Полный текст (4 105 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
[ما يفيده الحديث]
١ - الترهيب من الكذب.
٢ - الترهيب من إخلاف الوعد.
٣ - الترهيب من خيانة الأمانة.
٤ - الترهيب من الفجور فى الخصومة.
٥ - أن هذه الخصال من الكبائر.
٦ - أن هذه الخصال الأربع من خصال المنافقين.
٧ - يخشى على من تَخَلَّقَ بهذه الصفات أن يطبع على قلبه وأن يموت منافقا.
٨ - يجب على المسلم أن يتنزه عن صفات المنافقين.
стр. 3922
٧ - وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كفْرٌ" متفق عليه.
[المفردات]
سباب المسلم: أى شَتم المسلم المستور الحال ولعنه، والطعن فى عرضه من غير وجه شرعى.
فسوق: أى خروج عن طاعة اللَّه.
وقتاله: أى واستحلال قتله بغير حق، أو حمل السلاح عليه ومقاتلته.
كفر: أى مروق من الدين أو جحود لحق الإخوة فى الإسلام.
стр. 3923
[البحث]
المقصود من هذا الحديث هو حماية عِرْض المسلم وظهره وصيانته من الاعتداء عليه، وقد يطلق لفظ الكفر ويراد به جحود النعمة فقد روى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال النبى ﷺ : "أُريتُ النار فإذا أكثر أهلها النساء، يَكْفُرْنَ" قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإِحسانَ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط" وقد أطلق اللَّه ﵎ على الطائفتين المتقاتلتين من المسلمين اسم المؤمنين فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وسيأتى مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث العشرين من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى.
[ما يفيده الحديث]
١ - التحذير الشديد من سب المسلم.
٢ - التحذير الشديد من قتال المسلم.
٣ - أن سب المسلم كبيرة من الكبائر.
٤ - وأن استحلال قتل المسلم خروج من الملة.
٥ - وأن مقاتلة المسلم جحود لحق الإِخوة فى الإسلام.
стр. 3924
٨ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" متفق عليه.
[المفردات]
إياكم والظن: أى احذروا الظن، والمراد ظن السوء بالمسلم من غير برهان، واتهامه بلا بينة، وأصل الظن هو التردد الراجح بين طرفى الاعتقاد الغير الجازم، والظِّنة بكسر الظاء هى التهمة. والظَّنين المتهم.
فإن الظن أكذب الحديث: قال الحافظ فى الفتح: وأما وصف الظن بكونه أكذب الحديث مع أن تعمد الكذب الذى لا يستند إلى ظن أصلا أشد من الأمر الذى يستند إلى الظن فللإشارة إلى أن الظن المنهى عنه هو الذى لا يستند إلى شئ يجوز الاعتماد عليه، فيعتمد عليه ويجعل أصلا ويجزم به فيكون الجازم به كاذبا، وإنما صار أشد من الكاذب لأن الكذب فى أصله مستقبح مستغنى عن ذمه بخلاف هذا فإن صاحبه -بزعمه- مستند إلى شئ، فوصف بكونه أشد الكذب مبالغة فى ذمه والتنفير منه، وإشارة إلى أن الاغترار به أكثر من الكذب المحض لخفائه غالبا ووضوح الكذب المحض اهـ وسمى الظن
стр. 3925
حديثا لكونه حديث نفس يثمر غالبا قولا وفعلا غير مطابق للواقع.
[البحث]
هذا طرف من حديث أخرجه البخارى من طريق همام بن منبه عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا" وأورده من طريق مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانا" وأورده مسلم من طريق مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانا" قال الحافظ فى الفتح: (قوله: إياكم والظن) قال الخطابى وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظن الذى تناط به الأحكام غالبا، بل المراد ترك تحقيق الظن الذى يضر بالمظنون به. وكذا ما يقع فى القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هى خواطر لا يمكن دفعها وما لا يقدر عليه لا يكلف به، ويؤيده حديث: تجاوز اللَّه للأمة عما حدثت به أنفسها" وقد تقدم شرحه. وقال القرطبى: المراد بالظن هنا التهمة التى لا سبب لها كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك
стр. 3926
عطف عليه قوله: "ولا تجسسوا" وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع فنهى عن ذلك. وهذا حديث يوافق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهى عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظانّ: أبحث لأتحقق، قيل له: "ولا تجسسوا" فإن قال: تحققت من غير تجسس، قيل له: "ولا يغتب بعضكم بعضا" اهـ، هذا أما من يُعَرِّضُ نفسه للتهم بأن يفعل أفعالا مشبوهة كأن يدخل على امرأة مغيبة ليست من محارمه ونحو ذلك فهو حرى بأن يتهم، كما أن الحذر من إنسان لا يعد اتهاما له، واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
١ - يجب الابتعاد عن ظن السوء بالمسلم المستور الحال.
٢ - لا يجوز للمسلم أن يتهم مسلما بلا برهان.
٣ - لا ينبغى للمسلم أن يفعل ما يُعَرِّضُه للتهمة وسوء الظن.
стр. 3927
٩ - وعن معقل بن يسار رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من عبد يسترعيه اللَّه رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم اللَّه عليه الجنة" متفق عليه.
[المفردات]
مَا مِنْ عَبْدٍ: أى ما من إنسان.
стр. 3928
يسترعيه اللَّه رعية: أى يجعله اللَّه واليا على جماعة، ويطلب منه رعايتها والمحافظة عليها.
يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته: أى يدركه الموت وهو غير ناصح لمن ولى أمرهم حيث كان يغشهم ويخونهم ويسفك دماءهم وينهتك أعراضهم ويحرمهم من حقوقهم، ولا يقيم شرع اللَّه فيهم، فلا يأمرهم بالمعروف ولا ينهاهم عن المنكر، ولا يعلم جاهلهم ولا يردع سفيههم ويزين لهم السوء، ويظهر لهم خلاف ما يضمر.
إلا حرم اللَّه عليه الجنة: أى إلا منعه اللَّه من دخول الجنة يوم القيامة.
[البحث]
أخرج البخارى هذا الحديث من طريق أبى الأشهب عن الحسن أن عبيد اللَّه بن زياد عاد معقل بن يسار فى مرضه الذى مات فيه فقال له معقل: إنى محدثك حديثا سمعته من رسول اللَّه ﷺ : "سمعت النبى ﷺ يقول ما من عبد استرعاه اللَّه رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة" ثم أخرجه من طريق هشام عن الحسن قال: أتينا معقل بن يسار نعوده، فدخل عبيد اللَّه فقال له معقل: أحدثك حديثا سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما من وال يلى رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم اللَّه عليه الجنة" وقد أخرجه مسلم من طريق أبى الأشهب عن الحسن قال:
стр. 3929
عاد عبيد اللَّه بن زياد معقل بن يسار المزنى فى مرضه الذى مات فيه فقال معقل: إنى محدثك حديثا سمعته من رسول اللَّه ﷺ لو علمت أن لى حياة ما حدثتك، إنى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من عبد يسترعيه اللَّه رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم اللَّه عليه الجنة" ثم ساقه من طريق أبى المليح أن عبيد اللَّه بن زياد دخل على معقل بن يسار فى مرضه فقال له معقل: إنى محدثك بحديث لولا أنى فى الموت لم أحدثك به، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من أمير يلى أمر المسلمين ثم لا يَجْهَدُ لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة" وهذا الحديث من أحاديث الوعيد التى تقدم الكلام عليها أكثر من مرة، وقد تقدم الكلام على ذلك فى الحديث السادس والثلاثين من أحاديث كتاب البيوع فى قول رسول اللَّه ﷺ فيما رواه مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه "من غش فليس منى".
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم الغش.
٢ - وأن الغش من الكبائر.
٣ - وأنه يجب على الراعى أن ينصح لرعيته.
٤ - عظم مسئولية من يلى من أمر المسلمين شيئا.
стр. 3930
١٠ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 3931
"اللهم مَنْ وَلَى من أمر أمتى شيئا فَشَقَّ عليهم فاشْقُقْ عليه" أخرجه مسلم.
[المفردات]
مَنْ وَلى من أمر أمتى شيئا: أى من أُسْنِدَ إليه رعاية شئ من شئون المسلمين.
فشق عليهم: أى فَأدْخَلَ عليهم المشقة والمضرة وأوقعهم فيها.
فَاشْقُقْ عليه: فَأدْخِلْ عليه المشقة والمضرة فى نفسه وأوقعْه فيها.
[البحث]
أخرج مسلم ﵀ هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شئ، فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم لكم فى غَزَاتِكُمْ هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئا، إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطه البعير، والعبد فيعطيه العبد ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعنى الذى فعل فى محمد بن أبى بكر، أخى، أن أخبرك ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ يقول فى بيتى هذا: "اللهم من وَلىَ من أمر أمتى شيئا فشَقَّ عليهم فَاشْقُقْ عليه، ومن ولى من أمر أمتى شيئا فَرَفَقَ بهم فَارْفُقْ به".
[ما يفيده الحديث]
١ - تحذير الوالى من الجور على الرعية.
стр. 3932
٢ - حث الوالى على الرفق بالرعية.
٣ - تحريم إدخال المشقة على المسلمين.
٤ - إدخال المشقة على المسلمين من الكبائر.
стр. 3933
١١ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه" متفق عليه.
[المفردات]
إذا قاتل أحدكم: أى إذا أراد أحدكم أن يضرب أحدا، فقاتل بمعنى ضارب، ولكنها ليست على بابها من المفاعلة
فليجتنب الوجه: أى فليبتعد عن ضرب الوجه وإصابته.
[البحث]
تقدم فى بحث الحديث الثالث من أحاديث باب حد الشارب وبيان المسكر ذكر. ألفاظ هذا الحديث عند الشيخين، وذكرت هناك أن البخارى إنما أخرجه بلفظ: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه" وهى الرواية التى ساقها المصنف هناك، وبينت هناك أسباب اجتناب الوجه عند الضرب.
[ما يفيده الحديث]
١ - ينبغى اجتناب وجه الإِنسان عند ضربه فى حد أو تعزير أو غيرهما.
стр. 3934
٢ - وأنه ينبغى الإِحسان للناس حتى عند إقامة الحدود عليهم أو تعزيرهم.
стр. 3935
١٢ - وعنه رضى اللَّه عنه أن رجلا قال: يا رسول اللَّه أوصنى، قال: "لا تغضب" فرَدَّدَّ مرارا، قال: "لا تغضب" أخرجه البخارى.
[ما يفيده الحديث]
وعنه: أى وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
أن رجلا: قيل هو جارية بن قدامة، وقيل هو سفيان بن عبد اللَّه الثقفى، وقيل هو أبو الدرداء، وأقواها الأول.
أوصنى: أى دلنى على عمل ينفعنى ويدخلنى اللَّه به الجنة.
لا تغضب: أى لا تَثُرْ عندما يحصل لك مكروه من أحد ومراغمة بل احلم واصبر ولا تندفع فى الشر، والغضب ضد الرضا.
فردَّد مرارا: أى فكرر الرجل السؤال يلتمس أنفع من ذلك أو أبلغ أو أعم.
فقال: لا تغضب: أى فلم يزده على قوله: لا تغضب.
[البحث]
تقدم فى الحديث الثانى من أحاديث هذا الباب بيان أن الشديد هو الذى يملك نفسه عند دواعى الغضب. قال الحافظ فى الفتح:
стр. 3936
وقال ابن حبان بعد أن أخرجه: أراد: لا تعمل بعد الغضب شيئا مما نهيت عنه لا أنه نهاه عن شئ جُبِلَ عليه ولا حيلة له فى دفعه، وقال بعض العلماء: خلق اللَّه الغضب من النار، وجعله غريزة فى الإِنسان، فمهما قصد أو نوزع فى غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم، لأن البشرة تحكى لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون حزنا، وإن كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر، ويترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن كتغير اللون، والرعدة فى الأطراف، وخروج الأفعال عن غير ترتيب، واستحالة الخلقة حتى لو رأى الغضبان نفسه فى حال غضبه لسكن غضبه حياء من قبح صورته، واستحالة خلقته، هذا كله فى الظاهر، وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر لأنه يولد الحقد فى القلب، والحسد، وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل أول شئ يقبح منه باطنه، وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه، وهذا كله أثره فى الجسد، وأما أثره فى اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذى يستحى منه العاقل ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضا فى الفعل بالضرب أو القتل، وإن فات ذلك بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوب نفسه ويلطم خده، وربما سقط صريعا، وربما أغمى عليه، وربما كسر الآنية، وضرب من
стр. 3937
ليس له فى ذلك جريمة، ومن تأمل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله ﷺ : "لا تغضب" من الحكمة واستجلاب المصلحة فى درء المفسدة مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - التحذير من الاندفاع عند الغضب.
٢ - وجوب التحلى بالرضا والصبر عند حدوث دواعى الغضب.
٣ - فى تعاليم الإِسلام خير الدنيا والآخرة.
стр. 3938
١٣ - وعن خولة الأنصارية رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن رجالا يتخوضون فى مال اللَّه بغير حق فلهم النار يوم القيامة" أخرجه البخارى.
[المفردات]
خولة الأنصارية: هى أم محمد خولة بنت قيس بن قهد بن قيس ابن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصارية النجارية رضى اللَّه عنها. ويقال لها خويلة، أسلمت وبايعت رسول اللَّه ﷺ ، وتزوجت حمزة بن عبد المطلب، سيد الشهداء رضى اللَّه عنه فولدت له يعلى وعمارة وابنتين ولما استشهد
стр. 3939
رضى اللَّه عنه تزوجت بعده حنظلة بن النعمان بن عمرو بن مالك بن عامر بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق فولدت له محمدا وكانت تكنى به، ووالدها قيس لقبه ثامر كما جزم به على بن المدينى وقهد بالقاف.
يَتَخَوَّضُونَ فى مال اللَّه بغير حق: أى يندفعون فى تحصيل مال اللَّه بالباطل ويتوسعون فى الحصول عليه من طرق غير مشروعة، ومال اللَّه تعالى قد يراد به الخمس والزكاة وأموال الوقف والغنائم قبل قسمتها.
فلهم النار يوم القيامة: أى فهم يستحقون دخول جهنم فى الآخرة.
[البحث]
أخرج البخارى هذا الحديث فى كتاب الخُمس فى (باب قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾) من طريق عبد اللَّه بن يزيد عن سعيد بن أبى أيوب عن أبى الأسود عن ابن أبى عياش واسمه نعمان عن خولة الأنصارية رضى اللَّه عنها قالت: سمعت النبى ﷺ يقول: "إن رجالا يَتَخَوَّضُون فى مال اللَّه بغير حق، فلهم النار يوم القيامة".
[ما يفيده الحديث]
١ - أنه لا يجوز لأحد أن يستولى على مال إلا بطريق مشروع.
٢ - أن الاستيلاء على أموال الوقف ونحوها من غير طريق مشروع هو من الكبائر.
стр. 3940
١٤ - وعن أبى ذر رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: "يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم مُحَرَّمًا فلا تَظَالَمُوا" أخرجه مسلم.
[ما يفيده الحديث]
فيما يرويه عن ربه: أى فيما يخبر به رسول اللَّه ﷺ عن ربه من الحديث القدسى.
قال: أى اللَّه تعالى فى الحديث القدسى.
حرمت الظلم على نفسى: أى تقدست عنه وتعاليت ونزهت نفسى عنه، وقد تقدم أن الظلم هو الجور ومجاوزة الحد ووضع الشئ فى غير موضعه.
وجعلته بينكم محرم: أى وحرمت عليكم أن يظلم بعضكم بعضا.
فلا تظالموا: أى فلا تَتَلَبَّسُوا بالظلم، ولا يعتد بعضكم على بعض وأصل "تظالموا" تتظالموا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.
[البحث]
أخرج مسلم هذا الحديث من طريق أبى إدريس الخولانى عن أبى ذر عن النبى ﷺ فيما روى عن اللَّه ﵎ أنه قال: "يا عبادى إنى حَرَّمْتُ الظلم على نفسى وجعلته بينكم مُحَرَّمًا فلا تظالموا يا عبادى كلكم ضالٌّ إلا من هديته فاستهدونى أهدِكُمْ، يا عبادى
стр. 3941
كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعمونى أُطْعِمْكُمْ، يا عبادى كلكم عار إلا من كسوته فاستكسونى أكسُكُمْ، يا عبادى إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى أغفر لكم، يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضُرِّى فَتَضُرُّونى ولن تَبْلُغُوا نَفْعى فتنفعونى، يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذاك فى ملكى شيئا، يا عبادى لو أن أوَّلكُمْ وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكى شيئا، يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كلَّ إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندى إلا كما يَنْقُصُ المخيط إذا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عبادى إنما هى أعمالكم أُحْصِيها لكم ثم أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فليحمد اللَّه ومن وجد غير ذلك فلا يَلومنَّ إلا نفسه" ثم ساقه من طريق أبى أسماء عن أبى ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ فيما يروى عن ربه ﵎: إنى حرمت على نفسى الظلم وعلى عبادى فلا تظالموا" قال مسلم: وساق الحديث بنحوه، وحديث أبى إدريس الذى ذكرناه أتم من هذا اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم الظلم.
٢ - وأن الظلم صفة قبيحة لا يليق بمسلم أن يتخلق بها.
стр. 3942
١٥ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "ذِكْرُكَ أخاك بما يَكْرَهُ" قيل: أفَرَأيْتَ إن كان فى أخى ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّهُ" أخرجه مسلم.
[المفردات]
أتدرون ما الغيبة: أى أتعرفون ما الغيبة التى حرمها اللَّه فى كتابه الكريم حيث قال: ﴿ولَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. والغيبة بكسر الغين وفتح الباء.
ذكرك أخاك بما يكره: أى أن تصف المسلم بصفة يبغضها ولا يحبها فى حال غيابه عنك ولذلك قيل فى تعريفها أيضا: هى ذكرك أخاك بالعيب فى ظهر الغَيْبِ.
أفَرَأيت إن كان فى أخى ما أقول: أى أهذا التعريف يشمل حالة ما إذا كان أخى المسلم متصفا بالوصف الذى وصفته به أم هو خاص بما إذا وصفته بوصف لا يكون متصفا به فى الواقع؟ .
قال: أى رسول اللَّه ﷺ .
إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته: أى إن الغيبة هى أن تصفه
стр. 3943
بوصف يكرهه، وهذا الوصف موجود فيه كأن تقول فيه: القصير، وهو قصير فى الواقع، أو تقول: الأبرص، وهو أبرص فى الواقع ونحو ذلك.
وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّهُ: أى وإن لم يكن أخوك المسلم متصفا بالوصف الذى وصفته به فقد افتريت عليه الكذب، فلا يكون من باب الغيبة وإنما يكون من باب البهتان والافتراء عليه.
[البحث]
هذا الحديث من الأحاديث التى جاءت محذرة من أذى المسلم سواء كان حاضرا أم غائبا، وسواء كان حيا أم ميتا، وقد استثنت الشريعة من ذلك أمورا، منها: التظلم من الغنى المماطل فقد قال رسول اللَّه ﷺ : "مطل الغنى ظلم" وفى لفظ: "لَىُّ الواجد يُحِلُّ عرضه وعقوبته" ومنها التحذير من الاغترار به كتجريح الرواة وقد قال رسول اللَّه ﷺ : بئس أخو العشيرة، ومنها الاستشارة كقول رسول اللَّه ﷺ لفاطمة بنت قيس لما استشارته فى شأن زواجها وقد خطبها معاوية وأبو جهم فقال: "أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه أو ضراب للنساء" وأشار عليها بأسامة بن زيد رضى اللَّه عنهما، وقد جمع ابن أبى شريف الأمور المستثناة من الغيبة فى قوله:
الذم ليس بغيبة فى ستة ... متظلمٍ ومُعَرِّفٍ ومُحَذِّرِ
ولمُظْهِر فِسْقًا، ومُسْتَفْتٍ ومَنْ ... طَلَبَ الإِعانة فى إزالة مُنْكَرِ
стр. 3944
[ما يفيده الحديث]
١ - التحذير من الغيبة وأنها من الصفات القبيحة والأخلاق السيئة.
٢ - التحذير من البهتان وأنه من الصفات القبيحة والأخلاق السيئة.
стр. 3945
١٦ - وعنه رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يَحْقِرُهُ، التقوى هاهنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات "بِحَسْبِ امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" أخرجه مسلم.
[المفردات]
وعنه: أى وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
لا تحاسدوا: أى لا يحسد بعضكم بعضا.
ولا تناجشوا: أى ولا يزد بعضكم على بعض فى ثمن السلع وهو لا يرغب فى شرائها وإنما يريد دفع غيره لشرائها.
ولا تدابروا: أى ولا يُعْرِضُ بعضكم عن بعض عند التلاقى ولا تتهاجروا.
وكونوا عباد اللَّه إخوانا: أى تعاملوا وتعاشروا معاملة الإِخوة
стр. 3946
ومعاشرتها فى المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون فى الخير كأنكم أبناء رجل واحد.
لا يظلمه: أى لا يتعدى عليه.
ولا يخذله: أى ولا يترك إعانته ونصرته فى الحق ما دام قادرا على ذلك.
ولا يحقره: أى ولا يزدريه.
بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم: أى إن الإنسان يبلغ الذروة من الشر إذا احتقر أخاه المسلم.
[البحث]
قد تقدم ما تضمنه هذا الحديث العظيم فى جمل من الأحاديث المتقدمة كالحديث الرابع والعشرين والتاسع والعشرين من أحاديث كتاب البيوع، والحديث الثامن والثانى عشر من أحاديث باب البر والصلة، والحديث الأول والثالث والرابع والسابع والثامن والرابع عشر من أحاديث هذا الباب، وهذا اللفظ الذى ساقه المصنف قد أخرجه مسلم من طريق داود (يعنى ابن قيس) عن أبى سعيد مولى عامر بن كريز عن أبى هريرة وفى لفظ لمسلم من طريق أسامة (وهو ابن زيد) أنه سمع أبا سعيد مولى عبد اللَّه بن عامر بن كريز يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ فذكر نحو حديث داود وزاد ونقص، ومما زاد فيه: "إن اللَّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم" وأشار بأصابعه إلى صدره اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - تحريم الحسد وأنه من الصفات القبيحة.
стр. 3947
٢ - تحريم النجش وأنه من الصفات القبيحة.
٣ - تحريم التباغض وأنه من الصفات القبيحة.
٤ - تحريم التهاجر وأنه من الصفات القبيحة.
٥ - تحريم بيع الإنسان على بيع أخيه وأنه من الصفات القبيحة.
٦ - وجوب رعاية حق أخوة الإسلام.
٧ - تحريم الظلم وأنه من الصفات القبيحة.
٨ - تحريم خذلان المسلم وأنه من الصفات القبيحة.
٩ - تحريم احتقار المسلم وأنه من الصفات القبيحة.
١٠ - أن احتقار المسلم من الكبائر.
١١ - حرمة دم المسلم وماله وعرضه.
стр. 3948
١٧ - وعن قطبَةَ بن مالك رضى اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم جَنِّبْنى مُنْكَرَات الأخلاق، والأعمال، والأهواء، والأدواء" أخرجه الترمذى وصححه الحاكم واللفظ له.
[المفردات]
قُطْبَة بن مالك: هو عم زياد بن علاقة من بنى ثعلبة من غطفان فهو ثعلبى غطفانى وقد سكن الكوفة رضى اللَّه عنه.
جنبنى منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء: أى باعد بينى وبين
стр. 3949
الأخلاق المنكرة التى لا تحبها والأعمال السيئة التى لا ترتضيها وجميع الأهواء، وإضافة الأخلاق والأعمال إلى منكرات من إضافة الصفة للموصوف يعنى الأخلاق المنكرة والأعمال المنكرة فإن بعض الأخلاق منكر وبعضها حسن وبعض الأعمال منكر وبعضها حسن أما الأهواء فكلها قبيحة نهى اللَّه عنها حيث قال: "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللَّه" والأهواء جمع هوى، واتباع الهوى هو السير وراء الشهوة من غير بصيرة.
والأدواء: هى جمع داء والمراد بها الأسقام والأمراض المنفرة كالجذام والبرص وكذلك الأمراض المهلكة كذات الجنب والسل.
[البحث]
قال الترمذى: حدثنا سفيان بن وكيع نا أحمد بن بشير وأبو أسامة عن مسعر عن زياد بن علاقة عن عمه قال: كان النبى ﷺ يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء" هذا حديث حسن غريب، وعم زياد بن علاقة هو قطبة بن مالك صاحب النبى ﷺ اهـ.
[ما يفيده الحديث]
١ - استحباب الدعاء بهذه الصيغة.
٢ - الحرص على اجتناب منكرات الأخلاق والأعمال.
٣ - التحذير من اتباع الهوى.
стр. 3950
١٨ - وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُمار أخاك ولا تُمازِحه، ولا تَعِدْهُ موعدا فتخْلفَهُ" أخرجه الترمذى بسند ضعيف.
[المفردات]
لا تمار أخاك: أى لا تجادل أحدا من المسلمين.
ولا تمازحه: أى ولا تُدَاعِبْهُ.
ولا تعده موعدا فتخلفه: أى ولا تحدد معه موعدا لشئ وتخلف هذا الموعد.
[البحث]
قال الترمذى: حدثنا زياد بن أيوب البغدادى ثنا المحاربى عن ليث وهو ابن أبى سليم عن عبد الملك عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى ﷺ قال: "لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ولا تعده موعدا فتخلفه" هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه اهـ وفى سند هذا الحديث ليث بن أبى سليم بن زُنَيْم قال فى التقريب: صدوق اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك اهـ وقد ثبت النهى عن المراء والجدال إلا بالتى هى أحسن فى قولة : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وسيأتى لفظ الحديث السادس والثلاثين من أحاديث هذا الباب: "أبغض الرجال إلى اللَّه الألَدُّ الخَصِمُ" وقد شدَّدَ اللَّه النكير على المجادلين فى الحج فقال: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
стр. 3951
وأما المزاح فقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ كان يمزح ولا يقول إلا حقا، أما المزاح المشتمل على الكذب أو على حركات لا تليق بالمروءة فإنه لا يحل للمسلم، وأما خلف الوعد فقد تقدم فى الحديث السادس من أحاديث هذا الباب أنه من صفات المنافقين.
стр. 3952
١٩ - وعن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَصْلَتَانِ لا يجتمعان فى مؤمن: البُخْلُ وسُوءُ الخُلُق" أخرجه الترمذى وفى سنده ضعف.
[المفردات]
خصلتان: أى صفتان.
لا يجتمعان فى مؤمن: أى لا يتصف بهما مؤمن.
البخل: أى شدة الحرص والإمساك وكراهية البذل.
وسوء الخلق: أى وقبح السلوك.
[البحث]
قال الترمذى: حدثنا أبو حفص عمرو بن على ثنا أبو داود ثنا صدقة بن موسى ثنا مالك بن دينار عن عبد اللَّه بن غالب الحُدَّانى عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خصلتان لا تجتمعان فى مؤمن: البخل وسُوء الخُلُق" وفى الباب عن أبى هريرة، هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى اهـ
стр. 3953
٢٠ - وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المُسْتَبَّان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم" أخرجه مسلم.
[المفردات]
المستبان: أى الشخصان اللذان يتسابان يتشاتمان.
ما قالا: أى ما حصل منهما من سب وشتم.
فعلى البادئ: أى فإثم السباب الواقع منهما مختص بالبادئ يتحمله وحده وليس على الذى لم يبدأ منهما شئ من الإثم لأنه مظلوم وقد أذن اللَّه له فى الرد بقدر ظلامته.
ما لم يعتد المظلوم: أى ما لم يتجاوز الذى لم يكن بدأ بالسب فإن اعتدى وتجاوز فى سبه القَدر الذى بدأ به صاحبه فحينئذ يتحمل إثم ما تجاوز به.
[البحث]
إنما يتحمل البادئ بالسب إثم سَبِّه وإثم ما سبه به صاحبه لأن اللَّه ﵎ قد أذن للثانى بالرد على الأول البادئ بقدر سبه حيث يقول : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فلا يجوز للثانى أن يزيد فى مقابلة سيئة صاحبه
стр. 3954
بأكثر منها، فإن زاد تحمل إثم ما زاده من السب، على أن اللَّه ﵎ قد حض على العفو والصفح حيث قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
[ما يفيده الحديث]
١ - يجوز لمن بدأه إنسان بالسب أن يرد عليه بقدر سبه.
٢ - وأن إثم المتسابين يتحمله البادئ منهما.
٣ - لا يجوز للمظلوم أن يتجاوز قدر ما ناله من السب.
٤ - إن تجاوز المظلوم فى سبه تحمل إثم الزيادة.
стр. 3955
٢١ - وعن أبى صِرْمَةَ رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من ضَارَّ مسلما ضَارَّهُ اللَّه، ومن شَاقَّ مسلما شَقَّ اللَّه عليه" أخرجه أبو داود والترمذى وحسنه.
[المفردات]
أبو صِرْمَةَ: بكسر الصاد وسكون الراء المازلى الأنصارى صحابى اسمه مالك بن قيس وقيل قيس بن صرمة وكان شاعرا وهو من بنى مازن بن النجار رضى اللَّه عنه.
من ضَارَّ مسلما: أى من أدخل على مسلم مضرة فى نفسه أو عرضه أو ماله بغير حق.
стр. 3956
ضَارَّهُ اللَّه: أى أدخل اللَّه عليه مضرة مثلها وجازاه من جنس فعله.
ومن شاق مسلما: أى ومن أدخل المشقة على مسلم وألحق به الحرج من غير حق.
شق اللَّه عليه: أى أدخل اللَّه عليه المشقة وألحق به الحرج.
[البحث]
أخرج أبو داود هذا الحديث من طريق قتيبة بن سعيد عن الليث عن يحيى عن محمد بن يحيى بن حبان عن لؤلؤة عن أبى صرمة صاحب النبى ﷺ أنه قال: "من ضَارَّ أضَرَّ اللَّه به، ومن شَاقَّ شَاقَّ اللَّه عليه" اهـ وقال الترمذى: حدثنا قتيبة ثنا الليث عن يحيى ابن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن لؤلؤة عن أبى صرمة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ضارَّ ضارَّ اللَّه به، ومن شاقَّ شَاقَّ اللَّه عليه" وفى الباب عن أبى بكر، هذا حديث حسن غريب اهـ وقد تقدم فى بحث الحديث الرابع من أحاديث باب إحياء الموات ما جاء فى كتاب اللَّه ﵎ من تحريم المضارة، وأن تحريمها قد أطبق عليه علماء الإِسلام.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن إلحاق المشقة أو إدخال الضرر على المسلم من أقبح الصفات.
٢ - وأن أذية المسلم من الكبائر.
٣ - تهديد من يؤذى مسلما بأن اللَّه ﵎ يجازيه من جنس عمله.
стр. 3957
٢٢ - وعن أبى الدرداء رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يبغض الفاحش البذئ" أخرجه الترمذى وصححه، وله من حديث ابن مسعود رفعه: "ليس المؤمن بالطَّعَّان ولا باللَّعَّانِ ولا الفاحش، ولا البذئ" وحسنه وصححه الحاكم ورجَّحَ الدارقطنى وقفه.
[المفردات]
يبغض: أى يكره ويمقت.
الفاحش: يطلق الفاحش على البخيل جدا وعلى المعتدى فى الجواب وعلى من يظهر القبح وعلى من يتكلم بالكلام القبيح ويطلق الفحش أيضا على كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح ويدخل فى القول والفعل والصفة، يقال: طويل فاحش الطول إذا أفرط فى طوله، ولكن استعماله فى القول أكثر.
البذئ: أى الفاحش فهو تأكيد لما قبله ويروى: البَذئ كَرَضىّ وهو بمعنى البذئ.
وله: أى وللترمذى.
رفعه: أى أسنده إلى رسول اللَّه ﷺ .
بالطَّعَّان: أى السبَّاب.
ولا باللعَّان: أى ولا بالذى يكثر اللعن.
стр. 3958
ولا الفاحش ولا البذئ: هو عطف تفسير فهما بمعنى واحد كما تقدم.
[البحث]
حديث أبى الدرداء أخرجه الترمذى من طريق عمرو بن دينار عن ابن أبى مليكة عن يعلى بن المملك عن أم الدرداء عن أبى الدرداء أن النبى ﷺ قال: ما شئ أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن فإن اللَّه يبغض الفاحش البذىّ" وفى الباب عن عائشة وأبى هريرة وأنس وأسامة بن شريك، هذا حديث حسن صحيح اهـ وحديث ابن مسعود عند الترمذى أخرجه عن شيخه محمد بن يحيى الأزدى البصرى ثنا محمد بن سابق عن إسرائيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذىّ" ثم قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب وقد روى عن عبد اللَّه من غير هذا الوجه اهـ وقد أخرج البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن شر الناس منزلة عند اللَّه يوم القيامة من وَدَعهُ أو تركه الناس اتقاء فُحْشِهِ" وقال البخارى: (باب لم يكن النبى ﷺ فاحشا ولا متفاحشا) ثم ساق بسنده إلى عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه ﷺ قال: "عليك بالرفق وإياك والعنف والفُحش" ثم ساق من حديث أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: لم يكن النبى صلى اللَّه
стр. 3959
عليه وسلم سبَّابًا ولا فَحَّاشًا ولا لَعَّانًا" اهـ واللَّه ﵎ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
[ما يفيده الحديث]
١ - أن اللَّه يبغض الفاحش البذئ.
٢ - أن المؤمن الحق هو من تحلى بالأخلاق الكريمة والصفات الحميدة.
٣ - أنه لا يليق بالمؤمن أن يكون سبابا أو لعانا أو طعانا.
٤ - أن الفحش لا يكون فى شئ إلا شانه.
٥ - وأن الرفق لا يكون فى شئ إلا زانه.
стр. 3960
٢٣ - وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ "لا تَسُبُّوا الأموات فإنهم قد أَفْضَوْا إلى ما قَدَّموا" أخرجه البخارى.
[المفردات]
لا تسبوا الأموات: أى لا تشتموهم وتذكروا عيوبهم.
أفضوا إلى ما قدموا: أى انتهوا وقدموا ووصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر.
[البحث]
تقدم هذا الحديث فى كتاب الجنائز برقم ٥٨ وهو آخر أحاديث كتاب الجنائز، وقد أوضحت هناك ما يتعلق به.
следующие страницы →