Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
وقتلهم قصاصا.
فقدم أبو المورع وأبو زينب إلى المدينة وشهدا على الوليد بشرب الخمر فقال لهما عثمان: كيف رأيتماه؟ قالا: كنا فى غاشيته، فدخلنا عليه وهو يقئ الخمر: فقال عثمان: ما يقئ الخمر إلا شاربها. فجئ بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان، وأخبره خبرهم، فقال عثمان: نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار. وقد ذكر ذلك ابن جرير الطبرى فى تاريخه فى حوادث سنة ٣٠ هجرية وقد ذكر بعض أهل العلم أن حمران مولى عثمان كان قد تزوج امرأة مطلقة فى عدتها فنفاه عثمان إلى الكوفة، ووقعت شحناء بينه وبين الوليد رضى اللَّه تعالى عنه وعلى كل حال فالوليد بن عقبة ليس معصوما من شرب الخمر والخطايا، ولا يستطيع أحد أن ينقل أن اللَّه قد أغلق باب التوبة فى وجهه وهو القائل : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لكن من حق أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم ورضى اللَّه تعالى عنهم أن يكف عن ذكر السوء عنهم، قال البخارى فى صحيحه: باب ما يكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج من الملة. حدثنا يحيى بن بكير حدثنى الليث قال: حدثنى خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب: أن رجلا على عهد النبى ﷺ كان اسمه عبد اللَّه وكان يلقب حِمَارًا، وكان يضحك رسول اللَّه ﷺ ، وكان النبى ﷺ قد جلده فى الشراب، فأتى به يوما فأمر به فَجُلِدَ، فقال رجل من القوم:
стр. 3257
اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبى ﷺ : "لا تلعنوه فواللَّه ما علمت. إنه يحب اللَّه ورسوله" وقد جاء فى شرح السنة بلفظ: فواللَّه ما علمت إلا أنه يحب اللَّه ورسوله وقد أشار الحافظ فى الفتح: إلى أنه قد وقع فى رواية أبى ذر عن الكشميهنى مثل ما فى شرح السنة.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه يجوز أن يضرب شارب الخمر بجريدتين أربعين ضربة.
٢ - ويجوز ضرب شارب الخمر بسوط واحد ثمانين جلدة.
٣ - أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ أجمعوا فى عهد عمر رضى اللَّه عنه على جلد شارب الخمر ثمانين جلدة.
٤ - أن حد الخمر أخف الحدود كحد القذف.
٥ - أن حد الخمر ثبت بالسنة والإِجماع.
стр. 3258
٢ - وعن معاوية رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ أنه قال فى شارب الخمر: "إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثانية فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه" أخرجه أحمد وهذا لفظه والأربعة وذكر الترمذى ما يدل على أنه منسوخ وأخرج ذلك أبو داود صريحا عن الزهرى.
[المفردات]
قال فى شارب الخمر: أى فى شأن عقوبة من يشرب الخمر ويتكرر منه ذلك.
إذا شرب الثانية: أى إذا شرب الخمر مرة أخرى بعد أن أقيم عليه
стр. 3259
الحد لما شرب المرة الأولى.
ثم إذا شرب الرابعة: أى ثم إذا شرب الخمر مرة رابعة بعد أن عوقب على شربها ثلاث مرات.
فاضربوا عنقه: أى فاقتلوه.
ما يدل على أنه منسوخ: أى ما يفيد أن قتل شارب الخمر بعد شربه المرة الرابعة منسوخ وأنه لا يقتل لكن كلام الترمذى غير صريح فى ذلك.
صريحا عن الزهرى: أى ونقل أبو داود تصريح الزهرى بأن قتل شارب الخمر إذا شرب للمرة الرابعة قد نسخ.
[البحث]
قال الترمذى باب ما جاء: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه. حدثنا أبو كريب ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبى صالح عن معاوية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : من شرب فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه. وفى الباب عن أبى هريرة والشريد وشرحبيل بن أوس وجرير وأبى الرمداء البلوى وعبد اللَّه بن عمرو ثم قال: وإنما كان هذا فى أول الأمر ثم نسخ بعد هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه عن النبى ﷺ : قال: إن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه قال: ثم أتى النبى ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب فى الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهرى عن قبيصة بن ذؤيب عن النبى ﷺ نحو هذا قال: فرفع القتل وكانت رخصة، والعمل على هذا عند
стр. 3260
عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا فى ذلك فى القديم والحديث اهـ وقال أبو داود حدثنا أحمد بن عبدة الضبى ثنا سفيان قال الزهرى: أخبرنا عن قبيصة بن ذؤيب أن النبى ﷺ قال: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فى الثالثة أو الرابعة فاقتلوه. فأتى برجل قد شرب فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده، ورفع القتل وكانت رخصة. قال سفيان حدث الزهرى بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدى أهل العراق بهذا الحديث اهـ قال الحافظ فى الفتح: وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة وولد فى عهد النبى ﷺ ولم يسمع منه، ورجال هذا الحديث ثقات مع إرساله لكنه أعل بما أخرجه الطحاوى من طريق الأوزاعى عن الزهرى قال: بلغنى عن قبيصة، ويعارض ذلك رواية ابن وهب عن يونس عن الزهرى أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبى ﷺ . وهذا أصح لأن يونس أحفظ لرواية الزهرى من الأوزاعى، والظاهر أن الذى بلغ قبيصة ذلك صحابى فيكون الحديث على شرط الصحيح لأن إبهام الصحابى لا يضر اهـ واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من تكرر منه شرب الخمر وحد فى كل مرة ولو زاد على أربع مرات فإنه لا يقتل.
стр. 3261
٣ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه" متفق عليه.
[المفردات]
إذا ضرب أحدكم: أى إذا أراد أن يضرب أحدكم يعنى إنسانا فى حد أو تعزير أو تأديب أو دفع صائل أو غير ذلك.
فليتق الوجه: أى فليجتنب ضرب وجهه.
[البحث]
أورد مسلم ﵀ هذا الحديث بعدة ألفاظ فأخرجه من طريق المغيرة (يعنى الحِزَامى) عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه. وأخرجه من طريق سفيان بن عيينة عن أبى الزناد بهذا الإِسناد وقال: "إذا ضرب أحدكم أخاه" وأخرجه من طريق سهيل عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه" وأخرجه من طريق قتادة سمع أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يَلطِمَنَّ الوجهَ" ثم قال مسلم: حدثنا نصر بن على الجهضمى حدثنى أبى حدثنا المثنى ح وحدثنى محمد بن حاتم حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن أبى أيوب عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، وفى حديث ابن حاتم: عن النبى ﷺ قال: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن اللَّه خلق آدم على صورته" حدثنا
стр. 3262
محمد بن المثنى حدثنى عبد الصمد حدثنا همام حدثنا قتادة عن يحيى ابن مالك المراغى (وهو أبو أيوب) عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه اهـ وليس فى البخارى لفظ (أخاه)، وإنما أورده البخارى باللفظ الذى ساقه المصنف. قال بعض أهل العلم: إنما يجتنب الوجه لأنه لطيف لا يتحمل ما يتحمل غيره من أعضاء الجسم سوى المراق والمذاكير، كما أنه يجمع محاسن كثيرة وفيه أكثر الجوارح وأخطرها وقد جاء تعليل النبى عن ضرب الوجه بقوله فى بعض روايات مسلم "فإن اللَّه خلق آدم على صورته" وأكثر أهل العلم يرجع الضمير إلى المضروب، وبعض أهل العلم يرجع الضمير إلى آدم أى اجتنبوا ضرب الوجه إكراما لآدم لمشابهته لصورة المضروب ومراعاة لحق الأبوة.
[ما يفيده الحديث]
١ - ينبغى اجتناب وجه الإِنسان عند ضربه فى حد أو تعزير أو غيرهما.
٢ - أنه ينبغى مراعاة الإِحسان للناس حتى عند إقامة الحدود عليهم أو تعزيرهم.
стр. 3263
٤ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقام الحدود فى المساجد" رواه الترمذى والحاكم.
стр. 3264
[المفردات]
لا تقام الحدود فى المساجد: أى لا تنفذ الحدود فى بيوت اللَّه.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث ابن عباس: لا تقام الحدود فى المساجد. الترمذى وابن ماجه من حديث ابن عباس وفيه إسماعيل بن مسلم المكى، وهو ضعيف ورواه أبو داود والحاكم وابن السكن وأحمد بن حنبل والدارقطنى والبيهقى من حديث حكيم بن حزام ولا بأس بإسناده، ورواه البزار من حديث جبير بن مطعم وفيه الواقدى، ورواه ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: رأى أن يجلد الحد فى المسجد. وفيه ابن لهيعة اهـ. على أنه من المقرر فى الشريعة صيانة. المساجد عما يشوش على المصلين أو يتسبب فى تقذيرها. واللَّه أعلم.
стр. 3265
٥ - وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: لقد أنزل اللَّه تحريم الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر" أخرجه مسلم.
[المفردات]
لقد أنزل اللَّه تحريم الخمر: يعنى فى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ
стр. 3266
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.
وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر: أى وليس فى المدينة المنورة شراب مسكر إلا المصنوع من التمر يعنى من ثمر النخل ويقال له: الفضيخ إذا كان من بسر خالص فإن كان معه تمر فهو الخليط.
[البحث]
أخرج مسلم حديث أنس بعدة ألفاظ منها: كنت ساقى القوم يوم حُرِّمت الخمر فى بيت أبى طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر" وفى لفظ من طريق سليمان التيمى عن أنس قال: إنى لقائم على الحى على عمومتى أسقيهم من فضيخ لهم وأنا أصغرهم سنا فجاء رجل فقال: إنها قد حرمت الخمر، فقالوا: اكفئها يا أنس فكفأتها. قال: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بُسر ورطب. وفى لفظ من طريق قتادة عن أنس بن مالك قال: كنت أسقى أبا طلحة وأبا دجانة ومعاذ بن جبل فى رهط من الأنصار فدخل علينا داخل فقال: حدث خبر، نزل تحريم الخمر فأكفأناها يومئذ وإنها لخليط البسر والتمر قال قتادة: وقال أنس: لقد حرمت الخمر وكانت عامة خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر. ثم أخرجه باللفظ الذى ساقه المصنف. وسيأتى فى الحديث الذى يلى هذا الحديث ما يفيد أن
стр. 3267
الخمر كانت تصنع عندهم من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. وأن الخمر ما خامر العقل. وحديث أنس رضى اللَّه تعالى عنه يشعر بأن أكثر خمورهم كانت تصنع من التمر، وليس مراده نفى وجود خمر مصنوع من نوع آخر، لأن نفيه إنما هو على حد علمه، فإذا ثبت وجود خمر مصنوع من نوع آخر فالمثبت مقدم على النافى. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب.
٢ - أن المتخذ من البسر والتمر يسمى خمرا أيضا.
стр. 3268
٦ - وعن عمر رضى اللَّه عنه قال: نزل تحريم الخمر، وهى من خمسةٍ من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. متفق عليه.
[المفردات]
وهى من خمسة: أى وهى تصنع من خمسة أشياء.
والخمر ما خامر العقل: أى والخمر تطلق على كل ما خالط العقل وغطاه من المشروبات ونحوها.
[البحث]
هذا الحديث قاعدة من القواعد الشرعية التى تقرر أن كل ما غطى
стр. 3269
العقل وخمره وأزال إدراكه من مشروب أو مأكول أو غيره يسمى خمرا ولا يحل تعاطيه، ويحد من تناوله باختياره من المكلفين وهو يفيد أن الحصر فى حديث أنس الذى قبله ليس على إطلاقه وأن المراد من حديث أنس هو الأعم الأغلب فى الاستعمال آنذاك: قال الحافظ فى الفتح: (قوله نزل تحريم الخمر وهى من خمسة) الجملة حالية أى نزل تحريم الخمر فى حال كونها تصنع من خمسة، ويجوز أن تكون استئنافية أو معطوفة على ما قبلها والمراد أن الخمر تصنع من هذه الأشياء لأن ذلك يختص بوقت نزولها، والأول أظهر لأنه وقع فى رواية مسلم بلفظ: ألا وأن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهى من خمسة أشياء اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب.
٢ - أن الخمر قد تتخذ من التمر والعسل والحنطة والشعير كما تتخذ من العنب.
٣ - أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فيعم المشروبات والمأكولات التى تسكر.
стр. 3270
٧ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" أخرجه مسلم.
стр. 3271
[المفردات]
كل مسكر خمر: أى كل ما غطى العقل وأزال الإِدراك والتمييز من مشروب أو مأكول يسمى خمرا وينطبق عليه حكم الخمر.
وكل مسكر حرام: أى وكل ما ثبت إسكاره ثبت تحريمه.
[البحث]
حديث ابن عمر رضى اللَّه تعالى عنهما هذا يفيد ما أفاده الحديث الذى قبله من أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل وأسكر وقد أخرج البخارى من طريق سفيان عن أبى الجويرية قال: سألت ابن عباس عن الباذق فقال: سبق محمد ﷺ الباذق، فما أسكر فهو حرام. قال: الشراب الحلال الطيب، قال ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث. اهـ والباذق خمر تتخذ من العسل، وقيل هو الطلاء وقال فى القاموس: الباذق بكسر الذال فتحها ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخة فصار شديدا اهـ وقال الحافظ فى الفتح: وقال ابن التين: هو فارسى معرب: وقال الجواليقى: أصله باذه وهو الطلاء وهو أن يطبخ العصير حتى يصير مثل طلاء الإِبل اهـ والطلاء بكسر المهملة هو الدبس شبه بطلاء الإِبل وهو القطران الذى يدهن به، واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن كل مسكر خمر.
стр. 3272
٢ - وأن كل مسكر حرام.
٣ - وأن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب.
стр. 3273
٨ - وعن جابر رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" أخرجه أحمد والأربعة صححه ابن حبان.
[المفردات]
ما أسكر كثيره فقليله حرام: أى كل شئ يسكر الشخص إذا تناول منه الشئ الكثير ولا يسكره إذا تناول منه الشئ القليل فإنَّ تَنَاوُلَ القليل منه محرم وإن لم يسكر ما دام الكثير منه يسكر.
[البحث]
قال فى تلخيص الحبير: حديث جابر: ما أسكر كثيره فالفرق منه حرام. ابن ماجه من حديث سلمة بن دينار عن ابن عمر وفى إسناده ضعف وانقطاع، ورواه أبو داود والترمذى وابن ماجه أيضا من حديث جابر لكن لفظه: ما أسكر كثيره فقليله حرام. حسنه الترمذى ورجاله ثقات. ورواه النسائى والبزار وابن حبان من طريق عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن قليل ما أسكر كثيره، وفى الباب عن على وعائشة وخوات بن جبير وسعد وعبد اللَّه بن عمرو وابن عمر وزيد بن ثابت اهـ.
وقد قال الترمذى بعد أن أخرج حديث جابر: وفى الباب عن سعد
стр. 3274
وعائشة وعبد اللَّه بن عمرو وابن عمر وخوات بن جبير. هذا حديث حسن غريب من حديث جابر اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن ما أسكر كثيره فقليله حرام وإن لم يسكر.
٢ - وجوب سد ذرائع المسكرات والابتعاد عن سائر وسائلها.
стр. 3275
٩ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُنْبَذُ له الزَّبيب فى السقاء فيشربه يَوْمَهُ والغَدَ وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه، فإن فضل شئ أهراقه. أخرجه مسلم.
[المفردات]
ينبذ له: أى يُطْرَحُ من أجْلِ رسول اللَّه ﷺ ويُنقَعُ.
الزبيب: هو الجاف الذاوى من العنب.
فى السقاء: قال فى القاموس: والسِّقَاء كَكِساء جلد السخلة إذا أجذع يكون للماء واللبن ج أسقية وأسقيات وأساق اهـ.
يومه: أى فى اليوم الذى انتبذ فيه.
والغد: أى واليوم الثانى من انتباذه.
وبعد الغد: أى وفى اليوم الثالث من انتباذه.
стр. 3276
فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه: أى فإذا كان آخر اليوم الثالث من انتباذه يشرب منه ويسقى منه غيره.
فإن فضل منه شئ أهراقه: أى فإن بقى منه شئ لم يشرب مساء الثالثة صبه على الأرض وامتنع من شربه أو سقيه. يقال: هَرَاقَهُ وَأهْرَقَهُ وَأَهْرَاقَهُ وأراقه أى صبه.
[البحث]
حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما هذا أخرجه مسلم بعدة روايات من عدة طرق فأخرجه باللفظ الذى ساقه المصنف من طريق إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن الأعمش عن يحيى بن أبى عمر عن ابن عباس وأخرجه من طريق عبيد اللَّه بن معاذ العنبرى عن أبيه عن شعبة عن يحيى بن عبيد أبى عمر البَهرانى قال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول اللَّه ﷺ ينتبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التى تجئ والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقى شئ سقاه الخادم أو أمَرَ به فَصُبَّ. ثم قال مسلم حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يحيى البهراني قال: ذكروا النبيذ عند ابن عباس فقال: كان رسول اللَّه ﷺ ينتبذ له فى سقاء قال شعبة من ليلة الاثنين فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إلى العصر فإن فضل منه شئ سقاه الخادم أو صبه، وحدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم (واللفظ لأبى بكر وأبى كريب) قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخرين: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش
стр. 3277
عن أبى عمر عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُنقَعُ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق. وقوله فى رواية عبد اللَّه بن معاذ العنبرى (سقاه الخادم أو أمر به فصب) وقوله فى رواية محمد بن بشار (سقاه الخادم أو صبه) وقوله فى رواية أبى بكر وأبى كريب (ثم يأمر به فيسقي أو يهراق) "أو" فيه للتنويع أى إذا وجد له من يشربه سقاه. فإن لم يجد من يشربه صبه لأنه يبدأ فساده بعد ذلك. وليس المراد استواء حالة النبيذ عندما يعطيه الخادم أو يصبه. بل ليس المراد أيضا اختصاص الخادم بشربه آنذاك بدليل رواية أبى بكر وأبى كريب "ثم يأمر به فيسقى أو يهراق" فهى أعم وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة الصريحة فى أمر رسول اللَّه ﷺ بتكريم الخادم وإطعامه مما يطعم مخدومه. ولا نزاع عند أهل العلم فى أن نقع الزبيب فى الماء أو نقع التمر فى الماء مباح ما دام لم يتغير ولم يتطرق إليه الفساد ويسمى وهو بهذه الحالة نبيذا. كما أنه إن تغير وفسد يسمى نبيذا كذلك وهو حرام حينئذ قال النووى: فى هذه الأحاديث دلالة على جواز الانتباذ وجواز شرب النبيذ ما دام حلوا، لم يتغير ولم يغل وهذا جائز بإجماع الأمة اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز طرح الزبيب أو التمر مع الماء فى السقاء وشربه ما دام حلوا.
٢ - لا يجوز أن يشرب من مثل هذا النبيذ أكثر من ثلاثة أيام.
стр. 3278
١٠ - وعن أم سلمة رضى اللَّه عنها عن النبى ﷺ قال: "إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرَّمَ عليكم" أخرجه البيهقى وصححه ابن حبان.
[المفردات]
شفاع: أى دواء مرضكم وعلاج سَقَامكم.
فيما حرَّم عليكم: أى فيما نهاكم عن تناوله من الأشربة أو الأطعمة أو غيرها.
[البحث]
لعل إيراد المصنف لهذا الحديث هنا فى باب حد شارب الخمر وبيان المسكر للتنبيه على أنه لا يحل لأحد أن يتعاطاها بدعوى التداوى وأن مثل هذه الدعوى لا تكون عذرا يدرأ الحد عنه وقد علق البخارى ﵀ عن ابن مسعود رضى اللَّه تعالى عنه أنه قال: إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم. قال الحافظ فى الفتح: قد رويت الأثر المذكور فى فوائد على بن حرب الطائى عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبى وائل قال: اشتكى رجل منا يقال له خيثم بن العداء داء ببطنه يقال له الصفر فنعت له السكر فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فذكره. وأخرجه ابن أبى شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أحمد فى كتاب الأشربة والطبرانى فى الكبير من طريق أبى وائل نحوه، وروينا فى نسخة داود بن نصير الطائى بسند صحيح عن مسروق قال: قال عبد اللَّه هو ابن مسعود: لا تسقوا أولادكم الخمر فإنهم ولدوا على الفطرة، وإن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم
стр. 3279
وأخرجه ابن أبى شيبة من وجه آخر عن ابن مسعود كذلك. ثم قال الحافظ: وأخرج إبراهيم الحربى فى غريب الخديث من هذا الوجه قال: أتينا عبد اللَّه فى مجدرين أو محصبين نعت لهم السكر فذكر مثله ولجواب ابن مسعود شاهد آخر أخرجه أبو يعلى وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة قالت: اشتكت بنت لى فنبذت لها فى كوز فدخل النبى ﷺ وهو يغلى، فقال: "ما هذا؟ " فأخبرته فقال: "إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرَّمَ عليكم" اهـ وسيأتى مزيد بحث لهذا فى الحديث الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 3280
١١ - وعن وائل الحضرمى أن طارق بن سُوَيْد رضى اللَّه عنه سأل النبى ﷺ عن الخمر يصنعها للدواء فقال: "إنها ليست بدواء ولكنها داء" أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما.
[المفردات]
وائل الحضرمى: هو وائل بن حجر رضى اللَّه تعالى عنه.
طارق بن سويد: قال فى تهذيب التهذيب: طارق بن سويد ويقال: سويد بن طارق الحضرمى ويقال الجعفى. له صحبة، حديثه عند أهل الكوفة. روى عن النبى ﷺ فى الأشربة روى حديثه سماك بن حرب واختلف عليه فيه فقال شعبة عنه عن علقمة
стр. 3281
ابن وائل عن أبيه قال: ذكر طارق بن سويد أو سويد بن طارق. وقال حماد بن سلمة عن علقمة عن طارق ولم يشك ولم يذكر أباه. قلت: قال أبو حاتم الرازى: سويد بن طارق أشبه. وقال البخارى: فى اسمه نظر، وقال البغوى: الصحيح عندى طارق بن سويد وكذا قال أبو على ابن السكن وقال ابن مندة: سويد بن طارق وهم اهـ وقد رمز فى التقريب وتهذيب التهذيب إلى أنه أخرج حديثه أبو داود وابن ماجه ولم يشر إلى تخريج مسلم له.
عن الخمر يصنعها للدواء: أى عن حكم صناعة الخمر للعلاج فقط.
فقال: أى رسول اللَّه ﷺ .
إنها ليست بدواء: أى إن الخمر لا تكون علاجا وشفاء.
ولكنها داء: أى ولكن الخمر مرض.
وغيرهما: كأحمد وابن ماجه وابن حبان.
[البحث]
قال مسلم فى صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار (واللفظ لابن المثنى) قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثتا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل الحضرمى أن طارق بن سويد الجعفى سأل النبى ﷺ عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها
стр. 3282
للدواء فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء". وقد أثبتت التحاليل "الكيمائية" للمسكرات خطورة ما تحتويه من مواد تهدم خلايا المخ وتصيبه بالشلل وتفتك بالجهاز (العصبى) للإِنسان، مع التأثير السام المباشر على عضلة القلب، وانخفاض قدرة الكبد على "أكسدة" الأحماض الدهنية، ويصاب من يشرب الخمر غالبا بتصلب الشرايين و"الجلطات" و"الذبحات" الصدرية، كما تسبب الخمر تهيجا للأغشية الخاطية للجهاز الهضمى مما يؤدى إلى الاحتقان والقرحات وقد يؤدى إلى السرطان ولاسيما سرطان المرئ والبلعوم، ولذلك جعل اللَّه من أخص صفات رسول اللَّه ﷺ فى الكتب السماوية السابقة أنه يُحِلُّ الطيبات ويحرم الخبائث حيث قال ﵎: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وقد روى الإِمام أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه بإسناد صحيح عن أم سلمة رضى اللَّه تعالى عنها قالت: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن كل مسكر ومفتر" والمفتر هو المخدر، ومن الملاحظ أن الشريعة الإِسلامية وضعت للمسكر حدا، ولما يُفَتِّرُ تعزيرا، وهذا من أبرز الآيات البينات على دقة الشريعة الإِسلامية وشمولها وكما لها وصلاحها لكل زمان ومكان وجيل وقبيل، إذ أن الحدود لا يجوز لأحد أن يزيد عليها أو ينقص منها بخلاف التعزير فإنه قد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، إذ أن موجب الحد وهو الإِسكار لا يحتاج فى
стр. 3283
معرفته إلى كبير دراسة أو كثير عناء بخلاف ما يوجب التعزير من المخدرات فإنها تحتاج إلى بذل مجهود كبير نظرا لدقة آثارها واختلاف تأثيرها، وقد يكون تأثير الخدرات أخطر على الفرد والمجتمع من تأثير المسكرات، فكان مشروعية التعزير فيها حتى تقدر العقوبة فيها بقدر أوضارها التى قد تستوجب قتل أصحابها أحيانا، ومما ينبغى التنبيه عليه هنا أن علماء الإِسلام هم أسبق الباحثين فى العالم إلى كشف أضرار المخدرات حتى أوصلها بعضهم إلى مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية، كما جاء فى كثير من دوائر المعارف العالمية والإِسلامية. فلله الحمد والمنة.
[ما يفيده الحديث]
١ - لا يجوز التداوى بالخمر.
٢ - لا يجوز التداوى بشئ من المحرمات.
стр. 3284
باب التعزير وحكم الصائل
стр. 3285
١ - عن أبى بردة الأنصارى رضى اللَّه عنه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يُجْلَدُ فوق عشرة أسواط إلا فى حد من حدود اللَّه" متفق عليه.
[المفردات]
التعزير: تدور مادة التعزير على التقوية والتفخيم والتعظيم والمنع والردع والإِجبار على الأمر والضرب الشديد والمراد هنا هو العقوبة غير المقدرة على ذنب لا حد فيه.
وسمى تعزيرا لما يترتب عليه من الردع والتأديب وتقوية أوامر الشرع. قال الحافظ فى الفتح: التعزير: مصدر عزره وهو مأخوذ من العزر وهو الرد والمنع واستعمل فى الدفع عن الشخص كدفع أعدائه عنه ومنعهم من إضراره، ومنه ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ وكدفعه عن إتيان القبيح، ومنه: عزره القاضى أى أدبه لئلا يعود إلى القبيح ويكون بالقول وبالفعل بحسب ما يليق به. ثم فرق الحافظ بين التأديب والتعزير بأن التعزير يكون بسبب المعصية والتأديب أعم منه ومنه تأديب الولد وتأديب المعلم اهـ
стр. 3286
والتعزير يغاير الحد بأنه يختلف باختلاف الناس وملابسات الذنب وآثاره كما تجوز الشفاعة فيه بخلاف الحد، وهو مفوض إلى نظر الحاكم الشرعى وما يراه من المصلحة.
الصائل: هو من يسطو على غيره بغير حق.
أبو بردة: قال فى التقريب: أبو بردة بن نيار بكسر النون بعدها تحتانية خفيفة، البَلَوَى حليف الأنصار، صحابى، اسمه هانى وقيل الحارث بن عمرو وقيل مالك بن صبيرة مات سنة إحدى وأربعين وقيل بعدها اهـ وأشار فى تهذيب التهذيب إلى أن الأول أصح وذكر أنه خال البراء بن عازب وقيل عمه، رضى اللَّه تعالى عنهما.
لا يجلد: أى لا يُضْرَبُ.
فوق عشرة: أى أكثر من عشرة.
أسواط: هى جمع سوط وقد تقدم أنه المتخذ من سيور تلوى وتلفُّ.
إلا فى حد: المراد بالحد هنا هو حق اللَّه تعالى مما فيه عقوبة مقدرة كحد زنا البكر والقذف والخمر أو لم تكن فيه عقوبة مقدرة كالتعزير.
[البحث]
قوله ﷺ : "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا
стр. 3287
فى حد من حدود اللَّه" هو تحذير وإرشاد من الزيادة فى الضرب فوق عشرة أسواط فى غير حق من حقوق اللَّه تعالى، إذ قد يحتاج الأب فى تربية ولده أو المعلم فى تعليم الصبى أو الزوج فى تأديب زوجته إلى الضرب فأرشد رسول اللَّه ﷺ إلى أنه ينبغى أن يكون ذلك فى حدود عشرة أسواط وحذره من الزيادة على ذلك. قال ابن القيم ﵀: المراد بالحدود هنا الحقوق التى هى أوامر اللَّه ونواهيه وهى المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وفى أخرى ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ ثم قال ابن القيم ﵀: فلا يزاد على العشر فى التأديبات التى لا تتعلق بمعصية كتأديب الأب ولده الصغير اهـ واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه لا يجوز للمؤدب فى غير معصية أن يزيد على عشرة أسواط.
٢ - أنه كلما أمكن التأديب بغير الضرب فلا ينبغى الالتجاء إلى الضرب.
стр. 3288
٢ - وعن عائشة رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال: "أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا الحدود" رواه أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى.
стр. 3289
[المفردات]
أقِيلُوا ذوى الهيئات عثراتهم: أى سامحوا الذين يعُرَفُونَ بالخير ولم يُؤْثَرْ عنهم شر، إذا كبا أحدهم كبوة وزل زلة ولا تفضحوهم وتجاوزوا لهم عن مؤاخذتهم واعفوا عن هفواتهم.
إلا الحدود: أى إلا إذا ارتكب أحد من ذوى الهيئات ذنبا يوجب حدا فأقيموه عليهم ولا تتجاوزوا عنهم.
[البحث]
قال فى تلخيص الحبير: حديث: أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا فى الحدود" أحمد وأبو داود والنسائى وابن عدى والعقيلى من حديث عمرة عن عائشة، وقال العقيلى: له طرق، وليس فيها شئ يثبت. وذكره ابن طاهر من رواية عبد اللَّه بن هارون بن موسى الفروى عن القعنبى عن ابن أبى ذئب عن الزهرى عن أنس وقال: هو بهذا الإِسناد باطل. والعمل فيه على الفروى، ورواه الشافعى وابن حبان فى صحيحه وابن عدى أيضا والبيهقى من حديث عائشة بلفظ: أقيلوا ذوى الهيئات زلاتهم. ولم يذكر ما بعده، قال الشافعى: وسمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: يتجافى للرجل ذى الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدا. وقال عبد الحق: ذكره ابن عدى فى باب واصل بن عبد الرحمن الرقاشى ولم يذكر له علة. قلت: وواصل هو أبو حرة ضعيف. وفى إسناد بن حبان: أبو بكر بن نافع
стр. 3290
وقد نص أبو زرعة على ضعفه فى هذا الحديث اهـ وقال فى تهذيب التهذيب فى ترجمة أبى علقمة الفروى الصغير: اسمه عبد اللَّه بن هارون ابن مولى بن أى علقمة الفروى الكبير ثم قال: قال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث وأبوه هارون بن مولى من الثقات وقال ابن عدى: له مناكير، قلت: وأورد له حديثين باطلين بإسناد الصحيح (الأول) قال ابن عدى: كتب إلى مكحول يعنى محمد بن عبد السلام البيروتى الحافظ أنا عبد اللَّه بن هارون أنا القعنبى ثنا ابن أبى ذئب عن ابن شهاب عن أنس مرفوعا: أقيلوا ذوى الهيئات زلاتهم. والثانى من روايته عن أبيه عن بكير عن الزهرى عن عبيد اللَّه عن ابن عباس مرفوعا: لا سبق إلا فى خف أو نصل أو حافر قال ابن عدى: هذان باطلان بهذا الإِسناد انتهى، هكذا نقلته من الميزان ووجدت فى كامل ابن عدى له حديثا ثالثا بإسناد آخر قال ابن عدى عقيبه: بهذا الإِسناد ليس له أصل اهـ وسيأتى إن شاء اللَّه تعالى فزيد تحقيق لحديث "لا سبق إلا فى خف أو نصل أو حافر" عند بحث الحديث الثالث من أحاديث باب السبق والرمى.
стр. 3291
٣ - وعن على رضى اللَّه عنه قال: ما كنتُ لأقيم على أحد حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فى نفسى إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته" أخرجه البخارى.
стр. 3292
[المفردات]
ما كنت لأقيم على أحد حدا: أى ما كنت لأنفذ فى شخص حدا من حدود اللَّه قد استوجبه.
فيموت: أى بسبب إقامة الحد عليه من الجلد أو القطع.
فأجد فى نفسى: أى فَأَحسّ بأنى ظلمته أو تسببت فى موته، قال الحافظ فى الفتح: ومعنى أجد من الوجد وله معان اللائق منها هنا الحزن.
إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته: أى إلا شارب الخمر فإنه لو مات بسبب إقامتى الحدَّ عليه لَسُقْتُ ديته لمن يستحق قبضها.
[البحث]
قول المصنف هنا: أخرجه البخارى يوهم. أنه انفرد به مع أن مسلما أخرجه كذلك ولفظ هذا الحديث عند البخارى فى باب الضرب بالجريد والنعال من طريق سفيان عن أبى حصين عن عُمَيْر بن سعيد النخعى قال: سمعت على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه قال: ما كنت لأقيم حَدًّا على أحدٍ فَيموتَ فأجدَ فى نفسى إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يَسُنَّه اهـ.
أما مسلم فقد أخرجه أيضا من طريق سفيان الثورى عن أبى حصين عن عمير بن سعيد عن على قال: ما كنت أقيم على أحد
стр. 3293
حَدًّا فيموت فيه فأجد منه فى نفسى إلا صاحب الخمر لأنه إن مات وديته لأن رسول اللَّه ﷺ لم يسنه اهـ والظاهر أن قول على رضى اللَّه تعالى عنه: لأن رسول اللَّه ﷺ لم يسنه أى لم يضربه على وتيرة واحدة فى جميع الحالات كما فى القذف وزنا البكر وإنما كان يأمر من يحضر شارب الخمر عند الإِتيان به بضربه بالجريد والنعال أو بجريدتين نحو أربعين ومما يؤكد ذلك أن عليا رضى اللَّه تعالى عنه وصف ما فعله عمر من ضرب شارب الخمر ثمانين بأنه سنة ووصف ما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ فى ضرب شارب الخمر بأنه سنة حيث قال: وكل سنة، كما تقدم فى الحديث الأول من أحاديث باب حد شارب الخمر وبيان المسكر، واللَّه أعلم.
стр. 3294
٤ - وعن سعيد بن زيد رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد" رواه الأربعة صححه الترمذى.
[البحث]
هذا الحديث ساقه المصنف من طريق عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما فى أول أحاديث باب قتال الجانى وقتل المرتد وقال: أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى وصححه، وأخرجه هنا من طريق سعيد بن زيد رضى اللَّه تعالى عنه وقال: رواه الأربعة وصححه الترمذى.
стр. 3295
وقد ذكرت فى بحث الحديث الأول من أحاديث باب قتال الجانى وقتل المرتد أن البخارى أخرجه من طريق عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما بهذا اللفظ أيضا. وذكرت هناك ما يتعلق بهذا الحديث.
следующие страницы →