Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الحلف بغير اللَّه من أكبر الكبائر.
٢ - وجوب الاقتصار فى الحلف على الحلف باللَّه تعالى.
٣ - يجب على المسلم إذا حلف باللَّه أن يكون صادقا.
٤ - أن من حلف باللَّه وهو كاذب يعرض نفسه لسخط اللَّه ومقته.
стр. 3607
٢ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : يمينك على ما يُصَدِّقُكَ به صاحبك" وفى رواية: "اليمين على نية المستحلف" أخرجهما مسلم.
[المفردات]
يَمِينُكَ: أى حَلِفُكَ وقَسَمُكَ.
على ما يصدقك به صاحبك: أى على ما يريده منك خصمك ومُحَاوِرُكَ والمدعى عليك الذى يطلب يمينك. فالمعتبر نية المستحلف لا نية الحالف.
اليمين على نية المستحلف: أى المعتبر فى اليمين نية المستحلف لا نية الحالف فمن استحلف غيره على شئ فنوى الحالف فى حلفه شيئًا آخر غير ذلك الشئ فإن توريته هذه لا تنفعه ولا تدفع عنه إثم من حلف باللَّه كاذبا، ولا يفيده ما أضمره من النِّيَّة.
стр. 3608
[البحث]
قال مسلم فى صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى وعمرو الناقد قال يحيى: أخبرنا هُشَيم بن بَشير عن عبد اللَّه بن أبى صالح وقال عمرو: حدثنا هُشَيم بن بشير أخبرنا عبد اللَّه بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يمينك على ما يُصدِّقُك عليه صاحبك" وقال عمرو: "يُصدِّقُك به صَاحِبُكَ" وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا يزيد بن هارون عن هُشَيم عن عبَّاد بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اليمين على نية المستحلف" اهـ قال أبو داود فى سننه: هما واحد عبد اللَّه بن أبى صالح وعباد بن أبى صالح اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - الحض على الصدق فى اليمين.
٢ - أن من استُحْلِفَ على شئ فنوى فى الحلف غيره لا ينفعه ذلك عند اللَّه .
стр. 3609
٣ - وعن عبد الرحمن بن سمرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، وأْتِ الذى هو خير" متفق عليه وفى لفظ للبخارى: "فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك" وفى رواية لأبى داود: "فكفر عن يمينك ثم ائْتِ الذى هو خير" وإسنادها صحيح.
стр. 3610
[المفردات]
عبد الرحمن بن سمرة: هو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب ابن عبد شمس بن عبد مناف، وقيل عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف أسلم يوم الفتح، وكان اسمه قبل الإسلام عبد كُلال بضم الكاف وفتح اللام بدون تشديد، وقد شهد فتوح العراق، وتم فتح سجستان على يديه كما فتح غيرها، وقد توفى سنة خمسين أو إحدى وخمسين رضى اللَّه عنه.
وإذا حلفت على يمين: أى وإذا حلفت باللَّه على أن تفعل شيئًا أو أن تترك شيئًا.
فرأيت غيرها خيرا منها: أى فظهر لك أن الخير فى ترك ما حلفت على فعله أو فعل ما حلفت على تركه كأن تكون حلفت على قطع رحم أو ترك عمل فيه خير وصلاح لدنيك أو آخرتك.
فكفر عن يمينك وَأْتِ الذى هو خير: أى فتحلل من يمينك بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام وافعل ما حلفت على تركه أو اترك ما حلفت على فعله لأنَّ التكفير فى هذه الحال أولى من الاستمرار على ما حلفت عليه.
стр. 3611
وفى رواية لأبى داود: أى من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضى اللَّه عنه.
وإسنادها صحيح: أى وإسناد رواية أبى داود صحيح.
[البحث]
هذا الحديث من رواية الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال الحافظ فى الفتح: خَرَّجَ طرقه الحافظ يوسف بن خليل عن أكثر من ستين نفسا عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة وسرد الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن الحافظ أبى عبد اللَّه بن منده فى تذكرته أسماء من رواه عن الحسن فبلغوا مائة وثمانين نفسا وزيادة ثم قال: رواه عن النبى ﷺ مع عبد الرحمن بن سمرة عبد اللَّه بن عمرو وأبو موسى وأبو الدرداء وأبو هريرة وأنس وعدى بن حاتم وعائشة وأم سلمة وعبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن عباس وعبد اللَّه بن عمر، وأبو سعيد الخدرى وعمران بن حصين انتهى، ولما أخرج الترمذى حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: وفى الباب فذكر الثمانية المذكورين أولا وأهمل خمسة، واستدركهم شيخنا فى شرح الترمذى إلا ابن مسعود وابن عمر، وزاد معاوية بن الحكم وعوف بن مالك الجشمى والد أبى الأحوص وأذينة والد عبد الرحمن فكملوا ستة عشر نفسا اهـ وقال أبو داود: (باب الرجل يكفر قبل أن يخنث) حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد ثنا غيلان بن جرير عن أبى بردة عن أبيه أن النبى ﷺ قال: "إنى واللَّه إن شاء اللَّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمينى وأتيت الذى هو
стр. 3612
خير أو قال: "إلا أتيت الذى هو خير كفرت عن يمينى" حدثنا محمد بن الصباح البزار ثنا هُشَيم أخبرنا يونس ومنصور عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لى النبى ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذى هو خير وكفر يمينك" قال أبو داود: وسمعت أحمد يرخص فيها الكفارة قبل الحنث. حدثنا يحيى بن خلف ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة نحوه قال: "فكفر عن يمينك ثم ائت الذى هو خير" قال أبو داود: أحاديث أبى موسى الأشعرى وعدى بن حاتم وأبى هريرة فى هذا الحديث روى عن كل واحد منهم فى بعض الرواية الحنث قبل الكفارة وفى بعض الرواية الكفارة قبل الحنث اهـ وقال الحافظ فى الفتح: (قوله فأت الذى هو خير كفر عن يمينك) هكذا وقع للأكثر، وللكثير منهم "فكفر عن يمينك وائت الذى هو خير" اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الحنث فى اليمين إذا كان خيرا من التمادى فيها وأن تعمد الحنث حينئذ يكون طاعة لا معصية.
٢ - وجوب كفارة اليمين عند الحنث.
٣ - يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث بعد اليمين ويجوز تأخيرها عن الحنث.
٤ - لا ينبغى للمسلم أن يجعل يمين اللَّه مانعا له من عمل الخير.
стр. 3613
٤ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء اللَّه فلا حنث عليه" رواه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان.
[المفردات]
على يمين: أى على فعل شئ أو ترك شئ.
فقال إن شاء اللَّه: أى فاستثنى فى يمينه وعلق الفعل أو الترك على إرادة اللَّه وربط ذلك بمشيئة اللَّه.
فلا حنث عليه: أى فلا تجب عليه كفارة إن فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله ما دام قد علق ذلك على مشيئة اللَّه تعالى.
[البحث]
قال فى تلخيصص الحبير: حديث أن النبى ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء اللَّه لم يحنث" الترمذى واللفظ له والنسائى وابن ماجه وابن حبان من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعا بهذا، قال البخارى فيما حكاه الترمذى: أخطأ فيه عبد الرزاق، اختصره من حديث: "إن سليمان بن داود قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، الحديث- وفيه: فقال النبى ﷺ : "لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث" وهو عنده بهذا الإِسناد. قلت: هو فى الصحيحين بتمامه.
стр. 3614
وله طريق أخرى رواه الشافعى وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر بلفظ: "من حلف فاستثنى، فإن شاء مضى، وإن شاء ترك من غير حنث" لفظ النسائى ولفظ الترمذى: فقال إن شاء اللَّه فلا حنث عليه، ولفظ الباقين: فقد استثنى. قال الترمذى: لا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختيانى، وقال ابن علية: كان أيوب تارة يرفعه وتارة لا يرفعه، قال: ورواه مالك وعبيد اللَّه بن عمر وغير واحد موقوفا. قلت: هو فى الموطأ كما قال، وقال البيهقى: لا يصح رفعه إلا عن أيوب مع أنه يشك فيه، وقد تابعه على رفعه العمرى عبد اللَّه وموسى بن عقبة كثير بن فرقد وأيوب بن موسى اهـ هذا وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإِجماع على أن من حلف فقال إن شاء اللَّه فلا حنث عليه بشرط أن يكون الاستثناء متصلا باليمين. قالوا: ومعنى كونه متصلا باليمين أنه لا يفصل بينهما كلام أجنبى ولا يسكت بينهما سكوتًا يمكنه الكلام فيه، واعتبروا السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أو بسبب عي أو عارض غير فاصل، واللَّه أعلم هذا وقد قال الترمذى عقيب حديث الباب: حديث ابن عمر حديث حسن اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من حلف على يمين واستثنى فقال: إن شاء اللَّه فلا حنث عليه.
٢ - أن الاستثناء الذى يمنع الحنث هو ما كان متصلا باليمين.
стр. 3615
٥ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: كانت يمين النبى ﷺ : "لا وَمُقَلِّب الْقُلُوب" رواه البخارى.
[المفردات]
وعنه: أى وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.
كانت يمين النبى ﷺ : أى كانت صفة حلف رسول اللَّه ﷺ .
لا: هو ردٌّ ونَفْىٌ إذا كان المقام مقام نفى لشئ.
ومُقلب القلوب: أى وَمُصَرِّفِ القلوب من حال إلى حال، فإن قلوب العباد بيد اللَّه يُصَرِّفها كيف يشاء لا إله غيره ولا رب سواه.
[البحث]
ليس المراد من قوله: كانت يمين النبى ﷺ "لا ومقلب القلوب" أنها كانت الصيغة الوحيدة التى يستعملها رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يحلف بل المراد أنها من الصيغ التى كان يكثر أن يستعملها رسول اللَّه ﷺ فى قسمه، ولذلك عنون البخارى ﵀ فقال فى صحيحه: "باب كيف كانت يمين النَّبِىِّ ﷺ وقال سعد: قال النَّبِى ﷺ : "والذى نفسى بيده" ثم ساق حديث الباب، وساق كذلك من حديث جابر بن سمرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذى نفسى بيده لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما فى سبيل اللَّه" ثم ساق
стр. 3616
هذا الحديث من رواية أبى هريرة رضى اللَّه عنه بلفظ: "والذى نفس محمد بيده" ثم ساق من حديث عائشة رضى اللَّه عنها عن النبى ﷺ أنه قال: "يا أمة محمد واللَّه لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا" ثم ساق من حديث عبد اللَّه بن هشام قال كنا مع النبى ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول اللَّه لأنت أحب إلىَّ من كل شئ إلا من نفسى فقال النبى ﷺ : "لا والذى نفسى بيده حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنه الآن واللَّه لأنت أحبُّ إلىَّ من نفسى فقال النبى ﷺ : "الآن يا عمر" ثم ساق من حديث أبى هريرة وزيد بن خالد قصة العسيف وفيها: فقال النبى ﷺ : "أما والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه" الحديث، وقد ساق البخارى كذلك قول النبى ﷺ : "وأيم اللَّه" وقد أورد البخارى حديث الباب أيضًا بلفظ: كثيرا مما كان النبى ﷺ يحلف: "لا ومقلب القلوب" وأورده كذلك بلفظ: أكثر ما كان النبى ﷺ يحلف: "لا ومقلب القلوب".
[ما يفيده الحديث]
١ - جواز الحلف بصفات اللَّه تعالى العلى كما يحلف بأسمائه الحسنى.
٢ - أن أعمال القلب من الإِرادات والدواعى وسائر أعراضه إنما هى من خَلْقِ العزيز الحكيم وتدبيره.
стр. 3617
٦ - وعن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما قال: جاء أعرابى إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ما الكبائر؟ فذكر الحديث، وفيه: "اليمين الغَمُوسُ" وفيه: قلت: وما اليمين الغَمُوسُ؟ قال: "التى يُقْتَطَعُ بها مَالُ امرئ مسلم هو فيها كاذب" أخرجه البخارى.
[المفردات]
أعرابى: قال الحافظ فى الفتح: ولم أقف على اسم هذا الأعرابى.
ما الكبائر: أى ما الذنوب العظام؟ وهى جمع كبيرة والمراد بها الذنب العظيم والفعلة القبيحة الفاحشة المَنْهِى عنها شرعا والمراد بالكبائر هنا أكبر الكبائر.
فذكر الحديث: أى فأتم الحديث.
وفيه: أى وفى هذا الحديث الذى ذكره.
قلت: بَيَّن الحافظ فى الفتح أن القائل: قلت" هنا هو فراس وأن المجيب هو عامر الشعبى فقد قال الحافظ: ثم وقفت على تعيين القائل: قلت: وما اليمين الغموس؟ وعلى تعيين المسئول فوجدت الحديث فى النوع الثالث من القسم الثانى من صحيح ابن حبان وهو قسم النواهى وأخرجه عن النضر بن محمد عن محمد ابن عثمان العجلى عن عبيد اللَّه بن موسى بالسند
стр. 3618
الذى أخرجه به البخارى فقال فى آخره بعد قوله ثم اليمين الغموس قلت لعامر ما اليمين الغموس؟ الخ فظهر أن السائل عن ذلك فراس والمسئول الشعبى وهو عامر اهـ.
اليمين الغموس: أى اليمين الفاجرة الكاذبة التى يحلف صاحبها وهو يعلم أنه كاذب، قيل سميت بالغموس لأنَّها تغمس صاحبها فى الإِثم ثم تغمسه فى النار، فهى فعول بمعنى الفاعل.
واليمين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: يمين الغموس اليمين المنعقدة اليمين اللغو، فأما اليمين الغموس ويسمى أيضًا اليمين الصبر واليمين الفاجرة واليمين الكاذبة والزور فهى أن يحلف على شئ مضى وهو يعلم أنه كاذب فى يمينه كأن يحلف أنه ما فعل هذا الشئ ويكون قد فعله أو يحلف أن فعله وهو لم يفعله، واليمين الغموس تدع الديار بلاقع، وقد جرت العادة أن اللَّه يعجل بهلاك أصحاب اليمين الغموس كما أشار إلى ذلك حديث أبى قلابة عند البخارى والذى سقته فى بحث الحديث الأول من أحاديث باب دعوى الدم والقسامة وكذلك حديث ابن عباس عند البخارى الذى سقته فى بحث
стр. 3619
الحديث الثانى من أحاديث باب دعوى الدم والقسامة ومع أن اليمين الغموس من أكبر الكبائر فإنها أصغر من الحلف بغير اللَّه لأنه شرك كما تقدم فى بحث الحديث الأول من أحاديث هذا الباب أما اليمين المنعقدة فهى أن يحلف على شئ مستقبل لَيَفْعَلَنَّهُ أو يحلف على أن لا يفعله، وهذه إذا حنث فيها وجبت عليه كفارة اليمين.
أما اليمين اللغو فهو ما يجرى من الحلف على الألسنة من غير فصد كأن تقول: لا واللَّه، بلى واللَّه وأنت لا تقصد اليمين، أو أن يحلف على شئ يظنه كما قال والواقع بخلافه.
التى يُقْتَطَعُ بها مالُ امرئ مسلم هو فيها كاذب: أى اليمين الغموس هى أن يحلف فيها الإِنسان وهو كاذب ليستولى على قطعة من مال إنسان مسلم بغير حق ويقطع صاحبه عنه ظلما وفجورا ويحرمه منه بسبب هذه اليمين الكاذبة.
[البحث]
روى البخارى فى أوائل كتاب الديات من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن فِرَاسٍ عن الشعبى عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبى ﷺ قال: الكبائر: الإِشراك باللَّه وعقوق الوالدين أو قال: اليمين الغموس-
стр. 3620
شك شعبة- وقال معاذ: حدثنا شعبة قال: الكبائر الإِشراك باللَّه واليمين الغموس، وعقوق الوالدين أو قال: وقتل النفس. وساقه فى كتاب الأيمان والنذور فى باب اليمين الغموس من طريق النضر عن شعبة عن فراس عن الشعبى عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبى ﷺ قال "الكبائر: الإِشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس. وساقه فى كتاب استتابة المرتدين من طريق شيبان عن فراس عن الشعبى عن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما قال: جاء أعرابى إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ما الكبائر؟ قال: "الإِشراك باللَّه" قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين" قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذى يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب" وقد روى البخارى ومسلم من طريق أبى وائل عن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حَلَفَ على يَمين صَبْرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى اللَّه وهو عليه غضبان" فأنزل اللَّه تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية فدخل الأشعت بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا قال: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كانت لى بئر فى أرض ابن عم لى، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقال: "بَيِّنَتُكَ أو يمينه" قلت: إذا يحلف عليها يا رسول اللَّه فقال رسول اللَّه ﷺ : "من حَلَفَ على يمين صبرٍ وهو فيها فاجر يقتطع بها مال أمرئ مسلم لقى اللَّه يوم القيامة وهو عليه غضبان".
стр. 3621
[ما يفيده الحديث]
١ - أن يمين الغموس تعادل الإِشراك باللَّه.
٢ - وأنها من أكبر الكبائر.
٣ - وأن أخذ مال المسلم بغير حق من أكبر الكبائر.
стр. 3622
٧ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها فى قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت: هو قول الرجل: لا واللَّه، وبلَى واللَّه. أخرجه البخارى ورواه أبو داود مرفوعا.
[المفردات]
لا يؤاخذكم: أى لا يعاقبكم ولا يُحَمِّلُكُمْ إثمًا ولا كفارة.
باللغو فى أيمانكم: بما يقع منكم من الأيمان لَغْوًا، واللَّغْو وَاللَّغا ما لا يعتد به من الكلام وغيره، وقال الحافظ فى الفتح: قال الراغب: هو فى الأصل ما لا يعتد به من الكلام والمراد به فى الأيمان ما يورد من غير رؤية فيجرى مجرى اللغاء وهو صوت العصافير اهـ.
قولُ الرَّجل: المراد بالرَّجل هنا الإِنسان لا خصوص الذكر فيدخل فى ذاك قول المرأة أيضًا.
مرفوعًا: أى مضافا إلى النبى ﷺ .
стр. 3623
[البحث]
أورد البخارى هذا الحديث من طريق هشام بن عروة قال: أخبرنى أبى عن عائشة رضى اللَّه عنها ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ قالت: أُنْزِلَتْ فى قوله: لا واللَّه وبلى واللَّه. قال الحافظ فى الفتح: قد صرح بعضهم برفعه عن عائشة، أخرجه أبو داود من رواية إبراهيم الصائغ عن عطاء عنها أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لغو اليمين هو كلام الرجل فى بيته كَلَّا واللَّه، وبلى واللَّه" وأشار أبو داود إلى أنه اختلف على عطاء وعلى إبراهيم فى رفعه ووقفه اهـ وجزم عائشة رضى اللَّه عنها بأن هذه الآية نزلت فى قوله: لا واللَّه وبلى واللَّه" ودليل قوى وكلامها فى مثل هذا الباب حجة ظاهرة، لمشاهدتها التنزيل ومعرفتها بالتأويل.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن ما يجرى على اللسان من غير قصد الحلف لا إثم فيه ولا كفارة.
٢ - تفضل اللَّه ﵎ على أمة محمد ﷺ حيث وضع عنهم إصرهم ولم يؤاخذهم إلا بما انعقدت عليه قلوبهم.
стр. 3624
٨ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن للَّه تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة" متفق عليه وساق الترمذى وابن حبان الأسماء والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة.
стр. 3625
[المفردات]
من أحصاها: أى حفظها وضبطها وعَرَفَ اللَّه ودعاه بها.
الأسماء: أى التسعة والتسعين.
والتحقيق: أى والصحيح.
أن سردها إدراج: أى أن عدها وسياقها مُفصَّلة ليس من كلام رسول اللَّه ﷺ بل من كلام أحد الرواة الذى أدخل فى هذا الحديث ما ليس منه، والمدرج هو أن يورد فى الحديث ما ليس منه على وجه يوهم أنه منه.
[البحث]
إيراد هذا الحديث فى هذا الباب هنا للدلالة على أن الحلف إنما يكون بأسماء اللَّه الحسنى وصفاته العلى وهى غير قليلة وأهل السنة والجماعة يثبتون للَّه تعالى الأسماء الحسنى والصفات العلى، وإنما يثبتون منها ما أثبته اللَّه ﵎ لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ وقد أثبت اللَّه ﵎ لنفسه الأسماء الحسنى والصفات العلى حيث يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾ وكما قال : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقد ذكر اللَّه ﵎ جملة من أسماء المقدسة فى آخر سورة الحشر فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ
стр. 3626
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ كما ذكر اللَّه ﵎ فى مواضع من القرآن الكريم بعض أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وليس قول رسول اللَّه ﷺ فى حديث الباب "إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا" يثبت حصر الأسماء الحسنى فى هذا العدد وينفى ما عداه لأنه قد ثبت أن للَّه تعالى أسماء استأثر بها فى علم الغيب عنده فقد روى أحمد بسند صحيح من حديث ابن مسعود رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال فى دعائه: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك" فينبغى تطلب أسماء اللَّه الحسنى من القرآن الكريم ومن أحاديث رسول اللَّه ﷺ الثابتة عنه ﷺ كقوله ﷺ "ومقلب القلوب" وقد أخرج الترمذى الحديث الذى سرد فيه الأسماء من طريق صفوان بن صالح نا الوليد بن مسلم نا شعيب بن أبى حمزة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة ثم قال: هذا حديث غريب حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبى هريرة عن النبى ﷺ ولا نعلم فى كبير شئ من الروايات ذكر الأسماء إلا فى هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبى إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبى هريرة عن النبى ﷺ وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح اهـ هذا وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث أبى هريرة عن رسول اللَّه ﷺ قال: "للَّه تسعة وتسعون اسمًا مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة" وفى لفظ للبخارى "مائة إلا واحدة" وفى لفظ لهما "من حفظها".
стр. 3627
[ما يفيده الحديث]
١ - أن الحلف إنما يكون بأسماء اللَّه الحسنى وصفاته العلى.
٢ - أن اللَّه ﵎ أعلم خلقَه بجملة عظيمة من أسمائه الحسنى تكفيهم إذا سألوه بها.
٣ - أن من تعلق بأسماء اللَّه الحسنى وصفاته العلى ترجى له الجنة.
стр. 3628
٩ - وعن أسامة بن زيد رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إليه معروف فقال لفاعله: جزاك اللَّه خيرا فقد أبلغ فى الثناء" أخرجه الترمذى وصححه ابن حبان.
[المفردات]
من صُنِعَ إليه معروف: أى من أحسن إليه إنسان وقدم له خيرا.
فقال لفاعله جزاك اللَّه خيرا: أى فدعا لمن صنع إليه معروفا يثيبه اللَّه بالخير وأن يكافئه اللَّه بالإِحسان من فضله جزاء معروفه.
فقد أبلغ فى الثناء: أى فقد كافأه على معروفه ووصل فيه إلى الغاية.
[البحث]
أخرج الترمذى هذا الحديث فى آخر أبواب البر والصلة من جامعه من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهرى والحسين بن الحسن المروزى
стр. 3629
عن الأحوص بن جوَّاب عن سُعَيْر بن الخِمس عن سُليمان التيمى عن أبى عثمان النهدى عن أسامة بن زيد رضى اللَّه عنهما ثم قال هذا حديث حسن جيد غريب لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه، وقد روى عن أبى هريرة عن النبى ﷺ مثله اهـ هذا وإبراهيم بن سعيد الجوهرى أبو إسحاق الطبرى نزيل بغداد المتوفى فى حدود الخمسين ومائتين من رجال مسلم، والأحوص بن جوَّاب بفتح الجيم وتشديد الواو الضبى المتوفى سنة إحدى عشرة ومائتين من رجال مسلم أيضًا، وسعير بن الخمس بكسر الخاء وسكون الميم بعدها سين التيمى أبو مالك من رجال مسلم أيضًا وسليمان التيمى هو أبو المعتمر سليمان بن طرخان القيسى مولاهما البصرى لم يكن تيميا بل نزل فى بنى تيم فنسب إليهم. وتوفى فى ذى القعدة سنة ثلاث وأربعين ومائة وهو من رجال الجماعة وأبو عثمان النهدى هو عبد الرحمن ابن مُلّ أدرك زمن النبى ﷺ توفى سنة مائة أو بعدها بقليل وهو من رجال الجماعة أيضًا. هذا ولعل إيراد المصنف لهذا الحديث هنا هو حض الإنسان على فعل الخير فلا يجعل يمينه سببا لحرمانه منه لأنه إذا دعا له من يفعل له المعروف فقد حصل على خير كثير.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب مكافأة من أسدى إليك معروفًا.
٢ - أن من كافأ صانع المعروف بالدعاء له أن يجزيه اللَّه خيرا فإنه لا يعتبر مُقَصِّرًا فى مكافأته.
стр. 3630
١٠ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتى بخير وإنما يُستخرج به من البخيل" متفق عليه.
[المفردات]
نهى عن النذر: أى حَذَّر من إشغال الذمة بالنذر ثم تضييعه وعدم الوفاء به وقد يؤدى ببعض الجاهلين إلى الاعتقاد بأنه يرد القضاء.
وقال: أى رسول اللَّه ﷺ .
إليه: أى النذر.
لا يأتى بخير: أى لا يرد من قضاء اللَّه شيئًا، ولا يجلب للناذر خيرًا لم يقدره اللَّه .
وإنما يُستخرج به من البخيل: أى وأن النذر يكون سببا فى حمل الشحيح على إنفاق ماله لأنه ليس من عادته أن يجود بماله فى مرضاة اللَّه تبرعا فلا يخرج من ماله إلا ما ألزمه اللَّه تعالى به أو التزم هو به، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج.
[البحث]
الغالب فى النذر أن يلتزم الناذر بعمل طاعة فى مقابلة استجلاب
стр. 3631
نعمة أو استدفاع نقمة، وقد يعتقد بعض الناس أن النذر هو الذى يجلب النعمة أو يدفع النقمة ولذلك نهى عنه رسول اللَّه ﷺ لأنَّ النذر لا يقدّم شيئًا ولا يؤخره فلا يدفع شيئًا قضاه اللَّه ولا يجلب شيئًا لم يقدره اللَّه وقد أجمع أهل العلم على أن من التزم بطاعة فى مقابلة استجلاب نعمة أو استدفاع نقمة فحصل له ما يريد أنه يجب عليه الوفاء بنذره، وقد أثنى اللَّه ﵎ فى محكم كتابه على الموفين بالنذر وجعلهم فى جملة الأبرار وقمتهم حيث قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ الآيات، وقد ساق البخارى من طريق سعيد بن الحارث أنه سمع ابن عمر رضى اللَّه عنهما يقول: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عن النذر؟ إن النبى ﷺ قال: "إن النذر لا يُقدّم شيئًا ولا يؤخر وإنما يُستخرج بالنذر من البخيل" ثم ساق من طريق عبد اللَّه بن مرة عن عبد اللَّه بن عمر: نهى النبى ﷺ عن النذر وقال: "إنه لا يَرُدُّ شيئًا ولكنه يُستخرّج به من البخيل" وساق من طريق الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يأتى ابن آدم النذر بشئ لم يكن قُدِّر له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قُدِّرَ له، فَيَسْتَخْرِجُ اللَّه به من البخيل، فَيُؤْتى عليه ما لم يكن يُؤْتى عليه من قبل، أما مسلم فقد أخرجه من طريق عبد اللَّه بن مرة عن عبد اللَّه بن عمر قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ يوما ينهانا عن النذر ويقول: "إنه لا يرد شيئًا وإنما يُسْتَخْرَجُ به من الشحيح" ثم ساقه من طريق عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر عن النبى ﷺ -
стр. 3632
أنه قال: "النذر لا يُقدِّمُ شيئًا ولا يؤخره، وإنما يُستَخْرَجُ به من البخيل" ثم ساقه من طريق عبد اللَّه بن مرة عن ابن عمر باللفظ الذى ساقه المصنف، ثم ساقه من طريق العلاء عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا تَنْذِرُوا فإن النذر لا يغنى من القدر شيئًا وإنما يستخرج به من البخيل" ثم ساقه من طريق العلاء عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يَرُدُّ من القَدَرِ، وإنما يُسْتَخْرَجُ به من البخيل" ثم ساقه من طريق عبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إن النذر لا يُقَرِّبُ من ابن آدم شيئًا لم يكن اللَّه قَدَّرَه له، ولكن النذرُ يوافق القَدَرَ، فيخْرَجُ بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يُخْرِجَ اهـ هذا ومن أقبح السيئات أكبر المعاصى أن يُنذر لغير اللَّه كما يفعل بعض الجاهلين من النذر إلى بعض الأموات من المنسوبين للصلاح، وهذا شرك تعالى اللَّه عنه علُوًّا كبيرا.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب الوفاء بالنذر إذا كان فى طاعة اللَّه.
٢ - التحذير من إشغال الذمة بالنذر ثم تضعيه أو اعتقاد أنه يرد القضاء والقدر.
٣ - كراهية الإسلام للشح والبخل.
٤ - وجوب الإِيمان بقضاء اللَّه وقدره.
стр. 3633
١١ - وعن عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كفارة النذر كفارة يمين" رواه مسلم، وزاد الترمذى فيه: "إذا لم يُسَمِّ" وصححه، ولأبى داود من حديث ابن عباس مرفوعا: "من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا فى معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لا يطقه فكفارته كفارة يمين" وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجَّحُوا وقفه، وللبخارى من حديث عائشة: "ومن نذر أن يعصى اللَّه فلا يَعْصِه" ولمسلم من حديث عمران: "لا وفاء لنذر فى معصية".
[المفردات]
كفارة النذر كفارة يمين: أى كفارة النذر المطلق الذى لم يُسَمَّ كفارة يمين وهى إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
وزاد الترمذى فيه: أى فى حديث عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه.
إذا لم يُسَمّ: أى إذا لم يحدد الناذر نذره ولم يعينه بل أبهمه وقال: للَّه علىَّ نذر.
مرفوعا: أى مسندا إلى رسول اللَّه ﷺ .
ومن نذر نذرا فى معصية: أى كأن ينذر أن يقطع رحما، أو يؤذى أحدا.
ومن نذر نذرا لا يطيقه: أى فيه مشقة عليه وإرهاق كأن ينذر
стр. 3634
أن يمشي إلى الكعبة من مسافة بعيدة.
وقفه: أى على ابن عباس رضى اللَّه عنهما.
ومن نذر أن يعصى اللَّه فلا يعصه: أى فلا يوف بنذره لأنه لا نذر فى معصية اللَّه ولكن عليه كفارة يمين كمن حلف أن يشرب خمرا فإنه لا يحل له شربها وتجب عليه كفارة اليمين.
عمران: هو ابن حصين رضى اللَّه عنه.
لا وفاء لنذر فى معصية: أى لا يجوز لأحد أن ينذر نذرا فى معصية اللَّه وإذا نذر ذلك لا يحل له الوفاء بنذره هذا وعليه كفارة يمين.
[البحث]
لفظ حديث عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه عند الترمذى: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" ثم قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب اهـ أما حديث ابن عباس عند أبى داود فهو من طريق طلحة بن يحيى الأنصارى عن عبد اللَّه بن سعيد بن أبى هند عن بكير بن عبد اللَّه بن الأشج عن كريب عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من نذر نذرا لم يسمه الخ الحديث باللفظ الذى ساقه المصنف ثم قال أبو داود: روى هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد اللَّه بن سعيد أوقفوه على ابن عباس اهـ وقد وصف الحافظ ابن حجر ﵀ حديث أبى داود هنا بأن
стр. 3635
إسناده صحيح ووصفه فى التلخيص بأن إسناده حسن وقال: فيه طلحة بن يحيى وهو مختلف فيه وقال أبو داود: روى موقوفا يعنى وهو أصح، وقال النووى فى الروضة: حديث: لا نذر فى معصية وكفارته كفارة يمين. ضعيف باتفاق المحدثين قلت: قد صححه الطحاوى وأبو على بن السكن فأين الاتفاق؟ اهـ أقول: إن حديث عقبة بن عامر عند الترمذى المتقدم فى هذا البحث يشهد لهذا الحديث وكذلك حديث عقبة الذى يلى هذا الحديث وهو الحديث الثانى عشر من أحاديث هذا الباب، واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن النذر المبهم ينعقد وكفارته كفارة يمين.
٢ - أن من نذر نذرا لا يطيقه ينعقد نذره وكفارته كفارة يمين.
٣ - أن من نذر نذرا فيه معصية فإنه لا يحل له الوفاء به وعليه كفارة يمين.
стр. 3636
١٢ - وعن عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه قال: نذرت أختى أن تمشى إلى بيت اللَّه حافية فأمرتنى أن أستفتى لها رسول اللَّه ﷺ فاستفتيته فقال النبى ﷺ : "لِتَمشي وَلْتَرْكَبْ" متفق عليه، واللفظ لمسلم، ولأحمد والأربعة: فقال: "إن اللَّه لا يصنع بشقاء أختك شيئًا مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثلاثة أيام.
стр. 3637
[المفردات]
أختى: قال فى تلخيص الحبير: قيل إن أخت عقبة هى أم حبان بكسر الحاء، والباء الموحدة، أسلمت وبايعت، أفاده المنذرى فى حواشى السنن وهو مذكور فى فى الإكمال لابن ماكولا لكن قال: إنها أخت عقبة ابن عامر بن بابى الأنصارى البدرى، فعلى هذا من زعم أنها أخت عقبة بن عامر الجهنى راوى هذا الحديث فقد وهم اهـ وقال فى الفتح: قال المنذرى وابن القسطلانى والقطب الحلبى ومن تبعهم: هى أم حبان بنت عامر وهى بكسر المهملة، وتشديد الموحدة ونسبوا ذلك لابن ماكولا فوهموا فإن ابن ماكولا إنما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنما ذكر فى طبقات النساء أم حبان بنت عامر بن نابى بنون وموحدة: ابن زيد بن حرام بمهملتين الأنصارية قال: وهى أخت عقبة بن عامر بن نابى شهد بدرًا وهى زوج حرام بن محيصة اهـ.
أن تمشى إلى بيت اللَّه حافية: أى أن تزور البيت الحرام ماشية غير راكبة وهى حافية: أى غير منتعلة لا تلبس حذاء.
أستفتى لها رسول اللَّه ﷺ : أى أسأل لها رسول اللَّه ﷺ هل يتحتم عليها الوفاء بنذرها هذا وإن كانت لا تطيقه.
стр. 3638
ولأحمد والأربعة: أى من حديث عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه.
إن اللَّه لا يصنع بشقاء أختك شيئًا: أى إن اللَّه تعالى غنى عما يُجْهِدُ أُخْتَكَ وَيَشُقُّ عليها. لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.
فَلْتَخْتَمِرْ: أى فَلْتَضَعَ خمارها عليها.
ولتصم ثلاثة أيام: أى ولتكفر عن نذرها كفارة يمين.
[البحث]
أورد البخارى حديث عقبة بن عامر فى كتاب الحج من طريق يزيد بن أبى حبيب أن أبا الخير حدثه عن عقبة بن عامر قال: نذرت أختى أن تمشى إلى بيت اللَّه وأمرتنى أن أستفتى لها النبى ﷺ فاستفتيته فقال ﵇: "لتمش ولتركب" قال: وكان أبو الخير لا يُفَارِقُ عقبة اهـ قال فى الفتح: ولأحمد وأصحاب السنن من طريق عبد اللَّه بن مالك عن عقبة بن عامر الجهنى أن أخته نذرت أن تمشى حافية غير مختمرة، وزاد الطبرى من طريق إسحاق بن سالم عن عقبة ابن عامر: وهى امرأة ثقيلة والمشى يشق عليها، ولأبى داود من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن عقبة بن عامر سأل النبى ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشى إلى البيت، وشكا ضعفها اهـ وقد قال الترمذى بعد أن أخرج حديث عقبة بن عامر: وفى الباب عن ابن عباس، وهذا حديث حسن اهـ هذا وقد روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث أنس رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ رأى شيخا يُهَادى بين ابنيه فقال: "ما بال هذا؟ "
стр. 3639
قالوا: نذر أن يمشى. قال: "إن اللَّه عن تعذيب هذا نفسه لغنى" أمره أن يركب، وفى لفظ مسلم: وأمره أن يركب، وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن النبى ﷺ أدرك شيخا يمشى بين ابنيه يتوكأ عليهما فقال النبى ﷺ : "ما شأن هذا؟ " قال ابناه: يا رسول اللَّه كان عليه نذر. فقال النبى ﷺ : "اركب أيها الشيخ فإن اللَّه غنى عنك وعن نذرك".
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من نذر نذرا لا يطيقه فإن كفارته كفارة يمين.
٢ - أن من نذرت أن تكشف حجاب نفسها عند الأجانب فإن عليها أن تحتجب وتكفر كفارة يمين.
٣ - أن الشريعة الإِسلاميه مبنية على التيسير.
стр. 3640
١٣ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: استفتى سعد بن عبادة رسولَ اللَّه ﷺ فى نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: "اقْضِهِ عنها" متفق عليه.
[المفردات]
استفتى: أى طلب الفتيا ورغب فى معرفة الحكم الشرعى.
سعد بن عبادة: هو سيد الخزرج سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن خزام بن أبى خزيمة بن ثعلبة بن طريف
стр. 3641
ابن الخزرج الأنصارى أبو ثابت ويقال أبو قيس رضى اللَّه عنه، وأمه عمرة بنت مسعود كانت لها صحبة وماتت فى زمن رسول اللَّه ﷺ كان سعد ابن عبادة قد تعلم فى الجاهلية الكتابة والعوم والرمى وكان من عادة سعد التى ورثها عن أبائه أنه ينادى على أطمهم: من أحب الشحم واللحم فليأت أطم دليم بن حارثة، وكانت جفنة سعد تدور مع رسول اللَّه ﷺ فى بيوت أزواجه رضى اللَّه عنهن. وكان سعد يحمل راية الأنصار فى المواطن مع رسول اللَّه ﷺ وقد خرج إلى الشام بعد رسول اللَّه ﷺ ومات بحوران سنة ١٤ أو ١٥ أو ١٦ رضى اللَّه عنه.
توفيت قبل أن تقضيه: أى ماتت أم سعد بن عبادة رضى اللَّه عنه قبل أن تؤدى النذر الذى التزمت به.
اقضه عنها: أى أدِّهِ عنها.
[البحث]
أخرج البخارى هذا الحديث فى (باب من مات وعليه نذر) من طريق شعيب عن الزهرى عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن سعد بن عبادة الأنصارى استفتى النبى ﷺ فى نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها" فكانت سُنَّة بعدُ اهـ قال الحافظ فى الفتح فى قوله: (فكانت سنة بعد)
стр. 3642
أى صار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبا أو ندبا ولم أر هذه الزيادة فى غير رواية شعيب عن الزهرى فقد أخرج الحديث الشيخان من رواية مالك والليث وأخرجه مسلم أيضا من رواية ابن عيينة، ويونس ومعمر وبكر بن وائل والنسائى من رواية الأوزاعى والإِسماعيلى من رواية موسى بن عقبة وابن أبى عتيق وصالح بن كيسان كلهم عن الزهرى بدونها، وأظنها من كلام الزهرى ويحتمل من شيخه اهـ وقد روى البخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: أتى رجل النبى ﷺ فقال له: إن أختى نذرت أن تحج وأنها ماتت، فقال النّبى ﷺ : "لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم قال: فاقض اللَّه فهو أحق بالقضاء".
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من مات وعليه نذر قضاه عنه وليه.
٢ - ينبغى للإِنسان أن يعجل بالوفاء بما عليه من دين أو نذر.
стр. 3643
١٤ - وعن ثابت بن الضحاك رضى اللَّه عنه قال: نذر رجل على عهد رسول اللَّه ﷺ أن ينحر إِبلًا بِبُوَانَة، فَأَتَى رسولَ اللَّه ﷺ فسأله، فقال: "هل كان فيها وَمنٌ يُعبَدُ؟ " قال: لا. قال: "فهل كان فيها عِيد من أعيادهم؟ " فقال: لا. فقال: "أوْفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر فى معصية اللَّه، ولا فى قطعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه أبو داود والطبرانى واللفظ له، وهو صحيح الإِسناد وله شاهد من حديث كَرْدَمٍ عند أحمد.
стр. 3644
[المفردات]
على عهد رسول اللَّه ﷺ : أى فى زمن رسول اللَّه ﷺ .
بُوانَة: هى بضم الباء وفتح الواو الخففة الممدودة بعدها نون قال أبو عبيد: هى موضع بين الشام وديار بكر، وقال البغوى: أسفل مكة دون يلملم، وقال المنذرى: هضبة من وراء ينبع.
فسأله: أى فاستفتاه فى حكم الوفاء بنذره هذا.
هل كان فيها وثن يعبد: أى هل كان ببوانة صنم من أصنام أهل الجاهلية يعبده الجاهلون؟ .
قال: لا: أى لم يكن فيها معبد لوثن من أوثان الجاهلين.
فهل كان فيها عيد من أعيادهم: أى فهل كان ببُوانة يوم يجتمع فيه أهل الجاهلية يرونه عيدا من أعيادهم ويحتفلون فيه، والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو بعود الشهر أو نحو ذلك.
وله: أى ولحديث ثابت بن الضحاك.
كَرْدَم: هو كَرْدَم بن سفيان الثقفى رضى اللَّه عنه روى عن رسول اللَّه ﷺ وروت عنه ابنته ميمونة بنت كردم وهى من صغار الصحابة رضى اللَّه عنهم وعبد اللَّه ابن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما.
стр. 3645
[البحث]
حديث أبى داود أخرجه من طريق داود بن رشيد ثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعى حدثنى يحيى بن أبى كثير حدثنى أبو قلابة حدثنى ثابت ابن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول اللَّه ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة فأتى النبى ﷺ فقال: إنى نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبى ﷺ : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا. قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا. قال رسول اللَّه ﷺ أوف بنذرك فإنه لاوفاء لنذر فى معصية اللَّه ولا فيما لا يملك ابن آدم" وقد صحح المصنف إسناد هذا الحديث هنا وصححه أيضا فى تلخيص الحبير حيث قال: حديث أن رجلا نذر أن ينحر إبلا فى موضع سماه فقال له رسول اللَّه ﷺ : "هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قال: لا. قال: "أوف بنذرك" أبو داود من حديث ثابت بن الضحاك بسند صحيح اهـ وقال ابن تيمية ﵀ فى اقتضاء الصراط المستقيم: أصل هذا الحديث فى الصحيحين، وهذا الإِسناد على شرط الصحيحين وإسناده كلهم ثقات مشاهير اهـ أما شاهده المشار إليه عند أحمد من حديث كردم فقد قال أحمد فى مسنده: حدثنا عبد الصمد حدثنا أبو الحُوَيْرِث حفص من ولد عثمان بن أبى العاص حدثنى عبد اللَّه بن عبد الركان ابن يعلى بن كعب عن ميمونة بنت كَردَم عن أبيها كَردَم بن سفيان الثقفى أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن نذر نذره فى الجاهلية. فقال له النبى ﷺ : "ألوَثَن أو لِنُصُبٍ؟ " قال: لا.
следующие страницы →