Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
٣ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بِمَنْكِبَىَّ فقال: "كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وكان ابن عمر يقول: إذا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذا أصْبَحْتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لِسَقَمِكَ، ومن حياتك لموتك. أخرجه البخارى.
стр. 3887
[المفردات]
أخذ رسول اللَّه ﷺ بِمَنْكِبَىَّ: أى أمسك رسولُ اللَّه ﷺ بِمَنْكِبَىَّ، والمنكب هو مُجْتَمَعُ رأس الكتف والعضد وهو مُذَكَّر، وقد روى بالإفراد والتثنية.
كن فى الدنيا: أى صِرْ فى الدنيا.
كأنك غريب: أى كأنك نازل فى غير بلدك منقطع عن أهلك بعيد عنهم.
أو عابر سبيل: أى مسافر.
إذا أمسيت: أى إذا دخلت فى المساء.
فلا تنتظر الصباح: أى فَقَدِّرْ أنك قد تموت فى ليلتك هذه قبل مجئ الصباح.
وإذا أصبحت: أى وإذا دخلت فى الصباح.
فلا تنتظر المساء: أى فَقَدِّرْ أنك قد تموت فى يومك هذا قبل حلول المساء.
وخذ من صحتك لسقمك: أبى وَتَزَوَّدْ بالزاد النافع والعمل الصالح فى وقت صحتك قبل مجئ سقمك ومرضك وعجزك عن العمل والاكتساب.
ومن حياتك لموتك: أى وتزود فى وقت حياتك قبل مجئ موتك وضياع فرصة العمل.
стр. 3888
[البحث]
فى هذا الحديث حض على المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى اكتساب الحسنات، واجتناب الحقد والحسد والمنازعات مع الناس لأن الإِنسان إذا أحسَّ أنه غريب حرص على عدم منازعة من حوله، وعمل على أن يتزود بالزاد الصالح الذى يوصله إلى أهله، على حد قول ابن القيم ﵀:
فحىَّ على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المُخَيَّمُ
ولكننا سَبْىُ العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونُسَلّم
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مغرم
وأى اغتراب فوق غربتنا التى ... لها أضحت الأعداء فينا تَحَكّم
قال البخارى ﵀: وقال على: ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.
[ما يفيده الحديث]
١ - ينبغى للمسلم أن لا يركن إلى الدنيا وأن يتهيأ للرحيل إلى الدار الآخرة.
٢ - أنه لا يليق بالمسلم أن يتزود فى رحلته بغير ما يُرْضِى اللَّه .
стр. 3889
٤ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تَشَبَّهَ بقوم فهو منهم" أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان.
[المفردات]
تَشَبَّهَ بقوم: أى مَاثَلَهُمْ وَحَاكَاهُمْ فيما هو من خواصهم متأسيا بهم.
فهو منهم: أى فقد لحق بهم وعُدَّ منهم.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا عمان بن أبى شيبة حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الرحمن بن ثابت حدثنا حسان بن عطية عن أبى منيب الجُرَشى عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" قال السخاوى: فيه ضعف ولكن له شواهد اهـ وقد أخرج الترمذى من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس منا من تشبه بغيرنا" الحديث. قال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ضعيف وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه اهـ هذا ولو صح هذا الحديث لاعتبر من أحاديث الوعيد التى تقدم الكلام عنها أكثر من مرة، وقد قال حسان بن ثابت رضى اللَّه عنه لوفد بنى تميم عند رسول اللَّه ﷺ :
فإن كنتموا جئتم لحفظ دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا فى المغانم
فلا تجعلوا للَّه ندا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
стр. 3890
٥ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: كنت خَلْفَ النبى ﷺ يوما، فقال: "يا غلام احفظ اللَّه يَحْفَظُكَ احفظ اللَّه تجده تُجَاهَكَ، وإذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه" رواه الترمذى وقال: حسن صحيح.
[المفردات]
خلف النبى ﷺ : أى رديف رسول اللَّه ﷺ على دابته.
يا غلام: قال فى القاموس: والغلام الطَّار الشارب والكهل ضد أو من حين يولد إلى أن يشب اهـ
احفظ اللَّه يحفظك: أى حافظ على حدود اللَّه وأوامره ونواهيه يصنك اللَّه ويحفظك فى نفسك ودينك ودنياك وأخراك.
تُجاهَك: أى تلقاء وجهك قريب الإجابة لدعوتك وقضاء حاجتك على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
وإذا سألت فاسأل اللَّه: أى وإذا أرت سؤال أحد ليقضى لك حاجتك فاجعل سؤالك للَّه وحده ولا تسأل غيره فإن بيد اللَّه خزائن السموات والأرض.
وإذا استعنت فاستعن باللَّه: أى وإذا أردت طلب العون من أحد
стр. 3891
ليعينك على ما تريد من عمل لدنياك وأخراك فاطلب العون من اللَّه وحده ولا تستعن بغيره ولا تعتمد على أحد سواه على حد قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
[البحث]
أخرج الترمذى هذا الحديث من طريق قيس بن الحجاج عن حنش الصنعانى عن ابن عباس قال: كنت خلف النبى ﷺ يوما، فقال: يا غلام إنى أعلمك كلمات احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهَكَ، إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف. ثم قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن المحافظة على حدود اللَّه وأوامره ونواهيه تجلب للعبد خير الدنيا والآخرة.
٢ - وأن من رغب فى أن تستجاب دعوته فليحرص على طاعة اللَّه تعالى.
٣ - وأن الخير للإِنسان أن يقتصر فى سؤاله على اللَّه وحده.
٤ - وأن الخير للإنسان أن يجعل استعانته باللَّه وحده.
٥ - وأن من يستعن باللَّه يُعِنْهُ.
стр. 3892
٦ - وعن سهل بن سعد رضى اللَّه عنه قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ : فقال: يا رسول اللَّه دُلَّنى على عمل إذا عملته أحبنى اللَّه وأحبنى الناس؟ فقال: "ازهد فى الدنيا يُحبّك اللَّه، وازهد فيما عند الناس يُحبّك الناس" رواه ابن ماجه وغيره وسنده حسن.
[المفردات]
دلنى على عمل: أى أرشدنى إلى خُلُق وسلوك.
إذا عملته أحبنى اللَّه وأحبنى الناس: أى إذا أنا أديت هذا العمل وتخلقت به رضى عنى ربى ورضى عنى الناس.
ازهد فى الدنيا: أى قَلِّلْ رغبتك فى عَرَض الدنيا الفانى.
يحبك اللَّه: أى يرض اللَّه عنك.
وازهد فيما عند الناس: أى لا تعلق قلبك بما فى أيدى الناس من حطام الدنيا.
يحبك الناس: أى يرض عنك الناس.
وغيره: أى وغير ابن ماجه أيضا.
[البحث]
قال ابن ماجه: حدثنا أبو عبيدة بن أبى السفر ثنا شهاب بن عَبَّاد ثنا خالد بن عمرو القرشى عن سفيان الثورى عن أبى حازم عن سهل بن سعد الساعدى قال: أتى النبى ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه، دلنى على عمل إذا أنا عملته أحبنى اللَّه وأحبنى الناس فقال رسول اللَّه ﷺ : "ازهد فى الدنيا يحبّك اللَّه، وازهد فيما فى أيدى
стр. 3893
الناس يحبك الناس" اهـ وفى إسناد هذا الحديث خالد بن عمرو وهو ضعيف متفق على ضعفه، واتهم بالوضع، وأورد له العقيلى هذا الحديث وقال: ليس له أصل من حديث الثورى. وقد أخرجه أبو نعيم فى الحلية من طريق مجاهد عن أنس وهو منقطع لأنه لم يثبت سماع مجاهد من أنس رضى اللَّه عنه كما روى مرسلا.
стр. 3894
٧ - وعن سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يحب العبد التقى الغَنِىَّ الخَفِىَّ" أخرجه مسلم.
[المفردات]
يحب العبد: أى يرضى عن الإنسان.
التقى: أى المتبع لأوامر اللَّه، المجتنب لنواهيه، الخائف من اللَّه ، المستمسك بشريعة اللَّه.
الغنى: أى الذى لا يحتاج إلى الناس، المكتفى بما فى يده.
الخفى: بالخاء المعجمة أى الذى لا يأبه له الناس، وضبطه بعض رواة مسلم بالحاء المهملة أى اللطيف بالناس الحريص على مصالحهم وما ينفعهم.
[البحث]
هذا الحديث ظاهر الدلالة على أن اللَّه ﵎ يحب من
стр. 3895
عبده أن يكون غنيا عن عباده، وهو يرشد إلى أن الإسلام يكره من المسلم أن يكون عالة على غيره ولذلك كانت اليد العليا خيرا من اليد السفلى وقد جاء فى لفظ لمسلم من طريق أبى الأحوص عن عبد اللَّه عن النبى ﷺ أنه كان يقول: "اللهم إنى أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" كما جاء فى لفظ الصحيح من حديث سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "إنك أن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس" هذا وحقيقة الغنى ليست كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس.
[ما يفيده الحديث]
١ - حب اللَّه للمتقين.
٢ - محبة اللَّه لمن يستغنى عن الناس.
٣ - كراهية الإسلام لمن يحرص على الشهرة.
стр. 3896
٨ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" رواه الترمذى وقال: حسن.
[المفردات]
من حسن إسلام المرء: أى من صلاح إسلام الإنسان وسلامة دينه.
تركه ما لا يعنيه: أى عدم اشتغاله بما لا يهمه.
стр. 3897
[البحث]
قال الترمذى: حدثنا أحمد بن نصر النيسابورى وغير واحد قالوا: نا أبو مُسْهِر عن إسماعيل بن عبد اللَّه بن سماعة عن الأوزاعى عن قرة عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى ﷺ إلا من هذا الوجه. ثنا قتيبة نا مالك بن أنس عن الزهرى عن على بن الحسين قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" هكذا روى غير واحد من أصحاب الزهرى عن الزهرى عن على بن الحسين عن النبى ﷺ نحو حديث مالك اهـ وبهذا يتضح أن قول المصنف (رواه الترمذى وقال: حسن) إما سبق قلم أو أنه اطلع على نسخة فيها هذا التحسين، واللَّه أعلم.
стр. 3898
٩ - وعن المقدام بن معد يكرب رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "ما ملأ ابن آدم وِعَاءً شَرًّا من بطْن" أخرجه الترمذى وحسنه.
[المفردات]
ما ملأ ابن آدم وعاء: أى ما أتْرَعَ الإنسان ظَرْفًا من الظروف.
شرا من بطن: أى أشد ضررا عليه من ملء بطنه.
стр. 3899
[البحث]
قال الترمذى: حدثنا سويد نا عبد اللَّه بن المبارك نا إسماعيل بن عياش ثنى أبو سلمة الحمصى وحبيب بن صالح عن يحيى بن جابر الطائى عن مقدام بن معد يكرب قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما ملأ آدَمِىٌّ وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلُثٌ لطعامه، وثُلُثٌ لشرابه، وثلُثٌ لِنَفَسِهِ" حدثنا الحسن بن عرفة نا إسماعيل بن عياش نحوه وقال المقدام بن معد يكرب عن النبى ﷺ ، ولم يذكر سمعت النبى ﷺ . هذا حديث حسن صحيح اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن من أكبر أسباب سلامة الجسم من الأمراض هو عدم الإفراط فى الطعام والشراب.
٢ - الترغيب فى الاقتصاد فى الطعام والشراب.
٣ - شمول تعاليم الإسلام لما يسعد الناس فى أبدانهم وأرواحهم ودنياهم وأخراهم.
стр. 3900
١٠ - وعن أنس رضى اللَّه عنه قال قال رسول اللَّه ﷺ : "كل بنى آدم خَطَّاءٌ، وخير الخَطَّائين التَّوَّابُون" أخرجه الترمذى وابن ماجه وسنده قوى.
стр. 3901
[المفردات]
كل بنى آدم: أى جميع بنى آدم يعنى من المكلفين، وقد دل الدليل على استثناء الأنبياء من هذا العموم فهم معصومون.
خطاء: أى يقع منه ما يخالف الصواب بكثرة، وأفرد خطاء لمراعاة لفظ كل، وروى: "خطاءون" بالجمع لمراعاة معنى كل.
وخير الخطائين: أى وأفضل الذين يقعون فى الخطأ.
التوابون: أى الراجعون إلى اللَّه، المستغفرون لذنوبهم، الذين لا يصرون على خطيئتهم.
[البحث]
قول المصنف ﵀: (وسنده قوى) فيه نظر فقد وصفه الترمذى بالغرابة فقال بعد سياقه: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث على بن مسعدة عن قتادة اهـ كما أن الذهبى اعترض على الحاكم فى تصحيحه وقال: بل فيه لين اهـ وقد أخرجه ابن ماجه من طريق على بن مسعدة أيضا عن قتادة عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ "كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" اهـ. على أن اللَّه ﵎ قد رغَّبَ عباده فى التوبة وحضهم عليها، ونهاهم عن القنوط من رحمته حيث قال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقد صحت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ أن اللَّه
стр. 3902
يفرح بتوبة العبد فرحا عظيما، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
стр. 3903
١١ - وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصمت حكمة وقليل فاعله" أخرجه البيهقى فى الشُّعَبِ بسند ضعيف وصَحَّح أنه موقوف من قول لقمان ﵇.
[المفردات]
الصمت: أى السكوت.
حكمة: أى فقه وإدراك ومعرفة بالحقائق.
وقليل فاعله: أى وقَلَّ من الناس من يتمكن منه ويتلبس به.
فى الشعب: أى فى كتابه شعب الإِيمان.
لقمان: المراد به هو لقمان الحكيم المذكور فى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ الآيات، وقد اختلف فى نبوته. وقد قيل: هو من السودان، واللَّه أعلم.
[البحث]
لقد وضع اللَّه ﵎ أفضل المناهج للسان حتى يكون نطقه حكمة وسكوته حكمة حيث يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
стр. 3904
باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
стр. 3905
١ - عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أخرجه أبو داود، ولابن ماجه من حديث أنس نحوه.
[المفردات]
الترهيب: أى التخويف والتحذير.
من مساوئ الأخلاق: أى من الأخلاق السيئة الرديئة المكروهة والخلق يطلق على الطبع والسَّجية والمروءة والدين والصفة التى يتصف بها الإِنسان ويعامل بها غيره.
إياكم والحسد: أى احذروا الحسد واجتنبوه ولا تتخلقوا به، والحسد هو تمنى زوال النعمة عن الغير.
فإن الحسد يأكل الحسنات: أى فإن الحسد لا يبقى لصاحبه حسنة من الحسنات.
كما تأكل النار الحطب: أى كما أن النار تقضى على الحطب إذا اشتعلت فيه فكذلك الحسد يقضى على حسنات الحاسد ويذهب بها.
نحوه: أى نحو حديث أبى هريرة عند أبى داود.
стр. 3906
[البحث]
هذا الحديث أخرجه أبو داود من طريق عثمان بن صالح ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، ثنا سليمان بن بلال عن إبراهيم بن أبى أسيد عن جده عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أو قال العُشْبَ اهـ وجد إبراهيم بن أبى أسيد مجهول، أما حديث أنس عند ابن ماجه الذى أشار إليه المصنف فقد أخرجه ابن ماجه من طريق عيسى بن أبى عيسى الحناط عن أبى الزناد عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار" اهـ وعيسى بن أبى عيسى ضعيف على أنه قد جاء فى القرآن الكريم وصحيح السنة ذم الحسد، وأن ضرره كبير وشره مستطير وضرره على الحاسد أشد من ضرره على المحسود، فإن الحسد من أبرز أمارات مرض قلب صاحبه، وأنه معترض على ما أعطاه اللَّه للمحسود ولذلك يجب على العاقل أن يحاربه من نفسه إن أحس به فى قلبه وهو من أخطر الأمراض الاجتماعية.
стр. 3907
٢ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرعَةِ، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب" متفق عليه.
стр. 3908
[المفردات]
وعنه: أى وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
ليس الشديد بالصُّرَعَةِ: أى ليس الإِنسان القوى هو الذى يَصْرَعُ الناس ويغلبهم، والصُّرعَةُ بضم الصاد وفتح الراء الذى يصرع الناس كثيرا، وأما الصُّرعة بسكون الراء فهو الذى يصرعه الناس كثيرا.
إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب: أى إنما الإنسان القوى هو الذى يتحكم فى نفسه عند دواعى الغضب فلا يثور ولا يبطش بل يصبر ويحلم.
[البحث]
أورد البخارى ومسلم هذا الحديث بهذا اللفظ من طريق مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه وأورده مسلم من طريق إبراهيم التيمى عن الحارث بن سويد عن عبد اللَّه بن مسعود بلفظ قال رسول اللَّه ﷺ : "فما تَعُدُّونَ الصُّرعَةَ فيكم؟ " قال: قلنا: الذى لا يصرعه الرجال، قال: ليس بذلك، ولكنه الذى يملك نفسه عند الغضب" وفى لفظ لمسلم من طريق الزُّبَيْدِىِّ عن الزهرى أخبرنى حُميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "ليس الشديد بالصُّرَعَةِ" قالوا فالشَّدِيدُ أيُّمَ هو يا رسول اللَّه؟ قال: "الذى يملك نفسه عند الغضب" وقد روى البزار بسند حسن من حديث أنس رضى اللَّه عنه
стр. 3909
أن النبى ﷺ مر بقوم يصطرعون فقال: "ما هذا؟ " قالوا: فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه، قال: "أفلا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه، وغلب شيطانه، وغلب شيطان صاحبه" وسيأتى مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث الثانى عشر من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو.
٢ - أن من يملك نفسه عند الغضب يحميه اللَّه من شرور كثيرة مُفسِدَة للدين والدنيا.
٣ - أن الاندفاع وراء الغضب من مساوئ الأخلاق.
٤ - أن كظم الغيظ من محاسن الأخلاق.
стр. 3910
٣ - وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الظلم ظُلُمَاتٌ يوم القيامة" متفق عليه.
[المفردات]
الظلم: أى تجاوز حد الاعتدال ووضع الأمور فى غير مواضعها، والاعتداء سواء كان على نفس أو عرض أو مال، وأعظم أنواع الظلم هو الشرك باللَّه ، على حد قوله ﵎: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وإنما يحدث الظلم بسبب ظلمة القلب
стр. 3911
ظلمات يوم القيامة: الظلمات جمع ظلْمة، والظُّلْمَةُ ذهاب النور فيكون الظلم ظلمات على صاحبه لا يهتدى يوم القيامة سبيلا وقيل المراد بالظلمات الشدائد على حد قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أى من شدائدهما على ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أهل التفسير والتأويل، وقيل: الظلمات هنا هى الأنكال والعقوبات التى يلقاها الظالمون يوم القيامة.
[البحث]
لقد وصف اللَّه ﵎ الحال الفظيعة التى يؤول إليها الظالمون يوم القيامة حيث يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ وسيأتى مزيد بحث لهذا فى الكلام على حديث جابر الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 3912
[ما يفيده الحديث]
١ - التحذير الشديد من الظلم بجميع أنواعه.
٢ - أن الظلم ظلمات يوم القيامة.
стр. 3913
٤ - وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحَّ فإنه أهلك من كان قبلكم" أخرجه مسلم.
[المفردات]
اتقوا الظلم: أى اجتنبوا التعدى على الحقوق.
فإن الظلم ظلمات يوم القيامة: أى لأن الظم يجعل الظالم فى ظلمات يوم القيامة.
واتقوا الشُّحَّ: أى واجتنبوا البخل وشدة الحرص.
فإنه أهلك من كان قبلكم: أى فإن الشح تسبب فى تدمير من كان قبلكم من الأمم الغابرة.
[البحث]
لفظ هذا الحديث عند مسلم عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحَّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حَمَلَهُمْ على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم" وقد وردت آيات كثيرة فى ذم البخل
стр. 3914
والشح وكان رسول اللَّه ﷺ يكثر الاستعاذة من الشح، وقد أشار اللَّه إلى عظيم مرتبة من يسلم من الشح حيث يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
[ما يفيده الحديث]
١ - وجوب الابتعاد عن سائر أنواع الظلم.
٢ - وجوب اجتناب الشح ومحاربته فى النفس.
٣ - الحض على الاستقامة والسخاء.
٤ - أن الشح يؤدى إلى مفاسد كثيرة.
стр. 3915
٥ - وعن محمود بن لبيد رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أخْوَفَ ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء" أخرجه أحمد بإسناد حسن.
[المفردات]
إن أخوف ما أخاف عليكم: أى إن أخوف شئ أخاف أن تقعوا فيه.
الشرك الأصغر: أى أن تلاحظوا غير اللَّه وتدخلوه مع اللَّه فى عبادتكم.
الرياء: أى إن الشرك الأصغر هو الرياء، وحقيقة الرياء أن يعمل الإنسان عملا صالحا ليراه الناس ويثنوا
стр. 3916
عليه، فمقصوده الشهرة وإذاعة الصيت أما إذا عمل الإِنسان عملا صالحا يبتغى به وجه اللَّه وتحدث الناس عنه بلا قصد منه فإن هذا لا يضره وثوابه عند اللَّه.
[البحث]
تقدم فى ص ١٢ أن الشرك نوعان: شرك أكبر وشرك أصغر فمن وقع فى الشرك الأكبر خرج من الملة واعتبر مرتدا عن الإسلام وبانت منه زوجته المسلمة، ولا توارث بينه وبين قرابته من المسلمين، وإن مات على شركه هذا لا يصلى عليه، ولا يدفن فى مقابر المسلمين، وفيه يقول اللَّه : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والشرك الأكبر هو اتخاذ نِدٍّ للَّه فى ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه الحسنى وصفاته العلى كعبادة الأصنام والأوثان وكالقول بأن اللَّه ثالث ثلاثة، وسؤال غير اللَّه بما لا يقدر عليه إلا اللَّه، والسجود لغير اللَّه وخوف السر من سواه والاستغاثة بالموتى، واعتقاد حلول اللَّه فى بعض الأشخاص أو اتحاده بهم أو وحدته معهم. وأما الشرك الأصغر فكالحلف بغير اللَّه وقول القائل: ما شاء اللَّه وشئت والرياء ويسمى الشرك الخفى فمن وقع فى الشرك الأصغر لا يخرج من الملة فلا تبين منه زوجته المسلمة، وإن مات صلى عليه ويدفن فى مقابر المسلمين، ولا ينتفى التوارث بينه وبين قرابته المسلمين ولا يخلد فى النار لكنه مع ذلك أكبر من الزنا والقتل والسرقة وشرب الخمر، ولا يغفره اللَّه تعالى إلا بالتوبة منه كالشرك الأكبر حيث يقول :
стр. 3917
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ هذا وحديث محمود بن لبيد الذى ذكره المصنف هنا قد أخرجه أحمد ﵀ فى المسند فقال: ثنا يونس ثنا ليث عن يزيد يعنى ابن الهاد عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللَّه؟ قال: "الرياء، يقول اللَّه لهم يوم القيامة إذا جَزَى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ " ثم ساق من طريق إبراهيم بن أبى العباس ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عمرو بن أبى عمرو عن عاصم بن عمر الظفرى عن محمود بن لبيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم" فذكر معناه، ثم ساق من طريق إسحاق بن عيسى ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عمرو بن أبى عمرو عن عاصم ابن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: يا رسول اللَّه وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" إن اللَّه ﵎ يقول يوم يجازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ " وقد أخرج المنذرى حديث محمود بن لبيد هذا فى الترغيب والترهيب ثم قال: رواه أحمد بإسناد جيد اهـ.
стр. 3918
[ما يفيده الحديث]
١ - أَن الشرك ينقسم إلى شرك أكبر وشرك أصغر.
٢ - وأن الرياء من الشرك الأصغر.
٣ - وأن شرك الرياء هو أشد ما يُخاف على هذه الأمة.
٤ - وأنه يجب الحذر من الوقوع فى الرياء وأن يحاربه الإِنسان فى نفسه.
стр. 3919
٦ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤتُمِنَ خَانَ" متفق عليه، ولهما من حديث عبد اللَّه بن عمرو "وإذا خَاصَمَ فَجَرَ".
[المفردات]
آية المنافق ثلاث: أى علامة المنافق الدالة على نفاقه ثلاث خصال، وحقيقة المنافق هو الذى يظهر الإسلام ويبطن الكفر، مأخوذ من النافقاء وهى إحدى جِحَرَةِ اليربوع يكتمها ويُظْهِرُ غيرها فإذا أتى من جهة القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وخرج من النافقاء.
إذا حدث كذب: أى إذا أخبر لم يصدق فى خبره.
стр. 3920
وإذا وعد أخلف: أى وإذا صدر منه وعد لأحد لا ينجزه ولا يفى بوعده.
وإذا اؤتمن خان: أى وإذا استودعه أحد أمانة من مال أو عهد أو غير ذلك لحفظها له ضيعها ولم ينصح فيها.
ولهما: أى وللبخارى ومسلم.
وإذا خاصم فجر: أى وإذا صار بينه وبين أحد خصومة ومنازعة ومجادلة فَسَقَ وكَذَبَ وكَذَّبَ وعصى وخالف وانبعث فى الباطل ومال عن الحق.
[البحث]
حديث عبد اللَّه بن عمرو عند الشيخين بلفظ: "أربع من كُنَّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خَصْلَةٌ منهن كانت فيه خصلةْ من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّثَ كَذَبَ، وإذا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصم فجر" ولا معارضة بين حديث أبى هريرة وحديث عبد اللَّه بن عمرو لأن الإخبار بثلاث علامات لا ينفى صحة الإخبار بأربع علامات لأن كل علامة أمارة مستقلة فمن وجدت فيه خصلة واحدة كانت فيه علامة واحدة ومن وجدت فيه خصلتان كانت فيه علامتان وهكذا، قال النووى: وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد فى النار اهـ.
стр. 3921
[ما يفيده الحديث]
١ - الترهيب من الكذب.
٢ - الترهيب من إخلاف الوعد.
٣ - الترهيب من خيانة الأمانة.
٤ - الترهيب من الفجور فى الخصومة.
٥ - أن هذه الخصال من الكبائر.
٦ - أن هذه الخصال الأربع من خصال المنافقين.
٧ - يخشى على من تَخَلَّقَ بهذه الصفات أن يطبع على قلبه وأن يموت منافقا.
٨ - يجب على المسلم أن يتنزه عن صفات المنافقين.
стр. 3922
٧ - وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كفْرٌ" متفق عليه.
[المفردات]
سباب المسلم: أى شَتم المسلم المستور الحال ولعنه، والطعن فى عرضه من غير وجه شرعى.
فسوق: أى خروج عن طاعة اللَّه.
وقتاله: أى واستحلال قتله بغير حق، أو حمل السلاح عليه ومقاتلته.
كفر: أى مروق من الدين أو جحود لحق الإخوة فى الإسلام.
стр. 3923
[البحث]
المقصود من هذا الحديث هو حماية عِرْض المسلم وظهره وصيانته من الاعتداء عليه، وقد يطلق لفظ الكفر ويراد به جحود النعمة فقد روى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال النبى ﷺ : "أُريتُ النار فإذا أكثر أهلها النساء، يَكْفُرْنَ" قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإِحسانَ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط" وقد أطلق اللَّه ﵎ على الطائفتين المتقاتلتين من المسلمين اسم المؤمنين فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وسيأتى مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث العشرين من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى.
[ما يفيده الحديث]
١ - التحذير الشديد من سب المسلم.
٢ - التحذير الشديد من قتال المسلم.
٣ - أن سب المسلم كبيرة من الكبائر.
٤ - وأن استحلال قتل المسلم خروج من الملة.
٥ - وأن مقاتلة المسلم جحود لحق الإِخوة فى الإسلام.
стр. 3924
٨ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" متفق عليه.
[المفردات]
إياكم والظن: أى احذروا الظن، والمراد ظن السوء بالمسلم من غير برهان، واتهامه بلا بينة، وأصل الظن هو التردد الراجح بين طرفى الاعتقاد الغير الجازم، والظِّنة بكسر الظاء هى التهمة. والظَّنين المتهم.
فإن الظن أكذب الحديث: قال الحافظ فى الفتح: وأما وصف الظن بكونه أكذب الحديث مع أن تعمد الكذب الذى لا يستند إلى ظن أصلا أشد من الأمر الذى يستند إلى الظن فللإشارة إلى أن الظن المنهى عنه هو الذى لا يستند إلى شئ يجوز الاعتماد عليه، فيعتمد عليه ويجعل أصلا ويجزم به فيكون الجازم به كاذبا، وإنما صار أشد من الكاذب لأن الكذب فى أصله مستقبح مستغنى عن ذمه بخلاف هذا فإن صاحبه -بزعمه- مستند إلى شئ، فوصف بكونه أشد الكذب مبالغة فى ذمه والتنفير منه، وإشارة إلى أن الاغترار به أكثر من الكذب المحض لخفائه غالبا ووضوح الكذب المحض اهـ وسمى الظن
стр. 3925
حديثا لكونه حديث نفس يثمر غالبا قولا وفعلا غير مطابق للواقع.
[البحث]
هذا طرف من حديث أخرجه البخارى من طريق همام بن منبه عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا" وأورده من طريق مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانا" وأورده مسلم من طريق مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانا" قال الحافظ فى الفتح: (قوله: إياكم والظن) قال الخطابى وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظن الذى تناط به الأحكام غالبا، بل المراد ترك تحقيق الظن الذى يضر بالمظنون به. وكذا ما يقع فى القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هى خواطر لا يمكن دفعها وما لا يقدر عليه لا يكلف به، ويؤيده حديث: تجاوز اللَّه للأمة عما حدثت به أنفسها" وقد تقدم شرحه. وقال القرطبى: المراد بالظن هنا التهمة التى لا سبب لها كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك
следующие страницы →