Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه: أى حتى يفرح لما يناله المجاور له فى الدار أو أخوه المسلم من الخير والعافية مثل ما يفرح لنفسه.
[البحث]
هذا الحديث بهذا اللفظ الذى ساقه المصنف هو رواية مسلم ولم يروه البخارى بهذا اللفظ، فقوله: "والذى نفسى بيده" ليست فى رواية البخارى لهذا الحديث، فقد أخرجه البخارى بدون هذه الزيادة فقال: (باب من الإِيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن أنس رضى اللَّه عنه، وعن حسين المعلم قال: حدثنا قتادة عن أنس عن النبى ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" قال الحافظ فى الفتح: "وعن حسين المعلم" هو معطوف على شعبة فالتقدير عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وإنما لم يجمعها لأن شيخه أفردهما، ثم قال الحافظ: تنبيه: المتن المساق هنا لفظ شعبة، وأما لفظ حسين من رواية مسدد التى ذكرناها فهو: "لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره" وزاد مسلم فى أوله عن أبى خيثمة عن يحيى القطان: "والذى نفسى بيده" اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب رعاية الجار وحب الخير له حتى ولو كان كافرا.
٢ - وجوب رعاية الأخ المسلم وحب الخير له.
стр. 3852
٣ - لا يبلغ عبد كمال الإِيمان حتى يترك الحسد والغل والحقد والغش.
٤ - الإِضرار بالجار من الكبائر.
стр. 3853
٦ - وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: سألت رسول اللَّه ﷺ : أَىُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل للَّه نِدًّا وهو خَلَقَكَ" قلتُ: ثم أَىُّ؟ قال: "أن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خشية أن يأكل معك" قلتُ: ثم أَىُّ؟ قال: "أن تُزَانِىَ حليلة جارك" متفق عليه.
[المفردات]
أى الذنب أعظم: أى أىُّ الإِثم أكبر وأشد وأفظع.
أن تجعل للَّه ندا وهو خلقك: أى أن تتخذ للَّه شريكا ونظيرا، واللَّه هو ربك الذى أنشأك وأوجدك وحده لا شريك له، ولا ند له ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل.
ثم أىُّ؟ : أى ثم أَىُّ الذنب أعظم بعد الشرك باللَّه؟ .
تقتل ولدك خشية أن يأكل معك: أى إن أعظم الذنوب بعد الشرك باللَّه هو أن يقتل الإِنسان ولده من خوف الفقر والإِملاق.
ثم أَىُّ: أى ثم أَىُّ الذنب أعظم بعد قتل الولد خوف الفاقة.
تُزَانِىَ حليلة جارك: أى إن أعظم الذنوب وأفحشها بعد ذنب قتل الولد هو مسافحة زوجة الجار.
стр. 3854
[البحث]
أورد البخارى فى كتاب الأدب هذا الحديث باللفظ الذى ساقه المصنف وفى آخره: وأنزل اللَّه تصديق قول النبى ﷺ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وأورده البخارى فى كتاب التوحيد بلفظ قال: سألت النبى ﷺ أى الذنب أعظم عند اللَّه؟ قال: "أن تجعل للَّه ندا وهو خلقك" قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أى؟ قال: ثم أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك" قلت: ثم أى؟ قال: "ثم أن تزانى بحليلة جارك".
[ما يفيده الحديث]
١ - أن أعظم المعاصى هو الشرك باللَّه .
٢ - ثم القتل بغير حق وبخاصة من يقتل ولده خشية الفقر.
٣ - ثم الزنا وبخاصة الزنا بحليلة الجار.
٤ - وجوب صيانة الجار من جميع البوائق.
٥ - وجوب القضاء على عادات أهل الجاهلية.
стр. 3855
٧ - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من الكبائر شَتْمُ الرجل والديه" قيل: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: "نعم، يَسُبُّ أبا الرجل فَيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أمَّه فَيَسُبُّ أمَّهُ" متفق عليه.
стр. 3856
[المفردات]
من الكبائر: أى من الذنوب العظيمة.
شتم الرجل والديه: أى سب الرجل والديه.
هل يسب الرجل والديه: أى هل يحدث أن يسب الرجل والديه؟ فهذا فى غاية الغرابة والاستبعاد، لا يكاد يتصور وقوعه من إنسان سَوِيِّ.
قال: نعم: أى يقع هذا ولكن بطريق غير مباشر.
يسب أبا الرجل فيسب أباه: أى يشتم الإِنسان والد إنسان آخر فيشتم هذا الآخر أبا الذى سب أباه، فيكون قد تسبب فى سب والده هو، ويقع فى إثم من سب والده.
[البحث]
هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هو لفظ مسلم أما لفظ البخارى فهو "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجلُ والديه" قيل: يا رسول اللَّه وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" قال الحافظ فى الفتح: قال ابن بطال: هذا الحديث أصل فى سد الذرائع ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل فى هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - عظم حق الأبوين.
стр. 3857
٢ - أنه إذا كان التسبب فى لعن الوالدين من أكبر الكبائر فإن التصريح بلعنهما أشد وأفحش.
٣ - وجوب سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات.
٤ - تحريم التسبب إلى أذية الوالدين.
٥ - أن الحكم قد يبنى على غالب الظن.
стр. 3858
٨ - وعن أبى أيوب رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام" متفق عليه.
[المفردات]
لا يحل لمسلم: أى لا يجوز لمن انقاد إلى أمر اللَّه وشرعه.
أن يهجر أخاه: أى أن يترك مكالمة أخيه إذا تلاقيا، والمراد بالأخ هنا هو المسلم.
فوق ثلاث ليال: أى أكثر من ثلاث ليال بأيامها أو ثلاثة أيام بلياليها.
يلتقيان: أى يتقابلان فى طريق أو غيره.
فيعرض هذا ويعرض هذا: أى فيتدابران ولا يقبل أحدهما على الآخر، ويصد كل واحد منهما عن صاحبه.
وخيرهما الذى يبدأ بالسلام: أى وأحب الرجلين المتهاجرين إلى
стр. 3859
اللَّه تعالى من يسارع إلى مصالحة أخيه المسلم وبدئه بالسلام.
[البحث]
من أهم مقاصد الإسلام تكوين المجتمع المتماسك المترابط المتحاب المتعاطف المتراحم، ومن أهم مقاصد الشيطان تشتيت شمل المسلمين وتفريق كلمتهم فقد روى مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجئ أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا. قال: ثم يجئ أحدهم فيقول ما زلت حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت. ولذلك حذر الإسلام أشد التحذير من أسباب تصدع المجتمع وتشتت الشمل، والتدابر بين المسلمين. فحرم التهاجر، والتنازع وبين أنه سبب الفشل وذهاب الريح حيث يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وقد روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللَّه إخوانا" كما روى البخارى ومسلم من حديث أنس رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللَّه إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" ولفظ
стр. 3860
البخارى "فوق ثلاثة أيام" وقد أخبر رسول اللَّه ﷺ أن اللَّه لا يغفر ذنوب المتهاجرين حتى يصطلحا فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك باللَّه شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا" وفى رواية لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه رفعه قال: تُعرض الأعمال فى كل يوم خميس واثنين فيغفر اللَّه فى ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك باللَّه شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: ارْكُوا هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا" وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن رسول ﷺ قال: "تعرَضُ أعمال الناس فى كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اتركوا أو اركُوا هذين حتى يفيئا" وقد أشار حديث الباب إلى أنه يجوز الهجران فى حدود ثلاثة أيام فقط، وإنما عفى عن ذلك لأن الإِنسان مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض.
[ما يفيده الحديث]
١ - لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم أكثر من ثلاثة أيام.
٢ - يجوز الهجر فى ثلاثة أيام فقط.
٣ - أن الذى يبدأ بالسلام والمصالحة هو خير الرجلين وأحبهما عند اللَّه .
стр. 3861
٤ - حرص الإسلام على تماسك المسلمين.
٥ - دقة نظام الإسلام وشموله.
стр. 3862
٩ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كُلُّ معروف صدقة" أخرجه البخارى.
[المفردات]
كل معروف: أى كل خير وبر ونفع من قول أو فعل يقدمه المسلم لغيره ولو بدفع الأذى عنه مريدا بذلك وجه اللَّه.
صدقة: أى فيه أجر عند اللَّه .
[البحث]
أخرج البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث أبى موسى الأشعرى رضى اللَّه عنه قال: قال النبى ﷺ : "على كل مسلم صدقة" قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق" قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: "فيعين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليأمر بالخير أو قال: "بالمعروف" قال: فإن لم يفعل؟ قال: "فليمسك عن الشر فإنه له صدقة" وهذا الحديث يفسر حديث الباب وأن كل شئ يفعله الإِنسان أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة وليس قوله ﷺ فى حديث أبى موسى: "على كل مسلم صدقة" أن ذلك فرض على المسلم قال فى الفتح: "وقوله: على كل مسلم صدقة" أى فى مكارم الأخلاق وليس ذلك بفرض إجماعا اهـ هذا وفى
стр. 3863
لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كل سُلامَى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس" قال: "تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل فى دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة" قال: "والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" وفيه أيضا تفسير لحديث جابر رضى اللَّه عنه.
[ما يفيده الحديث]
١ - الترغيب فى بذل المعروف.
٢ - أن كل خير يفعله الإِنسان بنية صالحة يثيبه اللَّه عليه.
٣ - أن الصدقة ليست قاصرة على بذل المال.
стр. 3864
١٠ - وعن أبى ذر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تحقرَنَّ من المعروف شيئا، ولو أن تَلْقَى أخاك بوجه طلق".
[المفردات]
لا تَحْقِرَنَّ: أى لا تَزْدَرِيَنَّ.
من المعروف: أى من الخير.
شيئا: أى مهما كان قليلا.
ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق: أى ولو لم تجد من المعروف
стр. 3865
ما تقدمه لأخيك المسلم إلا أن تتبسم له وتظهر الفرح بلقائه، والوجه المطلق هو السهل المنبسط المستبشر.
[البحث]
هذا الحديث من أيسر قواعد السلوك فى حسن معاملة الناس والعمل على توحيد كلمتهم وجمع شملهم، وطلاقة الوجه وبشاشته مما لا ينبغى للمسلم أن يقصر فيه فهو شئ هين الفعل عظيم الأجر حتى قيل فى المثل: الكرم شئ هين، وجه بشوش وكلام لين.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب طلاقة الوجه.
٢ - أن طلاقة الوجه من المعروف الذى يقرب العبد من اللَّه .
٣ - لا يجوز للمسلم أن يحتقر شيئا من المعروف مهما كان.
стр. 3866
١١ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فأكثر ماءها وتَعَاهَدْ جيرانك" أخرجهما مسلم.
[المفردات]
وعنه: أى وعن أبى ذر رضى اللَّه عنه.
стр. 3867
إذا طبخت مرقة: أى إذا أردت طبخ لحم وإنضاجه فى ماء.
فأكثر ماءها: أى فأكثر الماء الذى تضعه على اللحم لإِنضاجه فى القِدْرِ.
وتعاهد جيرانك: أى وتفقد أحوال جيرانك واغرف لهم من مرق قدرك.
أخرجهما مسلم: أى أخرج هذا الحديث والذى قبله مسلم ﵀.
[البحث]
هذا الحديث أورده مسلم ﵀ من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّىِّ حدثنا أبو عمران الجَوْنَىُّ عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا ذر إذا طَبَختَ مَرَقَةً فَأكثر ماءها وتعاهد جيرانك" ثم أورده من طريق شعبة عن أبى عمران الجونى عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر قال: إن خليلى ﷺ أوصانى: "إذا طَبَخْتَ مَرَقًا فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف".
[ما يفيده الحديث]
١ - الإِرشاد إلى مكارم الأخلاق.
٢ - الحث على بذل المعروف وإن كانت يسيرا.
٣ - حسن معاملة الجيران.
стр. 3868
١٢ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نَفَّسَ عن مسلم كُرْبَةً من كُرَبِ الدنيا نَفَّسَ اللَّه عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن يَسَّر على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّه عليه فى الدنيا والآخرة ومن سَتَرَ مسلما ستره اللَّه فى الدنيا والآخرة، واللَّه فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه" أخرجه مسلم.
[المفردات]
من نفَّس عن مسلم كُرْبَةً: أى من فَرَّجَ وأزال عن أخيه المسلم ضيقا وشدة وعُسْرًا.
من كُرَب الدنيا: أى من شدائد الدنيا وبلاياها.
نَفَّسَ اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة: أى فَرَّجَ اللَّه عنه شدة من شدائد يوم القيامة وخفف عليه من أهوالها.
ومن يسَّر على معسر: أى ومن وسع على محتاج إما بإنظاره إن كان مدينا له أو بوضع الدين عنه أو بمساعدته بما يزيل عسره ويُذْهِبُ همه.
يسَّر اللَّه عليه فى الدنيا والآخرة: أى سهل اللَّه له سُبُلَ سعادته فى معاشه ومعاده ووسَّع عليه.
ومن ستر مسلما: أى ومن حال دون فضيحة المسلم ولم يكشف سوءته، ولم يظهر عورته.
ستره اللَّه فى الدنيا والآخرة: أى لا يفضحه اللَّه فى الدنيا والآخرة
стр. 3869
بل يغفر ذنبه ويستر عورته ويحفظه عن كل ما يخزيه فى دنياه وأخراه.
واللَّه فى عون العبد: أى واللَّه فى مساعدة العبد وتأييده.
ما كان العبد فى عون أخيه: أى ما دام هذا العبد يسعى فى مساعدة أخيه المسلم وتأييده.
[البحث]
أورد مسلم هذا الحديث فى صحيحه فى سياق أحاديث فضل الذكر والدعاء والاجتماع على تلاوة القرآن من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس اللَّه عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يَسَّر اللَّه عليه فى الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستر اللَّه فى الدنيا والآخرة واللَّه فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتس فيه علما سَهَّلَ اللَّه له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بَطَّأ به عمله لم يُسْرِعْ به نسبُه" ويظهر أن الصنعانى ﵀ لم يطلع على هذا الحديث فى صحيح مسلم فقال: هذا ليس فى مسلم كما قال الشارح وقد أخرجه غيره اهـ وقول الصنعانى ﵀: لفظ مسلم: "من فرج" يشعر أن الصنعانى
стр. 3870
رحمه اللَّه هو والشارح لما يطلعا على هذا الحديث وإنما اطلعا على لفظ مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمُهُ، من كان فى حاجة أخيه كان اللَّه فى حاجته ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره اللَّه يوم القيامة" وهو غير حديث الباب، ولكنه حسبه هو. وهذا الحديث -كما قال النووى- حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب.
[ما يفيده الحديث]
١ - فضل قضاء حوائج المسلمين.
٢ - الحض على نفع المسلمين بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك.
٣ - فضل الستر على المسلمين.
٤ - فضل إنظار المعسر.
٥ - الحض على التعاون بين المسلمين على الخير.
стр. 3871
١٣ - وعن أبى مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من دَلَّ على خير فَلَهُ مثلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" أخرجه مسلم.
[المفردات]
دل على خير: أى هدى إلى عمل من أعمال البر والخير وأرشد
стр. 3872
إلى من يعين عليه.
فله مثل أجر فاعله: أى فإن اللَّه يثيبه كما يثيب الذى يفعل هذا الخير.
[البحث]
فى نسخة بلوغ المرام التى شرح عليها الصنعانى ﵀: وعن ابن مسعود، وهو خطأ صوابه وعن أبى مسعود وهو الأنصارى البدرى رضى اللَّه عنه وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن أبى عمرو الشيبانى عن أبى مسعود الأنصارى قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: إنى أُبْدِعَ بى فاحملنى فقال: "ما عندى" فقال رجل: يا رسول اللَّه أنا أدُلُّهُ على من يحمله. فقال رسول اللَّه ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" وقوله: (أبدع بى) أى هلكت دابتى وهى مركوبى يقال: أُبدع بفلان بالبناء للمجهول إذا عطبت ركابه وبقى منقطعابه" وكما جعل اللَّه لمن دل على الخير مثل أجر فاعله، فكذلك من دعا إلى هدى أو سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم، كما أن من دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ففى لفظ لمسلم من حديث جرير بن عبد اللَّه قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول اللَّه ﷺ عليهم الصُّوفُ فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطؤا عنه حتى رُؤىَ ذلك فى وجهه قال: ثم إن رجلا من
стр. 3873
الأنصار جاء بصُرَّةٍ من وَرقِ ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عُرِفَ السُّرور فى وجهه فقال رسول اللَّه ﷺ : "من سَنَّ فى الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شئ، ومن سَنَّ فى الإسلام سنة سيئة فَعُمِلَ بها بعده كُتِبَ عليه مِثْلُ وِزْرِ من عمل بها ولا يَنْقُصُ من أوزارهم شئ".
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
٢ - تيسير سبل اكتساب الأجر الحسن من اللَّه .
стр. 3874
١٤ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى ﷺ قال: "من استعاذكم باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له" أخرجه البيهقى.
[المفردات]
من استعاذكم باللَّه: أى من استجار باللَّه منكم.
فأعيذوه: أى فأجيروه ولا تعتدوا على جوار اللَّه .
ومن سألكم باللَّه فأعطوه: أى ومن طلب منكم قضاء حاجة له وقال وهو يطلب حاجته منكم: أسألكم باللَّه فلا تحرموه من قضاء حاجته وأعطوه ما يطلب.
ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه: أى ومن صنع لكم معروفا وأسدى إليكم يدًا فامنحوه مكافأة منكم على صنيعه
стр. 3875
الحسن لكم.
فإن لم تجدوا فادعوا له: أى فإن لم يكن لديكم من المال أو نحوه ما تكافئونه به فادعوا اللَّه له أن يجزيه من عنده جزاء حسنا ليكون ذلك مكافأة له منكم.
[البحث]
قال أبو داود فى سننه: (باب فى الرجل يستعيذ من الرجل) حدثنا نصر بن على وعبيد اللَّه بن عمر قالا: ثنا خالد بن الحارث ثنا سعيد -قال نصر: ابن أبى عروبة- عن قتادة عن أبى نهيك عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من استعاذ باللَّه فأعيذاوه، ومن سألكم بوجه اللَّه فأعطوه" قال عبيد اللَّه: "من سألكم باللَّه" حدثنا مسدد وسهل بن بكار قالا: ثنا أبو عوانة ح وثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير المعنى عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من استعاذكم باللَّه فأعيذوه ومن سألكم باللَّه فأعطوه" وقال سهل وعثمان: "ومن دعاكم فأجيبوه" ثم اتفقوا: "ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه" قال مسدد وعثمان: "فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" وقال البيهقى: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن ابن فورك أنبأ عبد اللَّه بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود الطيالسى ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر أن النبى ﷺ قال: "من استعاذكم باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه" وقد أشار اللَّه ﵎ إلى نحو ما دل عليه هذا الحديث من جواز السؤال باللَّه حيث قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ وقال فى قصة مريم: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ وقد روى
стр. 3876
البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: إن ثلاثة فى بنى إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بَدَا للَّه أن يبتليهم فبعث إليهم مَلَكًا -الحديث، وفيه: ثم إنه أتى الأبرص فى صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطعت بى الحبال فى سفرى، فلا بلاغ اليوم إلا باللَّه ثم بك، أسألك بالذى أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه فى سفرى فقال له: إن الحقوق كثيرة فقال له: كأنى أعرفك ألم تكن أبرص يَقْذَرُكَ الناسُ فقيرا فأعطاك اللَّه؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر فقال: إن كنت كاذبا فصَيَّرَك اللَّه إلى ما كنت -وأتى الأقرع فى صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما ردَّ عليه هذا فقال: "إن كنت كاذبا فصيرك اللَّه إلى ما كنت" وأتى الأعمى فى صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بى الحبال فى سفرى فلا بلاغ اليوم إلا باللَّه ثم بك أسألك بالذى رَدَّ عليك بصرك شاة أتبلغ بها فى سفرى، فقال: قد كنت أعمى فرد اللَّه بصرى، وفقيرا فأغنانى فخذ ما شئت فواللَّه لا أجهدك اليوم بشئ أخذته للَّه، فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضى اللَّه عنك وسَخِطَ على صاحبيك".
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من استعاذ باللَّه من شخص ينبغى له أن يعيذه.
٢ - جواز السؤال باللَّه تعالى.
٣ - ينبغى لمن سئل باللَّه أن يعطى السائل ما سأل إن كان قادرا على ذلك.
٤ - ينبغى مكافأة من أسدى إليك معروفا.
стр. 3877
باب الزُّهْدِ والوَرَع
стр. 3878
١ - عن النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه-: "إن الحلال بَيِّنٌ وإن الحرام بَيِّنٌ، وبينهما مُشْتَبِهَاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتَّقَى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضِه، ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام، كالراعى يرعى حول الحِمَى يوشك أن يقع فيه، ألَا وإن لكل ملك حِمًى، إلا وإن حِمَى اللَّه محارمه، ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كُلُّهُ، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب" متفق عليه.
[المفردات]
الزهد: هو عدم الحرص على التوسع فى الشهوات والتَّقَلُّلُ من الملذات، وأن يكون العبد بما عند اللَّه أوثق مما هو فى يديه.
والورع: هو تجنب الشبهات خوف الوقوع فى المحرمات.
وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه: أى مَدَّ النعمان رضى اللَّه عنه إصبعيه إلى أذنيه ليمسهما إشارة إلى توثقه وتيقنه من سماع هذا الحديث من رسول اللَّه ﷺ .
إن الحلال بين: أى إن المباح من حيث الحكم واضح لا يضر تناوله
стр. 3879
والناس يعرفون حكمه بما جاءهم فيه عن اللَّه ورسوله ﷺ أو عرف طيبه وانتفى خبثه وضرره.
وإن الحرام بين: أى وإن الممنوع شرعا واضح يضر تناوله، والناس يعرفون حكمه، بما جاءهم فيه عن اللَّه ورسوله ﷺ أو عرف خبثه وضرره.
وبينهما مشتبهات: أى وبين الحلال والحرام أمور مختلطات لم يأت فيها نص بالتحليل ولا بالتحريم فالنفس تتردد فيها أهى من الحلال أم من الحرام؟ لأنها لم يرد فيها نص ولم يعرف طيبها ولا خبثها.
لا يعلمهن كثير من الناس: أى لا يعلم حكم هذه المشتبهات كثير من الناس وهم الذين لا يتمكنون من استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، وإنما يعرفها قليل من الناس وهم العلماء الذين يستطيعون استنباط الأحكام غير المنصوصة من الكتاب والسنة على حد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وقد يشتبه على العالم إلحاق الشئ بالحرام أو بالحلال فيكون الورع تركه كالتمرة التى وجدها رسول اللَّه ﷺ فى الطريق فقال: "لولا أنى أخاف أنها من الصدقة لأكلتها" فتركها رسول اللَّه ﷺ تورعا وهذا بخلاف
стр. 3880
من لم تحرم عليه الصدقة فإنه لو وجد تمرة ساقطة فى الطريق فأكلها فإنه لا بأس عليه، ولذلك أثر أن عمر رضى اللَّه عنه سمع رجلا ينادى: يا من سقطت له هذه التمرة فى الطريق؟ فقال له عمر رضى اللَّه عنه: كُلْهَا يا صاحب الورع الكاذب.
فمن اتقى الشبهات: أى فمن اجتنب الأشياء التى لم يظهر أنها حلال وابتعد عنها.
استبرأ لدينه وعرضه: أى طلب البراءة من الذم شرعا وعرفا فَسَلِمَ له دِينُهُ وسلم له عِرْضُه أى شرفه وجانبه الذى يصونه من أن يُنْتَقصَ ويُثْلَبَ، فمن اجتنب الشبهات صان دينه وحمى عرضه من وقوع الناس فيه.
ومن وقع فى الشبهات: أى ومن هجم على الشبهات واستباحها.
وقع فى الحرام: أى أداه استباحة الشبهات إلى الهجوم على المحرمات وارتكابها دون أن يكون عنده شبهة فى تحريمها بل يعرف أنها حرام لا شبهة فى تحريمها.
كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه: أى ومثال ذلك أن الراعى الذى يرعى إبله أو غنمه لا ينبغى له أن يقترب مما حماه الملك ومنع الرعى فيه لأنه إذا رَعَى حول الحمى واقترب منه اندفعت مواشيه إلى الحمى نفسه فانتهكته ورعت فيه فاستجلب غضب الملك
стр. 3881
فالحيطة والحذر أن لا يقترب من الحمى حتى لا يرتع فيه ولا تدخله مواشيه ولا يستجلب غضب الملك الذى انتهك حماه.
ألا وإن لكل ملك حمى: أى ألا وإنه قد جرت العادة أن يكون لكل ملك حمى يحميه، ويمنع الرعاة أن يرتعوا فيه.
ألا وإن حمى اللَّه محارمه: أى ألا وإن اللَّه ملك السموات والأرض قد جعل حمًى وإن الذى حماه اللَّه هو محارمه التى منع عباده من انتهاكها لمصلحة معاشهم ومعادهم.
ألا وإن فى الجسد مضغة الخ: أى ألا وإن فى جسم الإِنسان قطعة لحم عليها مدار صلاحه وفساده فإن فسدت هذه المضغة واختلت قوانين استقامتها فسد الجسد كله، لأنه يصدر عنها، وإن صلحت هذه المضغة لسلامة قوانينها واستقامة أحوالها صلح الجسد كله ألا وإن هذه المضغة هى قلب الإِنسان، وسمى القلب قلبا لأنه محل الخواطر المختلفة وهو عمدة الإِنسان فى تقلبه، على حد قول الشاعر:
وما سمى الإِنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يَتَقَلَّبُ
وليس المراد بالقلب هنا خصوص قطعة اللحم
стр. 3882
الصنوبرية الشكل الموجودة فى تجويف الصدر فإن هذه القطعة موجودة فى جميع الحيوانات الأليفة والمفترسة، بل المراد ما أودعه اللَّه ﵎ فى هذه المضغة من لطائفه حتى تكون مستعدة لاستقبال العلوم والمعارف، وإدراكا الخير والشر فإن صلحت كانت مبصرة، وإن فسدت عميت، على حد قوله ﵎: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
[البحث]
إن سياق هذا الحديث النبوى يشعر بأن سعادة الإِنسان مبنية على طيب مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه، كما أن خسرانه مبنى على خبث مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه، كما أن طيب المطعم والمشرب والملبس والمسكن يؤثر فى القلب نورا وبصيرة، وسلامة، كما أن خبث المطعم والمشرب والملبس والمسكن يؤثر فى القلب ظلمة وعمى وفسادا ولذلك أرشد الإسلام إلى أنه لا يكون العمل صالحا متقبلا إلا إذا كان الإِنسان يأكل من الطيبات وفى ذلك يقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وقد أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أن آكل الحرام لا يتقبل اللَّه دعاءه وأن من رغب أن يكون مستجاب الدعوة فليحرص على أكل الحلال حيث يقول فيما رواه مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه "أيها الناس إن اللَّه طيب
стр. 3883
لا يقبل إلا طيبا، وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يَمُدُّ يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِيَ بالحرام فأنى يستجاب لذلك" وكما أثر أنه لما قال له سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه عنه: ادع اللَّه أن يجعلنى مستجاب الدعوة فقال له ﷺ : "أطب مطعمك تستجب دعوتك" هذا وأما ما قد يحدث للإِنسان من وسواس ونحوه فإنه لا يكون من الأمور المشتبهات التى حذر منها هذا الحديث، ولذلك قال البخارى ﵀: (باب من لم ير الوساوس ونحوها من المشتبهات) وساق حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن قوما قالوا: يا رسول اللَّه إن قوما يأتوننا باللحم لا ندرى أذكروا اسم اللَّه عليه أم لا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "سَمُّوا اللَّه عليه وكلوه".
[ما يفيده الحديث]
١ - الحض على تناول الحلال الطيب.
٢ - التحذير من تناول الحرام الخبيث.
٣ - من رغب فى سلامة نفسه فليتق الشبهات.
٤ - تأثير الأطعمة على القلب والسلوك.
стр. 3884
٢ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدينار والدرهم والقطيفة، إن أُعْطِىَ رَضِىَ، وإن لم يُعْطَ لم يَرْضَ" أخرجه البخارى.
[المفردات]
تَعِسَ: التَّعْسُ هو الهلاك والعِثَارُ والسقوط والشر والبُعْدُ والانحطاط والمقصود هو الدعاء على عبد الدينار والدرهم والقطيفة بذلك.
عبد الدينار والدرهم والقطيفة: أى من استعبدته الدنيا فَعَبَدَ الدينار والدرهم والخميلة وبذل أقصى حبه وغاية قصده للدينار والدرهم والثوب.
إن أُعْطِىَ رضى: أى إن جاءه الدينار والدرهم والقطيفة سُرَّ وفَرِحَ.
وإن لم يُعْطَ لم يرض: أى وإن حُرِمَ ذلك سخط.
[البحث]
لفظ هذا الحديث فى البخارى فى كتاب الرقاق فى (باب ما يُتَّقَى من فتنة المال) عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعْطِىَ رضى، وإن لم يُعْطَ لم يرض" وأوده فى كتاب الجهاد فى (باب الحراسة فى الغزو فى سبيل اللَّه) من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة
стр. 3885
إن أُعْطِىَ رضى وإن لم يُعْطَ لم يرض" وفى لفظ: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أُعْطِىَ رضى وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه فى سبيل اللَّه" الحديث. وقال البخارى فى كتاب التفسير: باب "ومن الناس من يعبد اللَّه على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة -إلى قوله- ذلك هو الضلال البعيد" ثم ساق من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: "ومن الناس من يعبد اللَّه على حرف" قال: كان الرجل يَقْدَمُ المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونُتِجَتْ خَيْلُهُ قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تُنْتَجْ خَيْلُهُ قال: هذا دِينُ سُوءٍ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه لا يليق بالمسلم أن يجعل الدنيا أكبر همه وغاية قصده.
٢ - أن المسلم الحق هو من إذا أُعْطِىَ شكر وإذا حُرِمَ صَبَرَ، وأنه راض بقضاء اللَّه على كل حال.
стр. 3886
٣ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بِمَنْكِبَىَّ فقال: "كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وكان ابن عمر يقول: إذا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذا أصْبَحْتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لِسَقَمِكَ، ومن حياتك لموتك. أخرجه البخارى.
стр. 3887
[المفردات]
أخذ رسول اللَّه ﷺ بِمَنْكِبَىَّ: أى أمسك رسولُ اللَّه ﷺ بِمَنْكِبَىَّ، والمنكب هو مُجْتَمَعُ رأس الكتف والعضد وهو مُذَكَّر، وقد روى بالإفراد والتثنية.
كن فى الدنيا: أى صِرْ فى الدنيا.
كأنك غريب: أى كأنك نازل فى غير بلدك منقطع عن أهلك بعيد عنهم.
أو عابر سبيل: أى مسافر.
إذا أمسيت: أى إذا دخلت فى المساء.
فلا تنتظر الصباح: أى فَقَدِّرْ أنك قد تموت فى ليلتك هذه قبل مجئ الصباح.
وإذا أصبحت: أى وإذا دخلت فى الصباح.
فلا تنتظر المساء: أى فَقَدِّرْ أنك قد تموت فى يومك هذا قبل حلول المساء.
وخذ من صحتك لسقمك: أبى وَتَزَوَّدْ بالزاد النافع والعمل الصالح فى وقت صحتك قبل مجئ سقمك ومرضك وعجزك عن العمل والاكتساب.
ومن حياتك لموتك: أى وتزود فى وقت حياتك قبل مجئ موتك وضياع فرصة العمل.
стр. 3888
[البحث]
فى هذا الحديث حض على المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى اكتساب الحسنات، واجتناب الحقد والحسد والمنازعات مع الناس لأن الإِنسان إذا أحسَّ أنه غريب حرص على عدم منازعة من حوله، وعمل على أن يتزود بالزاد الصالح الذى يوصله إلى أهله، على حد قول ابن القيم ﵀:
فحىَّ على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المُخَيَّمُ
ولكننا سَبْىُ العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونُسَلّم
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مغرم
وأى اغتراب فوق غربتنا التى ... لها أضحت الأعداء فينا تَحَكّم
قال البخارى ﵀: وقال على: ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.
[ما يفيده الحديث]
١ - ينبغى للمسلم أن لا يركن إلى الدنيا وأن يتهيأ للرحيل إلى الدار الآخرة.
٢ - أنه لا يليق بالمسلم أن يتزود فى رحلته بغير ما يُرْضِى اللَّه .
стр. 3889
٤ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تَشَبَّهَ بقوم فهو منهم" أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان.
[المفردات]
تَشَبَّهَ بقوم: أى مَاثَلَهُمْ وَحَاكَاهُمْ فيما هو من خواصهم متأسيا بهم.
فهو منهم: أى فقد لحق بهم وعُدَّ منهم.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا عمان بن أبى شيبة حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الرحمن بن ثابت حدثنا حسان بن عطية عن أبى منيب الجُرَشى عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" قال السخاوى: فيه ضعف ولكن له شواهد اهـ وقد أخرج الترمذى من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس منا من تشبه بغيرنا" الحديث. قال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ضعيف وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه اهـ هذا ولو صح هذا الحديث لاعتبر من أحاديث الوعيد التى تقدم الكلام عنها أكثر من مرة، وقد قال حسان بن ثابت رضى اللَّه عنه لوفد بنى تميم عند رسول اللَّه ﷺ :
فإن كنتموا جئتم لحفظ دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا فى المغانم
فلا تجعلوا للَّه ندا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
стр. 3890
٥ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: كنت خَلْفَ النبى ﷺ يوما، فقال: "يا غلام احفظ اللَّه يَحْفَظُكَ احفظ اللَّه تجده تُجَاهَكَ، وإذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه" رواه الترمذى وقال: حسن صحيح.
[المفردات]
خلف النبى ﷺ : أى رديف رسول اللَّه ﷺ على دابته.
يا غلام: قال فى القاموس: والغلام الطَّار الشارب والكهل ضد أو من حين يولد إلى أن يشب اهـ
احفظ اللَّه يحفظك: أى حافظ على حدود اللَّه وأوامره ونواهيه يصنك اللَّه ويحفظك فى نفسك ودينك ودنياك وأخراك.
تُجاهَك: أى تلقاء وجهك قريب الإجابة لدعوتك وقضاء حاجتك على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
وإذا سألت فاسأل اللَّه: أى وإذا أرت سؤال أحد ليقضى لك حاجتك فاجعل سؤالك للَّه وحده ولا تسأل غيره فإن بيد اللَّه خزائن السموات والأرض.
وإذا استعنت فاستعن باللَّه: أى وإذا أردت طلب العون من أحد
следующие страницы →