← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

٩ - وعن نافع رضى اللَّه عنه قال: أغار رسول اللَّه ﷺ على بنى المصطلق وهم غَارُونَ فقتل مقاتلتهم وسَبَى ذراريهم، حدثنى بذلك عبد اللَّه بن عمر. متفق عليه. وفيه: وأصاب يومئذ جويرية. [المفردات] نافع: هو أبو عبد اللَّه نافع مولى عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه تعالى عنهما أصابه ابن عمر فى بعض مغازيه. وقد روى عن ابن عمر وأبى هريرة وأبى لبابة بن عبد المنذر وأبى سعيد الخدرى ورافع بن خديج وعائشة وأم سلمة رضى اللَّه عنهم كما روى عنه أولاده أبو عمر وعمر وعبد اللَّه، وعبد اللَّه بن دينار وصالح بن كيسان ويحيى بن سعيد الأنصارى ومالك بن أنس والليث بن سعد وخلق كثير قال فى تهذيب التهذيب: قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال البخارى: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال بشر بن عمرو عن مالك: كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر لا أبالى أن لا أسمعه من غيره، وقال عبد اللَّه بن عمر: لقد من اللَّه تعالى علينا بنافع وقال فى تهذيب التهذيب أيضا، وقال ابن شاهين فى الثقات: قال أحمد بن

стр. 3327

صالح المصرى: كان نافع حافظا ثبتا له شأن وهو أكبر من عكرمة عند أهل المدينة، وقال الخليلى: نافع من أئمة التابعين بالمدينة إمام فى العلم، متفق عليه، صحيح الرواية، منهم من يقدمه على سالم، ومنهم من يقارنه به، ولا يعرف له خطأ فى جميع ما رواه اهـ وقد اختلف فى سنة وفاته فقيل سنة ١١٧ هـ وقيل ١١٩ هـ وقيل ١٢٠ هـ ﵀. أغار: أى هجم. المصطلق: بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف، والمصطلق لقب جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة. وهم بطن من خزاعة، وكانوا على ماء يقال له المريسيع بينه وبين الفُرْع مسيرة يوم وهو قريب من ساحل البحر، وهم رهط جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضى اللَّه عنها وكان أبوها الحارث بن أبى ضرار هو ملكهم وقائدهم. وقد ذكر ابن إسحاق أن هذه الغزوة كانت سنة ست من الهجرة فى شعبان. وقيل كانت فى شعبان سنة خمس وذكر البخارى عن موسى بن عقبة أنها كانت سنة أربع قال الحافظ فى الفتح: كذا ذكره البخارى وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس

стр. 3328

فكتب سنة أربع، والذى فى مغازى موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابورى والبيهقى فى الدلائل وغيرهم سنة خمس ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب ثم قاتل رسول اللَّه ﷺ بنى مصطلق وبنى لحيان فى شعبان سنة خمس اهـ وهم غارُّون: أى وهم غافلون. مقاتلتهم: أى من يصلح للقتال ومن كان متهيئا له منهم. وسَبَى ذراريهم: أى وأخذ منهم من لا يصلح للقتال عبيدا. وفيه: وأى وفى حديث نافع عن ابن عمر المتفق عليه. وأصاب يومئذ جويرية: أى وسبى يوم غزوة بنى المصطلق جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار وقد أعتقها رسول اللَّه ﷺ وتزوجها رضى اللَّه عنها. [البحث] أورد البخارى هذا الحديث فى كتاب العتق من طريق شيخه على ابن الحسن أخبرنا عبد اللَّه أخبرنا ابن عون قال: كتبت إلى نافع فكتب إلىَّ: إن النبى ﷺ أغار على بنى المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تُسقَى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسَبَى ذراريَّهم، وأصاب يومئذ جويرية. حدثنى به عبد اللَّه بن عمر وكان فى ذلك الجيش اهـ وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى التميمى حدثنا سُلَيْم بنُ أخضر عن ابن عون. قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال

стр. 3329

قال: فكتب إلىَّ: إنما كان ذلك فى أول الإِسلام، قد أغار رسول اللَّه ﷺ على بنى المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تُسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سَبْيَهُمْ، وأصاب يومئذ (قال يحيى أحسبه قال) جويرية، (أو قال ألبتة) ابنة الحارث وحدثنى هذا الحديث عبد اللَّه بن عمر، وكان فى ذلك الجيش. وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبى عدى عن ابن عون بهذا الإِسناد مثله وقال: جويرية ينت الحارث ولم يشك اهـ وقوله فى لفظ مسلم: (قال يحيى أحسبه قال) جويرية (أو قال ألبتة) ابنة الحارث. يعنى قال يحيى: أظن شيخى سليم بن أخضر قال: أصاب يومئذ جويرية ولم يكتف بقوله: بنت الحارث أو قال: جويرية بنت الحارث ألبتة يعنى جزما بلا شك هذا وقد حاول بعض أعداء الإِسلام من اليهود والنصارى أن يلبسوا على بعض الأغرار بأن الإِسلام إنما انتشر بالسيف، فقال بعض الناس من المنتسبين للعلم إن القتال فى الإسلام للدفاع، وتغافلوا عن الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة الثابتة فى أن الجهاد إنما هو لإِعلاء كلمة اللَّه ونسى هؤلاء أو تناسوا أن الشرائع السماوية السابقة كلها متفقة على الجهاد لإعلاء كلمة اللَّه وأنها ما كانت تبيح الأسر إلا بعد التقتيل الشديد فى أعداء اللَّه وإلى ذلك يشير اللَّه ﵎ حيت يقول: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ على أن اليهود والنصارى لم يقفوا فى هذا الباب عند حدود ما شرع لهم على لسان أنبيائهم بل كانوا لا يتركون حيا يمشى على الأرض فى المدن والقرى التى يحاربونها، وما محاكم التفتيش التى أقامها النصارى

стр. 3330

ضد مسلمى الأندلس ولا مذابح اليهود للمسلمين فى فلسطين ولبنان بخافية على أحد، مع الفارق العظيم بين معاملة أهل الإِسلام لمن يكون تحت أيديهم من الكفار من الرحمة والإِحسان لهم حتى أشار اللَّه إلى أن إطعام الأسير الكافر من أعظم ما يقرب العبد من ربه حيث يقول فى ورثة الجنة من الأبرار: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ وسيأتى فى الحديث العاشر من أحاديث هذا الباب النهى عن قتل الصبيان، والتمثيل بالقتلى، كما سيأتى فى الحديث الخامس عشر من أحاديث هذا الباب إنكار قتل النساء والصبيان، فلله الحمد والشكر على نعمة الإِسلام دين الرحمة والإِحسان. [ما يفيده الحديث] ١ - مشروعية الهجوم على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإِسلام ورفضوا الدخول فيه إذا رأى إمام المسلمين ذلك. ٢ - الرد على من زعم أن الجهاد لا يكون إلا دفاعا فقط. ٣ - مشروعية استرقاق المشركين فى حالة الحرب.

стр. 3331

١٠ - وعن سليمان بن بريدة عن أبيه رضى اللَّه عنهما قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمَّر أميرا على جيش أو سَرِيَّةٍ أوصاه فى خاصته بتقوى اللَّه وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغْزُوا باسم اللَّه فى سبيل اللَّه، قاتلوا من كَفَرَ باللَّه، اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تُمَثِّلُوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لَقِيت عدوك من المشركين

стр. 3332

فَادْعُهُمْ إلى ثلاث خصال فَأَيَّتُهُنَّ أجابوك إليها فاقبل منهم وكُفَّ عنهم: ادْعُهُمْ إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبَوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ولا يكون لهم فى الغنيمة والفَئ شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فَإِنْ هُمْ أبَوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، فإن هم أبَوْا فاستعن باللَّه وقاتلهم، وإذا حَاصَرْتَ أهل حِصْنِ فأرادوك أن تجعل لهم ذمة اللَّه وذمة نبيه فلا تفعل ولكن اجعل لهم ذمتك فإنكم إن تُخْفِرُوا ذمتكم أهْوَنُ من أن تُخْفِرُوا ذمة اللَّه، وإن أرادوك أن تُنْزِلَهُمْ على حكم اللَّه فلا تَفْعَلْ بل على حُكْمِكَ، فإنك لا تدرى أتصيب فيهم حكم اللَّه أم لا؟ " أخرجه مسلم. [المفردات] إذا أمَّر أميرا: أى إذا عين قائدا للقتال. على جيش: أى على جُنْد متجه لقتال العدو. أو سرية: قال فى القاموس: والسرية من خمسة أَنْفُسِ إلى ثلثمائة أو أربعمائة أهـ. والمراد القطعة من الجيش تخرج منه لشن غارة على العدو ثم ترجع إلى الجيش. أوصاه: أى نصحه وعهد إليه. فى خاصته: أى فى نفسه. بتقوى اللَّه: أى باتباع أوامر اللَّه واجتناب نواهيه والوقوف عند حدوده. وبمن معه من المسلمين خيرا: أى وأوصاه بالرفق بمن تحت إمرته

стр. 3333

من المسلمين والرحمة بهم والشفقة عليهم وتسهيل وتيسير أمورهم. اغزوا باسم اللَّه فى سبيل اللَّه: أى اخرجوا لقتال أعداء اللَّه مصحوبين باسم اللَّه لإِعلاء كلمة اللَّه. قاتلوا من كفر باللَّه: أى حاربوا من جحد ربوبية اللَّه وألوهيته وأسماءه الحسنى وصفاته العلى، كذب كتاب اللَّه ورسله ولم يؤمن بملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ولا تَغُلُّوا: أى ولا تخونوا فى المغنم على حد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ولا تغدروا: أى ولا تنقضوا العهد إذا عاهدتم. ولا تُمَثِّلُوا: أى ولا تُشّوِّهُوا القتلى بقطع أطرافهم أو جدع آذانهم أو أنوفهم. وليدا: أى صبيا. وإذا لقيت عدوك من المشركين: أى وإذا واجهت جيش العدو الكافر. فادعهم إلى ثلاث خصال: أى فاطلب منهم إحدى ثلاث خصال. فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم: أى فأى واحدة من تلك الخصال قبلوا منك فاقبل منهم. وكُفَّ عنهم: أى وامتنع عن قتالهم ولا تؤذهم فى الأخريين. ادعهم إلى الإِسلام: أى اطلب منهم الدخول فى الإِسلام وهذه

стр. 3334

هى الخصلة الأولى. فإن أجابوك فاقبل منهم: أى فإن دخلوا فى دين الإِسلام فاقبل منهم فقد صاروا إخوة لك. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين: أى ثم بعد دخولهم فى الإِسلام اطلب منهم أن ينتقلوا من موطنهم فى بلاد الكفار إلى المدينة المنورة لينضموا لجيش المسلمين وجماعتهم ويقيموا فى دار الإِسلام تحت ولاية الإِمام. وهذا كان قبل فتح مكة. فَإِن أبَوا: أى فإن امتنعوا عن الانتقال من دارهم إلى دار المهاجرين. كأعراب المسلمين: أى كسكان البادية من المسلمين من غير هجرة ولا غزو فإنهم وقتئذ كانت تجرى عليهم أحكام الإِسلام ولا حق لهم فى الغنيمة. فى الغنيمة: وهى ما يستولى عليه المسلمون من أعدائهم بالقتال. والفئ: وهو ما يستولى عليه الإِمام من العدو بدون قتال. إلا أن يجاهدوا مع المسلمين: أى لكن إن قاتلوا مع المسلمين شاركوهم فى أموال الغنيمة والفئ. فإن هم أبوا: أى فإن امتنعوا عن الدخول فى الإِسلام. فاسألهم الجزية: أى فاطلب منهم أن يؤدوا الجزية وهى ما يدفعه الذمى لإِمام المسلمين من الخراج عن رأسه، وهذه

стр. 3335

هى الخصلة الثانية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم: أى فإن هم قبلوا أن يؤدوا الجزية فامتنع عن قتالهم. فإن هم أبوا: أى فإن هم رفضوا دفع الجزية بعد أن رفضوا الدخول فى الإسلام. فاستعن باللَّه وقاتلهم: أى فاعتمد على اللَّه وتوكل عليه وحاربهم. وهذه هى الخصلة الثالثة. وإذا حاصرت أهل حصن: أى وإذا أحطت بعدوك وضيقت عليهم وهم فى مكان حصين لا يوصل إلى جوفه. فأرادوك: أى فطلبوا منك. ذمة اللَّه وذمة نبيه: أى عهد اللَّه وعهد نبيه محمد ﷺ . فلا تفعل: أى فلا تعاهدهم على ذمة اللَّه وذمة نبيه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم ولا تجعل لهم ذلك. ولكن اجعل لهم ذمتك: أى ولتكن المعاهدة على ذمتك وعهدك أنت لا على عهد اللَّه وعهد رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها وحرمتها من بعض الأعراب. إن تُخُفِروا ذمتكم: أى إن تغدروا بذمتكم. وتخفروا بضم التاء وكسر الفاء من الإِخفار وهو نقض العهد.

стр. 3336

أهون من أن تخفروا ذمة اللَّه: أى أيسر من أن تغدروا بعهد اللَّه أن تُنْزِلَهُمْ على حكم اللَّه: أى أن تتفق معهم على أن يكون الحَكَمُ بينكما هو حُكْم اللَّه. بل على حكمك: أى بل أَنْزِلْهُمْ على حكمك أيها الأمير على أن تجتهد فى أن يكون حكمك فى حدود شرع اللَّه. لا تدرى أتصيب فيهم حكم اللَّه أم لا: أى لا تعلم هل يوافق قضاؤك فيهم ما يحبه اللَّه من القضاء فيهم أولا؟ لاسيما إذا كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التى قد تخفى على بعض الناس. [البحث] سبق قلم الصنعانى وهو يكتب حديث سليمان بن بريدة هذا فى بلوغ المرام عند شرحه لهذا الحديث فى سبل السلام فقال: وعن سليمان بن بريدة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى اللَّه وبمن معه من المسلمين خيرا ثم قال: "اغزوا على اسم اللَّه تعالى. ثم أكمل الحديث باللفظ الذى سقته. فقوله عن عائشة خطأ ظاهر وقد تابعه على هذا الخطأ الظاهر صديق حسن خان فى فتح العلام، الحديث إنما هو من رواية سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ﷺ الخ لا ذكر لعائشة رضى اللَّه تعالى عنها فيه. قال مسلم ﵀: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا وكيع

стр. 3337

ابن الجراح عن سفيان ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان قال: أملاه علينا إملاء ح وحدثنى عبد اللَّه بن هاشم (واللفظ له) حدثنى عبد الرحمن (يعنى ابن مهدى) حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه فى خاصته بتقوى اللَّه، ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: "اغزوا باسم اللَّه فى سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل وكُفَّ عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبَوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم اللَّه الذى يجرى على المؤمنين ولا يكون لهم فى الغنيمة والفئ شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فَسَلْهُم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن باللَّه وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة اللَّه وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة اللَّه وذمة نبيه، ولكن جعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تُخْفِرُوا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة اللَّه وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنْزِلَهُمْ

стр. 3338

على حكم اللَّه فلا تنزلهم على حكم اللَّه ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدرى أتصيب حكم اللَّه فيهم أم لا؟ " قال عبد الرحمن هذا أو نحوه، وزاد إسحاق فى آخر حديثه عن يحيى بن آدم قال: فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان (قال يحيى يعنى أن علقمة يقوله لابن حيان) فقال حدثنى مسلم بن هيصم عن النعمان بن مقرن عن النبى ﷺ نحوه. وحدثنى حجاج بن الشاعر حدثنى عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا شعبة حدثنى علقمة بن مرثد أن سليمان بن بريدة حدثه عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث أميرا أو سرية دعاه فأوصاه، وساق الحديث بمعنى حديث سفيان. حدثنا إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفَرَّاء عن الحسين ابن الوليد عن شعبة بهذا. اهـ وقوله فى لفظ مسلم (ثم ادعهم إلى الإِسلام) بإثبات ثم، قال النووى: هكذا هو فى جميع نسخ صحيح مسلم، والصواب -كما قال القاضى- رواية "ادعهم" بإسقاط ثم، وقد جاء بإسقاطها على الصواب فى سنن أبى داود اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - ينبغى للإِمام أن يوصى أمراءه وقواد جيشه بتقوى اللَّه . ٢ - أن تقوى اللَّه تعالى من أعظم أسباب النصر على الأعداء، والتمكين فى الأرض. ٣ - تحريم الغلول من الغنيمة. ٤ - تحريم الغدر. ٥ - تحريم المثلة.

стр. 3339

٦ - تحريم قتل من لم يبلغ الحلم من أبناء المشركين. ٧ - وجوب دعوة المشركين إلى الإِسلام قبل قتالهم إذا لم تكن قد بلغتهم الدعوة. ٨ - أن المشركين إذا قبلوا الإِسلام يجب الكف عن قتالهم فورا. ٩ - إذا امتنع المشركون عن الدخول فى الإِسلام طلب الأمير منهم دفع الجزية. ١٠ - إذا قبلوا دفع الجزية للمسلمين وجب الكف عن قتالهم فورا. ١١ - إذا امتنع المشركون عن دفع الجزية استعان قائد الجيش باللَّه تعالى وأصدر أمره إلى جيشه أو سريته بقتالهم. ١٢ - يجب أن يكون المقصد الأهم عند الجيش هو إعلاء كلمة اللَّه تعالى. ١٣ - الرد على من زعم أن القتال فى الإِسلام إنما هو للدفاع فقط. ١٤ - أن من أسلم من المشركين ولم يهاجر إلى دار الإِسلام لا حظ له فى غنائم المسلمين وفيئهم. ١٥ - أنه يجب على المسلم الالتزام بشرائع الإِسلام ولو كان مقيما بدار الكفر.

стр. 3340

١١ - وعن كعب بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ كان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها. متفق عليه. [المفردات] كعب بن مالك: هو كعب بن مالك بن أبى كعب واسمه عمرو

стр. 3341

ابن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصارى السلمى أبو عبد اللَّه ويقال أبو محمد ويقال أبو بشير، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة وأحد الثلاثة الذين خُلِّفوا وتاب اللَّه عليهم وطلب من المسلمين أن يقتدوا بهم فى الصدق وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وهو أحد الشعراء الثلاثة من الأنصار الذين كانوا ينافحون عن رسول اللَّه ﷺ وعن الإِسلام بشعرهم وهم حسان وعبد اللَّه بن رواحة كعب رضى اللَّه عنهم، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ سوى بدر وتبوك مات فى خلافة على رضى اللَّه عنه وقيل بعد ذلك. واللَّه أعلم. إذا أراد غزوة: أى إذا عزم على قتال جماعة من المشركين فى جهة من الجهات. وري بغيرها: أى عمل عملا قد يفهم منه غير خاصته أنه لا يريد غزو هذه الجهة وإنما يريد غزو جهة أخرى كما إذا كان قصده الحقيقى الاتجاه إلى الشمال فيسأل كثيرا عن جهة الجنوب أو الشرق أو الغرب فيتبادر إلى الذهن أنه يريد غير جهة الشمال مثلا، فيعمى الأمر على العدو حتى لا يستعد العدو استعدادا

стр. 3342

لملاقاته وفى هذا "التخطيط الحربى" رحمة بالعدو وإحسان إليه ليسارع إلى الاستسلام فيسعد بالدخول فى دين اللَّه واتباع حبيبه محمد صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، وقد اتخذ رسول اللَّه ﷺ هذه الخطة عند هجزته فاتجه من مكة إلى غار ثور وهو يقع جنوبى مكة لعلمه أن العدو سيكون أكبر همه البحث عنه فى جهة الشمال من مكة لما قام فى نفوسهم أنه إن هاجر اتجه إلى المدينة المنورة، والتورية تدور على معنى الستر والتغطية قال فى القاموس: وورَّاه تورية أخفاه كواراه والخَبَرَ جعله وراءه، وعن كذا أراده وأظهر غيره، وعنه بَصَرَهُ دفعه وتوارى استتر اهـ وقال الحافظ فى الفتح: معنى ورَّى ستر وتستعمل فى إظهار شئ مع إرادة غيره، وأصله من الوَرْى بفتح ثم سكون وهو ما يجعل وراء الإِنسان لأن من ورى بشئ كأنه جعله وراءه وقيل: هو فى الحرب أخذ العدو على غرة اهـ والتورية عند البلاغيين: أن يَذْكُر المتكلم لفظا يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد. [البحث] هذا الحديث أورده البخارى فى كتاب الجهاد فى باب من أراد غزوة فورَّى بغيرها ومن أحب الخروج إلى السفر يوم الخميس وساقه من طريق عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك أن عبد اللَّه بن كعب

стр. 3343

وكان قائد كعب من بنيه قال سمعت كعب بن مالك حين تخلف عن رسول اللَّه ﷺ ولم يكن رسول اللَّه ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها. ثم ساقه من طريق عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك رضى اللَّه عنه يقول: كان رسول اللَّه ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورَّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول اللَّه ﷺ فى حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل غزو عدو كثير فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذى يريد ثم ذكر من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك رضى اللَّه تعالى عنه كان يقول: لَقَلَّمَا كان رسول اللَّه ﷺ يخرج إذا خرج فى سفر إلا يوم الخميس. ثم ساقه البخارى فى المغازى ضمن حديث كعب بن مالك رضى اللَّه تعالى عنه فى قصة تخلفه عن غزوة تبوك من طريق عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك أن عبد اللَّه بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمى قال: سمعت كعب بن مالك يحدث -حين تخلف- عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة غزاها إلا فى غزوة تبوك، غير أنى كنت تخلفت فى غزوة بدر ولم يُعَاتِبْ أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول اللَّه ﷺ يريد عير قريش حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول اللَّه ﷺ ليلة العقبة

стр. 3344

حين تواثقنا على الإِسلام، وما أُحِبُّ أنَّ لى بها مَشْهَدَ بدر، وإن كانت بدر أَذْكَرَ فى الناس منها. كان من خبرى أنى لم أكن قَطُّ أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه فى تلك الغزاةِ، واللَّه ما اجْتَمَعَتْ عندى قبله راحلتان قط حتى جمعتهما فى تلك الغزوة ولم يكن رسول اللَّه ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها. وساق البخارى الحديث بتمامه. أما مسلم ﵀ فقد أورده ضمن أحاديث التوبة من طريق محمد بن عبد اللَّه بن مسلم بن أخى الزهرى عن عمه محمد بن مسلم الزهرى أخبرنى عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك أن عبيد اللَّه بن كعب بن مالك وكان قائد كعب حين عمى قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول اللَّه ﷺ فى غزوة تبوك وساق الحديث وزاد فيه على يونس: فكان رسول اللَّه ﷺ قلما يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة اهـ وكان مسلم قد أورد قبل هذا الحديث حديث تخلف كعب عن غزوة تبوك وتوبة اللَّه عليه مطولا من طريق يونس عن ابن شهاب بهذا الإِسناد، ولم يذكر فيه حديث الباب. [ما يفيده الحديث] ١ - حرص رسول اللَّه ﷺ على مباغتة المشركين حتى تَقِلَّ خسائرهم فى الأرواح رجاء هداية اللَّه لهم. ٢ - جواز الهجوم على العدو قبل دعوتهم عند الحرب ما دامت قد بلغتهم قبل ذلك دعوة الإسلام. ٣ - الرد على من زعم أن القتال فى الإِسلام هو للدفاع فقط. ٤ - حسن التخطط للحرب قبل إعلانه.

стр. 3345

١٢ - وعن معقل أن النعمان بن مُقَرِّنٍ رضى اللَّه عنه قال: شهدت رسولَ اللَّه ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تَزُولَ الشمسُ، وتَهُبَّ الرياحُ، ويَنْزِلَ النَّصْرُ. رواه أحمد والثلاثة وصححه الحاكم وأصله فى البخارى. [المفردات] معقل: هو ابن يسار المزنى رضى اللَّه عنه. النعمان بن مُقَرِّن: هو أبو عمرو أو أبو حكيم النعمان بن مُقرِّنٍ ابن عائذ المزنى روى عن النبى ﷺ وعنه ابنه معاوية ومعقل بن يسار المزنى رضى اللَّه عنه ومسلم بن الهيضم وجبير بن حية. وقد هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ فى سبعة إخوة له. وقد وصف ابن مسعود رضى اللَّه عنه بيت آل مقرن بأنه من بيوت الإِيمان. وقد سكن النعمان البصرة وتحول عنها إلى الكوفة وقدم المدينة، وفتح القادسية وأمَّره عمر على الجيش فغزا أصبهان ففتحها ثم أتى نهاوند فاستشهد بها يوم جمعة سنة إحدى وعشرين رضى اللَّه عنه. شهدت: أى حضرت. إذا لم يقاتل أول النهار: أى إذا لم يبدأ الحرب فى الصباح.

стр. 3346

أخر القتال حتى تزول الشمس: أى أجَّل مقاتلة العدو حتى يدخل وقت الظهر يعنى ويصلون الظهر. وتهُبَّ الرياح: أى وتثور الرياح ويتحرك "الهواء" وتحرك الريح يكون بعد زوال الشمس غالبا. وينزل النصر: أى ويجئ الغيث ويتلطف الجو. [البحث] وقع تصحيف فى بعض نسخ بلوغ المرام فجاء فيها "عن معقل بن النعمان بن مقرن" ولم يقف الصنعانى إلا على هذه النسخ المصحفة، فقال فى سبل السلام: ولم يذكر ابن الأثير معقل بن مقرن فى الصحابة إنما ذكر النعمان بن مقرن وعزا هذا الحديث إليه وكذلك البخارى وأبو داود والترمذى، أخرجوه عن النعمان بن مقرن فينظر فما أظن لفظ معقل إلا سبق قلم، والشارح وقع له أنه قال: هو معقل بن النعمان بن مقرن المزنى، ولا يخفى أن النعمان هو ابن مقرن فإذا كان له أخ فهو معقل بن مقرن لا ابن النعمان قال ابن الأثير: إن النعمان هاجر ومعه سبعة إخوة له، يريد أنهم هاجروا كلهم معه فراجعت التقريب للمصنف فلم أجد فيه صحابيا يقال له معقل بن النعمان ولا ابن مقرن بل فيه النعمان بن مقرن فتعين أن لفظ معقل فى نسخ بلوغ المرام سبق قلم. وهو ثابت فيما رأيناه من نسخه اهـ وهذا وهم من الصنعانى كما وهم من قبل ذلك فيه المغربى فى شرح بلوغ المرام الذى أشار إليه الصنعانى، والحديث إنما هو من رواية

стр. 3347

معقل بن يسار المزنى رضى اللَّه عنه عن النعمان بن مقرن وقد وقع التصريح باسم والد معقل وهو يسار عند المزى فى الأطراف وأخرجه الترمذى ﵀ فى باب ما جاء فى الساعة التى يستحب فيها القتال من طريق قتادة عن النعمان بن مقرن قال: غزوت مع النبى ﷺ فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل حتى العصر ثم أمسك حتى يصلى العصر ثم يقاتل، كان يقال عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم فى صلاتهم. وقد روى هذا الحديث عن النعمان بن مقرن بإسناد أوصل من هذا وقتادة لم يدرك النعمان بن مقرن، مات النعمان فى خلافة عمر بن الخطاب، ثم ساق الترمذى من طريق علقمة بن عبد اللَّه المزنى عن معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب بعث النعمان بن مقرن إلى الهرمزان فذكر الحديث بطوله فقال النعمان بن مقرن: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر. هذا حديث حسن صحيح اهـ أما أصل هذا الحديث فى البخارى فهو ما رواه البخارى فى كتاب الجزية من طريق بكر بن عبد اللَّه المزنى وزياد بن جبير عن جبير بن حية قال: فندبنا عمر واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو وخرج عامل كسرى فى أربعين ألفا فقام ترجمان فقال: لِيُكَلِّمْنِى رجلٌ منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت. قال: ما أنتم؟

стр. 3348

قال: نحن أُنَاسٌ من العرب كنا فى شقاء شديد وبلاء شديد، نَمُصُّ الجِلْدَ والنَّوَى من الجوع، ونلبس الوَبَرَ والشَّعرَ، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين تعالى ذكره، وجلت عظمته، إلينا نَبِيًّا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نَبِيُّنا رسولُ ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قُتِلَ منا صار إلى الجنة فى نعيم لم يَرَ مِثْلَهَا قط. ومن بقى منا ملك رقابكم فقال النعمان: ربما أَشْهَدَكَ اللَّهُ مثلها مع النبى ﷺ فلم يُنَدِّمْكَ ولم يُخزِكَ، ولكن شهدت القتال مع رسول اللَّه ﷺ كان إذا لم يُقَاتِلْ فى أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات اهـ والأرواح جمع ريح كما يقال فى جمعها أيضا رياح وأرياح ورِيَح كعنب. [ما يفيده الحديث] ١ - استحباب القتال فى أول النهار. ٢ - إذا لم يقاتل الجيش أول النهار يستحب تأخير المعركة إلى ما بعد الزوال. ٣ - يستحب أن يكون بدء القتال بعد الصلاة. ٤ - ينبغى للمسلمين أن يسألوا اللَّه النصر لجيش المسلمين فى أوقات صلواتهم. ٥ - وجوب الاعتماد على اللَّه وحده مع بذل الأسباب.

стр. 3349

١٣ - وعن الصعب بن جَثَّامة رضى اللَّه عنه قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن الذرارى من المشركين يُبَيَّتُونَ فيصيبون من نسائهم وذَرَارِيِّهم؟ فقال: "هم منهم" متفق عليه. [المفردات] الذرارى من المشركين: أى الأطفال ذكورا أو إناثا من أبناء المشركين. يُبَيَّتونَ: أى يصابون ليلا، وتبييت العدو هو الهجوم عليه ليلا بغتة على غرة. فيصيبون من نسائهم وذراريهم: أى فيقتل المسلمون أو يجرحون بعض النساء والأطفال من المشركين من غير قصد إلى ذلك، وإنما يقع ذلك اللصبيان والنساء بسبب اختلاطهم بأهلهم من المشركين. هم منهم: أى لا إثم على المسلمين فى ذلك لأن هؤلاء من أهلهم فى الحكم فهم سواء عند عدم التمكن من تبييت المشركين إلا بذلك ما دام المسلمون لم يقصدوا إصابة هؤلاء الأطفال أو النساء، وأطفال المشركين تجرى عليهم أحكام آبائهم فى الميراث وفى النكاح وفى القصاص والديات وغير ذلك. [البحث] وقع فى بعض نسخ بلوغ المرام (سئل رسول اللَّه ﷺ عن الدار

стр. 3350

من المشركين يُبَيَّتُونَ) وهو قريب من لفظ الحديث عند البخارى، أما لفظه فى أكثر نسخ مسلم فهو مطابق لسائر نسخ بلوغ المرام، ومشى الصنعانى على النسخة التى فيها "سئل عن الدار". قال البخارى: باب أهل الدار يُبَيَّتُونَ فيصاب الولدان والذرارى بياتا ليلا ثم ساق من طريق ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضى اللَّه عنهم قال: مَرَّ بِى النبىُّ ﷺ بالأبواء أو بِوَدَّانِ فسئل عن أهل الدار يُبَيَّتُونَ من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريِّهم قال: "هم منهم" وقد أخرجه مسلم كذلك من طريق ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: سئل النبى ﷺ عن الذرارى من المشركين يُبَيَّتُونَ فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" وفى لفظ لمسلم من طريق ابن عباس عن الصعب اين جثامة قال: قلت: يا رسول اللَّه إنا نصيب فى البيات من ذرارى المشركين، قال: "هم منهم" وفى لفظ لمسلم من طريق ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن النبى ﷺ قيل له: لو أن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين، قال: "هم من آبائهم". [ما يفيده الحديث] ١ - لا يجوز قصد قتل أطفال المشركين ونسائهم. ٢ - إذا بيَّت المسلمون المشركين فأصابوا من ذراريهم ونسائهم بلا قصد فلا إثم عليهم.

стр. 3351

١٤ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى ﷺ قال لرجل تبعه يوم بدر: "ارجع فلن أستعين بِمُشْرِكٍ" رواه مسلم. [المفردات] ارجع: أى لا تتبعنا إلى الغزو والجهاد. فلن أستعين بمشرك: أى فلن أستظهر على الوثنيين بوثنى مثلهم. [البحث] لفظ هذا الحديث عند مسلم عن عائشة زوج النبى ﷺ أنها قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يُذْكَرُ منه جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، ففرح أصحاب رسول اللَّه ﷺ حين رَأَوْهُ، فلما أدركه قال لرسول اللَّه ﷺ : جئت لِأَتَّبِعَكَ، وأُصِيبَ معك، قال له رسول اللَّه ﷺ "تؤمن باللَّه ورسوله؟ " قال: لا. قال: "فارْجِعْ فلن أستعين بمشرك" قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبى ﷺ كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك" قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن باللَّه ورسوله؟ " قال: نعم فقال له رسول اللَّه ﷺ : "فَانْطَلِقْ". [ما يفيده الحديث] ١ - ينبغى الحيطة والحذر من وجود أعداء الإِسلام فى صفوفهم. ٢ - لا ينبغى للمسلمين الاعتماد على غير المسلمين ولاسيما فى حالة الحرب.

стр. 3352

١٥ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ رأى امرأة مقتولة فى بعض مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان" متفق عليه. [المفردات] رأى امرأة مقتولة: أى أبصر امرأة مشركة مقتولة فى المعركة. فى بعض مغازيه: قيل هى غزوة الفتح، وقيل الطائف واللَّه أعلم فأنكر قتل النساء والصبيان: أى فنهى عن قتل النساء والصبيان فى الحرب. [البحث] أورد البخارى هذا الحديث فى باب قتل النساء والصبيان من طريق الليث عن نافع أن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه أخبره أن امرأة وجدت فى بعض مغازى النبى ﷺ مقتولة فأنكر رسول اللَّه ﷺ قتل النساء والصبيان" ثم أورده فى باب قتل النساء فى الحرب من طريق عبيد اللَّه عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: وجدت امرأة مقتولة فى بعض مغازى رسول اللَّه ﷺ فنهى رسول اللَّه ﷺ عن قتل النساء والصبيان" اهـ وقدأورد مسلم هذا الحديث من طريق الليث باللفظ الذى أخرجه به البخارى من طريقه ثم أخرجه من طريق عبيد اللَّه بن عمر بقريب من اللفظ الذى أخرجه به البخارى من طريقه أيضا حيث جاء فى لفظ مسلم: وجدت امرأة مقتولة فى بعض تلك المغازى.

стр. 3353

[ما يفيده الحديث] ١ - يحرم على المسلم أن يتعمد قتل نساء المشركين فى الحرب. ٢ - يحرم على المسلم أن يتعمد قتل صبيان المشركين فى الحرب. ٣ - رحمة الإِسلام للضعفاء والمحافظة على الذين لا يقاتلون.

стр. 3354

١٦ - وعن سمرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "اقتلوا شيوخ المشركين واستبْقوا شَرْخَهُمْ" رواه أبو داود وصححه الترمذى. [المفردات] شيوخ المشركين: يعنى الأقوياء المقاتلين ذوى الجلد والقوة على القتال ولاسيما المتمرسين فى الحرب حتى ولو كانوا كبار السن، قال فى القاموس: والشيخ والشيخون من استبانت فيه السن أو من خمسين أو إحدى وخمسمين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين اهـ. واستبقوا شرخهم: أى ولا تقتلوا صبيانهم، والشرخ الصغار الذين لم يدركوا. [البحث] ذكر المصنف أن هذا الحديث رواه أبو داود وذكر فى التلخيص أنه رواه أحمد والترمذى ولم يذكر تخريج أبى داود له فقد قال فى التلخيص:

стр. 3355

قوله: روى أنه ﷺ قال: اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم. أحمد والترمذى من حديث الحسن عن سمرة بلفظ: واستبقوا. اهـ

стр. 3356

١٧ - وعن على رضى اللَّه عنه أنهم تبارزوا يوم بدر. رواه البخارى وأخرجه أبو داود مطولا. [المفردات] أنهم: يعنى أن عليا وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث من المسلمين وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد ابن عتبة من المشركين. تبارزوا: أى برز كل قِرْنٍ إلى قِرْنه ليقاتله. يوم بدر: أى فى أول معركة بدر. [البحث] أخرج البخارى فى المغازى من طريق أبى مِجْلَز عن قيس بن عُباد عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة. وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلى وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة والوليد بن عتبة. وأخرج البخارى فى المغازى والتفسير ومسلم فى آخر صحيحه واللفظ للبخارى من طريق هشيم عن أبى هاشم

стр. 3357

عن أبى مجلز عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما، إن هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت فى الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلى وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنى ربيعة والوليد بن عتبة. أما حديث أبى داود فلفظه: حدثنا هارون بن عبد اللَّه ثنا عثمان بن عمر ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب عن على قال: تقدم -يعنى عتبة بن ربيعة- وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: مَنْ أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بنى عمنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "قم يا حمزة، قم يا على قم يا عبيدة ابن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - للإِمام أن يأذن لبعض جنده بمبارزة أقرانهم من المشركين. ٢ - لا يجوز لمن أمره الإِمام بالمبارزة أن يتأخر عن ذلك. ٣ - فضل على بن أبى طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث رضى اللَّه عنهم.

стр. 3358

١٨ - وعن أبى أيوب رضى اللَّه عنه قال: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، يعنى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قاله ردًّا

стр. 3359

على من أنكر على من حَمَلَ على صف الروم حتى دخل فيهم. رواه الثلاثة وصححه الترمذى وابن حبان والحاكم. [المفردات] فينا: أى فى الأنصار يعنى بسبب الأنصار وقولهم: لقد نصر اللَّه نبيه ودخل الناس فى دين اللَّه أفواجا فلنرجع إلى بساتيننا ونصلحها، ونقعد فيها. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة: أى ولا تلقوا أنفسكم فى الهلاك، ولا تَسْعَوا فى إتلاف أنفسكم. قاله: أى أبو أيوب رضى اللَّه عنه. رَدًّا: أى إنكارا. على من أنكر على من حمل على صف الروم: أى على شخص استقبح من شخص آخر هجومه على صف الروم وهو وحده وهم كثير وظن أن المهاجم وحده ألقى بيده فى التهلكة. حتى دخل فيهم: أى حتى التحم بصفهم وصار وسطهم يقاتلهم رضى اللَّه عنه. [البحث] قال ابن كثير ﵀ فى تفسيره: وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم أبى عمران قال: حمل رجل من

стр. 3360

المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصارى فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب: "نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا: صَحِبْنَا رسولَ اللَّه ﷺ وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإِسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تَحَبُّبًا فقلنا: قدأكرمنا اللَّه بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة فى الإِقامة فى الأهل والمال وترك الجهاد. رواه أبو داود والترمذى والنسائى وعبد بن حميد فى تفسيره وابن أبى حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى فى مسنده وابن حبان فى صحيحه والحاكم فى مستدركه كلهم من حديث يزيد بن أبى حبيب به، وقال الترمذى: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه اهـ ولا معارضة بين هذا وبين ما رواه البخارى عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت فى النفقة. فإن الآية تضمنت المعنيين، كما تضمنت الأمر بالإِحسان ولا شك أن القعود عن الجهاد من أقوى أسباب طمع أعداء اللَّه فى المسلمين والسعى فى استئصال شأفتهم ولذلك تكاثرت الآيات والأحاديث فى الحض على الجهاد وقد أشار القرآن العظيم إلى أنه لا حياة كريمة إلا بالمنهج القائم على شرع اللَّه والسيف الذى يحمى هذا

стр. 3361

المنهج وأهله وفى ذلك يقول ﵎: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ثم يتبعها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فالحياة بلا منهج حياة بهيمية، والمنهج بلاسيف لا بقاء له، والسيف بلا منهج يجعل الحياة سَبُعِيَّة غابية. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - الحض على الجهاد ومداومة الاستعداد له. ٢ - كراهة الانقطاع إلى المزارع ونحوها وترك الجهاد. ٣ - أن من حمل على صف العدو ودخل فيه للقتال لا يكون قد ألقى بنفسه إلى التهلكة. ٤ - أن الإِلقاء فى التهلكة إنما هو بترك الجهاد لا بالشجاعة فيه.

стр. 3362

١٩ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: حرَّق رسول اللَّه ﷺ نخل بنى النضير وقطع. متفق عليه. [المفردات] حرَّق رسول اللَّه ﷺ نخل بنى النضير: أى أمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه فى غزوة بنى النضير أن يشعلوا النار فى نخيل بنى النضير.

стр. 3363

بنو النضير: هم قبيلة كبيرة من قبائل اليهود وكانوا بالبُوَيْرَة، وتقع جنوبى مسجد قباء، ومن العجيب قول الحافظ فى الفتح فى شرح هذا الحديث: وهى هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيماء اهـ وتيماء تقع شمالى المدينة بين خيبر وتبوك. وقطع: أى وأمر أصحابه رضى اللَّه عنهم باجتثاث بعض أشجار بنى النضير ولعلها الأشجار التى يسهل قطعها ويصعب تحريقها لشدة خضرتها وكثرة الماء فى عروقها. [البحث] أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى كتاب المزارعة فى باب قطع الشجر والنخيل من طريق جويرية عن نافع عن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ أنه حرَّق نخل بنى النضير قطع وهى البويرة، ولها يقول حسان: وَهَانَ على سَرَاةِ بنى لُؤَيٍّ ... حريق بالبويرة مُسْتَطِير وساقه فى الجهاد من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: حرَّق النبىُّ ﷺ نخل بنى النضير. وساقه فى المغازى من طريق جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ حرَّق نخل بنى النضير. قال: ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بنى لؤى ... حريق بالبويرة مستطير

стр. 3364

وأورده فى تفسير سورة الحشر من طريق ليث عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ حرَّق نخل بنى النضير وقطع وهى البويرة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. أما مسلم ﵀ فقد أورده من طريق الليث باللفظ الذى أورده البخارى به من طريقه، وأورده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قطع نخل بنى النضير وحَرَّقَ، ولها يقول حسان: وهان على سَرَاة بنى لؤى ... حريق بالبويرة مستطير وفى ذلك نزلت ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا. الآية﴾ ثم ساقه من طريق عبيد اللَّه عن نافع عن عبد اللَّه بن عمر قال: حرَّق رسولُ اللَّه ﷺ نخل بنى النضير اهـ. أما قول حسان: (وهان على سراة بنى لؤى) فقد قال الحافظ فى الفتح: وإنما قال حسان ذلك تعييرا لقريش لأنهم كانوا أغروهم بنقض العهد وأمروهم به، ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبى ﷺ اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - جواز التحريق فى بلاد العدو إذا كان ذلك يُشَرِّد مَنْ خَلْفَهُمْ. ٢ - بذل الجهد فى إضعاف "اقتصاديات" العدو. ٣ - أن الأمر فى ذلك راجع إلى إمام المسلمين بحسب ما يرى فيه المصلحة.

стр. 3365

٢٠ - وعن عبادة بن الصامت رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَغُلُّوا فإن الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ على أصحابه فى الدنيا والآخرة" رواه أحمد والنسائى وصححه ابن حبان. [المفردات] لا تَغُلُّوا: أى لا تخونوا فى المغنم، قال الحافظ فى الفتح: (قوله باب الغلول). بضم المعجمة واللام أى الخيانة فى المغنم قال ابن قتيبة: سمى بذلك لأن آخذه يغله فى متاعه أى يخفيه فيه، ونقل النووى الإجماع على أنه من الكبائر اهـ. فإن الغلول نار: أى فإن الخيانة فى المغنم تسبب لصاحبها عذاب النار إن لم يتجاوز اللَّه عنه. وعار: أى وخزى وفضيحة. على أصحابه: أى على مرتكبيه ومقترفيه. فى الدنيا والآخرة: أى فى العاجلة والآجلة ففى الدنيا العار وفى الآخرة النار على طريق اللف والنشر المشوش. [البحث] تقدم فى الحديث العاشر من أحاديث هذا الباب قول رسول اللَّه ﷺ فى الوصية للغزاة: "ولا تَغُلّوا" وقال البخارى (باب الغلول وقول
следующие страницы →