← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 143640

فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام

عبد القادر شيبة الحمد

Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

فى مسنده من طريق ابن إسحاق قال: حدثنى صالح بن كيسان عن الزهرى عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: آخر ما عهد رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "لا يترك بجزيرة العرب دينان" وقد سقت فى بحث الحديث الأول من أحاديث باب المساقاة والإِجارة لفظ حديث البخارى فى قصة إجلاء عمر رضى اللَّه عنه اليهود من خيبر وفيه: فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. والظاهر أن إجلاءهم كان إلى تيماء ثم إلى أريحاء إذ أن تيماء داخلة فى جزيرة العرب بخلاف أريحاء. [ما يفيده الحديث] ١ - لا يجوز أن يُمَكَّنَ أحد من الكفار من الاستيطان فى جزيرة العرب. ٢ - وجوب صيانة أرض الجزيرة العربية من كل دين يخالف دين الإِسلام.

стр. 3432

٤٠ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء اللَّه على رسوله مما لم يُوجِفْ عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبى ﷺ خاصة فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بَقِىَ يجعله فى الكُرَاعِ والسلاحِ عُدَّةً فى سبيل اللَّه " متفق عليه.

стр. 3433

[المفردات] وعنه: أى وعن عمر رضى اللَّه عنه. أفاء اللَّه على رسوله: أى ما رَدَّ اللَّه على رسوله ﷺ وجعله فى يده ﷺ ، والفئ ما أخذ بغير قتال. لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب: أى لم يُعمل فيه الصحابة فَرَسًا ولا بعيرا ولم يقاسوا فيه مشقة. قال فى المصباح: وجف الفرس والبعير وجيفا عدا، وأوجفته -بالألف- أعديته وهو العنق فى السير، وقولهم: ما حصل بإيجاف أى بإعمال الخيل والركاب فى تحصيله الإِبل. قال فى القاموس: والركاب ككتاب الإِبل واحدتها راحلة ج ككتُب وركابات وركائب اهـ. فكانت للنبى ﷺ خاصة: أى لم يقسمها بين المسلمين ولم يُجرِهَا مجرى الغنائم فكانت خالصة. فكان ينفق على أهله نفقة سنة: أى كان يدخر منها لأهله وزوجاته رضى اللَّه عنهن ما يكفيهن من النفقة لمدة عام، وما يحتاجه ﷺ فى حاجته الخاصة. وما بقى: أى وما زاد عن نفقة أهله لمدة عام. يجعله فى الكراع والسلاح: أى ينفقه فى إعداد وتهيئة آلات القتال من الخيل والسيوف وأدوات الحرب. وعرف

стр. 3434

فى القاموس الكراع بأنه: اسم يجمع الخيل. عُدَّةً فى سبيل اللَّه : أى تهيئة فى سبيل اللَّه واستعدادا لقتال أعدائه. [البحث] أورد البخارى هذا الحديث فى التفسير فى باب قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من طريق سفيان عن عمرو عن الزهرى عن مالك بن أوس بن الحَدَثان عن عمر رضى اللَّه عنه قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء اللَّه على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، ينفق على أهله منها سنته، ثم يجعل ما بقى فى السلاح والكراع عُدَّة فى سبيل اللَّه. وأخرجه مسلم من طريق سفيان عن عمرو عن الزهرى عن مالك بن أوس عن عمر رضى اللَّه عنه باللفظ الذى ساقه المصنف وفى لفظ لمسلم من طريق معمر عن الزهرى عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر: فكان ينفق على أهله منه سنة، وربما قال معمر: يحبس قوت أهله منه سنة ثم يجعل ما بقى منه مجْعل مال اللَّه . وفى رواية للبخارى ومسلم واللفظ للبخارى من طريق مالك بن أوس قال عمر: إن اللَّه قد خص رسوله ﷺ فى هذا الفئ بشئ لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله ﴿قَدِيرٌ﴾ فكانت هذه خالصة لرسول اللَّه ﷺ ، وواللَّه ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموه

стр. 3435

وبثها فيكم حتى بقى منها هذا المال، فكان رسول اللَّه ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقى فيجعله مَجْعَلَ مال اللَّه. الحديث، وفى لفظ لمسلم: ثم يجعل ما بقى أُسوة المال. [ما يفيده الحديث] ١ - الحض على إعداء آلات الجهاد فى سبيل اللَّه. ٢ - يجوز للإِنسان أن يدخر لأهله قوت سنة. ٣ - أن الادخار للأهل لا ينافى التوكل على اللَّه .

стр. 3436

٤١ - وعن معاذ بن جبل رضى اللَّه عنه قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر، فأصبنا فيها غَنَمًا، فقسم فينا رسول اللَّه ﷺ طائفة، وجعل بقيتها فى المَغْنَم، رواه أبو داود ورجاله لا بأس بهم. [المفردات] فأصبنا فيها غَنَمًا: أى غنمنا فيها شاءً. فقسم فينا رسول اللَّه ﷺ طائفة: أى فَوَزَّع رسول اللَّه ﷺ علينا معشر الغزاة قطعة من هذه الغنم قبل قسمتها على سبيل التنفيل. وجعل بقيتها فى المغنم: أى وضم بقية الغنم إلى الغنيمة لتقسم على الغانمين بعد استخراج الخمس.

стр. 3437

[البحث] قال أبو داود: حدثنا محمد بن المصفى ثنا محمد بن المبارك عن يحيى بن حمزة قال: ثنا أبو عبد العزيز شيخ من أهل الأردن عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم قال: رابطنا مدينة قنسرين مع شرحبيل بن السمط، فلما فتحها أصاب فيها غنما وبقرا، فقسم فينا طائفة منها وجعل بقيتها فى المغنم، فلقيت معاذ بن جبل فحدثته فقال معاذ: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر، فأصبنا فيها غنما، فقسم فينا رسول اللَّه ﷺ طائفة، وجعل بقيتها فى المغنم اهـ وقد سكت أبو داود عن هذا الحديث، ووصف المصنف هنا رجاله بأنه لا بأس بهم، وقال فى التقريب: يحيى بن عبد العزيز أبو عبد العزيز الأردنى بضمم الهمزة والمهملة بينهما راء ساكنة ثم نون ثقيلة، نزل اليمامة، مقبول اهـ. وقال الشوكانى فى نيل الأوطار: وفى إسناده أبو عبد العزيز شيخ من الأردن وهو مجهول اهـ. وقد تقدم فى الحديث الخامس والثلاثين والسادس والثلاثين من أحاديث هذا الباب أباحة الطعام فى أرض العدو من الغنيمة قبل القسمة. واللَّه اُعلم.

стр. 3438

٤٢ - وعن أبى رافع رضى اللَّه عنه قال: قال رسول ﷺ : إنى لا أخيس بالعهد، ولا أحبس الرسل" رواه

стр. 3439

أبو داود والنسائى وصححه ابن حبان. [المفردات] لا أخيس: أى لا أنقض ولا أخون ولا أغدر. بالعهد: أى بالميثاق والأمان والذمة. ولا أحبس الرسل: أى ولا أسجن السفراء. [البحث] قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرنى عمرو عن بكير بن الأشج عن الحسن بن على بن أبى رافع أن أبا رافع أخبره قال: بعثتنى قريش إلى رسول اللَّه ﷺ ، فلما رأيت رسول اللَّه ﷺ ألقى فى قلبى الإسلام، فقلت: يا رسول اللَّه إنى واللَّه لا أرجع إليهم أبدا، فقال رسول اللَّه ﷺ "إنى لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع، فإن كان فى نفسك الذى فى نفسك الآن فارجع" قال: فذهبت ثم أتيت النبى ﷺ فأسلمت. قال بكير: وأخبرنى أن أبا رافع كان قبطيا، سمعت أبا داود يقول: هذا كان فى ذلك الزمان فأما اليوم لا يصلح اهـ ورجال هذا الحديث كلهم ثقات، وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث حذيفة رضى اللَّه عنه قال: ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أنى خرجت أنا وأبى حُسَيْلٌ قال: فَأَخَذَنَا كُفَّار قريش قالوا: إنكم تريدون محمدا، فقلنا ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد اللَّه وميثاقه لنَنصَرِفَنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول اللَّه ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: "انصرفا نفى لهم بعهدهم ونستعين اللَّه عليهم".

стр. 3440

[ما يفيده الحديث] ١ - وجوب حفظ العهد والوفاء به. ٢ - تحريم الغدر. ٣ - لا يجوز حبس السفراء. ٤ - يجب تأمين السفراء حتى يرجعوا إلى بلادهم. ٥ - سمو التعاليم الإِسلامية وشمولها.

стр. 3441

٤٣ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: أيُّمَا قَريَةٍ أَتَيتُمُوها، فأَقمتم فيها، فَسَهمُكُمْ فيها، وأيما قرية عصت اللَّه ورسوله فإن خُمسَها للَّه ورسوله ثم هى لكم" رواه مسلم. [المفردات] أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها: أى إذا جئتم إلى قرية من قرى الكفار دون إيجاف بخيل أو ركاب فصالحتم أهلها ونزلتم فيها. فسهمكم فيها: أى ما أخذتم منهم من مال يكون فيئا للمسلمين مصرفه مصرف الفئ. وأيما قرية عصت اللَّه ورسوله: أى وإذا جئتم قرية فلم تستسلم لكم إلا بالقتال، وإيجاف الخيل والركاب، فإن ما تأخذونه منهم من مال يكون غنيمة خمسها للَّه

стр. 3442

ورسوله وأربعة أخماسها للغانمين. [البحث] قد ذكر اللَّه ﵎ أن الغنيمة تُخَمَّسُ فيأخذ الغانمون منها أربعة أخماس تقسم بينهم، وبيَّن مصرف الخمس حيث قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كما بين مصرف الفئ حيث قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. [ما يفيده الحديث] ١ - أن ما يستولى عليه المسلمون بغير قتال يكون فيئا مصرفه مصرف الفئ. ٢ - وأن ما يستولى عليه المسلمون بقتال يكون غنيمة ويخمس.

стр. 3443

باب الجِزْيَةِ والهُدْنَةِ

стр. 3444

١ - عن عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ أخذها -يعنى الجزية- من مَجُوس هَجَرَ. رواه البخارى، وله طريق فى الموطأ فيها انقطاع. [المفردات] الجزية: بكسر الجيم خراج الأرض وما يؤخذ من الذمى والمراد هنا الثانى. قال فى الفتح: والجزية من جزأت الشئ إذا قسمته ثم سهلت الهمزة، وقيل من الجزاء أى لأنها جزاء تركهم ببلاد الإِسلام، أو من الإِجزاء لأنها تكفى من توضع عليه فى عصمة دمه اهـ. والهدنة: بضم الهاء هى المصالحة والموادعة مع أهل الحرب لمدة معلومة لمصلحة المسلمين. مجوس: قال فى القاموس: مجوس كصبور رجل صغير الأذنين وضع دينًا ودعا إليه مُعَرَّبُ (مِنجَ كُوش) رجل مجوسي ج مجوس كيهودى ويهود ومَجَّسَه تمجيسا صيره مجوسيا فتمجس والنحلة المجوسية اهـ. والمجوس هم الذين يعبدون النار وقد يعبدون الشمس وهم القائلون بأن للعالم آلهين وأصلين هما النور والظلمة وأن الخير من فعل النور وأن الشر

стр. 3445

من فعل الظُّلْمة، وأظهر طقوسهم عبادة النار قال التوأم اليشكرى: كنار مجوس تَستَعرُ استعارا وقد قيل إن للمجوس شبهة كتاب حيث إن الذى وضع لهم دينهم أخذ من بعض طقوس أهل الكتاب ولذلك أخذت منهم الجزية كأهل الكتاب وهم يستبيحون نكاح أخواتهم وسائر محارمهم، وكان المجوس يسكنون بلاد فارس والبحرين. هجر: قال فى معجم البلدان: وهجر مدينة وهى قاعدة البحرين ثم قال: وقيل ناحية البحرين كلها هجر وهو الصواب اهـ وقال فى القاموس فى هجر: اسم لجميع أرض البحرين ومنه المثل: كَمُبضِع تمر إلى هجر، وقول عمر رضى اللَّه عنه: عجبت لتاجر هجر، كأنه أراد لكثرة وبائه أو لركوب البحر وكانت قرب المدينة إليها تنسب القلال اهـ والمراد هنا الأول، وهى بلاد معروفة بكثرة النخيل. وله: ولحديث عبد الرحمن بن عوف هذا. طريق فى الموطأ: أى سند آخر غير طريق البخارى. فيها انقطاع: أى فى طريق الموطأ انقطاع فسنده غير متصل. [البحث] أخرج البخارى فى (الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب) من طريق عمرو يعنى بن دينار قال: كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس

стр. 3446

فحدثهما بَجَالة سنة سبعين عام حجَّ مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم، قال: كنت كاتبا لجزء معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرِّقُوا بين كل ذى مَحْرَم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه ﷺ أخذها من مجوس هجر اهـ أما الطريق التى فى الموطأ فهى عن جعفر ابن محمد عن أبيه أن عمر قال: لا أدرى ما أصنع بالمجوس فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، قال فى الفتح: وهذا منقطع مع ثقة رجاله هذا والأصل فى مشروعية الجزية هو قول اللَّه ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وقد روى البخارى من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى: أمرنا نبينا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده أو تؤدوا الجزية. [ما يفيده الحديث] ١ - مشروعية الجزية. ٢ - معاملة المجوس عربا وعجما كأهل الكتاب فى قبول الجزية منهم.

стр. 3447

٢ - وعن عاصم بن عمر عن أنس وعثمان بن أبى سليمان رضى اللَّه عنهم أن النبى ﷺ بعث خالد الوليد بن إلى أكيد إلى أكيدر دومة، فأخذوه فاتوا به، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية. رواه أبو داود. [المفردات] عاصم بن عمر: ليس هو عاصم بن عمر بن الخطاب كما توهم الصنعانى فى سبل السلام بل هو أبو عمرو أو أبو عمر عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب وهو ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصارى الظفرى روى عن أبيه وعن جابر بن عبد اللَّه وأنس بن مالك ومحمود بن لبيد وغيرهم وروى عنه ابنه الفضل وبكير ابن عبد اللَّه بن الأشج وزيد بن أسلم وعمارة بن غزية ومحمد بن إسحاق وغيرهم، وقد أمره عمر بن عبد العزيز ﵀ أن يجلس فى مسجد دمشق فيحدث الناس بالمغازى ومناقب الصحابة ففعل، وكان ثقة كثير الحديث وقد توفى سنة ١١٩ هـ أو ١٢٠ هـ أو ١٢٧ هـ أو ١٢٩ هـ ﵀. عثمان بن أبى سليمان: هو قاضى مكة عثمان بن أبى سليمان محمد بن جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل النوفلى القرشى المكى روى عن عمه نافع بن جبير وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير وعلقمة بن نضلة وأبى سلمة بن

стр. 3448

عبد الرحمن وسعيد بن جبير وغيرهم وروى عنه ابن إسحاق وإسماعيل بن أمية وابن جريج وابن عيينة وغيرهم، وقد وثقه أحمد وابن معين وابن سعد وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وابن حبان والعجلى، وقد علق له البخارى وأخرج له مسلم ﵏. بعث خالد بن الوليد: أى أرسله فى سرية. أكيدر دومة: هو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن بن أعباء بن الحارث بن معاوية الكندى كان نصرانيا وكان ملكا على دومة الجندل وقد أسلم بعد ذلك. ودومة الجندل مدينة بها نخل وزروع وحصن وتقع شمال شرقى المدينة المنورة، وتبعد عنها بحوالى ٩٠٠ (كيلو) وكانت عاصمة مقاطعة الجوف بالمملكة العربية السعودية ثم نقلت العاصمة إلى سكاكا التى تبعد عن دومة الجندل بحوالى ٤٠ (كيلو) من الشمال الغربى وتبعد دومة الجندل عن تبوك بحوالى (٥٥٠) كيلو كما تبعد دومة الجندل عن طريف على الحدود الشمالية للمملكة العربية السعودية بنحو خمسمائة (كيلو). فأخذوه: أى فأسروه. فحقن له دمه: أى أنقذه من القتل وصان دمه.

стр. 3449

وصالحه على الجزية: أى وفرض عليه الجزية وصار أكيدر من أهل الذمة. [البحث] قال أبو داود: حدثنا العباس بن عبد العظيم ثنا سهل بن محمد ثنا يحيى بن أبى زائدة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن أنس بن مالك وعن عثمان بن أبى سليمان أن النبى ﷺ بعث خالد ابن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذ فأتوه به فحقن له دمه وصالحه على الجزية اهـ وقوله: وعن عثمان بن أبى سليمان يعنى أن محمد بن إسحاق رواه عن شيخيه عاصم بن عمر وعثمان بن أبى سليمان ﵏ إلا أن عاصما أسنده وعثمان أرسله وقد ساقه أبو داود عن محمد بن إسحاق معنعنا وفى الصحيحين من حديث قتادة عن أنس رضى اللَّه عنه قصة إهداء أكيدر دومة جبة من سندس للنبى ﷺ فقد أخرج البخارى من طريق شيبان عن قتادة عن أنس رضى اللَّه عنه قال: أُهْدِىَ للنبى ﷺ جبة سندس وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها فقال: والذى نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة أحسن من هذا. وقال سعيد عن قتادة عن أنس: إن أكيدر دومة أهدى إلى النبى ﷺ اهـ وأخرجه مسلم بنحو هذا اللفظ من طريق سعيد عن قتادة عن أنس وأخرجه من طريق عمرو ابن عامر عن قتادة عن أنس أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول ﷺ حلة، الحديث: ولم يذكر فيه: وكان ينهى عن الحرير.

стр. 3450

٣ - وعن معاذ بن جبل رضى اللَّه عنه قال: بعثنى النبى ﷺ إلى اليمن فأمرنى أن آخذ من كل حالم دينارا أو عَدْله مَعافِريا. أخرجه الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم. [المفردات] بعثنى: أى وَجَّهنى. حالم: أى محتلم بالغ يعنى من الذين تؤخذ منهم الجزية من أهل الكتاب. أو عَدله: أى أو قيمته. مَعَافريا: هى برود باليمن منسوبة إلى معافر وهى قبيلة باليمن. [البحث] هذا طرف من الحديث الثالث من أحاديث كتاب الزكاة وقد تقدم بحثه هناك إلا أنه هنا قال: أخرجه الثلاثة وهناك قال: رواه الخمسة: وقال فى تلخيص الحبير: حديث أن النبى ﷺ قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: إنك سترد على قوم أكثرهم أهل كتاب، فأعرض عليهم الإِسلام، فإن امتنعوا فأعرض عليهم الجزية، وخذ من كل حالم دينارا فإن امتنعوا فقاتلهم. وسبق إلى إيراده هكذا الغزالى فى الوسيط وتعقبه ابن الصلاح. قلت: والظاهر أنه ملفق من حديثين الأول فى الصحيحين من حديث ابن عباس بأوله إلى قوله: فادعهم إلى الإسلام، وفيه بعد ذلك زيادة ليست هنا، وأما الجزية فرواه

стр. 3451

أحمد وأبو داود والنسائى والترمذى والدارقطنى وابن حبان والحاكم والبيهقى من حديث مسروق عن معاذ أن النبى ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر، ثياب تكون باليمن وقال أبو داود: هو حديث منكر قال: وبلغنى عن أحمد أنه كان ينكره، وذكر البيهقى الاختلاف فيه فبعضهم رواه عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق عن معاذ، وقال بعضهم عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق أن النبى ﷺ لما بعث معاذا، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وأن مسروقا لم يلق معاذا، وفيه نظر، وقال الترمذى: حديث حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا وأنه أصح اهـ.

стр. 3452

٤ - وعن عائذ بن عمرو المزنى رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "الإِسلام يَعْلُو ولا يُعْلَى" أخرجه الدارقطنى. [المفردات] عائذ بن عمرو المزنى: هو أبو هبيرة عائذ بن عمرو بن هلال المزنى البصرى أحد الصحابة الذين شهدوا مع رسول اللَّه ﷺ بيعة الرضوان رضى اللَّه عنهم. روى عنه أنه كان من حرصه على كف الأذى عن المسلمين أنه كان لا يخرج من داره ماء إلى الطريق حتى لا يضر أحدا من المسلمين. وقال البغوى: ثنا الزهرانى

стр. 3453

ثنا جعفر بن سليمان ثنا أسماء بن عبيد قال: قال عائذ المزنى: لأن أصب طستى فى حجلتى أحب إلىَّ من أن أصب فى طريق المسلمين اهـ وتوفى سنة إحدى وستين رضى اللَّه عنه. يعلو: أى يرتفع على غيره من الأديان والنحل، وأهله أعز من أهل سائر الأديان. ولا يُعلَى: أى ولا يرتفع عليه دين ولا نحلة، وأهله المستمسكون به تبع له فى ذلك فلا يجوز أن يرتفع عليهم أحد فى منزلة أو سلوك. [البحث] قال الدارقطنى: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم نا أحمد بن الحسين الحذاء نا شباب بن خياط نا حشرج بن عبد اللَّه بن حشرج حدثنى أبى عن جدى عن عائذ بن عمرو المزنى عن النبى ﷺ قال: "الإِسلام يعلو ولا يُعلى" وقد وصف عبد اللَّه بن حشرج وأبوه بأنهما مجهولان، وقد قال البخارى فى كتاب الجنائز: وكان ابن عباس رضى اللَّه عنهما مع أمه من المستضعفين ولم يكن مع أبيه على دين قومه، وقال: الإِسلام يعلو ولا يعلى اهـ قال الحافظ فى الفتح: (قوله وقال: الإِسلام يعلو ولا يُعلى) كذا فى جميع نسخ البخارى لم يعين القائل كنت أظن أنه معطوف على قول ابن عباس فيكون من كلامه ثم لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير، ورأيته موصولا

стр. 3454

مرفوعا من حديث غيره، أخرجه الدارقطنى ومحمد بن هارون الرويانى فى مسنده من حديث عائذ بن عمرو المزنى بسند حسن، ورويناه فى فوائد أبى يعلى الخليلى من هذا الوجه، وزاد فى أوله قصة وهى أن عائذ بن عمرو جاء يوم الفتح مع أبى سفيان بن حرب فقال الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو. فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو ولا يُعلى" وفى هذه القصة أن للمبدأ به فى الذكر تأثيرا فى الفضل لما يفيده من الاهتمام، وليس فيه حجة على أن الواو ترتب، ثم وجدته من قول ابن عباس كما كنت أظن ذكره ابن حزم فى المحلى، قال: ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية تحت اليهودى أو النصرانى يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يُعلى اهـ هذا وقد قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ وقال ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. [ما يفيده الحديث] ١ - لا يحل لمسلم أن يُذِل نفسه للكافر. ٢ - لا يجوز للمسلمة أن تتزوج كافرا. ٣ - يجوز للمسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية. ٤ - أن الولد يتبع خير الأبوين دينا فإذا كان أحد أبويه مسلما

стр. 3455

كان معه على كل حال. ٥ - يجب على المسلمين أن يكونوا أحسن أمم الأرض سلوكا وأعلاهم معاملة وأجملهم منظرا ومظهرا وأنقاهم نفسا.

стр. 3456

٥ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: "لَا تَبْدَءُوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم فى طريق فَاضْطَرُّوهُ إلى أضيقه" رواه مسلم. [المفردات] لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام: أى لا تفاتحوهم بالتحية ولا تبتدئوهم بها. وإذا لقيتم أحدهم فى طريق الخ: أى وإذا تقابلتم مع أحد اليهود أو النصارى فى سِكَّةِ من السكك أو درب من الدروب فلا توسعوا له بل أَلْجِئُوهُ إلى حافته إعْزَازًا للإِسلام وإذلَالًا لأعدائه. [البحث] لا نزاع عند أهل العلم فى مشروعية رد السلام على أهل الكتاب من اليهود والنصارى إذا سلموا على المسلمين، وقد روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السَّامُ عليكم فقل: عليك" كما روى مسلم من حديث أنس رضى اللَّه عنه

стр. 3457

أن أصحاب النبى ﷺ قالوا: للنبى ﷺ : إن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد عليهم؟ قال: "قولوا وعليكم" وقوله ﵇ هنا: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام" ظاهر فى عدم مشروعية مبادءتهم بالسلام وفيه لفت انتباه إلى أن ذلك من باب عزة الإسلام وذلة عدوه، وهذا يقتضى من المسلمين أن يبذلوا كل جهدهم لتحقيق أسباب هذه العزة، وأن يُعدُّوا لأعداء اللَّه ما استطاعوا من قوة. كما أن قوله ﷺ هنا: وإذا لقيتم أحدهم فى طريق فاضطروه إلى أضيقه" هو أيضا من باب عزة الإسلام وذلة عدوه وذلك يؤكد أن الإسلام يعلو ولا يُعلى، ولا نزاع فى جواز السلام على مجلس أو جماعة بهم أخلاط من المسلمين والمشركين، وسلامه حينئذ على أهل الإسلام. واللَّه أعلم. [ما يفيده الحديث] ١ - عدم مشروعية بدء اليهود والنصارى بالسلام عليهم. ٢ - جواز الرد عليهم إذا سلموا. ٣ - لا يجوز توسعة الطرق لليهود والنصارى. ٤ - الإسلام يعلو ولا يُعلى.

стр. 3458

٦ - وعن المسور بن مخرمة ومروان رضى اللَّه عنهما أن النبى ﷺ خرج عام الحُدَيْبِية، فذكر الحديث بطوله، وفيه: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللَّه سُهَيْل بن عمرو على وضع الحرب

стр. 3459

عشر سنين، يَأْمَنُ فيها الناسُ، ويَكُفُّ بَعْضُهُمْ عن بعض. أخرجه أبو داود، وأصله فى البخارى، وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس وفيه: أن من جاء منكم لم نَرُدَّهُ عليكم، ومن جاءكم منا رَدَدْتُموه علينا، فقالوا: أَتَكْتُبُ هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، إنه مَنْ ذَهَبَ منا إليهم فأبعده اللَّه، ومن جاءنا منهم فسيجعل اللَّه له فَرَجًا ومَخْرَجًا". [المفردات] مروان: هو أبو عبد الملك مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى الأموى ولد فى السنة الثانية أو الرابعة من الهجرة، وولى إمرة المدينة أيام معاوية وبويع له بالخلافة فى آخر سنة أربع وستين بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية. وغلب على الشام ومصر ومات بعد تسعة أشهر من بدء خلافته فى رمضان سنة خمس وستين. قال البخارى: لم ير النبى ﷺ . خرج عام الحديبية: أى سافر من المدينة عازما على العمرة سنة صلح الحديبية. وكان خروجه ﷺ يوم الاثنين لهلال ذى القعدة فى السنة السادسة من الهجرة. والحديبية: هى بئر سُمِّى المكان بها وقيل شجرة حدباء

стр. 3460

صُغِّرت وسمى المكان بها، وقد صارت قرية وهى قريبة من مكة بعضها فى الحرم وبعضها فى الحل. فذكر الحديث بطوله: أى فأتم حديث قصة صلح الحديبية. وَضع الحرب: أى ترك القتال. يأمن فيها الناس: أى يطمئن فيها المسلمون والمشركون. ويكف بعضهم عن بعض: أى ويمتنع كل واحد منهم عن أذى الآخر. وأصله فى البخارى: أى وأصل حديث المسور ومروان فى صحيح البخارى. بعضه من حديث أنس: أى بعض هذا الحديث المروى عن المسور ومروان لكن من طريق أنس بن مالك رضى اللَّه تعالى عنه. وفيه: أى وفى هذا الحديث. من جاء منكم لم نرده عليكم: أى من رجع من المسلمين إلى المشركين فى مكة لا يرده المشركون إلى رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم. ومن جاءكم منا رددتموه علينا: أى ومن جاء مسلما إلى رسول اللَّه ﷺ من أهل مكة يرده رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين. فقالوا: أى فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ . أتكتب هذا يا رسول اللَّه؟ : أى أترضى بهذا النص فى هذه المعاهدة؟ . فأبعده اللَّه: أى من رجع إلى المشركين فإنه لا خير لنا فى

стр. 3461

استرجاعه لأنه عدو فأبعده اللَّه عنا كفانا شره. ومن جاءنا منهم: أى ومن أسلم من المشركين وجاء إلينا مهاجرا ورددناه على المشركين فإن اللَّه سينجيه من شرهم ويخلصه من أذاهم ويجعل له سعة ويسرا. [البحث] تقدم الكلام على أصل هذا الحديث الذى فى البخارى فى بحث الحديث السادس والعشرين من أحاديث باب صفة الحج ودخول مكة وقد سقت الحديث بتمامه هناك وشرحت بعض ألفاظه أما حديث أبى داود الذى ذكره المصنف هنا فلفظه فى سنن أبى داود: حدثنا محمد ابن العلاء ثنا ابن إدريس قال سمعت محمد بن إسحاق عن الزهرى عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال اهـ وقوله فى هذا الحديث: (وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة) قال فى القاموس: وعيبة مكفوفة مُشَرَّجَة مشدودة وفى الحديث: "وإن بينهم عيبة مكفوفة" مَثَّلَ بها الذمة المحفوظة التى لا تُنْكَثُ أو معناه أن الشر يكون مكفوفا بينهم كما تُكَفُّ العيابُ إذا أُشْرِجَتْ على ما فيها من المتاع، كذلك الذُّحُولُ التى كانت بينهم قد اصطلحوا على أن لا ينشروها بل يَتَكَافّونَ عنها كأنهما جعلوها فى وِعَاءٍ وَأَشْرَجُوا عليها اهـ والتشريج الخياطة المتباعدة وشَدُّ الخريطة. والإِسلال فى الأصل السرقة الخفية والمراد بها الخيانة, والإِغلال الخيانة أيضا. أما بعض هذا الحديث الذى أخرجه مسلم من طريق أنس

стр. 3462

رضى اللَّه عنه فلفظه: أن قريشا صالحوا النبى ﷺ فيهم سهيل بن عمرو فقال النبى ﷺ لعلى: "اكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم" قال سهيل: أما باسم اللَّه فما ندرى ما بسم اللَّه الرحمن الرحيم؟ ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم فقال: "اكتب من محمد رسول اللَّه" قالوا: لو علمنا أنك رسول اللَّه لَاتَبّعْنَاكَ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبى ﷺ : "اكتب من محمد بن عبد اللَّه" فاشترطوا على النبى ﷺ أنَّ من جاء منكم لم نَرُدُّهُ عليكم، ومن جاءكم منا رَدَدْتُمُوه علينا. فقالوا: يا رسول اللَّه أنكتب هذا؟ قال: "نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللَّه، ومن جاءنا منهم سيجعل اللَّه له فَرَجًا ومَخْرَجًا". [ما يفيده الحديث] ١ - جواز عقد الهدنة بين المسلمين والمشركين لمدة معلومة. ٢ - أن الذى يقرر الهدنة هو الإمام أو نائبه. ٣ - يجب على الإنسان أن يتهم رأيه إذا خالف كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه ﷺ . ٤ - أن كل الخير فى اتباع رسول اللَّه صلوات اللَّه وسلامه ورحمته وبركاته عليه. ٥ - وجوب الحفاظ على نصوص المعاهدة التى تعقد بين المسلمين والمشركين.

стр. 3463

٧ - وعن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: "من قَتَلَ معاهدا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها لَيُوجَدُ من مسيرة أربعين عاما" أخرجه البخارى. [المفردات] عبد اللَّه بن عمرو: فى نسخ بلوغ المرام عبد اللَّه بن عمر وهو خطأ فإن هذا الحديث فى البخارى من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما. قال الحافظ فى الفتح: اتفقت النسخ على أن الحديث من مسند عبد اللَّه بن عمرو بن العاص إلا ما رواه الأصيلى عن الجرجانى عن الفرابرى فقال: عبد اللَّه ابن عمر بضم العين بغير واو وهو تصحيف نبه عليه الجيانى اهـ. من قتل معاهدا: أى من سفك دم كافر فى مدة عهده وأمانه الذى أعطاه له إمام المسلمين من غير جُرْم أحدثه. لم يرح رائحة الجنة: أى لم يشم ولم يجد طيب الجنة ونسيمها ولن يقترب منها. ويرح بفتح الياء والراء أصله يراح أى يجد الريح. وإن ريحها: أى وإن ريح طيب الجنة ونسيمها. ليوجد من مسيرة أربعين عاما: أى ليدرك ويشم من مسافة يسير فيها الإِنسان أربعين سنة.

стр. 3464

[البحث] أخرج البخارى هذا الحديث فى (الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب) فى (باب إثم من قتل معاهدا بغير جُرْم) من طريق مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ قال: من قتل معاهدا لم يَرَحْ رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما" وأخرجه فى الديات فى باب إثم من قتل ذميا بغير جُرْم من طريق مجاهد عن عبد اللَّه بن عَمْرو عن النبى ﷺ قال: من قتل نفسا مُعَاهَدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما". [ما يفيده الحديث] ١ - أن سفك دم المعاهد بغير حق من أكبر الكبائر. ٢ - وجوب صيانة دماء أهل الذمة والمعاهدين.

стр. 3465

باب السَّبق والرَّمْى

стр. 3466

١ - عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: سابَقَ النبىُّ ﷺ بالخيل التى قد ضُمِّرَتْ من الحَفْيَاءِ، وكان أمدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاع، وسابق بين الخيل التى لم تُضَمَّرْ من الثَّنِيَّة إلى مسجد بنى زُريْق، وكان ابن عمر فيمن سَابَقَ. متفق عليه، وزاد البخارى قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن الثنية إلى مسجد بنى زُريق ميل. [المفردات] السَّبْق: بفتح السين وسكون الباء هو مصدر سَبَق يَسْبِقُ سَبْقًا إذا تقدم غيره وهذا هو المراد هنا، والسَّبَق بفتح السين والباء والسُّبْقَةُ بضم السين هو ما يجعل للسابق على سبقه قال فى القاموس: والسَّبَق محركة والسُّبْقَةُ بالضم الخطر يوضع بين أهل السباق اهـ فالذى يجعل للسابق يسمى خَطَرًا وجُعْلًا ونوالا. والرَّمى: هو مصدر رَمَى والمقصود به المناضلة بالسهام للسبق فى إصابة الغرض والهدف. سابق النبى ﷺ بالخيل: أى أمر ﷺ بإجراء السباق بين الخيل.

стр. 3467

ضُمِّرَت: تضمير الخيل هى أن تُعْلَفَ حتى تسمن وتقوى ثم يُقَلَّل علفها بقدر القوت وتدخل بيتا كنينا وتُجَلَّل حتى تحمى فتعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجرى، وهذا التضمير يتم فى نحو أربعين يوما. والموضع الذى تضمر فيه الخيل يسمى المضمار كما يطلق المضمار على غاية الفرس فى السباق. الحفياء: بفتح الحاء وسكون الفاء بعدها ياء ثم ألف ممدودة هو موضع يقع فى أدق الغابة شمالى المدينة المنورة فى سافلتها بعد مجتمع السيول بزغابة، فإن السيول بعد مجتمعها فى زغابة تفضى إلى سافلة المدينة وبها الحفياء وتبعد عن المدينة بنحو ٩ (كيلو) وأهل المدينة يطلقون على السافلة اسم العيون، التى تحدها شمالا الغابة. أمدها: أى غايتها ونهاية سباقها. ثنية الوداع: هى موضع فى الطرف الشمالى الشرقى من جبل سلع بالمدينة المنورة شمالى مسجد السبق المعروف بالمدينة بحوالى ثلثمائة متر، وأصل الثنية العقبة أو طريقها أو الجبل أو الطريقة فيه أو إليه وسميت ثنية الوداع لأن أهل المدينة كانوا إذا ودعوا المسافر رجعوا

стр. 3468

من عندها، وكذلك إذا استقبلوا القادم من السفر استقبلوه من عندها. من الثنية: أى من ثنية الوداع. مسجد بنى زريق: كان يقع قرب مسجد المصلى المعروف بالغمامة بالمدينة المنورة من الجنوب الشرقى. وكان ابن عمر فيمن سابق: أى وكان عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما فيمن اشترك فى هذا السباق. وزاد البخارى: أى فى هذا الحديث عن اللفظ المتفق عليه. قال سفيان: هو الثورى أحد رجال سند هذا الحديث. [البحث] أورد البخارى هذا الحديث فى الجهاد فى ثلاثة أبواب متتابعة فقال: (باب السَّبْق بين الخيل) حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: أجرى النبى ﷺ ماضُمِّرَ من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يُضَمَّرْ من الثنية إلى مسجد بنى زُريق. قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرَى. قال عبد اللَّه: حدثنا سفيان قال: حدثنى عبيد اللَّه قال سفيان: بين الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، وبين ثنية إلى مسجد بنى زُريق مِيلٌ. باب إضمار الخيل للسَّبْق حدثنا أحمد بن يونس حدثنا الليث عن نافع عن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ سابق بين الخيل التى لم تُضَمَّرْ وكان أمدها من الثنية إلى مسجد بنى زُرَيق وأن عبد اللَّه بن عمر كان سابق بها.

стр. 3469

قال أبو عبد اللَّه: أمَدًا: غاية (فطال عليهم الأمد) باب غاية السباق للخيل الْمُضَمَّرَة حدثنا عبد اللَّه بن محمد حدثنا معاوية حدثنا أبو إسحاق عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: سابق رسول اللَّه ﷺ بين الخيل التى قد أُضمرت فأرسلها من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع فقلت لموسى: فكم كان بين ذلك؟ قال: ستة أميال أو سبعة. وسابق بين الخيل التى لم تُضمر فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بنى زريق. قلت: فكم بين ذلك؟ قال: مِيلٌ أو نحوه، وكان ابن عمر ممن سابق فيها اهـ قال الحافظ فى الفتح: (وقوله فى الأولى: قال عبد اللَّه قال سفيان حدثنى عبيد اللَّه) فعبد اللَّه هو ابن الوليد العدنى كذا رويناه فى جامع سفيان الثورى من روايته عنده وأراد بذلك تصريح الثورى عن شيخه بالتحديث ووهم من قال فيه: وقال أبو عبد اللَّه اهـ. أما مسلم فقد رواه من طريق يحيى بن يحيى التميمى قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ سابق بالخيل التى قد أُضمرت من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التى لم تُضْمَرْ من الثنية إلى مسجد بنى زريق وكان ابن عمر فيمن سابق بها اهـ [ما يفيده الحديث] ١ - مشروعية سباق الخيل وأنه من الرياضة المحمودة. ٢ - حرص الإسلام على إعداد أسباب القوة للجهاد.

стр. 3470

٣ - مشروعية تضمير الخيل لإعدادها للجهاد. ٤ - جواز وضع جوائز للمتقدمين فى السباق. ٥ - مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة. ٦ - الحض على إجراء التدريبات الحربية لإعلاء كلمة اللَّه. ٧ - تنويع السباق إلى مسافات طويلة ومسافات قصيرة بحسب درجات الخيل.
следующие страницы →