← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

المنهج وأهله وفى ذلك يقول ﵎: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ثم يتبعها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فالحياة بلا منهج حياة بهيمية، والمنهج بلاسيف لا بقاء له، والسيف بلا منهج يجعل الحياة سَبُعِيَّة غابية. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - الحض على الجهاد ومداومة الاستعداد له. ٢ - كراهة الانقطاع إلى المزارع ونحوها وترك الجهاد. ٣ - أن من حمل على صف العدو ودخل فيه للقتال لا يكون قد ألقى بنفسه إلى التهلكة. ٤ - أن الإِلقاء فى التهلكة إنما هو بترك الجهاد لا بالشجاعة فيه.

стр. 3362

١٩ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: حرَّق رسول اللَّه ﷺ نخل بنى النضير وقطع. متفق عليه. [المفردات] حرَّق رسول اللَّه ﷺ نخل بنى النضير: أى أمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه فى غزوة بنى النضير أن يشعلوا النار فى نخيل بنى النضير.

стр. 3363

بنو النضير: هم قبيلة كبيرة من قبائل اليهود وكانوا بالبُوَيْرَة، وتقع جنوبى مسجد قباء، ومن العجيب قول الحافظ فى الفتح فى شرح هذا الحديث: وهى هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيماء اهـ وتيماء تقع شمالى المدينة بين خيبر وتبوك. وقطع: أى وأمر أصحابه رضى اللَّه عنهم باجتثاث بعض أشجار بنى النضير ولعلها الأشجار التى يسهل قطعها ويصعب تحريقها لشدة خضرتها وكثرة الماء فى عروقها. [البحث] أورد البخارى ﵀ هذا الحديث فى كتاب المزارعة فى باب قطع الشجر والنخيل من طريق جويرية عن نافع عن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ أنه حرَّق نخل بنى النضير قطع وهى البويرة، ولها يقول حسان: وَهَانَ على سَرَاةِ بنى لُؤَيٍّ ... حريق بالبويرة مُسْتَطِير وساقه فى الجهاد من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: حرَّق النبىُّ ﷺ نخل بنى النضير. وساقه فى المغازى من طريق جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ حرَّق نخل بنى النضير. قال: ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بنى لؤى ... حريق بالبويرة مستطير

стр. 3364

وأورده فى تفسير سورة الحشر من طريق ليث عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ حرَّق نخل بنى النضير وقطع وهى البويرة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. أما مسلم ﵀ فقد أورده من طريق الليث باللفظ الذى أورده البخارى به من طريقه، وأورده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قطع نخل بنى النضير وحَرَّقَ، ولها يقول حسان: وهان على سَرَاة بنى لؤى ... حريق بالبويرة مستطير وفى ذلك نزلت ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا. الآية﴾ ثم ساقه من طريق عبيد اللَّه عن نافع عن عبد اللَّه بن عمر قال: حرَّق رسولُ اللَّه ﷺ نخل بنى النضير اهـ. أما قول حسان: (وهان على سراة بنى لؤى) فقد قال الحافظ فى الفتح: وإنما قال حسان ذلك تعييرا لقريش لأنهم كانوا أغروهم بنقض العهد وأمروهم به، ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبى ﷺ اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - جواز التحريق فى بلاد العدو إذا كان ذلك يُشَرِّد مَنْ خَلْفَهُمْ. ٢ - بذل الجهد فى إضعاف "اقتصاديات" العدو. ٣ - أن الأمر فى ذلك راجع إلى إمام المسلمين بحسب ما يرى فيه المصلحة.

стр. 3365

٢٠ - وعن عبادة بن الصامت رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَغُلُّوا فإن الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ على أصحابه فى الدنيا والآخرة" رواه أحمد والنسائى وصححه ابن حبان. [المفردات] لا تَغُلُّوا: أى لا تخونوا فى المغنم، قال الحافظ فى الفتح: (قوله باب الغلول). بضم المعجمة واللام أى الخيانة فى المغنم قال ابن قتيبة: سمى بذلك لأن آخذه يغله فى متاعه أى يخفيه فيه، ونقل النووى الإجماع على أنه من الكبائر اهـ. فإن الغلول نار: أى فإن الخيانة فى المغنم تسبب لصاحبها عذاب النار إن لم يتجاوز اللَّه عنه. وعار: أى وخزى وفضيحة. على أصحابه: أى على مرتكبيه ومقترفيه. فى الدنيا والآخرة: أى فى العاجلة والآجلة ففى الدنيا العار وفى الآخرة النار على طريق اللف والنشر المشوش. [البحث] تقدم فى الحديث العاشر من أحاديث هذا الباب قول رسول اللَّه ﷺ فى الوصية للغزاة: "ولا تَغُلّوا" وقال البخارى (باب الغلول وقول

стр. 3366

اللَّه ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ثم ساق من طريق أبى زرعة قال: حدثنى أبو هريرة رضى اللَّه عنه قال: قام فينا النبى ﷺ فذكر الغلول فَعَظَّمَهُ، وعَظَّمَ أمره، قال: "لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثُغَاءٌ، على رقبته فرس له حَمْحَمَةٌ يقول: يا رسول اللَّه أغثنى فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رُغَاءٌ يقول: يا رسول اللَّه أغثنى فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته صَامِتٌ فيقول: يا رسول اللَّه أغثنى، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته رقاعٌ تخفق فيقول: يا رسول اللَّه أغثنى فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك" ثم ساق البخارى من طريق سالم بن أبى الجعد عن عبد اللَّه بن عمرو قال: كان على ثَقَل النبى ﷺ رجل يقال له "كركرة" فمات، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هو فى النار" فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غَلَّهَا اهـ وقوله فى الحديث (فعظمه وعظم أمره) أى بَيَّن عظيم ضرره وكبير شره على صاحبه، والثُّغَاءُ صوت الشاة، والحمحمة صوت الفرس عند العلف وهو دون الصهيل، والرغاء صوت البعير والصامت الذهب والفضة وقيل: ما لا روح له من أصناف المال. والمراد بالرقاع الثياب وقوله تخفق أى تَتَقَعْقَعُ وتضطرب إذا حركتها الرياح وقيل: تخفق أى تلمع. وقد أخرج مسلم فى صحيحه حديث أبى هريرة من طريق أبى زرعة أيضا بقريب من لفظ البخارى إلا أن فيه تقديما وتأخيرا وفيه:

стр. 3367

"لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته نَفْسٌ لها صياح" قال الحافظ فى الفتح: وكأنه أراد بالنفس ما يغله من الرقيق من امرأة أو صبى. اهـ وحديث الشيخين هذا يفسر قوله ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أى يأت به حاملا له على رقبته. هذا وقد قيل: إن الغلول خاص بالخيانة فى المغنم والإِغلال الخيانة مطلقا. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - تحريم الغلول. ٢ - أن الغلول من الكبائر. ٣ - صيانة حقوق المجاهدين.

стр. 3368

٢١ - وعن عوف بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ للقاتل" رواه أبو داود وأصله عند مسلم. [المفردات] قَضَى: أى حكم. بالسَّلَبِ: بفتح السين واللام هو ما يكون مع المقتول من لباس وسلاح ودابة. للقاتل: أى للغازى فى سبيل اللَّه الذى باشر قتل الكافر وأثخنه. [البحث] قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا الوليد

стр. 3369

ابن مسلم قال: حدثنى صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعى قال: خرجت مع زيد بن حارثة فى غزوة مؤتة، فرافقنى مدرى من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورا، فسأله المدرى طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرق، ومضينا، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومى يغرى بالمسلمين، فقعد له المدرى خلف صخرة، فمر به الرومى، فَعَرْقَبَ فرسه، فَخَرَّ، وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح اللَّه للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول اللَّه ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى ولكنى استكثرته، قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكها عند رسول اللَّه ﷺ فأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول اللَّه ﷺ فقصصت عليه قصة المدرى، وما فعل خالد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا خالد ما حملك على ما صنعت؟ " قال: يا رسول اللَّه استكثرته، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا خالد رد عليه ما أخذت منه" قال عوف: فقلت: دونك يا خالد ألم أَفِ لك؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "وما ذلك؟ " فأخبرته، قال: فغضب رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا خالد لا ترد عليه، هل أنتم تاركو لى

стр. 3370

أمرائى، لكم صنفوة أمرهم وعليهم كدره" ثم ساق أبو داود من طريق أحمد بن حنبل قال: ثنا الوليد قال: سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثنى عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعى نحوه. ثم ساق أبو داود من طريق سعيد بن منصور ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعى وخالد بن الوليد أن رسول اللَّه ﷺ قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب اهـ أما أصل هذا الحديث الذى فى مسلم فقد ساقه من طريق معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جُبَير عن أبيه عن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حِمير رجلا من العدو فأراد سَلَبَهُ فمنعه خالد بن الوليد، وكان واليا عليهم فأتى رسولَ اللَّه ﷺ عوفُ بن مالك فأخبره، فقال لخالد: "ما منعك أن تعطيه سَلَبَهُ؟ " قال: استكثرته يا رسول اللَّه قال: "ادفعه إليه" فمر خالد بعوف فَجَرَّ بردائه ثم قال: هل أنجزتُ لك ما ذكرتُ لك من رسول اللَّه ﷺ ؟ فسمعه رسول اللَّه ﷺ فَاسْتُغْضِبَ، فقال: "لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد هل أنتم تاركون لى أمرائى وإنما مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كمثَل رجل اسْتُرْعِى إبلا أو غنما فرعاها ثم تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فأوردها حوضا فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره، فَصَفْوُهُ لكم وكدره عليهم. ثم قال مسلم: وحدثنى زهير بن حرب حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحن بن جُبَيْر بن نُفَيْر عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعى قال: خرجت مع مَنْ خرج مع

стр. 3371

زيد بن حارثه فى غزوة مؤتة ورافقنى مددى من اليمن، وساق الحديث عن النبى ﷺ بنحوه غير أنه قال فى الحديث: قال عوف: فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول اللَّه ﷺ قضى بالسَّلب للقاتل؟ قال: بلى ولكنى استكثرته اهـ وقوله فى حديث مسلم "مددى" بِدَالَيْن بدل "مدرى" بدل وراء التى جاءت فى رواية أبى داود قال النووى فى قوله "ورافقنى مددى" أى جاء رجل من المدد الذى جاؤا يمدون جيش مؤتة ويساعدونهم اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - أن الأصل هو أن من قتل قتيلا فله سلَبه. ٢ - وأن للإِمام أن يمنع بعض السَّلَب عن القاتل إذا رأى فى ذلك مصلحة ولاسيما إذا كان السلب كثيرا. ٣ - ينبغى رعاية حق الأمراء وعدم الاستهانة بهم وهو يتحملون أعباء الرعية وثقل "المسئولية".

стр. 3372

٢٢ - وعن عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه فى قصة قتل أبى جهل قال: فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟ هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا. قال: فنظر فيهما، فقال: "كلاكما قتله؟ " فقضى ﷺ بِسَلَبِه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. متفق عليه.

стр. 3373

[المفردات] فى قصة قتل أبى جهل: أى فى شأن قتل أبى جهل يوم بدر ومن استحق سلبه. أبو جهل: هو عدو اللَّه فرعون هذه الأمة عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى. وكان لعنه اللَّه يكنى عند أهل الجاهلية أبا الحكم وقد قتله اللَّه تعالى يوم بدر، عليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين. فابتدراه بسيفيهما: أى فتسابقا إلى أبى جهل بسيفيهما، والضمير للغلامين المتقدم ذكرهما فى قصة قتل أبى جهل. فأخبراه: أى فَأَعْلَمَا رسول اللَّه ﷺ بأنهما قتلا أبا جهل لعنه اللَّه هل مسحتما سيفيكما: أى هل أزلتما أثر دم أبى جهل من سيفيكما فنظر فيهما: أى فنظر رسول اللَّه ﷺ فى سيفيهما. كِلَاكما قتله: أى كِلَاكما كان له أثر فى قتله. معاذ بن عمرو بن الجموح: هو معاذ بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غَنْم بن كعب بن سلمى رضى اللَّه عنه، وهو ممن شهد العقبه وبايع رسولَ اللَّه ﷺ بها، وشهد بدرا ولما ضرب أبا جهل بسيفه ضربة صارمة أطنت قدمه جاء عكرمة وضرب معاذا على عاتقه فطرح يده رضى اللَّه عنه وعاش إلى زمن عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه.

стр. 3374

[البحث] روى البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من طريق صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف فى الصف يوم بدر نظرت. عن يمينى وشمالى فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزنى أحدهما فقال: ياعم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول اللَّه ﷺ ، والذى نفسى بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، فغمزنى الآخر فقال مثلها، قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يزول فى الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذى تسألان عنه قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟ " فقال كل واحد منهما: أنا قتلت. فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا. فنظر فى السيفين فقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح (والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء) ولفظ البخارى: فنظر فى السيفين فقال: "كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح اهـ وقد جاء فى لفظ فى الصحيحين من حديث أنس قال قال النبى ﷺ : "من ينظر ما صنع أبو جهل فانطلق ابن مسعود

стр. 3375

فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: أأنت أبو جهل قال: فأخذ بلحيته قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ . ولا معارضة بين قوله فى رواية الشيخين الأولى (والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء) وبين رواية أنس: قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وبين محادثة أبى جهل مع ابن مسعود رضى اللَّه عنه وبين ما روى من أن ابن مسعود رضى اللَّه عنه أدركه وبه رمق وأنه أتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبى جهل فاستله ورفع بيضة أبى جهل عن قفاه فضربه فوقع رأسه بين يديه وبين قوله ﷺ كلاكما قتله، وقد جاء فى الصحيح ما يدل على أن معاذا ومعوِّذا ابنى عفراء شهدا بدرا، أقول: لا معاوضة فى ذلك كله، فكل واحد من هؤلاء كان له بعض الأثر فى قتل أبى جهل لعنة اللَّه عليه وكان أكثرهم أثرا هو معاذ بن عمرو ابن الجموح ولذلك أعطى سلبه وأما معوذ بن عفراء، فقد قاتل حتى استشهد فى المعركة ولذلك لم يحضر إلى رسول اللَّه ﷺ سوى معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء. وأما قوله: حتى برد وفى حديث ابن مسعود: أدركه وبه رمق فإن قوله برد معناه فتر وخدر وسكن ولا ينافى أن تكون به بقية من حياة وبها خاطب ابن مسعود رضى اللَّه عنه. وعفراء ليست أم معاذ بن عمرو بن الجموح وإنما ولداها هما معاذ ومعوذ وهما ابنا الحارث واشتهرا بابنى عفراء. وقال بعض أهل العلم: إنما أطلق على معاذ بن عمرو بن الجموح اسم ابن عفراء تغليبا، واللَّه أعلم.

стр. 3376

[ما يفيده الحديث] ١ - أنه إذا اشترك أكثر من شخص فى قتل الكافر وكانت ضربة واحد منهم أكثر إثخانا من غيره استحق سلبه. ٢ - أنه لابد فى استحقاق السلب من قرينة أو بينة على هذا القتل.

стр. 3377

٢٣ - وعن مكحول رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ نَصَبَ المنجنيق على أهل الطائف" أخرجه أبو داود فى المراسيل، ورجاله ثقات، ووصله العُقَيْلِىُّ بإسناد ضعيف عن على. [المفردات] مكحول: هو فقيه الشام أبو عبد اللَّه ويقال أبو أيوب ويقال أبو مسلم مكحول بن عبد اللَّه الدمشقى عده ابن سعد فى الطبقات من الطبقة الثالثة من تابعى أهل الشام. روى عن أنس بن مالك وأبى هند وواثلة ابن الأسقع وروى عنه خلق كثير منهم الزهرى وربيعه ابن أبى عبد الرحمن وعطاء الخراسانى وكان من سبى كابل وصار مولى لامرأة من قيس وكان سنديا وعتق بمصر، وَطَوَّفَ فى الآفاق يطلب العلم حتى استقر بالشام وصار أشهر المفتين من أهل الشام. وقد اتهم بالقدر وذُكر أنه رجع عن ذلك. قال فى تقريب التهذيب:

стр. 3378

مكحول الشامى أبو عبد اللَّه ثقة فقيه كثير الإِرسال مشهور، من الخامسة مات سنة بضع عشرة ومائة وأشار إلى أنه من رجال مسلم. المنجنيق: آلة ترمى بها الحجارة. ووصله العقيلى: أى رواه مسندا إلى رسول اللَّه ﷺ عن على رضى اللَّه تعالى عنه. العقيلى: هو الإِمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلى صاحب كتاب الضعفاء الكبير، سمع جده الأمه يزيد بن محمد العقيلى ومحمد بن إسماعيل الصائغ ويحيى بن أيوب العلاف ومحمد بن خزيمة وغيرهم، وحدث عنه خلق كثير منهم محمد بن نافع الخزاعى ويوسف بن الدخيل المصرى. وأقام العقيلى بالحرمين، وكان ثقة جليل القدر وتوفى سنة ٣٢٢ هـ رحمه اللَّه تعالى. [البحث] قال الحافظ فى تلخيص الحبير: وروى أبو داود فى المراسيل عن ثور عن مكحول: أن النبى ﷺ نصب على أهل الطائف المنجنيق. ورواه الترمذى فلم يذكر مكحولا، ذكره معضلا عن ثور اهـ

стр. 3379

٢٤ - وعن أنس رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" متفق عليه. [المفردات] دخل مكة: يعنى يوم الفتح. المغفر: بكسر الميم وسكون الغين هو زَرَدٌ من الدرع يُلْبَسُ تحت القلنسوة على قدر الرأس أدر حلق يتقنع بها المتسلح، قال الحافظ فى الفتح: وفى المشارق: هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة. فلما نزع المغفر: أى فلما خلع رسول اللَّه ﷺ هذا اللباس الحربى. جاءه رجل: أى حضر رجل إلى رسول اللَّه ﷺ واختلف فى اسم هذا الرجل فقيل: هو أبو برزة الأسلمى، وقيل غيره. ابن خطل: هو عبد العزى أو عبد اللَّه بن خطل واسم خطل عبد مناف، من بنى تيم بن فهر بن غالب القرشى كان أسلم ثم عدا على مسلم فقتله وارتد مشركا وكان يهجو رسول اللَّه ﷺ وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم

стр. 3380

وكان اسم إحداهما فَرْتَنَى والثانية قريبة. وقد قتلت إحداهما وهربت الأخرى ثم أسلمت ونجت من القتل يوم الفتح. متعلق بأستار الكعبة: أى داخل بين الكعبة والثياب المرخاة على جدرانها الساترة لها وهو مستمسك بالحبال التى تشد بها أستار الكعبة مستجيرا من القتل، وقد كان رسول اللَّه ﷺ حين أمَّن أهلَ مكة استثنى رجالا ونساء وأمر بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، منهم ابن خطل وقينتاه. [البحث] هذا الحديث أورده البخارى فى كتاب الحج من طريق عبد اللَّه بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل (وفى نسخة للبخارى جاءه رجل) فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" وساقه فى المغازى من طريق يحيى بن قزعة حدثنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: "اقتله" اهـ. وقال مسلم: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة القعنبى ويحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد أما

стр. 3381

القعنبى فقال: قرأت على مالك بن أنس وأما قتيبة فقال حدثنا مالك. وقال يحيى واللفظ له: قلت لمالك: أحدثك ابن شهاب عن أنس بن مالك أن النبى ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: "اقتلوه" فقال مالك: نعم اهـ قال الحافظ فى الفتح: والسبب فى قتل ابن خطل وعدم دخوله فى قوله: "من دخل المسجد فهو آمن" ما روى ابن إسحاق فى المغازى حدثنى عبد اللَّه بن أبى بكر وغيره أن رسول اللَّه ﷺ حين دخل مكة قال: "لا يقتل أحد إلا من قاتل إلا نفر سماهم فقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة، منهم عبد اللَّه بن خطل وعبد اللَّه بن سعد اهـ. وقوله فى إحدى روايات البخارى: "اقتله" يفيد أن الذى تولى قتل ابن خطل هو الرجل الذى أخبر رسول اللَّه ﷺ بأن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. قال الحافظ فى الفتح: وقد جزم الفاكهى فى شرح العمدة بأن الذى جاء بذلك هو أبو برزة الأسلمى وكأنه لما رجح عنده أنه هو الذى قتله رأى أنه هو الذى جاء مخبرا بقصته، ويرشحه قوله فى رواية يحيى بن قزعة فى المغازى: فقال: "اقتله" بصيغة الإِفراد، على أنه اختلف فى اسم قاتله اهـ، ثم ساق الحافظ من حديث سعد بن أبى وقاص عند البزار والحاكم والبيهقى فى الدلائل أنه قال: "أربعة نفر وامرأتين فقال "اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" فذكرهم، وقال:

стр. 3382

فأما عبد اللَّه بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله اهـ. ثم قال الحافظ: وروى ابن أبى شيبة من طريق أبى عثمان الهندى أن أبا برزة الأسلمى قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك فى البر والصلة من حديث أبى برزة نفسه ورواه أحمد من وجه آخر وهو أصح ما ورد فى تعيين قاتله وبه جزم البلاذرى وغيره من أهل العلم بالأخبار اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - أن الحرم لا يعيذ عاصيا. ٢ - جواز دخول مكة من غير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة. ٣ - جواز قتل الأسير صبرا. ٤ - أن رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر المسلمين ليس من باب الغيبة ولا النميمة. ٥ - أن اتخاذ آلات الحرب لا ينافى التوكل على اللَّه . ٦ - حرص أصحاب رسول اللَّه ﷺ على تطهير الأرض من أعداء الإِسلام. ٧ - لا يجوز لأحد من المسلمين قتل أحد مستوجب للقتل إلا بأمر الإمام. ٨ - أن من عُرِفَ أنه يسب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم

стр. 3383

جاز للإِمام أن يقتله دون أن يستتيبه.

стр. 3384

٢٥ - وعن سعيد بن جبير رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قَتَل يَوْمَ بدرٍ ثلاثةً صَبرا. أخرجه أبو داود فى المراسيل ورجاله ثقات. [المفردات] سعيد بن جبير: هو الإِمام المقرئ الفقيه أحد الأعلام الأثبات الثقات أبو عبد اللَّه سعيد بن جبير الكوفى الوالبى الأسدى مولى بنى والبة بطن من أسد بن خزيمة، روى عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ منهم ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير وعدى بن حاتم وعبد اللَّه بن مغفل وأنس ابن مالك رضى اللَّه عنهم، وروى عنه جعفر بن أبى المغيرة وجعفر بن إياس وأيوب والأعمش وعطاء ابن السائب وعمرو بن دينار وخلق كثير. وقد أثر أن ابن عباس رضى اللَّه عنهما كان إذا حج أهل الكوفة وسألوه يقول لهم: أليس فيكم سعيد ابن جبير؟ وكان سعيد أسود اللون يلبس عمامة ويرخيها من ورائه شبرا، وقد قتله الحجاج بن يوسف فى

стр. 3385

شعبان سنة خمس وتسعين وله تسع وأربعون سنة على الأشهر، وقيل بل عاش بضعا وخمسين سنة رحمه اللَّه تعالى. يوم بدر: أى بعد انتهاء معركة بدر وأخذ الأسارى. ثلاثة: أى من الأسارى. صبرا: أصل الصبر الحبس والمراد هنا أن يمسك الإِنسان ويحبس عن الحركة ثم يضرب حتى يموت. [البحث] قال فى تلخيص الحبير: قال الشافعى: أنا عدد من أهل العلم من قريش وغيرهم من أهل العلم بالمغازى أن النبى ﷺ أسر النضر بن الحارث العبدرى يوم بدر وقتله صبرا. وأسر عقبة بن أبى معيط يوم بدر وقتله صبرا، وروى البيهقى من طريق محمد بن يحيى بن سهل بن أبى حثمة عن أبيه عن جده: أن رسول اللَّه ﷺ لما أقبل بالأسارى وكان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت فضرب عنق عقبة بن أبى معيط صبرا، فقال: من للصبيه يا محمد؟ قال: النار، ورواه الدارقطنى فى الافراد وزاد: فقال: النار لهم ولأبيهم. وفى المراسيل لأبى داود عن سعيد بن جبير: أن رسول اللَّه ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة من قريش صبرا: المطعم بن عدى، والنضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط انتهى وفى قوله: المطعم بن عدى تحريف، والصواب: طعيمة بن عدى، بهذا

стр. 3386

أخرجه ابن أبى شيبة ووصله الطبرانى فى الأوسط بذكر ابن عباس اهـ هذا وقد روى مسلم فى صحيحه من طريق عبد اللَّه بن مطيع عن أبيه قال سمعت النبى ﷺ يقول يوم فتح مكة: "لا يقتل قرشى صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة".

стр. 3387

٢٦ - وعن عمران بن حصين رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ فَدَى رجلين من المسلمين برجل من المشركين. أخرجه الترمذى وصححه وأصله عند مسلم. [المفردات] فدى رجلين من المسلمين: أى أنقذ رجلين من المسلمين وخلصهما من أسر المشركين برجل من المشركين، أى فى مقابلة إطلاق أسير من الوثنيين كان فى أسر المسلمين. [البحث] قال الترمذى ﵀: حدثنا ابن أبى عمر ثنا سفيان ثنا أيوب عن أبى قلابة عن عمه عن عمران بن حصين أن النبى ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين. هذا حديث حسن صحيح، عم أبى قلابة هو أبو المهلَّب واسمه عبد الرحمن بن عمرو ويقال معاوية

стр. 3388

ابن عمر وأبو قلابة اسمه عبد اللَّه بن زيد الجرمى اهـ وأصل هذا الحديث عند مسلم من طريق أيوب عن أبى قلابة عن أبى المهلَّب عن عمران ابن حصين قال: كانت ثقيف حلفاء لبنى عُقَيْل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وأسر أصحاب رسول اللَّه ﷺ رجلا من بنى عُقَيْل وأصابوا معه العَضْبَاء فَأتَى عليه رسول اللَّه ﷺ وهو فى الوثاق، قال يا محمد، فأتاه، فقال: "ما شأنك؟ " فقال: بم أخذْتَنى وبم أخذْتَ سابقة الحاج؟ فقال (إعظاما لذلك): "أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف" ثم انصرف عنه، فناداه، فقال: يا محمد يا محمد وكان رسول اللَّه ﷺ رحيما رقيقا، فرجع إليه فقال: "ما شأنك؟ " قال: إنى مسلم، قال: "لو قُلْتَهَا وأنت تملك أمرك أَفَلَحْتَ كل الفلاح" ثم انصرف فناداه، فقال: يا محمد يا محمد، فأتاه، فقال: "شأنك؟ " قال: إنى جائع فَاطْعِمنى وَظَمْآن فَاسْقِنى قال: "هذه حاجتك" فَفُدِىَ بالرجلين. قال: وَأسِرَتْ امرأة من الأنصار، وأُصيبَتْ العضباء، فكانت المرأة فى الوثاق، وكان القوم يُرِيحُون نَعَمَهُمْ بين يَدَى بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإِبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتس إلى العضباء فلم تَرْغُ، قال: ونَاقة مُنَوَّقَةٌ فقعدت فى عَجُزِهَا ثم زَجَرَتْهَا فَانْطَلَقَتْ، ونَذِرُوا بها فَطَلَبُوهَا فأعجَزَتْهُمْ، قال: وَنَذَرَتْ للَّه إنْ نَجَّاهَا اللَّه عليها لَتَنْحَرَنَّهَا، فلما قَدِمَت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء ناقة رسول اللَّه ﷺ فقالت: إنها نذرت إن نجاها اللَّه عليها لتنحرنها، فأتوا رسول اللَّه ﷺ فذكروا ذلك له

стр. 3389

فقال: سبحان اللَّه بئسما جَزَتْهَا. نَذَرَتْ للَّه إن نجاها اللَّه عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر فى معصية ولا فيما لا يملك العبد اهـ وقوله: ناقة مُنَوَّقَة أى وكانت العضباء ناقة مدربة مذللة. [ما يفيده الحديث] ١ - جواز مفاداة الأسير المسلم بأسير أو أكثر من المشركين. ٢ - حرص الإِسلام على تحرير الأسارى.

стр. 3390

٢٧ - وعن صخر بن العَيْلَة رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال: "إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم" أخرجه أبو داود ورجاله مُوَثَّقُونَ. [المفردات] صخر بن العيلة: قال فى تهذيب التهذيب: صخر بن العيلة بن عبد اللَّه بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن أسلم بن أحمس الأحمسى، له صحبة، وروى حديثه أبان ابن عبد اللَّه بن أبى حازم الأحمسى عن عمه عثمان ابن أبى حازم عن أبيه عن جده صخر بن العيلة أن النبى ﷺ غزا ثقيفا. قلت: قال ابن السكن والبغوى: ليس له غيره، وذكره ابن سعد فى مسلمة الفتح، وقال: روى عن النبى ﷺ أحاديث قال ابن عبد البر: يقال إن العيلة أمه اهـ

стр. 3391

أحرزوا: أى حازوا وصانوا وحصنوا. دماءهم: أى فلا يجوز لأحد أن يريقها إلا بحق. وأموالهم: أى فلا يجوز لأحد أن يستولى عليها إلا بحق. [البحث] قال أبو داود: حدثنا عمر بن الخطاب أبو حفص ثنا الفريابى ثنا أبان قال عُمَرُ: وهو ابن عبد اللَّه بن أبى حازم قال: حدثنا عثمان ابن أبى حازم عن أبيه عن جده صخر أن رسول اللَّه ﷺ غزا ثفيفا، فلما أن سمع ذلك صخر ركب فى خيل يمد النبى ﷺ فوجد نبى اللَّه ﷺ قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر يومئذ عهد اللَّه وذمته أن لا يفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول اللَّه ﷺ ، فلم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول اللَّه ﷺ ، فكتب إليه صخر: أما بعد فإن ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول اللَّه وأنا مقبل إليهم وهم فى خيل، فأمر رسول اللَّه ﷺ بالصلاة جامعة، فدعا لأحمس عشر دعوات: "اللهم بارك لأحمس فى خيلها ورجالها" وأتاه القوم، فتكلم المغيرة بن شعبة، فقال: يا نبى اللَّه إن صخرا أخذ عمتى ودخلت فما دخل فيه المسلمون، فدعاه، فقال: "يا صخر إن القوم قد أسلموا، أحرزوا دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته" فدفعها إليه، وسأل نبى اللَّه ﷺ ما لبنى سليم قد هربوا عن الإسلام

стр. 3392

وتركوا ذلك الماء؟ فقال: يا نبى اللَّه أنزلنيه أنا وقومى قال: "نعم" فأنزله، وأسلم يعنى السلميين فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع إليهم الماء فأبى، فأتوا النبى ﷺ فقالوا: يا نبى اللَّه أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا، فأبى علينا، فأتاه فقال: "يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إلى القوم ماءهم قال: نعم يا نبى اللَّه، فرأيت وجه رسول اللَّه ﷺ يتغير عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء اهـ. وقد وصف المصنف رجال هذا الحديث بأنهم موثقون، وهذا المعنى الذى يدل عليه هذا الحديث يؤكده ما رواه البخارى ومسلم من طريق أبى هريرة عن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قالها فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللَّه "الحديث". [ما يفيده الحديث] ١ - أن من أسلم من الكفار فقد عصم دمه وماله. ٢ - أن المقصود من الجهاد هو إعلاء كلمة اللَّه وإسعاد الناس بالإِسلام لا سفك دمائهم ولا أخذ أموالهم.

стр. 3393

٢٨ - وعن جبير بن مطعم رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ قال فى أُسَارَى بدر: "لو كان المطعم بن عدى حيا ثم كلمنى فى

стр. 3394

هؤلاء النَّتْنَى لتركتهم له" رواه البخارى. [المفردات] فى أسارى بدر: أى فى شأن من أسِرُوا من المشركين يوم معركة بدر وقد طُلِب منهم الفداء. لو كان المطعم بن عدى إلخ: أى لو كان المطعم بن عدى النوفلى القرشى موجودا الآن لم يمت وطلب منى إطلاق هؤلاء الأسرى المنتنين النَّجَس بدون فداء لأطلقتهم من أجله. المطعم بن عدى: هو المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف القرشى النوفلى أحد المشركين الذين كانوا يدافعون عن رسول اللَّه ﷺ فى مكة، وأحد الذين ساهموا فى نقض صحيفة المقاطعة التى كانت كتبتها قريش ضد رسول اللَّه ﷺ ومن معه، حين حصروهم فى الشعب وهو الذى استقبل رسول اللَّه ﷺ لما رجع من الطائف وأمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة لحماية رسول اللَّه ﷺ من قريش، وكان يطلب من قريش أن يكفوا عن أذى رسول اللَّه ﷺ بعد أن هاجر رسول اللَّه ﷺ إلى

стр. 3395

المدينة. وقد مات المطعم كافرا قبل موقعة بدر وله بضع وتسعون سنة. النَّتْنى: جمع نَتِن أو نَتِين، فهو كَزَمْنَى جمع زَمِن أو كجَرْحَى جَمع جَرِيج، والمراد أنهم خبيثوا النفوس نَجَسُ بسبب شركهم. لتركتهم له: أى لأطلقت هؤلاء الأسرى بدون فداء من أجله. [البحث] هذا الحديث رواه البخارى فى المغازى من طريق الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبى ﷺ قال: فى أسارى بدر "لو كان المطعم بن عدى حيا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى لتركتهم له" وقد كان عدد الأسرى من المشركين يوم بدر سبعين أسيرا وقد استشار رسول اللَّه ﷺ أصحابه رضى اللَّه عنهم فى الأسرى فأشار أبو بكر رضى اللَّه عنه بأن يأخذ منهم رسول اللَّه ﷺ الفدية وأشار عمر رضى اللَّه عنه بقتلهم وكان رسول اللَّه ﷺ إذا خير بين أمرين اختار الأيسر منهما فاختار أن يأخذ منهم الفداء، وقد روى مسلم فى صحيحه هذه القصة من طريق أبى زُمَيْل سماك الحنفى عن عبد اللَّه بن عباس قال: حدثنى عمر بن الخطاب قال: لما كان يومُ بدر نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألْفُ، وأصحابه ثلثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبىُّ اللَّه ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه:

стр. 3396

"اللهم أنْجِزْ لى ما وعدتنى، اللهم آت ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد فى الأرض" فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبى اللَّه كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللَّه : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ فأمده اللَّه بالملائكة قال: أبو زميل: فحدثنى ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد فى أثَر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصَوتَ الفارس يقول: أقْدِمْ حَيزُومُ، فنظر إلى المشرك أمامه فَخَرَّ مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطمَ أنفُهُ، وَشُقَّ وَجهُهُ، كَضَرْبَةِ السوط، فَاخْضَرَّ ذلك أجْمَعُ، فجاء الأنصارىُّ فحَدَّثَ بذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: صَدَقتَ، ذلك من مَدَدِ السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسَرُوا الأُسارَى قال رسول اللَّه ﷺ لأبى بكر وعمر: "ما تَرَوْنَ فى هؤلاء الأُسارَى؟ " فقال أبو بكر: يا نبى اللَّه هم بنو العم والعشيرة أَرَى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى اللَّه أن يهديهم للإِسلام فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه ما أرى الذى رأى أبو بكر ولكنى أرى أن تُمَكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا، من

стр. 3397

عقيل فيضرب عنقه، وتمكنى من فلان (نسيبا لعمر) فأضربا عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فَهَوِيَ رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يَهوَ ما قلت. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر قَاعِدَين يبكيان قلت: يا رسول اللَّه أخبرنى من أى شئ تبكى أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أبكى للذى عَرَضَ علىَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ علىَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" (شجرة قريبة من نبى اللَّه ﷺ وأنزل اللَّه : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فأحل اللَّه الغنيمة لهم اهـ. [ما يفيده الحديث] ١ - جواز المن على الأسير وإطلاقه بدون فداء. ٢ - جواز أخذ الفداء من الأسير. ٣ - استحباب مكافأة من أسدي إليك يدا وإن كان كافرا.

стр. 3398

٢٩ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: أصبنا

стр. 3399

سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فَتحَرَّجُوا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية، أخرجه مسلم. [المفردات] أصبنا: أى وجدنا وأدركنا. لهن أزواج: أى للسبايا أزواج مشركون فى دار الحرب. فَتَحرَّجُوا: أى فَتَخَوَّفَ أصحاب رسول اللَّه ﷺ من وطء السبايا اللاتى لهن أزواج وخافوا أن يقعوا فى الإِثم والحرج. والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم: أى وحرمت عليكم المتزوجات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم من الإِماء بالسبى فلكم وطؤهن بعد الاستبراء وإن كان لهن أزواج فى دار الحرب لوقوع الفرقة بتباين الدارين ولذلك يقول الفرزدق: وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبنى بها لم تطلق [البحث] أخرج مسلم فى صحيحه من طريق يزيد بن زُرَيع حدثنا سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن صالح أبى الخليل عن أبى علقمة

стр. 3400

الهاشمى عن أبى سعيد الخدرى أن رسول اللَّه ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل اللَّه فى ذلك ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. ثم ساقه من طريق عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبى الخليل أن أبا علقمة الهاشمى حدَّث أن أبا سعيد الخدرى حدثهم أن نبى اللَّه ﷺ بعث يوم حنين سرية، بمعنى حديث يزيد بن زريع غير أنه قال: "إلا ماملكت أيمانكم" منهن فحلال لكم ولم يذكر "إذا انقضت عدتهن" ثم ساقه من طريق شعبة عن قتادة عن أبى الخليل عن أبى سعيد قال: أصابوا سَبْيا يوم أوطاس لهن أزواج، فتخوفوا، فَأُنْزِلَتْ هذه الاَية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. [ما يفيده الحديث] ١ - أن من سبيت من نساء المشركين وهى متزوجة بانت من زوجها بالسبى. ٢ - أنه لا يحل نكاح متزوجة إلا من سبيت لوقوع الفرقة بينها وبين زوجها بالسبى.
следующие страницы →