على منع اللبث أو تكون الصلاة هي الأفعال ويكون قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] استثناءً منقطعًا، ويدل ذلك على منع اللبث لأن تخصيص العبور بالذكر يوجب اختصاصه بالحكم ولأنه مستثنى من كلام في حكم النفي كأنه قال لا تقربوا الصلاة ولا مواضعها إلا عابري سبيل، وإذا توضأ الجنب جاز له اللبث (وذكر الأثر المتقدم) ثم قال: وهذا لأن الوضوء يرفع الحدثين عن أعضاء الوضوء ويرفع حكم الحدث الأصغر عن سائر البدن فيقارب من عليه الحدث الأصغر فقط ولهذا أمر الجنب إذا أراد النوم والأكل بالوضوء ولولا ذلك لكان مجرد عبث. وقال في موضع آخر (٢٠٨) وكان أصحاب رسول الله ﷺ ، يتحدثون في المسجد إذا توضأوا وهم جنب ولولا أن الجنابة تُنقض بالوضوء لم يكن في ذلك فائدة وإنما تنتقض إذا صح تبعيضها ..» ..
قلت: يشير إلى عدم الموالاة في غسل الجنابة وهو الحق.
وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن شداد بن أوس ﵁ قال: (إذا أجنب أحدكم فأراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف الجنابة).
وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٢/ ٣٦٩) في معرض نقل الصحابة لتقريرات النبي ﷺ ، ومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا.
والخلاصة أن أثر زيد لا بأس به وليس في الباب ما يدفعه ولهذا احتج به الإمام أحمد ﵀ وهذا القول من مفرداته وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم، واختاره ابن المنذر حيث قال: (ولا نعلم حجة تمنع الجنب من دخول المسجد) وظاهره دون قيد الوضوء وكذا ابن حزم في «المحلي»، والتقليل بخفة الحدث يعضده قال أبو العباس في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٧٩): (فإذا توضأ ذهبت
стр. 107
الجنابة عن أعضاء الوضوء فلا تبقي جنابته تامة، وإن كان بقي عليه بعض الحدث، وإن كان حدثه فوق الحدث الأصغر فهو دون الجنب فلهذا ينام ويلبث في المسجد).
وقال أيضًا (٢١/ ٣٤٥) وقد تنازع العلماء في- دخول الكافر المسجد- والمسلمون خير من الكفار ولو كانوا جنبًا فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال لأبي هريرة «إن المؤمن لا ينجس» وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
فلبث المؤمن الجنب إذا توضأ في المسجد أولى من لبث الكافر فيه عند من يجوز ذلك، ومن منع الكافر لم يجب أن يمنع المؤمن المتوضئ، كما نقل عن الصحابة. اهـ.
قلت: والكفار لا تنفكون عن جنابة وقد دخلوا المسجد في عهده ﷺ ، للحاجة والوضوء أو الغسل لا يصح منهم ولو فعلوه، فدخول المسلم الجنب المسجد أولى وأحرى بالجواز سيما إذا توضأ والله أعلم.
стр. 108
تخريج حديث أفضل الصدقة سقي الماء
رواه النسائي (٦/ ٢٥٤) وابن ماجه (٣٦٨٢) وابن خزيمة وأبو داود والحاكم (١/ ٤١٤)، والبيهقي (٤/ ١٨٥)، والطبراني (٥٣٧٩)، ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٦١٥) كلهم من طريق قتادة عن سعيد بن المسيِّب عن سعد بن عبادة قال: قلت يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال فذكره: وسعيد لم يدرك سعدًا.
ورواه أحمد (٥/ ١٨٥)، وأبو داود والطبراني والنسائي والبيهقي من طرق عن الحسن عن سعد به ... وهو مثل الذي قبله فالحسن لم يدرك سعدًا.
ورواه أبو داود من طريق أبي إسحاق السبيعي عن رجل عن سعد وفيه هذا المبهم، وفي تهذيب الكمال أبو إسحاق السبيعي عن رجل عن سعد، هو الحسن وسعيد قلت عاد إلى الحديث الأول قال الحافظ المنذري: هو منقطع الإسناد عند الكل.
ورواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ١٢٣) بالطريق المتقدم تحت باب: فضل سقي الماء إن صح الخبر ورواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ٧٩) مجمع. حدثنا موسى بن هارون ثنا محمد بن أبي عمر العدني ثنا مروان بن معاوية عن حميد عن أنس أن سعدًا أتى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله إنَّ أمي توفيت ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء» وهذا إسناد جيد إلا أن الحافظ موسى بن هارون شيخ الطبراني ذكر أنه معلول فقال: (وهم فيه مروان بمكة إنما هو عن حميد عن الحسن يعني مرسلًا) ذكره الطبراني بعد روايته.
ورواه الطبراني في «الكبير» (٥٣٨٥) من طريق ضِرار بن صُرد أبو نعيم
стр. 109
الطحان ثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غَزيَّة عن حميد بن أبي الصعبة عن سعد نحوه.
وضرار أبو نعيم قال عنه ابن معين: كذاب وقال البخاري، والنسائي: متروك، وقال أبو حاتم: صدوق صاحب قرآن وفرائض، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال الساجي: عنده مناكير، وقال ابن قانع: ضعيف كذا في «التهذيب» فالعجب من الحافظ كيف يقول في «التقريب» صدوق له أو هام وخطأ! فحاله أسوأ من هذا بكثير فالأقرب أنه ضعيف جدًا واهٍ في الحديث.
وحميد بن أبي الصعبة ذكره ابن حبان في الثقات، وعبد الرحمن بن أبي حاتم في الجرح فلم يذكر منه شيئًا، وكذلك لم يدرك سعدًا فإنه يروي عنه عُمارة بن غزية وعُمارة لم يدرك أنسًا مع تأخر وفاته فيبعد إدراكه لسعد ﵁، فإنه متقدم الوفاة. فهذا الإسناد واهٍ.
وفي الباب حديث ابن عباس وأبي هريرة.
أما حديث ابن عباس فرواه أبو يعلى الموصلي (٥/ ٧٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره والبيهقي في «الشعب» (٦/ ٥٣٣) من طريق موسى بن المغيرة حدثنا أبو موسى الصفَّار قال: سألت ابن عباس أي الصدقة أفضل؟ قال: قال النبي ﷺ : «أفضل الصدقة الماء ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].
وموسى بن المغيرة مجهول وشيخه لا يعرف كما في الميزان وغيره، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البيهقي في «الشعب» (٦/ ٥٥١). من طريق يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي عن أبيه عن يزيد عن خصيفة وعن يزيد بن رومان عن
стр. 110
سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «وليس صدقة أعظم أجرًا من ماء».
وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٧٠٣) من حديث يحي بن يزيد بن عبد الملك عن أبيه سعيد به ويزيد وضعيف (١).
стр. 111
الحلف بالعهد هل يكون يمينًا ؟
قال البخاري في صحيحه (١١/ ٥٤٤) فتح باب عهد الله ، ثم أسند ما رواه أبو وائل عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال رجل مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» فأنزل الله تصديقه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...﴾ [آل عمران: ٧٧]. وقال الحافظ: (قوله باب عهد الله أي قول القائل: عليّ عهد الله لأفعلن كذا. قال الراغب: العهد حظ (١) الشيء مراعاته، ومن ثم قيل للوثيقة عهدة ويطلق عهد الله على ما فطر عليه عباده من الإيمان به عند أخذ الميثاق، ويراد به أيضًا ما أمر به في الكتاب والسنة مؤكدًا وما التزمه المرء من قبل نفسه كالنذر، قلت: وللعهد معان أخرى غير هذه كالأمان والوفاء، والوصية واليمين ورعاية الحرمة والمعرفة واللِّقاء عن قرب، والزمان والذمة، وبعضها قد يتداخل، وقال ابن المنذر: من حلف بالعهد فحنث لزمه الكفارة سواء نوى أم لا عند مالك والأوزاعي والكوفيين، وبه قال الحسن والشعبي وطاووس وغيرهم قلت: وقال به أحمد، وقال عطاء والشافعي وإسحاق وأبو عبيد: لا تكون يمينًا إلا أن نوى ... وقال ابن التين هذا لفظ يستعمل على خمسة أوجه: الأول: علىَّ عهد الله والثاني: وعهد الله، والثالث: عهد الله، والرابع: أعاهد الله، والخامس: عليَّ العهد، وقد طرد بعضهم ذلك في الجميع وبعضهم فصَّل فقال: لا شيء في ذلك إلا إن قال عليَّ عهد الله ونحوها، وإلا فليست بيمين نوى أو لم ينو. اهـ.
وقال أبو محمد في «المغني» (١٣/ ٤٦٣) مسألة قال (وبالعهد) وجملته أنه إذا
стр. 112
حلف بالعهد أو قال وعهد الله، وكفالته فذلك يمين يجب تكفيرها إذا حنث فيها، وبهذا فقال الحسن وطاووس والشعبي، والحارث العُكْلي وقتادة والحكم والأوزاعي، ومالك، وحلفت عائشة ﵂، بالعهد ألا تكلم ابن الزبير فلما كلمته أعتقت أربعين رقبة، وكانت إذا ذكرته تبكي وتقول: واعهداه (١) وقال أحمد: (العهد شديد في عشرة مواضع من كتاب الله) ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال الشافعي: (لا يكون يمينًا إلا إن نوى)، وقال أبو حنيفة: (ليس بيمين) اهـ.
وقال ابن هاني في «مسائله» (٢/ ٧٣) سألت أبا عبد الله عن الرجل يقول عليَّ عهد الله إن كلمت أخي؟ قال: يعتق رقبة ويكلمه.
قال: وسألته (٢/ ٩٧) عمن قال: عليَّ العهد وميثاقه إن فعلت كذا وكذا؟ قال: يمين كفارة.
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٤/ ٣٧١): (واختلفوا فيمن حلف بحق الله وبعهد الله وميثاقه). فقال مالك: (هي أيمان كلها وفيها كفارة) اهـ.
ونقل ابن قاسم في «حاشية الروض» (٧/ ٤٦٦) عن ابن عبد البر في قول وعهد الله قال ابن عبد البر: (لا خلاف في أنها يمين إلا عمن لا يعتد بقوله).
وقال في شرح السنة (١٠/ ٥): (ولو قال عليَّ عهد الله وميثاقه فليس يمينًا إلا أن يريد به اليمين) ومثله في «الروضة».
وفي فتاوى قاضيخان الهندية (٢/ ٤) ولو قال وعهد الله وذمة الله يكون يمينًا.
стр. 113
وقال في «بدائع الصنائع» (٣/ ٨) للكاساني، ولو قال: علىَّ عهد الله أو ذمة الله أو ميثاقه فهو يمين، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]. وجعل العهد يمينًا.
وقال السرخسي في «المبسوط» (٧/ ٢٣): لو قال عهد الله تعالى عليَّ فالعهد يمين قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وقال ابن حزم في «المحلي» (٨/ ٣٢) مسألة: الحلف بالأمانة وبعهد الله وميثاقه ... فكل هذا ليس يمينًا، واليمين بها معصية ليس فيها إلا التوبة والاستغفار لأنه كله غير الله ولا يجوز الحلف إلا بالله.
وقال ابن المنذر في «الإقناع» (١/ ٢٧٦) وإذا قال عليه عهد الله وميثاقه وأراد اليمين فهي يمين.
وقد أطال شيخ الإسلام الكلام على المسألة في كتابه النفيس «نظرية العقد» استخلصت منه ما دلَّ على المراد.
وقال ﵀ (ص ٦٦): وقد يقول أحدهم علينا عهد الله وميثاقه. أو يقول: نعاهد الله على هذا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب: ١٥]، وهذا نذر.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]، وكان هذا نذرًا لله، وهو معاهدة لله، ومعاهدة الله من أعظم الإيمان، فاليمين والمعاهدة ونحو ذلك: ألفاظ متقاربة المعنى أو متفقة المعنى فإذا قال: أعاهد الله أني أحج هذا العام هذا نذر وعهد، وهو يمين، وإذا قال أعاهد الله ألا أكلم زيدًا فهو عهد، لكن ليس نذرًا، فالأيمان اسم جنس إن
стр. 114
تضمنت معنى النذر، وهو أن يلتزم لله قربة يلزمه الوفاء بها لكونها نذرًا وهنا هي عقد لله وعهد لله ومعاهدة لله.
وقال ص [٩٥] والمعاهدة هي المعاقدة وهي ثلاثة أنواع:
١ - المعاقدة بين الناس كالمعاهدة بين المسلمين والكفار في الهدنة ... إلخ.
٢ - معاهدة الله على ما يتقرب به إليه فهذا من النذر والحلف على المنذور فإذا كان على فعل واجب أو ترك محرم كان يمينًا ونذرًا كذلك، وإن كان على مستحب كان نذرًا له مؤكدًا باليمين بمعاهدة الله.
٣ - معاهدة الله بمعنى اليمين المحضة، إذا كان مقصودها الحض والمنع فهذه يمين، لكنها مؤكدة.
وأطال الكلام على تفصيل ذلك، هذا ما تسير جمعه مع ضيق الوقت وكثرة الشواغل (١).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 115
إسعاف الهائم في حكم خصاء البهائم
«فنزع ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له»
روى الإمام أحمد في مسنده (١٤/ ١٣٥) وابن أبي شيبة في مصنفه كلاهما عن وكيع عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ﵄، قال: (نهى رسول الله ﷺ عن إخصاء الخيل والبهائم) قال ابن عمر فيها نماء الخلق.
ورواه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٤٨٢)، والطحاوي في «شرح لمعاني» (٤/ ٣١٧) من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن نافع.
ورواه ابن عدي في كامله من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر مرفوعًا لكنه من طريق جُبارة بن المُغلِّس عن عيسى بن يونس به وجبارة ضعيف، ومن وجه آخر عن جبارة فجعله من مسند ابن عمر وفيه عبد الله بن نافع، قال ابن عدي ذكر عمر ليس بمحفوظ وجبارة قد جمع بين الإسنادين حديث عبيد الله وعبد الله بن نافع وتابع جبارة في ذكر عبيد لله يحي (١) بن حاتم الجرجرائي ويحي بن اليمان وهما ضعيفان وذكر البيهقي نحو الروايات المتقدمة وقال عبد الله بن نافع يليق به رفع الموقونات. قلت: هو ضعيف.
ورواه مالك في «موطئه» عن نافع عن ابن عمر قوله: ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق والطحاوي، وتابعه على وقفه عبيد الله بن عمر العُمري، أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن نمير عنه عن نافع به، وقال عقبة هذا هو الصحيح موقوف ومثله قال الطحاوي.
стр. 116
حديث آخر أخرجه البزار (٢/ ٢٧٤): حدثنا محمد بن عثمان بن كَرَامة ورواه البيهقي من طريق العباس بن محمد الدوري كلاهما عن عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله. عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ ، نهى عن صبر الروح وخصاء البهائم، وأعله البيهقي بعلتين: بأن ابن أبي ذئب أرسله عن الزهري وأن قوله: وخصاء البهائم من كلام الزهري واستدل لذلك بأن أبا عامر العقدي رواه عن ابن أبي ذئب به ليس فيه ذكر ابن عباس وجعل قوله في الإخصاء من كلام الزهري، وهكذا رواه يونس ومعمر عن الزهري مرسلًا دون آخره قال البيهقي وهو المحفوظ: قلت وهو الصواب، فإن تطرق الغلط إلى الواحد أقرب من نسبة الغفلة والوهم إلى الجماعة وفيه علة ثالثة وهي أن رواية ابن أبي ذئب عن الزهري خاصة لا يقع فيها بعض الإضطراب كما يعلم من ترجمته، ولهذا روى أبو يعلى هذا الحديث (٤/ ٦٣٧) عن عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ذئب عن الزهري به متصلًا ولفظه: نهى رسول الله ﷺ ، عن صبر البهائم، قال الزهري: الإخصاء صبر شديد فوصله هنا وجعل قوله في الإخصاء من كلام الزهري، فتارة يصله وتارة يرسله، وتارة يدرج الشاهد، وتارة يجعله من كلام النبي ﷺ ، والخلاصة أن هذه اللفظة ليست محفوظة، ولحديث ابن عباس هذا طريق أخرى عنه رواه البيهقي (١٠/ ٢٤) من طريق مقدام بن داود عن النضر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: «لا إخصاء في الإسلام ولا بنيان كنيسة».
والمقدام قال عنه النسائي في «الكنى»: ليس بثقة وقال أبو حاتم وابن يونس تكلموا فيه، وابن لهيعة ضعيف.
وفي الباب عن عمر ﵁، موقوفًا أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٥٧) عن الثوري عن إبراهيم بن مهاجر قال كتب عمر ﵁، إلى سعد - رضي
стр. 117
الله عنه - أن لا يخُصي فرس. ورواه على ابن الجعد (٢٢٢٠) وابن أبي شيبة (٦/ ٤٢٣) وزادوا إبراهيم النخعي بين إبراهيم ابن مهاجر وعمر وإسناده منقطع، إبراهيم لم يدرك عمر وابن مهاجر ليِّن، ومن وجه آخر عن عمر أنه نهى عنه وقال النماء مع الذكر، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة والبيهقي عن عاصم ابن عبيد الله عن سالم عن أبيه عن عمر وعاصم ضعيف.
وعن أنس ﵁، في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] قال الخصاء، رواه عبد الرزاق وابن شيبة وابن جرير عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: سمعت أنسًا فذكره، وأبو جعفر متكلم فيه من وجهة حفظه.
وروى ابن جرير والبيهقي من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مثل ما قال أنس، ومن طريق حماد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس مثله.
ورواه أبي شيبة وابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس ولفظه قال: إخصاء البهائم مُثله ثم تلا الآية ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وفيه رجل لم يسم.
قال الطحاوي: فأمَّا ما ذُكر من قوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فقد قيل في تأويله ما ذهبوا إليه، وقيل: إنه دين الله، وقد رأينا رسول الله ﷺ ، ضحى بكبشين موجوءين (١) وهما المرضوضان خصاهما والمفعول به ذلك قد انقطع أن يكون له نسل، فلو كان إخصاؤهما مكروهًا إذًا لما ضحى بهما رسول الله ﷺ ، لينتهي الناس عن ذلك فلا يفعلونه، ولأنهم متى علموا أن ما أخصي تُجتنب أو
стр. 118
تجافي أحجموا عن ذلك فلم يفعلوه ... وقال: إخصاء البهائم إنما يراد به ما ذكرنا من سمانتها وقطع عَضِّها فذلك مباح؛ ولو كان ما روينا في هذا الباب صحيحًا لاحتمل أن يكون أريد الإخصاء الذي لا يبقي معه شيءٌ من ذكور البهائم حتى يخصى فذلك مكروه لأن فيه انقطاع النسل، ألا تراه يقول: (منها نشأت الخلق) فإذا لم ينشأ شيء من ذلك الخلق فذلك مكروه، فأمَّا ما كان من الإخصاء الذي لا ينقطع منه نشء فهو بخلاف ذلك. اهـ.
وقال البيهقي بعد ما ذكر إباحته عن بعض التابعين قال: ومتابعة قول ابن عمر وابن عباس مع ما فيه من السنن المرويَّة أولى وبالله التوفيق، ويحتمل جواز ذلك إذا اتصل به غرض صحيح كما حكينا عن التابعين وروينا في كتاب الضحايا تضحية النبي ﷺ ، بكبشين موجوءين لما فيه من تطييب اللحم. اهـ.
وقال الباجي في شرح «الموطأ» (٦/ ٢٦٨) على أثر ابن عمر: يريد والله أعلم ما لم يكن في إخصائه منفعة، وقد كره مالك إخصاء الخيل وقال لا بأس بإخصائها إذا أُكلت، ثم قال مسألة، وأما خصاء الغنم وما ينتفع بإخصائه لطيب لحمه فلا بأس بذلك والله أعلم. اهـ.
وقال القرطبي في «تفسيره» (٥/ ٣٩٠) وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمنٍ أو غيره والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنه لا بأس أن يضحي بالخصي واستحسته بعضهم إذا كان أسمن من غيره .. ثم ذكر من رخص فيه من السلف كعمر بن عبد العزيز وعروة، وقال: ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وقال إنما جاز ذلك لأنه إنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى، ثم قال ومنهم من كره ذلك واختاره ابن المنذر قال لأن ذلك ثابت عن عمر قال، وقال
стр. 119
الأوزاعي: (كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل، قال ابن المنذر، وفيه حديثان أحدهما عن ابن عمر والآخر عن ابن عباس وذكرهما (وتقدما).
وقال ابن مفلح في «الآداب» (٣/ ١٤٣)، ويباح خصي الغنم لما فيه من إصلاح لحمها وقيل يكره، وقال أحمد لا يعجبني للرجل أن يخصي شيئًا، وإنما كره ذلك للنهي الوارد عن إيلام الحيوان.
وفي رواية عن أحمد كرهه إلا أن يخاف عضاضه، وعند الشافعي يحرم خصاء الحيوان الذي لا يؤكل وكذا ما يؤكل في كبره لا في صغره.
وفي منظومة ابن عبد القوي:
وفيما سوى الأغنام قد كرهوا الخصاء ... لتعذيبه المنهي عنه بمسند
قال في «غذاء الألباب»: وفي «الإقناع» و «المنتهى» وغيرهما يكره خصاء غير غنم وديوك! قال وقال في «الآداب الكبرى» يباح خصاء الغنم لما فيه من إصلاح لحمها وهذا همو المذهب المعتمد، والمنصوص عنه كراهة الخصاء من غنم وغيرها إلا خوف عضاضه.
وقال في «فتح الباري»، وأخرج أبو داود من حديث جابر ﵁، (ذبح رسول الله ﷺ كبشين أقرنين أملحين موجوءين) قال الخطابي: الموجوء يعني منزوع الخصيتين والوجاء، ويفيد اللحم طيبًا، وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة. اهـ.
وقال الشوكاني (٨/ ٨٨) الخصاء قوله (نهى عن إخصاء الخيل) الإخصاء سل الخصية قال في القاموس وخصاه خصيًا سلّ خصيته، وفيه دليل على تحريم خصي الحيوانات وقول ابن عمر منها نماء الخلق أي زيادته إشارة إلى أن الخصي مما تنمو
стр. 120
به الحيوانات ولكن ليس كل ما كان جالبًا لنفع يكون حلالًا بل لابد من عدم المانع، وإيلام الحيوان ها هنا مانع لأنه إيلام لم يأذن الشارع به بل نهى عنه. اهـ. هذا ما تيسر إعداده والله أعلم (١).
стр. 121
حاصل ما قيل في تفسير قوله ﷺ في أبي بكر في حديث الرؤيا
قال الحافظ في «الفتح» (٧/ ٣٨): واتفق من شرح الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى خلافته، وفيه نظر لأنه ولى سنتين وبعض سنة فلو كان المراد لقال ذنوبين أو ثلاثة والذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار وهي ثلاثة، ولذلك لم يتعرض في ذكر عمر إلى عدد ما نزعه من الدلاء، وإنما وصف نزعه بالعظمة إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات والله أعلم، وقد ذكر الشافعي في تفسير هذا الحديث في «الأم» بعد أن ساقه قال ومعنى قوله (في نزعه ضعف) قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والازدياد الذي بلغه عمر في طول مدته. وقال الحافظ: كذلك «في نزعه ضعف» أي أنه على مهل ورفق وقوله (والله يغفر له) قال النووي: (هذا دعاء من المتكلم لا مفهوم له)، وقال غيره: (فيه إشارة إلى قرب وفاة أبي بكر وهو نظير قوله تعالى لنبيه ﷺ ، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] فإنها إشارة إلى قرب وفاة النبي ﷺ ، قلت: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه، لأن سببه قصر مدته، فمعنى المغفرة له رفع الملامة عنه.
стр. 122
وقال الحافظ أيضًا قال البيضاوي وقوله: (يغفر الله له) إشارة إلى أن ضعفه- المراد به الرفق- غير قادح فيه أو المراد بالضعف ما وقع في أيامه من أمر الردة واختلاف الكلمة إلى أن اجتمع ذلك في آخر أيامه وتكمل في زمان عمر، وإليه الإشارة بالقوة، وقد وقع عند أحمد من حديث سمرة أن رجلًا قال: (يا رسول الله رأيت كأن دلوًا من السماء دُليت، فجاء أبو بكر فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فشرب حتى تضلع) الحديث (١).
ففي هذا إشارة إلى بيان المراد بالنزع الضعيف والنزع القوي.
وقال الحافظ في كتاب «التعبير من الصحيح» (١٢/ ٤١٣).
قال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أن المراد خلافة عمر، وقيل هو لخلافتهما معًا لأن أبا بكر جمع شمل المسلمين أولًا بدفع أهل الردة وابتدأت الفتوح في زمانه، ثم عهد إلى عمر فكثرت في خلافته الفتوح واتسع أمر الإسلام واستقرت قواعده، وقال غيره: (معنى عظم الدلو في يد عمر كون الفتوح كثرت في زمانه ومعنى استحالت) انقلبت عن الصغر إلى الكبر.
وقال النووي: قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ، لأنه صاحب الأمر فقام به أكمل قيام وقرر قواعد الدين ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه، فشبه أمر المسلمين بقليب الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وشبه بالمستقي لهم منها وسقيه هو قيامه بمصالحهم
стр. 123
وقوله (ليريحني) إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موت النبي ﷺ ، لأن الموت راحة من كدر الدنيا وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم، وقوله: (وفي نزعه ضعف) فليس فيه حطٌ من فضيلته، وإنما هو إخبار عن حالة في قصر مدة ولايته، وأما ولاية عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين وأما قوله (والله يغفر له) فليس فيه نقص له، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها يدعمون بها الكلام.
ثم ذكر الحافظ حديث سمرة المتقدم وتمامه ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عليّ فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء قال: (وهذا يبين أن المراد بالنزع الضعيف والقوي الفتوح والغنائم).
وقال القسطلاني في «شرح البخاري» (٦/ ٩٧): (وفي نزعه ضعف) إشارة إلى ما كان في زمنه من الارتداد واختلاف الكلمة ولين جانبه ومدارته مع الناس ونحوه قال الطيبي في شرح «المشكاة» (١٠/ ٣٩٥).
وقال أبو حاتم بن حبان بعد إخراج الحديث في صحيحه (١٥/ ٣٢٤): فالذنوبان كانا خلافة أبي بكر ﵁، عنه سنتين وأيامًا.
وقال ملا على قاري في «شرح المشكاة» (١٠/ ٣٩٥).
قوله: (وفي نزعه ضعف والله يغفر له) جملة دعائية وقعت اعتراضية مبنية أن الضعف الذي وجد في نزعه لما يقتضيه تغير الزمان وقلة الأعوان غير راجع إليه بنقيصة.
وقال البغوي في «شرح السنة» (١٤/ ٩١) قوله: (في نزعه ضعف لم يرد به نسبة التقصير إلى الصديق في القيام بالأمر فإنه جد بالأمر وتحمل من أعباء الخلافة
стр. 124
ما كانت الأمة تعجز عنه ولذلك قالت عائشة ﵂: (توفي رسول الله ﷺ ، وارتدت العرب واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها .. بل ذلك إشارة إلى أن الفتوح كانت في زمن عمر أكثر مما كانت في زمن الصديق لقصر مدة أيام ولايته ...).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٣٤٣): (وسواء أراد قصر مدته أو أراد ضعفه عن مثل قوة عمر فلا ريب أن أبا بكر أقوى إيمانًا من عمر، وعمر أقوى عملًا، وقوى الإيمان أقوى وأكمل من قوة العمل، وصاحب الإيمان يكتب له أجر عمل غيره وما فعله عمر في سيرته مكتوب مثله لأبي بكر فإنه هو الذي استخلفه).
وقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، (١/ ٢٤٧)، في فتاويه: (لا مطعن فيه على أبي بكر للروافض لأن أبا بكر أكثر إيمانًا، ثم هو هو الذي ولاه، ثم قال أيضًا والله يغفر له فهذا إذا كان المراد أنه نقص). اهـ (١).
وقال سماحة الشيخ ابن باز سنة ١٤٠٨ في «كتاب شرح التعبير».
قال: ولعل الضعف ما كان فيه من اللين والرقة وعمر كان أشد ﵄.
стр. 125
هل تشرع الإشارة بين السجدتين ؟
أحدهما: حديث ابن عمر ﵄، الذي رواه مسلم من طريق معمر عن نافع عنه أن النبي ﷺ ، (كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها ...) الحديث.
فأخذوا بعموم قوله: (إذا جلس في الصلاة) وقالوا هذا يشمل الجلوس بين السجدتين كذلك.
والجواب عن هذا أن يُقال: إن المراد بقوله: (جلس في الصلاة) التشهد ولنا في ذلك دليلان:
أحدهما: أن حديث ابن عمر المذكور قد رواه مسلم بلفظ آخر يبيِّن المراد فرواه من طريق أيوب عن نافع بلفظ: (كان إذا قعد في التشهد ...).
وهو كذلك عند أحمد في مسنده (٢/ ١٣١) والبيهقي (٢/ ١٣٠)، ولفظه عنده (كان رسول الله ﷺ ، إذا قعد يتشهد)، ولفظه عند الدارمي من طريق أيوب أيضًا: (أن النبي ﷺ ، كان إذا قعد في آخر الصلاة ...).
وله طريق أخرى عند مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: (إذا جلس في الصلاة ...).
ورواه مالك وأحمد والنسائي وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان.
стр. 126
ودليلنا الثاني: أن جميع من أخرج حديث ابن عمر بطريقيه ذكره في أبواب التشهد، ولم يذكره في أبواب الجلوس بين السجدتين. قال النسائي على الحديث المذكور: باب موضع البصر في التشهد، وبوَّب الدارمي: باب الإشارة في التشهد، ومثله أبو داود.
وقال ابن خزيمة: باب وضع اليدين على الركبتين في التشهد الأول والثاني والإشارة بالسبابة من اليد اليمنى، ونحوه لابن حبان فأصبحت لفظة في الصلاة، مجملة بيَّنتها الروايات الأخرى والمجمل يوضحه المبين، وهذا ما فهمه أئمة الحديث وأهل الشأن.
ودليلهم الثاني (١): ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٦٨) وعنه أحمد في «المسند» (٤/ ٣١٧)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣٤)، من طريق الشورى عن عاصم بن كُليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رمقت النبي ﷺ ، فرفع يده حين كبَّر (وفيه) ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى ثم أشار بسببابته ووضع الإبهام على الوسطى وحلق بها، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه.
وقد روى الحديث عن الثوري ثلاث أنفس هذا لفظ عبد الرزاق، ورواه محمد بن يوسف الفريابي عن الثوري به كما عند النسائي ولفظه: (أنه رأى النبي ﷺ ، جلس في الصلاة فافترش رجله اليسري ووضع ذراعيه على فخذيه وأشار بالسبابة يدعو بها) فلم يذكر السجدة بعد الإشارة، والفريابي ثبت في الثوري فهو من الملازمين له ونصّ جماعة على أنه مقدم على عبد الرزاق في الثوري كابن عدين ورواه عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان به كما عند أحمد (٤/ ٣١٨)،
стр. 127
ولفظه عن وائل بن حجر ﵁، قال: (رأيت النبي ﷺ ، حين كبر رفع يديه حذاء أذنيه (وفيه) فلما جلس حلق الوسطى والإبهام، وأشار بالسبابة ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى).
ولا يقال هذه زيادة ثقة.
فقد أخرج الحديث النسائي من طريق ابن عتيبة عن عاصم به وأحمد (٤/ ٣١٩)، وابن خزيمة (٦٩٧)، كلاهما عن شعبة والطحاوي (١/ ١٥٢)، عن أبي الأحوص وكذلك الطبراني (٢٢/ ٣٤)، كلهم عن عاصم به وصرحوا بأن الإشارة في التشهد، فلفظ أحمد (فلما قعد يتشهد) ولفظ ابن خزيمة (وأشار بأصبعه السبابة) يعني في الجلوس في التشهد ولفظ الطحاوي (فلما قعد في التشهد ...) ومثله للطبراني.
وعبد الرزاق ﵀، وإن كان من الأئمة الحفاظ إلَّا أن له ألفاظًا ينفرد بها لا يتابع عليها وهذا منها.
فالمحفوظ بلا ريب الإشارة في التشهد، فهو مما استفاضت به الأحاديث وعليه تبويب الأئمة ﵏.
فائدة: سئل شيخنا ابن باز سنة ١٤١٣هـ في جمادى الثانية في السادس عشر منه في أثناء قراءة الدارمي عن تحريك الإصبع بين السجدتين؟ فأجاب: (شاذة والأولى البسط ومثّلَهُ بيده) كتبته عنه بحروفه ﵀، والله أعلم.
стр. 128
بذل الماعون بأن مدة النفاس أربعون
стр. 129
مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فإن التفقه في الدين وتعلم ما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ ، من أعظم الطاعات وأجل العبادات، والناس إزاء التنزيل وما بعث الله به رسوله هم كما قال ﵊ كما في حديث أبي موسى الذي في الصحيحين أنه ﷺ ، قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».
شبه ﷺ ، العلم والهدى الذي جاء به بالغيث؛ لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والمنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد. وشبه القلوب بالأراضي التي يقع عليها المطر، لأنها المحل الذي يمسك الماء فينبت سائر أنواع النبات النافع، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته، ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده.
стр. 130
أحدهما: أهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه وفهموا معانيه واستنبطوا وجوه الأحكام والحكم والفوائد منه، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبلت الماء وهذا بمنزلة الحفظ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط فإنه بمنزلة إنبات الكلأ والعشب بالماء، فهذا مثل الحفاظ الفقهاء أهل الرواية والدراية.
والقسم الثاني: أهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه، ولم يرزقوا تفقُّهًا في معانيه ولا استنباطًا ولا استخراجًا لوجوه الحكم في والفوائد منه، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه ويراعي حروفه وإعرابه ولم يرزق فيه فهمًا خاصًا عن الله كما قال علي بن أبي طالب ﵁: (إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه). والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله أعظم التفاوت، فَرُبَّ شخص يفهم من النص حكمًا أو حكمين، ويفهم الآخر منه مائة أو مئتين، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فانتفعوا به، هذا يشرب، وهذا يسقي، وهذا يزرع، فهذان القسمان هم السعداء، والألوان أرفع درجة وأعلى قدرًا و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
والقسم الثالث: الذي لا نصيب لهم منه لا حفظًا ولا فهمًا ولا رواية ولا دراية، بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان لا تنبت ولا تمسك الماء، وهؤلاء هم الأشقياء، والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم كل بحسب ما قبله ووصله، فهذا يعلم ألفاظ القرآن ويحفظها، وهذا يعلم معانيه وأحكامه وعلومه، والقسم الثالث لا علم ولا تعليم، فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله رأسًا ولم يقبلوه، وهؤلاء شر من الأنعام، وهم وقود النار، فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه وشقاء من ليس من أهله، وذكر أقتسام بني آدم بالنسبة إلى شقيهم وسعيدهم وتقسيم
стр. 131
سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد، وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر بل أعظم، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث قال الإمام أحمد ﵀: «الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجاتهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس ..» (١).
وإذا كان الأمر كذلك فقد عظم الخطب في إقامة الحجة، وانقطعت المعذرة في التساهيل في التعلم والعلم والتعليم، فمن رام النجاة، وأراد الفوز والفلاح فليقرع أبواب العلم، وليشمر عن ساعد الجد، وليبدأ بنفسه فيعلمها مالله عليها من حق ويثني بالأقرب من قراباته كأهله ... ثم سائر الناس. قال البخاري ﵀: باب تعليم الرجل أمته وأهله وأسند عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ثلاثة لهم أجران ... ورجل كانت عنده أمه فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران» قال الحافظ: (مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص وفي الأهل بالقياس، إذا الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسننه آكد من الاعتناء بالإماء). وصدق ﵀ فتعليم الأهل العلم والأدب والعفة وحسن القوامة عليهن ومعاشرتهن بالمعروف مؤكد على الأزواج، وعلى المرأة كذلك مثل ما على الرجل من التعلم والتفقه في دين الله ومعرفة حدود ما أنزل على رسوله، خصوصًا أن الله قد كتب عليها ما لم يكتبه على الرجل كالحيض والنفاس، فجدير بكل مسلمة أن تتعلم هذه الأحكام وأن تتفقه فيها فقد بُليت بها وكتبها الله عليها، مع سائر أحكام دينها، ومؤكد عليها مع ذلك أن تحسن صحبة عشيرها، فحقه فوق حق الوالدين، وأن تقوم بذلك ابتغاء وجه الله واحتسابًا للأجر، ولها في الصالحات من الصحابيات ﵅ وعلى رأسهن أهل بيت النبوة فمن بعدهن أسوة حسنة.
стр. 132
وأقول لأختي طالبة العلم التي وفقت برجل صالح: رفقًا به، أعينيه على الطلب، ولا تستثقلي كثرة الكتب، وكثرة مطالعته لها، فهو والله خير، واعتبري وتأملي ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٤/ ٤٣٨) بسند صحيح أنَّ المروذي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: (أقامت أم صالح معي ثلاثين سنة، فما اختلفت أنا وهي في كلمة)!! فالله المستعان.
وأهمس في أذن أخي طالب العلم الذي وفق بامرأة صالحة رضيها أن تكون حليلته فأقول له: لعلك علمت ما رواه الحطيب في «تاريخه» (٨/ ٤٧) عن الزبير بن بكار قال: قالت ابنة أختي لأهلنا (يعني زوجته): خالي خير رجل لأهله، لا تيخذ ضرة ولا يشتري جارية قال: تقول المرأة: (والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر)!! فأعط كل ذي حق حقه ولا تشطط.
وهذا مما يعين على الفقه في أمور النساء، أن تقرأ المسلمة ما جاء في كتاب الله وتتدبر ما فيه، وأن تنظر في سنة رسوله الكريم ﷺ ، وأن تنظر فيما كتب في هذه المواضيع الخاصة، وتطالع كذلك فتاوى العلماء الثقات من أهل عصرنا فيما يخص المرأة المسلمة حتى تعبد ربها على بصيرة، وتفيد بنات جنسها.
وقد جمعت جزءًا في مادة النفاس، وآخر في ختان النساء؛ رغبة في تحرير الكلام في هاتين المسألتين، ونصحًا لمن طالعه وبلغه من المسلمين.
والله أسأل أن ينفع كاتبه وقارئه وسامعه، وأن يمنحنا به رضوانه، وأن يعفو عن زلاتنا إنه جواد كريم وصلى الله على خير خلقه وأكرم رسله وعلى آله وأصحابه وسلم.
وكتبه
أبو محمد عبد الله بن مانع العتيبي
رجب /١٤١٧ ص. ب ٩٠١٠
الرياض ١١٤١٣
стр. 133
وروى أحمد في مسنده في مواضع (٦/ ٣٠٠) (٦/ ٣٠٢) (٦/ ٣٠٩)، والدارمي (٩٦٠)، والموصلي (٢٣/ ٧٠)، وأبو داود (٣١١)، وابن ماجه (٦٤٨)، والترمذي (١٣٩)، والحاكم (١/ ١٧٥) وابن أبي شيبة [١٧٤٥٥]، والبغوي (٢/ ١٣٦)، وابن المنذر (٢/ ٢٥٠)، والدارقطني (١/ ٢٢٢)، والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٣٧٠)، وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، والبيهقي (١/ ٣٤١)، وغيرهم من طرق عن على بن عبد الأعلى عن أبي سهل (كثير بن زياد) عن مُسَّة الأزدية عن أم سلمة ﵂، قالت: (كانت النفساء في عهد رسول الله ﷺ ، تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف، وقد روي بلفظ آخر مقارب (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ ، أربعين يومًا ...).
وبلفظ ثالث عن مُسَّة قالت: (حججت فدخلت على أم سلمة فقلت يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة الحيض فقالت: لا يقضين كانت المرأة من نساء رسول الله ﷺ ، تقعد من النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ ، بقضاء صلاة النفاس، وهذه الألفاظ الثلاثة كلها عند البيهقي، واعلم أن أحاديث الباب وما جاء في معناها من آثار قد طعن فيها بعلل أربع:
الأولى: ضعف حديث أم سلمة.
الثانية: نكارة بعض ألفاظه.
الثالثة: ضعف شواهده.
الرابعة: الاعتلال بوجود النفاس في الحس أكثر من أربعين.
стр. 134
والجواب عن ذلك بما يلي:
أما العلة الأولى فإن هذا الحديث مدارُهُ على علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل عن مسة.
فأما علي بن عبد الأعلى وهو أبو الحسن الأحول الكوفي فقد روى له أهل السنن، قال أحمد والنسائي: ليس به بأس، وقال البخاري: ثقة كما نقله عنه الترمذي في سننه ووثقه الترمذي، وابن حبان، وقال أبو حاتم ليس بالقوي، ومثله قال الدارقطني في علله، وكلام أحمد والنسائي والبخاري مقدَّم على كلام غيرهم لو قدر أن كلام غيرهم جرح فكيف وهو لا يفيده (١) فحديثه حسن على أقل الأحوال وليس مدفوعًا عن الصحة.
وقد تابعه نافع عند أبي داود (٣١٢)، والحاكم (١/ ١٧٥)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٤١)، وأما أبو سهل كثير بن زياد البُرساني فقد روى له الأربعة إلا النسائي، وقال ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم ثقة م أكابر أصحاب الحسن، لا بأس به بصري وقال النسائي: ثقة، وكذلك قال البخاري كما نقله عنه الترمذي، وتناقض فيه ابن حبان فلم يصنع شيئًا، فهو ثقة لا مطعن فيه.
وأما مُسَّة الأزدية بضم الميم وتثقيل المهملة بضم الموحدة وتشديد السين المهملة روت عن أم سلمة وعنها أبو سهل كثير بن زياد، وذكر الخطابي وابن حبان أن الحكم بن عتيبة روى عنها أيضًا اهـ. من «التهذيب».
قلت هي عند الدارقطني (١/ ٢٢٣) من طريق عبد الرحمن بن محمد العرزمي عن أبيه عن الحكم بن عتيبة عن مُسَّة.
стр. 135
ومحمد بن عبيد الله العرزمي بالمهملة أولًا أجمع الأئمة على تركه فلا يصح أن الحكم روى عنها.
وقال في «عون المعبود» (١/ ٥٠١) قال ابن القطان: لا يعرف حالها ولا كنيتها ولا تعرف في غير هذا الحديث، وأجاب في «البدر المنير» فقال: لا نسلم جهالة عينها وجهالة حالها مرتفعة، فإنه روى عنها جماعة؛ كثير بن زياد والحكم بن عتيبة، وزيد بن على بن الحسين، ورواه محمد بن عبيد الله العرزمي عن الحسن عن مُسَّة أيضًا فهؤلاء أربعة رووا عنها، وقد أثنى على حديثها البخاري وصحح الحاكم إسناده فأقل أحواله أن يكون حسنًا. اهـ.
وقال ابن القيم في «تهذيب السنن» (١/ ١٩٥) وقد روى عنها أي مسة أبو سهل كثير ابن زياد، والحكم بن عتبة، ومحمد بن عبيد الله العزرمي وزيد بن علي بن الحسين. اهـ.
قلت تقدم كلام الحافظ وذكر من روى عنها فالصحيح أنه لم يرو عنها سوى أبي سهل، ولهذا قال الترمذي: (ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من حديث سهل).
وقال الخطابي في «معالم السنن» (١/ ١٩٦): وحديث مسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل- يعني البخاري-.
وقال ابن حزم في «المحلي» (٢/ ٢٠٤): مسة مجهولة، وفي «التلخيص» (١/ ١٧١) مجهولة الحال.
وقد رأيت كلامًا لأبي الفيض العماري في تخريج الأحاديث «بداية المجتهد» متعقبًا ابن القطان في جهالة مسة قال: (انتقاد مردود أما مسة وكنيتها أم بُسَّة فغير مجهولة العين لأنه روى عنها هذا الحديث ثقتان كثير بن زياد والحكم بن عُتيبة
стр. 136
وروايته عند الدارقطني وجهالة العين ترتفع برواية عدلين، وجهالة حالها لا تضر مع رواية الثقات عنها، وكونها امرأة من التابعيات وقد عرف بالاستقراء عدم وجود كذَّابة أو متهمة في النساء، ثم قد ورد الحديث من طريق سبعة من الصحابة، وإن كانت ضعيفة شاهد لصدقها. اهـ.
قلت هو كلام متين وتقدم الكلام على بعضه، وهذا مقام احتاج الناس فيه إلى مُسة، وإذا ضممت حديثها هذا إلى أثر ابن عباس علمت أنها حفظت وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
وأما العلة الثانية وهي نكارة بعض ألفاظه قال ابن القطان على لفظ: (كانت المرأة من نساء رسول الله ﷺ ، تقعد في النفاس أربعين ...) إلخ، قال وأيضًا فأزواج النبي ﷺ ، لم يكن منهن نفساء معه إلا خديجة ونكاحها قبل الهجرة فلا معنى لقولها قد كانت المرأة من نساء النبي ﷺ ، ... الحديث، وسبقه إلى هذا الترمذي في «علله الكبير».
والجواب أن هذا اللفظ وقع من طريق يونس بن نافع ترجمه في «التهذيب» وفي ثقات ابن حبان (٧/ ٦٥٠) وقال يخطئ قلت خالفه على بن عبد الأعلى عن أبي سهل وهو أوثق منه فهذه اللفظة غير محفوظة، وعلى فرض أن يونس حفظ فإنه لم يقل أزواج النبي ﷺ ، بل قال: نساءه، وهذا يشمل بناته وإماءه وقراباته وأصهاره، فلا معنى لإنكار هذه اللفظة، والله أعلم.
وأما العلة الثالثة فهي ضعف شواهده ولنشرع الآن في سردها مع الكلام عليها على سبيل الإجمال.
فمنها حديث أنس رواه ابن ماجة في سننه (٦٤٩) من طريق سلَّام بن سليم أو سلم شك أبو الحسن وأظنه هو أبو الأحوص [كذا في سنن ابن ماجه] عن
стр. 137
حميد عن أنس قال كان رسول الله ﷺ ، وقت للنفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر مثل ذلك.
ورواه الموصلي (٦/ ٤٢٢)، والدارقطني (٢/ ٢٢٠)، وابن الجوزي في علله (١/ ٣٨٥)، ووقع عندهم (سلَّام بن سلم) دون شك ورواه البيهقي (١/ ٣٤٣)، ووقع عنده سلَّام الطويل، وهو ابن سلم ويقال له ابن سليم وابن سليمان، تركه صحيح ورجاله ثقات فظن أن سلامًا هو ابن سليم أبو الأحوص والصواب هو الطويل المدائني المتروك.
ومن وجه آخر عن أنس موقوفًا رواه عبد الرزاق (١/ ٣١٢)، وفيه جابر الجعفي تركه غير واحد، وشيخه خيثمة ليس بشيء قاله ابن معين، ورواه البيهقي (١/ ٣٤٣)، من طريق زيد العميِّ عن أبي إياس عن أنس مرفوعًا بمعناه. والعمي ضعيف.
ومنها حديث عثمان بن أبي العاص رواه الدارقطني (١/ ٢٢٠)، وابن أبي شيبة (١٧٤٥٠)، من طريق حفص بن غياث عن أشعث عن الحسن عن عثمان أنه كان يقول لنسائه: لا تشوفن لي دون الأربعين، ولا تجاوز الأربعين في النفاس، وهو عند البيهقي (١/ ٣٤١) من وجه آخر عن الحسن بنحوه.
ورفعه عمر بن هارون البلخي عن أبي بكر الهذلي عن الحسن به، ولفظه: فقال عثمان: ألم أخبرك أن رسول الله ﷺ أمرنا أن نعتزل النساء أربعين يوما ووقفه وكيع عن الهذلي به والهذلي وعمر بن هارون متروكان، لكن رواه أشعث بن سوَّار عن الحسن، وأشعث ضعيف وتابعه يونس بن عبيد، وكل هذه الآثار عند الدارقطني، وأخرج المتابعة المذكورة أيضًا الدارمي (١/ ١٨٤) عن
стр. 138
الفريابي عن الثوري عن يونس، وعبد الرزاق عن الثوري (١/ ٣١٣) وابن الجارود من طريق الدارمي سواء وهذا إسناد جيد إلا أن الحسن لم يسمع من عثمان، وحتى على قول من قال إنه سمع منه كابن المديني في علله ص ٥١، لكنه عنعنه وهو مدلس، وجاء رفعه من وجه آخر عن الحسن أخرجه الدارقطني (١/ ٢٢٠)، والحاكم (١/ ١٧٦)، وابن الجوزي (١/ ٣٨٦) من طريق أبي بلال الأشعري حدثنا أبو شهاب عن هشام بن حسان عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: (وقَّت لنا رسول الله ﷺ ، للنفساء في نفاسهن أربعين يومًا) قال الحاكم: وهذه سُنةَّ عزيزة فإن سلم الإسناد من أبي بلال فإنه مرسل صحيح، فإن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. اهـ.
قلت: لم يسلم، قال الدارقطني عصري الحاكم أبو بلال الأشعري ضعيف.
ومن الشواهد حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه الدارقطني والطبراني في «الأوسط» (١/ ٣٩١)، «مجمع البحرين»، والحاكم (١/ ١٧٦)، وابن الجوزي في علله (١/ ٣٨٦)، وفيه عمرو بن الحصين وابن علاثة أما الأول فتركه الأئمة وأما الثاني فمختلف فيه، وأطلق الدارقطني أنهما متروكان.
ومنها أثر عمر ﵁، أخرجه الدارقطني وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة (١٧٤٥١)، وابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، وفيه جابر الجعفي.
ومنها أثر عائشة ﵂، مرفوعًا أخرجه الدارقطني وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ١٣٠)، وفيه عطاء بن عجلان وهو متروك، ورواه عبد الله بن أحمد في مسائله (ص٥٠) من طريق حبان بن علي عن شيخ قد سماه عن ابن أبي ملكية عن عائشة مرفوعًا، ومن طريق حبان أخرجه الجوزي في علله (١/ ٣٨٦) وسمى الرجل المبهم عطاء المذكور، ورواه ابن حبان في «المجروحين» (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) من حديث حسين بن علوان عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة. وحسين كذاب.
стр. 139
ومنها أثر عائذ بن عمرو وهو صحابي رواه الدارقطني وابن أبي شيبة (١٧٤٤٩)، وابن المنذر (٢/ ٢٤٩)، وفيها الجلد بن أيوب وهو ضعيف كما في «الجرح» وغيره.
ومنها أثر أبي هريرة وأبي الدرداء ﵄، مرفوعًا، أخرجه ابن عدى في كامله (٥/ ١٨٦١)، وفيه العلاء بن كثير الدمشقي وهو متروك بل نسبه ابن حبان إلى الوضع.
ومنها أثر جابر موقوفًا أخرجه الطبراني في أوسطه (١/ ٣٩٣)، مجمع البحرين، وفيه أشعت بن سوَّار وهو ضعيف.
ومنها أثر حديث معاذ مرفوعًا أخرجه ابن عدي في «كامله» (٦/ ٢١٥٢)، وفيه محمد بن سعيد المصلوب كذبوه، وصلب على الزندقة.
ومنها أثر ابن عباس ﵄، أخرجه الدارمي (١/ ١٨٥) وابن أبي شيبة (١٧٤٥٤)، وعبد الله بن أحمد في مسائله (ص٤٩)، والبيهقي (١/ ٣٤١)، وابن الجارود (ج١١٩)، وابن المنذر (٢/ ٢٤٩) كلهم (سوى ابن الجارود) من طريق أبي عوانة عن أبي بشر عن يوسف ابن ماهك عنه ﵁، قال: النفساء تنتظر أربعين يومًا أو نحوه، هذا لفظه عند البيهقي، وعبد الله بن أحمد، وابن المنذر، وعند الدارمي قريبًا منه ولفظه: (تتنتظر نحوًا من أربعين يومًا)، وعند ابن أبي شيبة (تجلس النفساء نحوًا من أربعين يومًا)، وعند ابن الجارود من طريق هشيم عن أبي بشر به (تمسك النفساء عن الصلاة أربعين يومًا) هكذا دون قوله أو نحوه، وهذا هو المحفوظ عنه إن شاء الله فإن هشيمًا أحفظ وأثبت من أبي عوانة لمن تأمل ترجمة الرجلين.
стр. 140
قال علي بن حُجر: هشيم في أبر بشر مثل ابن عيينة في «الزهري»، وقال ابن المبارك من غيَّر الدهر حفظه فلم يغيِّر حفظ هُشيم، وقال عبد الرحمن بن مهدي هشيم أثبت عندي من حفظ أبي عوانة، وكتاب أبي عوانة أثبت من حفظ هشيم، وقال أبو حاتم هو أحفظ من أبي عوانة، ثم لو كان أبو عوانة حدَّث به من كتابه وكان محفوظًا فإن من معاني (نحو) مثل كما في «شرح القاموس التاج» وغيره.
وقد روى البيهقي (١/ ٣٤١) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن بشر بن منصور عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، (تنتظر يعني النفساء سبعًا فإن طهرت وإلَّا فأربعة عشر فإن طهرت وإلَّا فواحدة وعشرين، فإن طهرت وإلَّا فأربعين ثم تصلي).
وفي سماع ابن جريج من عكرمة كلام، وكلام ابن عباس في «التحديد بالأربعين» تقدَّم عنه بالإسناد الصحيح فهو محفوظ عنه جدًا وإنما أطلت في هذا الأثر بعض الشيء لأن بعضهم شغَّب في الاستدلال بأثر ابن عباس على التحديد بأربعين لأجل كلمة «نحو» وتقدم الكلام على ذلك ورواية عكرمة عنه شاهد بأن الأربعين دون شك محفوظة، وبكل حال الطريق الأولى في غاية الصحة عن ابن عباس ﵄، ومثله لا يُقال بالرأي، ولا يُعلم أحدٌ من الصحابة مخالف ولهذا قال الترمذي في سننه: وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلَّا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، فإن رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء.
ونقل الإجماع أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلَّام، وقال إسحاق هو السنة المجمع عليها.
وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٣/ ٢٥٠): التحديد في هذا ضعيف؛ لأنه
стр. 141
لا يصح إلَّا بتوقيف، وليس في مسألة أكثر النفاس موضع للإتباع والتقليد إلَّا من قال بالأربعين، فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا مخالف لهم منهم، وسائر الأقوال جاءت عن غيرهم ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم؛ لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم، والنفس تسكن إليهم، فأين المهرب عنهم دون سُنَّة ولا أصل؟ وبالله التوفيق. اهـ.
وهو كلام متين من حافظ المغرب وإمامه ﵀، فإذا ضممت هذا الإجماع إلى قول ابن عباس إلى حديث مُسَّة عن أم سلمة إلى أثر عثمان بن أبي العاص علمت الحق في ذلك.
قال العيني في «شرح الهداية» (١/ ٦٩٩) في أحاديث الباب: وهذه الأحاديث يسند بعضها بعضًا هي حجة على الشافعي ... إلخ، وقال ابن الهمام في «فتح القدير» (٦٦/ ١) عن أحاديث التحديد بأربعين: وروي هذا من عدة طرق لم تخل عن الطعن لكنه يرتفع بكثرتها إلى الحسن.
وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٢٨٣): والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يومًا متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار فالمصير إليها متعيِّن، وفي «السيل الجرار» له (١/ ١٥٠) قال: (قد تعاضدت الأحاديث الواردة في الأربعين).
قلت: سبق تصحيح الحاكم لحديث أم سلمة، وقد حسنه النووي في «المجموع» (٢/ ٥٤١)، وردَّ على تضعيف فقهاء الشافعية له بقوله: (واعتمد أكثر أصحابنا جوابًا آخر وهو تضعيف الحديث، وهذا الجواب مردود بل الحديث جيد كما سبق ...).
وكذا حسَّنه ابن الملقن في «البدر المنير» وتقدم، أما العلة الرابعة التي أوردت على هذه الآثار: حملها على الغالب لأن النفاس، وجد في الحس أكثر من
стр. 142
أربعين ... وأجيب بأنه خلاف ظاهر الحديث، فإنه يفيد أن المرأة تجلس في نفاسها أربعين يومًا إلَّا أن ترى الطهر قبل ذلك ولا تتجاوز الأربعين، ولهذا قال المجد أبو البركات في «المنتقى» (١/ ١٨٤) ومعنى الحديث: كانت تؤمر أن تجلس إلى الأربعين؛ لئلا يكون الخبر كذبًا إذ لا يمكن أن تتفق عادة نساء عصر في نفاس أو حيض. اهـ.
وبهذا يعلم أن دم النفاس حدَّه أربعون يومًا، وأن من قال بالزيادة لا دليل لديه، ولهذا قال الطحاوي ولم يقل بالستين أحد من الصحابة، وقال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٢٠٣) (فأما من حدَّ بالستين فما نعلم لهم حجة) وكذلك من حدَّ أكثره بأقل من الأربعين لا حجة له كابن حزم فإنه قال: (فأما أكثره فسبعة أيام لا مزيد.!).
وقال معللًا ذلك: (فلما لم يأت في أكثر مدة النفاس نص قرءان ولا سنة وكان الله تعالى قد فرض عليها الصلاة والصيام بيقين وأباح وطأها لزوجها لم يجزلها أن تمتنع من ذلك إلا حيث تمتنع بدم الحيض لأنه دم حيض).
وحكاية هذا مع علمك بما تقدم كافية عن الرَّدّ.
واعلم بعد هذا كله أن الدم قد ينقطع قبل الأربعين ولا يعود قبلها أو يعود، أو ينقطع بتمام الأربعين أو يزيد فهذه أربعة أحوال وهاك تفصيلها:
١ - أن ينقطع دم النفاس قبل تمام الأربعين ولا يعود بعد ذلك فمتى انقطع دمها اغتسلت وصلت وصامت ولزوجها أن يطأها.
٢ - أن ينقطع دمها قبل تمام الأربعين فكما تقدم تغتسل وتصلي وتصوم ولزوجها غشيانها فإن عاد في الأربعين دمها فهو نفاس تجلسه وتدع الصلاة والصيام.
стр. 143
٣ - وإن انقطع بتمام الأربعين، فقد ذهب نفاسها وهي بعد الأربعين في عداد الطاهرات فتصلي وتصوم.
٤ - إن زاد الدم على الأربعين (والأربعون حد شرعي للنفاس كما قررنا) فإن ما بعد الأربعين فهو حيض ليس دم نفاس فتنتظر عادتها فإن وافقت أيامها بعد الأربعين فهو حيض تجلسه وإن لم توافق عادتها ما بعد الأربعين فإن ما بعد الأربعين والحال هذه دم استحاضة وحينئذٍ تغتسل عند تمام الأربعين، وتصلي وتصوم ولزوجها غشيانها، وتفعل ما تفعل المستحاضة من التلجُّم والتحفظ والوضوء بعد دخول الوقت كما هو مقرر في موضعه من كتب الحديث والفقه.
وختامًا أقول إن أهل العلم أثبتوا أحكامًا كثيرة في مواضع مختلفة من أبواب العلم لم تصل الآثار في قوتها ما وصلت إليه الآثار في مسألتنا هذه، مع ما في الأخذ بهذا القول من التسهيل والوضوح لدى المكلفات، ولم أرد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.
وصلى الله ومسلم على خير خلقه وخليله ومجتباه
وكان الفراغ منه في ربيع الأول ١٤١٦هـ.
стр. 144
صفة الإقعاء المسنون
قال مسلم في صحيحه (٥/ ١٨) حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا محمد بن بكر ح ... وحدثنا حسنٌ الحلوانيُّ حدثنا عبد الرزاق وتقاربا في اللفظ، قالا جميعًا أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاووسًا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال هي السُّنَّة فقلنا إنا لنراهُ جفاء بالرَّجُلِ فقال ابن عباس: بل هي سُنةَّ نبيِّك ﷺ ، ورواه أبو داود من طريق يحي بن معين أخبرنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، به.
ورواه الترمذي من طريق يحي بن موسى أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جُريج به.
وروى البيهقي من طريق محمد بن عجلان أن أبا الزبير أخبره أنه رأى عبد الله بن عمر إذا سجد حين يرفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول: إنه من السُّنَّة (٢/ ١٩٩).
وروى أيضًا عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يقعيان، وعن طاووس قال: (رأيت العبادلة يقعون ... وأسانيدها صحيحة كما قال الحافظ في «التلخيص» (١/ ٢٥٧).
وروى البيهقي أيضًا عن طاووس قال: رأيت ابن عمر وابن عباس وهما يقعيان بين السجدتين على أطراف أصابعهما (٢/ ١٢٠).
قال النووي ﵀ (٥/ ١٥) في «شرح مسلم» الإقعاء نوعان: أحدهما:
стр. 145
أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. وهكذا فسَّره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلَّام وآخرون من أهل اللغة وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي والنوع الثاني أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: سنة نبيك ﷺ .
قال في «القاموس»: وأقعى في جلوسه تساند إلى ما وراءه.
وقال في «اللسان»: وأقعى الرجل في جلوسه تساند إلى ما وراءه.
وقد جاء في الحديث النهي عن الإقعاء في الصلاة وفي رواية: نهى أن يقعي الرجل في الصلاة وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهذا تفسير الفقهاء قال الأزهري كما روي عن العبادلة: (وذكرهم) قال: وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أي يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب وهذا هو الصحيح، وهو أشبه بكلام العرب وليس الإقعاء في السباع إلا كما قلناه .. (٣/ ١٣٤) «الترتيب».
وقال ابن دريد في جمهرة اللغة (٣/ ٢٦٣): الإقعاء مصدر أقعي إقعاء وهو أن يقعد على عقبيه وينصب صدور قدمية، ونهى عن الإقعاء في الصلاة وهو أن يقعد على صدور قدميه ويلقي يديه على الأرض.
وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي (١/ ٦٠): قوله نهى عن الإقعاء من حديث أبي هريرة وهو أن يكون في جلوسه كأنه متساند إلى ظهره والكلب والذئب يقعيان وهو وضع الألية على الأرض ونصب الساقين ووضع الرَّاحتين على الأرض وهذا لا رخصة فيه.