: أى سرق مرة ثانية وأحضر إلى رسول اللَّه ﷺ -

стр. 3242

فذكر مثله: أى مثل ما ذكر عند مجيئه للمرة الأولى فقطعت رجله يعنى اليسرى. ثم جئ به الثالثة: أى سرق للمرة الثالثة وأُحْضِرَ إلى رسول اللَّه ﷺ . فذكر مثله: أى مثل ما ذكر عند مجيئه فيما سبق. فقطع يده يعنى اليسرى. ثم جئ به الرابعة كذلك: أى ثم سرق للمرة الرابعة فقطع رجله يعنى اليمنى. ثم جئ به الخامسة: أى ثم سرق للمرة الخامسة. واستنكره النسائى: أى قال: هو حديث منكر. الحارث بن حاطب: هو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح القرشى الجمحى، ولد بأرض الحبشة وروى عن النبى ﷺ وعنه يوسف بن سعد الجمحى وأبو القاسم حسين بن الحارث الجدلى. استعمله ابن الزبير على مكة سنة ست وستين وذكره ابن حبان فى ثقات التابعين. وقد بقى إلى أيام مروان بن الحكم وكان يلى المساعى له على المدينة رضى اللَّه عنه نحوه: أى نحو حديث جابر رضى اللَّه تعالى عنه. [البحث] هذا الحديث رواه أبو داود والنسائى من طريق محمد بن عبد اللَّه بن عُبيد بن عَقِيلٍ عن جده عن مصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير

стр. 3243

عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه قال: جئ بسارق إلى النبى ﷺ فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جئ به الثانية فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق قال: اقطعوه قال: فقطع ثم جئ به الثالثة فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق قال: اقطعوه ثم أتى به الرابعة فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق قال: اقطعوه، فأتى به الخامسة فقال: اقتلوه أتى. قال جابر: فانطلقنا به، فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه فى بئر ورمينا عليه الحجارة وفى لفظ النسائى: قال جابر: فانطلقنا به إلى مِرْبَد النَّعم وحملناه فاستلقى على ظهره ثم كَشَّر بيديه ورجليه، فانصدعت الإِبل ثم حملوا عليه الثانية ففعل مثل ذلك، ثم حملوا عليه الثالثة فرميناه بالحجارة فقتلناه، ثم ألقيناه فى بئر ثم رمينا عليه الحجارة، قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوى فى الحديث واللَّه تعالى أعلم اهـ أما حديث الحارث بن حاطب فقد ساق النسائى من طريق سليمان بن سلم المُصاحِفِىّ البَلْخِىّ قال: حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا حماد قال أنبأنا يوسف عن الحارث ابن حاطب أن رسول اللَّه ﷺ أُتى بلص فقال: اقتلوه فقالوا يا رسول اللَّه إنما سرق فقال: اقتلوه قالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق قال: اقطعوا يده، قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبى بكر رضى اللَّه عنه حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا

стр. 3244

الخامسة فقال أبو بكر رضى اللَّه عنه كان رسول اللَّه ﷺ أعلم بهذا حين قال: اقتلوه. ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد اللَّه ابن الزبير، وكان يحب الإِمارة فقال: أَمِّرُونِى عليكم، فأمَّرُوه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه اهـ قال فى تلخيص الحبير عن حديث جابر: وفى إسناده مصعب بن ثابت وقد قال النسائى ليس بالقوى وهذا الحديث منكر، ولا أعلم فيه حديثا صحيحا، وفى الباب عن الحارث بن حاطب الجمحى عند النسائى والحاكم، وعن عبد اللَّه بن زيد الجهنى عند أبى نعيم فى الحلية. وقال ابن عبد البر: حديث القتل منكر لا أصل له. وقد قال الشافعى: هذا الحديث منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم قال ابن عبد البر: وهذا يدل على أن ما حكاه أبو مصعب عن عثمان وعمر بن عبد العزيز أنه يقتل لا أصل له اهـ على أنه ما دام هذا الحديث لا أصل له فلا حاجة إلى القول بأنه منسوخ لأن النسخ فرع ثبوته، وهو لم يثبت أصلا، واللَّه أعلم.

стр. 3245

باب حد الشارب وبيان المسكر

стр. 3246

١ - عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر، متفق عليه. ولمسلم عن على فى قصة الوليد بن عقبة: جلد النبى ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلى. وفى الحديث: أن رجلا شهد عليه أنه رآه يتقيأ الخمر، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها. [المفردات] حد الشارب: أى العقوبة المقدرة لمن شرب مسكرا. وبيان المسكر: أى وإيضاح حقيقة ما يغيب العقل من الأشربة وغيرها. أتى برجل قد شرب الخمر: أى جئ إلى رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم برجل سكران، قيل هو عبد اللَّه الذى كان يلقب حمارا وقيل هو ابن نعيمان وقيل هو نعيمان واللَّه أعلم. والخمر هو ما خامر العقل أى غطاه وستر أو خالطه فلم يتركه على حاله وهو المسكر وتسمى

стр. 3247

الخمر الإِثم على حد قول الشاعر: شربت الإِثم حتى حتى ضل عقلى ... كذاك الإثم يذهب بالعقول وقد كان بعض العرب يسميها القهوة ومنه قول الأعشى: وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ فى فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن ليس يدفع عن ذى الحيلة الحِيَلُ نازعتهم قضب الرمان متكئا ... وقهوة مزة راووقها خضل والحانوت كما فى القاموس: دكان الخمَّار ويُذَكَّرُ، والخَمَّارُ نفسه اهـ والقهوة الخمر والراووق إناء الخمر، والخضِلُ النَّدِىُّ الذى يُتَرَشَّفُ نداه. قال الحافظ فى الفتح: قال الراغب فى مفردات القرآن: سمى الخمر لكونه خامرا للعقل أى ساتر له وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم للمتخد من العنب خاصة وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر وعند بعضهم لغير المطبوخ فرجح أن كل شئ يستر العقل يسمى خمرا حقيقة. وكذا قال أبو نصر

стр. 3248

ابن القشيرى فى تفسيره: سميت الخمر: خمرا لسترها العقل، أو لاختمارها وكذا قال غير واحد من أهل اللغة منهم أبو حنيفة الدينورى، وأبو نصر الجوهرى، ونقل عن ابن الأعرابى قال: سميت الخمر لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها تغير رائحتها، وقيل: سميت بذلك لمخامرتها العقل. ثم قال الحافظ: لكن اختلف أهل اللغة فى سبب تسمية الخمر خمرا فقال أبو بكر بن الأنبارى سميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل أى تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء أى خالطه، وقيل: لأنها تخمر العقل أى تستره، ومنه الحديث الآتى قريبا "خَمِّرُوا آنيتكم" ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية، وقيل: سميت خمرا لأنها تخمر حتى تدرك كما يقال: خمرت العجين فتخمر أى تركته حتى أدرك. ومنه خمرت الرأى أى تركته حتى ظهر

стр. 3249

وتحرر، وقيل: سميت خمرا لأنها تغطى حتى تغلى ومنه حديث المختار بن فلفل: قلت لأنس: الخمر من العنب أو من غيرها؟ قال: ما خمرت من ذلك فهو الخمر. أخرجه ابن أبى شيبة بسند صحيح. ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان، قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة فى الخمرة لأنها تركت حتى أدركت وسكنت فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه اهـ. فجلده بجريدتين: أى فضربه بجريدتين، والجريد هو سعف النخل إذا جرد عنها خوصها أى ورقها، قال فى القاموس والجريدة سَعَفَة طويلة رطبة أو يابسة أو التى تُقَشَّرُ من خوصها اهـ وليس الجريد متعينا فى الضرب بل يجوز أن يكون بالسوط وهو المتخذ من سيور تلوى وتلف. نحو أربعين: أى مقدار أربعين جلدة بالجريدتين معا. وفعله أبو بكر: أى وجلد أبو بكر شارب الخمر بجريدتين نحو أربعين جلدة كذلك. استشار الناس: أى طلب منهم إبداء رأيهم وأخذ مشورتهم واستخرج ما عندهم من العلم فى جلد شارب الخمر.

стр. 3250

أخف الحدود ثمانين: أى يجلد شارب الخمر ثمانين جلدة وهى أخف الحدود كأنه قال: اجلده أخف الحدود أو اجعله كأخف الحدود. فقوله "أخف" منصوب بفعل مقدر. قال الحافظ فى الفتح: ووقع لبعض رواة مسلم "أخفَّ الحدود ثمانين" قال ابن دقيق العيد فيه حذف عامل النصب والتقدير اجعله، وتعقبه الفاكهى فقال: هذا بعيد أو باطل، وكأنه صدر عن غير تأمل لقواعد العربية، ولا لمراد المتكلم إذ لا يجوز: أجود الناس الزيدين على تقدير: اجعلهم لأن مراد عبد الرحمن الإخبار بأخف الحدود لا الأمر بذلك فالذى يظهر أن راوى النصب وهم، واحتمال توهيمه أولى من ارتكاب ما لا يجوز لفظا ولا معنى، ورد عليه تلميذه ابن مرزوق بأن عبد الرحمن مستشار والمستشار مسئول، والمستشير سائل، ولا يبعد أن يكون المستشار آمرا، قال: والمثال الذى مثل به غير مطابق. قلت: بل هو مطابق لما ادعاه أن عبد الرحمن قصد الإخبار فقط، والحق أنه أخبر برأيه مستندا إلى القياس، وأقرب التقادير: أخف الحدود أجده ثمانين، أو أجد أخف الحدود ثمانين

стр. 3251

فنصبهما، وأغرب ابن العطار صاحب النووى فى شرح العمدة فنقل عن بعض العلماء أنه ذكره بلفظ: أخف الحدود ثمانون، بالرفع، وأعربه مبتدأ وخبرا. قال: ولا أعلمه منقولا رواية كذا قال، والرواية بذلك ثابتة والأولى فى توجيهها ما أخرجه مسلم أيضا من طريق معاذ بن هشام عن أبيه "ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون فى جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود. قال فجلد عمر ثمانين. فيكون المحذوف من هذه الرواية المختصرة: أرى أن تجعلها وأداة التشبيه اهـ. فأمر به عمر: أى فنفذ عمر حد الخمر ثمانين وألزم به الحكام. فى قصة الوليد بن عقبة: أى فى حكاية ما ذكر عن شرب الوليد ابن عقبة الخمر وجلده. وهو الوليد بن عقبة بن أبى معيط بن أبى عمرو ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى الأموى أخو عثمان بن عفان رضى اللَّه تعالى عنه لأمه، فأمهما أروى بنت كريز وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول اللَّه ﷺ وقد أثر

стр. 3252

عن عثمان لما ولى الوليد الكوفة قال: ما وليت الوليد لأنه أخى وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول اللَّه ﷺ وتوأمة أبيه اهـ. وقد روى الإِمام أحمد فى مسنده من طريق شيخه فياض بن محمد الرقى عن جعفر بن برقان الرقى عن ثابت بن الحجاج الكلابى الرقى عن عبد اللَّه الهمدانى (وهو عبد اللَّه بن مالك بن الحارث) عن الوليد بن عقبة أن الوليد سيق يوم الفتح فى جملة الصبيان إلى رسول اللَّه ﷺ فمسح رءوسهم، وَبَرَّكَ عليهم إلا هو فقال: إنه كان على رأسى خَلوق فامتنع النبى ﷺ من مسه. وقد ولاه عثمان رضى اللَّه تعالى عنه الكوفة ولبث فى إمارتها خمس سنوات، ولم يكن لداره باب، وأقام للغرباء فنادق (دورا للضيافة) ينزلونها مجانا. وقد عزله عثمان رضى اللَّه عنه لما اتُّهمَ بشرب الخمر، ولما استشهد عثمان رضى اللَّه عنه اعتزل الوليد الناس وأقام فى قرية له من أعمال الرقة. ومن العجيب أن بعض الناس يفسر قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أنها نزلت فى الوليد ابن عقبة، لما أرسله رسول اللَّه ﷺ مُصَدِّقا فرجع

стр. 3253

وأخبر رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم بأنهم خرجوا لحربه فتهيأ رسول اللَّه ﷺ لقتالهم، فلما علموا جاءوا إلى النبى صلى اللَّه تعالى عليه وسلم وأخبروه أنهم على ما هم عليه من الإِسلام وأنهم لم يخرجوا لحربه فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. وللَّه الحمد لم يثبت هذا الخبر من طريق صحيح، وقد توفى رسول اللَّه ﷺ وهو لم يبلغ الحلم. قال القاضى أبو بكر بن العربى ﵀ فى العواصم من القواصم: فمن يكون فى مثل هذا السن يرسل مصدقا؟ وكل سُنة: أى وعمل رسول اللَّه ﷺ وعمل أبى بكر رضى اللَّه عنه عمل عمر رضى اللَّه عنه قدوة حسنة يُسْتَنُّ بها. وهذا أحب إلىَّ: أى وجلد الثمانين أحب إلىَّ أو وجلد الأربعين أحب إلىَّ إذ يجوز عود الضمير على فعل عمر كما يجوز عوده على ضرب الوليد. وفى الحديث: أى وفى حديث قصة جلد الوليد. شهد عليه: أى شهد على الوليد. أنه رآه يتقيأ الخمر: أى رأه يقذف الخمر من جوفه من طريق فمه. [البحث] قول المصنف رحمه اللَّه تعالى عن حديث أنس رضى اللَّه تعالى عنه "متفق عليه" وهم فإن البخارى لم يخرجه بهذا اللفظ ولا ذكر فى

стр. 3254

البخارى لقصة عبد الرحمن بن عوف الواردة فى هذا الحديث فهو مما انفرد به مسلم. ولفظ حديث أنس عند البخارى: أن النبى ﷺ ضرب فى الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين اهـ أما مسلم رحمه اللَّه تعالى فقد أخرجه من طريق شعبة عن قتادة عن أنس باللفظ الذى ساقه المصنف وقد أخرجه المجد ابن تيمية فى المنتقى باللفظ الذى ساقه المصنف أيضا ثم قال: رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى وصححه اهـ. وقد أخرجه مسلم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس بن مالك أن نبى اللَّه ﷺ جلد فى الخمر بالجريد والنعال ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون فى جلد الخمر فقال عبد الرحمن ابن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال: فجلد عمر ثمانين وفى لفظ: أن النبى ﷺ كان يضرب فى الخمر بالنعال والجريد أربعين اهـ قال الحافظ فى الفتح: وقد نسب صاحب العمدة قصة عبد الرحمن هذه إلى تخرج الصحيحين ولم يخرج البخارى منها شيئا وبذلك جزم عبد الحق فى الجمع ثم المنذرى اهـ وقد أخرج البخارى من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه ﷺ وإمرة أبى بكر وصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عَتَوا وفسقوا جلد ثمانين اهـ أما ما أشار إليه المصنف من

стр. 3255

حديث على فى قصة الوليد بن عقبة فقد أخرجه مسلم من طريق عبد اللَّه بن فيروز مولى ابن عامر الداناج حدثنا حضين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأتى بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيأ فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها فقال: يا على قم فاجلده، فقال على قم يا حسن فاجلده فقال الحسن: وَلِّ حَارَّها من تَوَلَّى قارَّها (فكأنه وَجَدَ عليه) فقال: يا عبد اللَّه بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلىٌّ يَعُدُّ حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبى ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، كلٌّ سُنَّة، وهذا أحب إلى اهـ. هذا وقد شنع بعض الناس على الوليد رضى اللَّه تعالى عنه واتخذوا من هذا الحديث ذريعة للنَّيل منه رضى اللَّه تعالى عنه مع أنه ليس فى شهادة الشاهدين ذكر لزيادة الوليد فى الصلاة وإنما هو من كلام شاهد المحاكمة الحضين بن المنذر ولم يكن حضين من الشهود ولم يكن فى الكوفة وقت الحادثة. وشهادة حمران كانت قاصرة على شرب الخمر وشهادة الشاهد الآخر الذى لم يسم فى الحديث كانت قاصرة على أنه رأه يتقيأ على أنه قد أثر أن ثلاثة رجال من أهل الكوفة يقال لأحدهم أبو زينب بن عوف الأزدى ويقال للثانى أبو مورع ويقال للثالث جندب بن زهير كان أبناؤهم نقبوا دارا لابن الحيسمان وقتلوه، فشهد شاهدان عليهم بالقتل، فأنفذ فيهم الوليد بن عقبة حكم اللَّه تعالى

стр. 3256

وقتلهم قصاصا. فقدم أبو المورع وأبو زينب إلى المدينة وشهدا على الوليد بشرب الخمر فقال لهما عثمان: كيف رأيتماه؟ قالا: كنا فى غاشيته، فدخلنا عليه وهو يقئ الخمر: فقال عثمان: ما يقئ الخمر إلا شاربها. فجئ بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان، وأخبره خبرهم، فقال عثمان: نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار. وقد ذكر ذلك ابن جرير الطبرى فى تاريخه فى حوادث سنة ٣٠ هجرية وقد ذكر بعض أهل العلم أن حمران مولى عثمان كان قد تزوج امرأة مطلقة فى عدتها فنفاه عثمان إلى الكوفة، ووقعت شحناء بينه وبين الوليد رضى اللَّه تعالى عنه وعلى كل حال فالوليد بن عقبة ليس معصوما من شرب الخمر والخطايا، ولا يستطيع أحد أن ينقل أن اللَّه قد أغلق باب التوبة فى وجهه وهو القائل : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لكن من حق أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم ورضى اللَّه تعالى عنهم أن يكف عن ذكر السوء عنهم، قال البخارى فى صحيحه: باب ما يكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج من الملة. حدثنا يحيى بن بكير حدثنى الليث قال: حدثنى خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب: أن رجلا على عهد النبى ﷺ كان اسمه عبد اللَّه وكان يلقب حِمَارًا، وكان يضحك رسول اللَّه ﷺ ، وكان النبى ﷺ قد جلده فى الشراب، فأتى به يوما فأمر به فَجُلِدَ، فقال رجل من القوم:

стр. 3257

اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبى ﷺ : "لا تلعنوه فواللَّه ما علمت. إنه يحب اللَّه ورسوله" وقد جاء فى شرح السنة بلفظ: فواللَّه ما علمت إلا أنه يحب اللَّه ورسوله وقد أشار الحافظ فى الفتح: إلى أنه قد وقع فى رواية أبى ذر عن الكشميهنى مثل ما فى شرح السنة. [ما يفيده الحديث] ١ - أنه يجوز أن يضرب شارب الخمر بجريدتين أربعين ضربة. ٢ - ويجوز ضرب شارب الخمر بسوط واحد ثمانين جلدة. ٣ - أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ أجمعوا فى عهد عمر رضى اللَّه عنه على جلد شارب الخمر ثمانين جلدة. ٤ - أن حد الخمر أخف الحدود كحد القذف. ٥ - أن حد الخمر ثبت بالسنة والإِجماع.

стр. 3258

٢ - وعن معاوية رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ أنه قال فى شارب الخمر: "إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثانية فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه" أخرجه أحمد وهذا لفظه والأربعة وذكر الترمذى ما يدل على أنه منسوخ وأخرج ذلك أبو داود صريحا عن الزهرى. [المفردات] قال فى شارب الخمر: أى فى شأن عقوبة من يشرب الخمر ويتكرر منه ذلك. إذا شرب الثانية: أى إذا شرب الخمر مرة أخرى بعد أن أقيم عليه

стр. 3259

الحد لما شرب المرة الأولى. ثم إذا شرب الرابعة: أى ثم إذا شرب الخمر مرة رابعة بعد أن عوقب على شربها ثلاث مرات. فاضربوا عنقه: أى فاقتلوه. ما يدل على أنه منسوخ: أى ما يفيد أن قتل شارب الخمر بعد شربه المرة الرابعة منسوخ وأنه لا يقتل لكن كلام الترمذى غير صريح فى ذلك. صريحا عن الزهرى: أى ونقل أبو داود تصريح الزهرى بأن قتل شارب الخمر إذا شرب للمرة الرابعة قد نسخ. [البحث] قال الترمذى باب ما جاء: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه. حدثنا أبو كريب ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبى صالح عن معاوية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من شرب فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه. وفى الباب عن أبى هريرة والشريد وشرحبيل بن أوس وجرير وأبى الرمداء البلوى وعبد اللَّه بن عمرو ثم قال: وإنما كان هذا فى أول الأمر ثم نسخ بعد هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه عن النبى ﷺ : قال: إن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه قال: ثم أتى النبى ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب فى الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهرى عن قبيصة بن ذؤيب عن النبى ﷺ نحو هذا قال: فرفع القتل وكانت رخصة، والعمل على هذا عند

стр. 3260

عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا فى ذلك فى القديم والحديث اهـ وقال أبو داود حدثنا أحمد بن عبدة الضبى ثنا سفيان قال الزهرى: أخبرنا عن قبيصة بن ذؤيب أن النبى ﷺ قال: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فى الثالثة أو الرابعة فاقتلوه. فأتى برجل قد شرب فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده، ورفع القتل وكانت رخصة. قال سفيان حدث الزهرى بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدى أهل العراق بهذا الحديث اهـ قال الحافظ فى الفتح: وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة وولد فى عهد النبى ﷺ ولم يسمع منه، ورجال هذا الحديث ثقات مع إرساله لكنه أعل بما أخرجه الطحاوى من طريق الأوزاعى عن الزهرى قال: بلغنى عن قبيصة، ويعارض ذلك رواية ابن وهب عن يونس عن الزهرى أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبى ﷺ . وهذا أصح لأن يونس أحفظ لرواية الزهرى من الأوزاعى، والظاهر أن الذى بلغ قبيصة ذلك صحابى فيكون الحديث على شرط الصحيح لأن إبهام الصحابى لا يضر اهـ واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - أن من تكرر منه شرب الخمر وحد فى كل مرة ولو زاد على أربع مرات فإنه لا يقتل.
следующие страницы →