← Фикх общий

Фикх общий · id 14368

نفح العبير

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (326 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لا يصح إلَّا بتوقيف، وليس في مسألة أكثر النفاس موضع للإتباع والتقليد إلَّا من قال بالأربعين، فإنهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا مخالف لهم منهم، وسائر الأقوال جاءت عن غيرهم ولا يجوز عندنا الخلاف عليهم بغيرهم؛ لأن إجماع الصحابة حجة على من بعدهم، والنفس تسكن إليهم، فأين المهرب عنهم دون سُنَّة ولا أصل؟ وبالله التوفيق. اهـ. وهو كلام متين من حافظ المغرب وإمامه ﵀، فإذا ضممت هذا الإجماع إلى قول ابن عباس إلى حديث مُسَّة عن أم سلمة إلى أثر عثمان بن أبي العاص علمت الحق في ذلك. قال العيني في «شرح الهداية» (١/ ٦٩٩) في أحاديث الباب: وهذه الأحاديث يسند بعضها بعضًا هي حجة على الشافعي ... إلخ، وقال ابن الهمام في «فتح القدير» (٦٦/ ١) عن أحاديث التحديد بأربعين: وروي هذا من عدة طرق لم تخل عن الطعن لكنه يرتفع بكثرتها إلى الحسن. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٢٨٣): والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يومًا متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار فالمصير إليها متعيِّن، وفي «السيل الجرار» له (١/ ١٥٠) قال: (قد تعاضدت الأحاديث الواردة في الأربعين). قلت: سبق تصحيح الحاكم لحديث أم سلمة، وقد حسنه النووي في «المجموع» (٢/ ٥٤١)، وردَّ على تضعيف فقهاء الشافعية له بقوله: (واعتمد أكثر أصحابنا جوابًا آخر وهو تضعيف الحديث، وهذا الجواب مردود بل الحديث جيد كما سبق ...). وكذا حسَّنه ابن الملقن في «البدر المنير» وتقدم، أما العلة الرابعة التي أوردت على هذه الآثار: حملها على الغالب لأن النفاس، وجد في الحس أكثر من

стр. 142

أربعين ... وأجيب بأنه خلاف ظاهر الحديث، فإنه يفيد أن المرأة تجلس في نفاسها أربعين يومًا إلَّا أن ترى الطهر قبل ذلك ولا تتجاوز الأربعين، ولهذا قال المجد أبو البركات في «المنتقى» (١/ ١٨٤) ومعنى الحديث: كانت تؤمر أن تجلس إلى الأربعين؛ لئلا يكون الخبر كذبًا إذ لا يمكن أن تتفق عادة نساء عصر في نفاس أو حيض. اهـ. وبهذا يعلم أن دم النفاس حدَّه أربعون يومًا، وأن من قال بالزيادة لا دليل لديه، ولهذا قال الطحاوي ولم يقل بالستين أحد من الصحابة، وقال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٢٠٣) (فأما من حدَّ بالستين فما نعلم لهم حجة) وكذلك من حدَّ أكثره بأقل من الأربعين لا حجة له كابن حزم فإنه قال: (فأما أكثره فسبعة أيام لا مزيد.!). وقال معللًا ذلك: (فلما لم يأت في أكثر مدة النفاس نص قرءان ولا سنة وكان الله تعالى قد فرض عليها الصلاة والصيام بيقين وأباح وطأها لزوجها لم يجزلها أن تمتنع من ذلك إلا حيث تمتنع بدم الحيض لأنه دم حيض). وحكاية هذا مع علمك بما تقدم كافية عن الرَّدّ. واعلم بعد هذا كله أن الدم قد ينقطع قبل الأربعين ولا يعود قبلها أو يعود، أو ينقطع بتمام الأربعين أو يزيد فهذه أربعة أحوال وهاك تفصيلها: ١ - أن ينقطع دم النفاس قبل تمام الأربعين ولا يعود بعد ذلك فمتى انقطع دمها اغتسلت وصلت وصامت ولزوجها أن يطأها. ٢ - أن ينقطع دمها قبل تمام الأربعين فكما تقدم تغتسل وتصلي وتصوم ولزوجها غشيانها فإن عاد في الأربعين دمها فهو نفاس تجلسه وتدع الصلاة والصيام.

стр. 143

٣ - وإن انقطع بتمام الأربعين، فقد ذهب نفاسها وهي بعد الأربعين في عداد الطاهرات فتصلي وتصوم. ٤ - إن زاد الدم على الأربعين (والأربعون حد شرعي للنفاس كما قررنا) فإن ما بعد الأربعين فهو حيض ليس دم نفاس فتنتظر عادتها فإن وافقت أيامها بعد الأربعين فهو حيض تجلسه وإن لم توافق عادتها ما بعد الأربعين فإن ما بعد الأربعين والحال هذه دم استحاضة وحينئذٍ تغتسل عند تمام الأربعين، وتصلي وتصوم ولزوجها غشيانها، وتفعل ما تفعل المستحاضة من التلجُّم والتحفظ والوضوء بعد دخول الوقت كما هو مقرر في موضعه من كتب الحديث والفقه. وختامًا أقول إن أهل العلم أثبتوا أحكامًا كثيرة في مواضع مختلفة من أبواب العلم لم تصل الآثار في قوتها ما وصلت إليه الآثار في مسألتنا هذه، مع ما في الأخذ بهذا القول من التسهيل والوضوح لدى المكلفات، ولم أرد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله. وصلى الله ومسلم على خير خلقه وخليله ومجتباه وكان الفراغ منه في ربيع الأول ١٤١٦هـ.

стр. 144

صفة الإقعاء المسنون قال مسلم في صحيحه (٥/ ١٨) حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا محمد بن بكر ح ... وحدثنا حسنٌ الحلوانيُّ حدثنا عبد الرزاق وتقاربا في اللفظ، قالا جميعًا أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاووسًا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال هي السُّنَّة فقلنا إنا لنراهُ جفاء بالرَّجُلِ فقال ابن عباس: بل هي سُنةَّ نبيِّك ﷺ ، ورواه أبو داود من طريق يحي بن معين أخبرنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، به. ورواه الترمذي من طريق يحي بن موسى أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جُريج به. وروى البيهقي من طريق محمد بن عجلان أن أبا الزبير أخبره أنه رأى عبد الله بن عمر إذا سجد حين يرفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول: إنه من السُّنَّة (٢/ ١٩٩). وروى أيضًا عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يقعيان، وعن طاووس قال: (رأيت العبادلة يقعون ... وأسانيدها صحيحة كما قال الحافظ في «التلخيص» (١/ ٢٥٧). وروى البيهقي أيضًا عن طاووس قال: رأيت ابن عمر وابن عباس وهما يقعيان بين السجدتين على أطراف أصابعهما (٢/ ١٢٠). قال النووي ﵀ (٥/ ١٥) في «شرح مسلم» الإقعاء نوعان: أحدهما:

стр. 145

أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. وهكذا فسَّره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلَّام وآخرون من أهل اللغة وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي والنوع الثاني أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: سنة نبيك ﷺ . قال في «القاموس»: وأقعى في جلوسه تساند إلى ما وراءه. وقال في «اللسان»: وأقعى الرجل في جلوسه تساند إلى ما وراءه. وقد جاء في الحديث النهي عن الإقعاء في الصلاة وفي رواية: نهى أن يقعي الرجل في الصلاة وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهذا تفسير الفقهاء قال الأزهري كما روي عن العبادلة: (وذكرهم) قال: وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أي يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب وهذا هو الصحيح، وهو أشبه بكلام العرب وليس الإقعاء في السباع إلا كما قلناه .. (٣/ ١٣٤) «الترتيب». وقال ابن دريد في جمهرة اللغة (٣/ ٢٦٣): الإقعاء مصدر أقعي إقعاء وهو أن يقعد على عقبيه وينصب صدور قدمية، ونهى عن الإقعاء في الصلاة وهو أن يقعد على صدور قدميه ويلقي يديه على الأرض. وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي (١/ ٦٠): قوله نهى عن الإقعاء من حديث أبي هريرة وهو أن يكون في جلوسه كأنه متساند إلى ظهره والكلب والذئب يقعيان وهو وضع الألية على الأرض ونصب الساقين ووضع الرَّاحتين على الأرض وهذا لا رخصة فيه.

стр. 146

وأما الإقعاء في حديث ابن عمر وابن عباس بين السجدتين ففيه رخصة أن ينصب قدميه بين السجدتين ويجلس عليهما وردة (١).

стр. 147

إجابة النداء في حكم ختان النساء

стр. 148

مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: «فإن حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها، ألا ترى أن أكثر الناس يعيشون بغير طبيب إلا في بعض المدن الجامعة أما أهل البدو كلهم، وأهل الكفور (١) كلهم، وعامة بني آدم فلا يحتاجون إلى طبيب، وهم أصح أبدانًا وأقوى طبيعة ممن هو متقيِّد بطبيب، ولعلَّ أعمارهم متقاربة، وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم، واجتناب ما يضرهم وجعل لكل قوم عادة وعرفًا في استخراج ما يهجم عليهم من الأدواء، حتى إن كثيرًا من أصول الطب إنما أخذت عن عوائد الناس وعُرفهم وتجاربهم. أما الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضي الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية؛ فمبناها على الوحي المحض؛ لأن غاية ما يُقدّر في عدم الطعام والشراب موت البدن، وتعطل الروح عنه، وأمَّا ما يقدَّر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة وهلاك الأبد وشتَّان بين هذا وهلاك البدن بالموت فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ ، والقيام به، والدعوة إليه، والصبر عليه، وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم

стр. 149

صلاح بدون ذلك ألبتة ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسر (١). «ومن المعلوم لمن تدبر الشريعة أن أحكام عامة أفعال العباد معلومة لا مظنونة، وأن الظن فيها إنما هو قليل جدًا في بعض الحوادث لبعض المجتهدين، وأما غالب الأفعال مفادها وأحداثها فغالب أحكامها معلومة ولله الحمد، وأعني بكلمة معلومة أن العلم بها ممكن، وهو حاصل لمن اجتهد واستدل بالأدلة الشرعية عليها، لا أعني أن العلم بها حاصل لكل أحد، بل ولا لغالب المتفقهة المقلدين لأئمتهم، بل هؤلاء غالب ما عندهم ظن أو تقليد ... وهاك مثالًا فإن باب الحيض الذي هو من أشكل الفقه في كتاب الطهارة، وفيه من الفروع والنزاع ما هو معلوم، ومع هذا أكثر الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال النساء في الحيض معلومة، ومن انتصب ليفتي الناس يفتيهم بأحكام معلومة متفق عليها مئة مرة، حتى يفتيهم بالظن مرة واحدة، وإن أكثر الناس لا يعلمون أحكام الحيض وما تنازع الفقهاء فيه من أقله وأكثره وأكثر سنين الحيض وأقله، ومسائل المتحيِّرة، فهذا من أندر الموجود، ومتى توجد امرأة لا تحيض إلا يومًا؟ وإنما في ذلك حكايات قليلة جدًا، مع العلم بأنه عامة بنات آدم يحضْن، وكذلك متى توجد في العالم امرأة تحيض خمسة عشر يومًا أو تسعة عشر يومًا؟ أو امرأة مستحاضة دائمًا لا يعرف لها عادة ولا يتميز الدم في ألوانه؟ بل الاستحاضة إذا وقعت فغالب النسوة يكون تمييزها وعادتها واحدة، والحكم في ذلك بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ ، وباتفاق الفقهاء (٢). وهذا كله حاصل لمن عقل عن الله شرعه وتدبر ما كلف به وبكَّر وجدَّ

стр. 150

واجتهد، وإلا فالأمر كما قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم ونصف متفقه ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان (١). وإذا كان الحافظ الذهبي يقول على رأس السبعمائة: (قلّ من يعتني بالآثار ومعرفتها في هذا الوقت في مشارق الأرض ومغاربها أما المشرق وأقاليمه فغلق الباب وانقطع الخطاب، وأما المغرب وما بقي من جزيرة الأندلس فندر من يعتني بالرواية، كما ينبغي فضلًا عن الدراية). فكيف يكون حال أهل عصرنا ولكِنْ إن لم يصبها وابل فطلّ، ومكرهٌ أخاك لا بطل (٢). هذا وقد رأيت جمع جزء في ختان النساء للكشف عن الأخبار في هذا الباب، وفصل النزاع في هذا الخطاب ولم أرد التطويل، والله أسأل النفع به في دار القرار وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الأطهار.

стр. 151

فصل في كلام بعض أهل العلم في المسألة قال النووي في «المجموع» (١/ ٣٤٩): الختان واجب على الرجل والنساء عندنا وبه قال كثيرون من السلف كذا حكاه الخطابي وممن أوجبه أحمد وقال مالك وأبو حنيفة: سنة في حق الجميع. اهـ. وقال ابن عابدين في حاشيته تعليلًا لإباحة النظر إلى محل الختان: لأن الختان سنة للرجال من جملة الفطرة لا يمكن تركها، وهو مكرمة في حق النساء. وقال الباجي في «شرح الموطأ» (٧/ ٢٣٢): وقال مالك: ومن ابتاع أمةً فليخفضها إن أراد حبسها ... وقال: النساء يخفضن الجواري. وقال أبو محمد في «المغني» (١/ ١١٥): فأما الختان فواجب على الرجال ومكرمة في حق النساء، وليس واجبًا عليهن هذا قول كثير من أهل العلم، قال أحمد: الرجل أشد. وسئل شيخ الإسلام ﵀ (٢١/ ١١٤) عن المرأة هل تختتن أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، نعم تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك قال رسول الله ﷺ ، للخافضة، وهي الخاتنة: «أشّمِي ولا تنهكي، فإنه أبهى للوجه وأحظى لها عند الزواج» يعني لا تبالغي في القطع وذلك أن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة، ولهذا يُقال في المشاتمة: يا ابن القلفاء! فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ولهذا يوجد في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت

стр. 152

الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود بالاعتدال. اهـ. وقال ابن القيم في «تحفة المودود» (الفصل التاسع) في أن حكمه يعني الختان يعم الذكر والأنثى. قال صالح بن أحمد: إذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل؟ قال إذا التقى الختانان وجب الغسل. قال أحمد: وفي هذا أن النساء كنَّ يختتن، وسئل عن الرجل تدخل عليه امرأته فلم يجدها مختونة أيجب عليها الختان؟ قال: الختان سنة؟ قال الخلال: وأخبر أبو بكر المروّذي وعبد الكريم بن الهيثم ويوسف بن موسى؛ دخل كلام بعضهم في بعض أن أبا عبد الله سئل عن المرأة تدخل على زوجها ولم تختتن أيجب عليها الختان؟ فسكت والتفت إلى أبي حفص قال: تعرف في هذا شيئًا؟ قال: لا فقيل: إنه أتى عليها ثلاثون أو أربعون سنة فسكت قيل له: فإن قدرت على أن تختتن؟ قال: حسن، قال وأخبرني محمد بن يحي الكحال قال سألت أبا عبد الله عن المرأة تختتن؟ فقال قد خرجت فيه أشياء ونظرت فإذا خبر النبي ﷺ ، حين يلتقي الختانان ولا يكون واحدًا إنما هو اثنان قلت لأبي عبد الله: فلابد منه قال الرجل أشد وذلك أن الرجل يختتن فتلك الجلدة مدلَّاة على الكمرة فلا يبقي ما ثمَّ، والنساء أهون قلت: لا خلاف في استحبابه، واختلف في وجوبه وعن أحمد في ذلك روايتان أحدهما يجب على الرجال والنساء، والثانية يختص وجوبه بالذكور. اهـ. وقال القاري في «المرقاة» (٨/ ٢٨٩) وأما النساء فمكرمة ففي «خزانة الفتاوى»: ختان الرجال سنة واختلفوا في المرأة، فقال في «أدب القاضي» مكروه وفي موضع

стр. 153

آخر سنة وقال بعض العلماء: واجب وقال بعضهم: فرض قلت: والصحيح أنه سنة. اهـ. ولمزيد النظر في الخلاف انظر: «شرح السنة» (١٢/ ١١٠)، «شرح الشنقيطي» على النسائي (١/ ١٤٥)، «غاية المرام»، «شرح مغني ذوي الأفهام» (١/ ٣٦٢)، «مجموع رسائل الشيخ ابن عثيمين» (٤/ ١١٧)، «أحكام الطفل» للعيسوي ص [٢٠٦]، مجموع مؤلفات ابن سعدي، «الفقه» (٢/ ٩٦)، «فتاوى اللجنة جمع الدويش» (٥/ ١١٩). وقد تحصل من أقوال العلماء في المسألة أقوال كما تقدم تبتدي من الكراهة حتى الوجوب، ولا شك أن إطلاق القول بأن حكم هذا الشيء محرم أو واجب لابد له من دليل وإلا كان قولًا على الله بغير علم، وهو من أشد المحرمات، نسأل الله السلامة قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. وقد روى عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وأبو داود من طريق سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمرو عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة سدد خطاكم، عن النبي ﷺ : «من أُفْتِي بغي علم كان إثمه على من أفتاه» ولفظ الدارمي: «من أُفْتِي من غير ثبت» [إسناده حسن]. وروى الدارمي من طريق ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» مرسل

стр. 154

جيِّد، واعلم أن أحاديث الأمر بالختان أو أنه سنة في حق المرأة كلها معلولة وقد ضعفها أبو داود، والبيهقي وابن عبد البر كما في «التمهيد» (٢١/ ٥٩)، وابن المنذر نقله عند المناوي في «الفيض» (١/ ٢١٦)، والعراقي كذلك ضعفها كما في التخريج «الإحياء» (١/ ٣١٢) والحافظ في «الفتح» (١٠/ ٣٤١)، و «التلخيص» (٤/ ٨٢ - ٨٣)، والشوكاني في «النيل» (١/ ١١٣) وغيرهم.

стр. 155

فصل في تخريج الأحاديث والآثار الواردة في الباب الحديث الأول: قوله ﷺ : «أشمي ولا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل». رواه أبو داود «عون» (١٤/ ١٨٣) ومن طريق البيهقي (٨/ ٣٢٤)، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وعبد الوهاب بن إبراهيم الأشجعي عن مروان عن محمد بن حسان عن عبد الوهاب الكوفي عن عبد الملك بن عمير عن أم عطية أن امرأة كانت تختتن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ فذكره .. وقد وقع في إسناده اضطراب واختلاف كثير، فرواه البيهقي في «السنن والمعرفة» (١٣/ ٦٢) من وجه آخر عن عبيد الله بن عمرو الرقي حدثني رجل من أهل الكوفة عن عبد الملك بن عمير عن الضحاك بن قيس قال: كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تخفض الجواري فقال لها رسول الله ﷺ : «يا أم عطية ..». . ومن طريق محمد بن حسان رواه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٢٢٣) عن عبد الملك بن عمير عن أم عطية ... دون ذكر عبد الوهاب ورواه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٥٢٥) من طريق عبيد الله به وسمى الرجل المبهم زيد بن أبي أنيسة، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب «العيال». (٢/ ٧٨٠) من طريق عبيد الله بن عمرو عن عطية القرظي قال: كان بالمدينة خافضة يقال لها أم عطية وهذا اختلاف شديد واضطراب. قال الحافظ في «التلخيص» (٤/ ٨٣): واختلف فيه على عبد الملك بن عمير فقيل

стр. 156

عنه عن الضحَّاك بن قيس: كان بالمدينة امرأة ... وقيل عنه عن عطية القرظي رواه أبو نعيم في «المعرفة»، وقيل عنه عن أم عطية رواه أبو داود في «السنن» وأعله بمحمد بن حسان فقال: مجهول ضعيف .. اهـ. وطريق الحاكم المذكورة لا تصلح للمتابعة فإنها من طريق هلال بن العلاء عن أبيه عن عمرو به، والعلاء ضعفه أبو حاتم بقوله: منكر الحديث ضعيف، وكذلك حصل في إسناده اختلاف آخر هل سمعه عبد الملك بن عمير من أم عطية أم بينهما واسطة، فقد قال الحافظ في «الإصابة» في ترجمة الضحَّاك وذكر بعض طرق هذا الحديث قال: وظهر من هذا أن عبد الملك دلسه على أم عطية والواسطة بينهما الضحَّاك بن قيس، والضحَّاك هذا قال يحيى لما سأله المفضل الغلابي عنه قال: الضحاك بن قيس هذا ليس بالفهري وعبد الملك بن عمير قال عنه أحمد كما في «بحر الدم» (٢٧٩): مضطرب الحديث جدًا، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها وهو مع ذلك مدلس قال الحافظ: (مشهور بالتدليس وصفه بذلك الدارقطني وابن حبان، وذكر ذلك عنه الذهبي والعلائي والمقدسي والحلبي). قلت: وتغيَّر حفظه فإنه كبر وشاخ فالحديث ضعيف ومضطرب؟ حديث آخر: روى الخطيب في «تاريخه» (١٢/ ٢٩١) من طريق عوف بن محمد أبو غسان حدثنا أبو تغلب عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي قال: (كانت خفاضة بالمدينة فأرسل إليها رسول الله ﷺ : «إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي، فإنه أحسن للوجه وأرضى للزوج». رواه في «ترجمة عوف» هذا وقال عنه: حدث عن يوسف بن عبده، وعنه عمرو بن علي وبندار قاله ابن منده. اهـ. وأبو البختري لم يسمع من علي شيئًا قال ابن سعد في «الطبقات» (٦/ ٢٩٣):

стр. 157

كان أبو البختري كثير الحديث يرسل حديثه ويروي عن أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يسمع من كبير أحد فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن وما كان عن فهو ضعيف. اهـ. وأبو تغلب لا يُدرى ما حاله فالحديث لا يصح. حديث آخر: روى البيهقي (٨/ ٣٢٤) وابن أبي الدنيا (٢/ ٧٧٩) والطبراني في «الصغير» (١/ ٩٢)، و «الأوسط» (٧/ ١٩٥)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٠٨٣) والخطيب في «تاريخه» (٥/ ٣٢٧)، كلهم من طريق زائدة بن أبي الرقاد عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج». وزائدة منكر الحديث كما قال البخاري والنسائي، قال ابن عدي: له أحاديث أفرادات وفي بعض حديثه ما ينكر. حديث آخر: روى أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ٢٤٥)، حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا جعفر بن أحمد بن فارس حدثنا إسماعيل بن أبي أمية حدثنا أبو هلال الراسبي سمعت الحسن حدثنا أنس قال: كانت ختانة بالمدينة يقال لها أم أيمن فقال لها النبي ﷺ : «إذا خفضت فأضجعي يدك، ولا تنهكيه، فإنه أسنى للوجه وأحظى للزوج». وإسماعيل بن أبي أمية غالب ظني أنه الذي ذكره الدارقطني في «سننه» (٣/ ٣٢، ٣٤) و (٤/ ٢٠) فإنه من هذه الطبقة قال الدارقطني: ضعيف متروك الحديث، وقال مرة: يضع الحديث فإن يكنه فالحديث باطل، وأبو هلال ليِّن الحديث. حديث آخر: روى أحمد في «مسنده» (٥/ ٧٥) وابن أبي الدنيا (٢/ ٧٧٦) في كتاب «العيال»،

стр. 158

وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٣١٧)، والبيهقي (٨/ ٣٢٥)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ٣٢٩)، من طريق الحجاج بن أرطأة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء». عند أحمد والبيهقي دون ذكر شداد. حديث آخر: روى البيهقي (٨/ ٣٢٥) وابن عساكر في «تبيين الامتنان بالأمر بالختان» (ح٢٦) من طريق حجاج بن عن مكحول عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: (فذكره بمثل الذي قبله). قال أبو حاتم في «علله» (٢/ ٢٤٧): سألت أبي عن حديث رواه حفص ابن غياث عن حجاج بن أرطأة عن أبي المليح عن أبيه عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء»، ورواه عبد الواحد بن زياد عن حجاج عن مكحول عن أبي أيوب عن النبي ﷺ ، قال أبي: (الذي عن حجاج عن مكحول خطأ وإنما أراد حديث حجاج ما قد رواه مكحول عن أبي الشمال عن أبي أيوب عن النبي ﷺ : «خمس من سنن المرسلين ..». الحديث فترك أبا الشمال فلا أدري هذا من الحجاج أم من عبد الواحد وقد رواه النعمان بن المنذر عن مكحول عن النبي ﷺ ، فذكره. اهـ. يعني مرسلًا. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ٥٩) بعد ذكر حديث شداد: واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبي المليح هذا وهو يدور على حجاج بن أرطأة وليس ممن يحتج بما انفرد به، والذي أجمع عليه المسلمون الختان في الرجال على ما وصفنا. اهـ. ومقال البيهقي عقب حديث شداد: الحجاج بن أرطأة، لا يحتج به وقيل عنه عن مكحول عن أبي أيوب، وهذا منقطع ثم أسنده عن حجاج به، قلت: لأن

стр. 159

مكحولًا لم يسمع من أبي أيوب. وقال الحافظ في «التلخيص» (٤/ ٨٢): والحجاج مدلس وقد اضطرب فيه فتارة يرويه كذا (يعني عن أبي المليح عن أبيه) وتارة بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي المليح ثم ذكر ما تقدم من كلام الأئمة، فالحديث ضعيف مضطرب. حديث آخر: روى البيهقي (٨/ ٣٢٥)، والطبراني (١١/ ٢٣٣) من طريق الوليد حدثنا ابن ثوبان عن محمد بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء» وضعفه البيهقي بقوله هذا إسناد ضعيف والمحفوظ موقوف وقال في «المعرفة»: لا يصح رفعه، ورواته موثقون إلا أن فيه تدليسًا، كذا في «التلخيص». قلت: الوليد بن الوليد قال أبو حاتم: صدوق وقال الدارقطني: متروك. اهـ من «الميزان» ووقع في تعيينه اختلاف كما في «اللسان» وقال ابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٨١): الوليد بن الوليد يروي عن ابن ثوبان وثابت بن يزيد العجائب، وشيخه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان متكلم فيه. ثم رواه البيهقي في «سننه» من طريق إبراهيم بن مجشر ثنا وكيع عن سعيد بن بشير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس من قوله، ورواه ابن عدي في «الكامل» (١/ ٢٧٢) من طريق إبراهيم به، ثم قال: وإبراهيم له أحاديث منكرة من جهة الإسناد غير محفوظة، وترجمه في «اللسان»، وذكره حديث الترجمة من منكراته، وذكر جرحه عن جماعة، وسعيد ضعيف، ورواه الطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٨٢) من طريق سعيد به. ورواه الطبراني في «الكبير» من وجه آخر (١١/ ٣٥٩).

стр. 160

حدثنا الحسن بن علي الفسوي ثنا خلف بن عبد الحميد ثنا عبد الغفور عن أبي هاشم عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: فذكره موقوفًا وعبد الغفور متروك ترجمة في «المجروحين» و «الميزان» و «ضعفاء العقيلي» وغيرها. حديث آخر: روى البزار في «مسنده» (١/ ٦٦٩) «مختصر الزوائد» لابن حجر من طريق مندل بن علي عن ابن جريح عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: دخل على النبي ﷺ نسوة من الأنصار فقال: «يا نساء الأنصار، اختضبن غمسًا، واخفضن ولا تنهكن، فإنه أحظى عند أزواجكن، وإياكن وكفر المنعمين». قال مندل: يعني الزوج، ومندل ضعيف، ورواه ابن عدي (٣/ ٩٠١) من طريق خالد بن عمرو القرشي عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ نحوه وخالد بن عمرو متروك الحديث بل كذَّبه يحي بن معين ونسبه إلى الوضع جماعة كصالح جزرة وابن عدي وغيرهم. الجزء الثالث روى البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٤٥). حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثتنا عجوز من أهل الكوفة - جدة علي بن غراب - حدثني أم المهاجر قالت: سُبيت في جواري من الروم فعرض علينا عثمان الإسلام فلم يسلم منَّا غيري وغير أخرى، فقال عثمان: (اذهبوا فاخفضوهما وطهِّروهما). والعجوز هذه اسمها طلحة (١) تكنى بأم غراب لا يعرف حالها وأم المهاجر الرومية مقبولة.

стр. 161

أثر آخر: روى البخاري في «الأدب المفرد». حدثنا أصبغ أخبرني ابن وهب أخبرني عمرو أن بكيرًا حدثه أن أم علقمة أخبرته أن بنات أخي عائشة ﵅ خُتنّ فقيل لعائشة: ألا ندعو لهن من يلهيهن ... أصبغ بن الفرج ورَّاق عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث وبكير بن الأشج لا يُسأل عنهم، وأما أم علقمة هذه خرَّج لها البخاري في «الآداب» كما هنا وعلق لها في الحيض من صحيحه (١)، قال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في «الثقات» وفي «التقريب»: مقبولة (٢) واسمها مرجانة. أثر آخر: قال إبراهيم بن إسحاق الحربي في «غريب الحديث» (٢/ ٥٥٣). حدثنا موسى حدثنا حماد عبيد الله بن أبي المليح عن أبي المليح أن ختانة خفضت جارية فماتت فرفعت إلى عمر فقال: كيف خفضتيها؟ قالت: كما كنت أخفض قال: لو ما أبقيت، فضمنها. قلت: موسى هو ابن إسماعيل المنقري، وحماد هو ابن سلمة وعبيد الله بن أبي حمُيد هكذا صوابه لا ابن أبي المليح فهذا تحريف وليس لأبي المليح ابن اسمه عبيد الله، ثم لو كان كذا لقيل عن أبيه، كما هو الجادَّة، وعبيد الله هذا أبو الخطاب ضعيف منكر الحديث يروي عن أبي المليح عجائب كما قال الأئمة.

стр. 162

وأبو المليح لا أظن أنه أدرك عمر. هذا ما وقفت عليه من الأخبار في ختان المرأة وهي كما ترى معلولة، وظاهر ما نقله الخلَّال عن أحمد ﵀ حينما احتج بحديث «إذا التقى الختانان» الذي رواه مسلم وغيره، أقول ظاهره: أنه لم يعوِّل على هذه الأخبار ولم تصح عنده وإلا لذكر ذلك، وأما استدلال بعضهم بحديث (خمس من الفطرة) أخرجاه. أقول: الفرق ظاهر بين الجنسين شرعًا وحسًا. فالختان في حق الرجل تعود مصلحته إلى شرط من شروط الصلاة وهو الطهارة لاجتماع بقايا البول في القلفة وهو أيضًا ميزة للمسلمين يتميزون بها عن الكفارة، حيث كان المسلمون يعرفون قتلاهم في المعارك بهذا وغايته في المرأة أن يعدِّل شهوتها ويقلل من غلمتها (١) ثم إن قوله ﷺ : «أشمي ولا تنهكي .....». لو صح يفيد أن المرأة لها ثلاثة أحوال (٢). الحالة الأولى: أن لا تختتن، وبهاء الوجه والحظوة عند الزوج حاصلة لها مع وفور الشهوة، فإن قوله ﷺ : «فإنه أحظى عند الزوج وأبهى للوجه» راجع إلى قوله: «ولا تنهكي» لا إلى قوله: «أشمي». الحالة الثانية: أن تختتن من غير مبالغة، وهذا تعتدل شهوتها، والحظوة عند الزوج، وبهاء الوجه حاصل لبقاء شيء من موضع الختان، وهذه الحال الفضلي. الحالة الثالثة: أن تختتن فتبالغ جدًا ولا تبقي شيئًا فهذه تذهب شهوتها أو تكاد، فتذهب حظوتها عند زوجها.

стр. 163

وخلاصة الكلام أن ختان المرأة لم يصح بالأمر به شيء عن رسول الله ﷺ ، وهو دائر بين الإباحة والاستحباب (١) - فإن مجموع ما ذكر يفيد هذا إن شاء الله - أما الوجوب فلا والله. فواعجبًا للشافعية كيف يقولون به (٢). والله أسأل صلاح قلوبنا وأعمالنا، كما أسأله أن يجنبنا الفرقة والاختلاف وأن يرزقنا الاجتماع والائتلاف على الحق الذي يرضاه والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. غرة صفر /١٤١٦هـ

стр. 164

نَفْحُ العَبِيْر تَأليف أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانع العتيبي قرئَ مِنْهُ على سماحة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز ﵀ مفتي عَام المملكة الْعَرَبيَّة السعودية سَابِقًا «الْجُزْء الثَّالِث» دَارُ الوَطَن للنَّشر

стр. 165

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أنقذنا الله به من حنادس الظلمات، وجعله سراجًا منيرًا، وأنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورًا وأشرقت الأرض بنورها أكمل الإشراق، وفاض ذلك النور حتى عمّ النواحي والآفاق واتسق قمر الهدى أتم الاتساق، وقام دين الله الحنيف على ساق. أما بعد: فإن من شرط دين الحنفاء الموحدين التجافي عن ملة أهل الشرك والملحدين وبذا وصف الله خليله في كتابه المحكم المبين: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، فمجانبة طريقهم وبغضهم وحربهم سبيل أنبياء الله ورسله، هو أصل الدين ورأسه وأصل الإيمان وأساسه، ولذا كان أعظم ما نهينا عن اتباع طرائقهم والسير على مناهجهم أهل الكتاب، ولذا كان أهل الإسلام في كل صلاة يتبرأون من طريقتهم كما في كلام ربنا في فاتحة الكتاب، فهم يقولون: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧]. فالأولى - الأمة الغضبيّة: هم «اليهود»، أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل، قتلة الأنبياء وأكلة السحت وهو الربا والرشا أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة عادتهم البغضاء، ودينهم العداوة والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، لا يرون لمن خالفهم

стр. 166

في كفرهم وتكذيبهم من الأنبياء حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفعة، ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة، بل أخبثهم وأعقلهم، وأحذقهم أغشهم، وسليم الناصية- وحاشاه أن يوجد بينهم - ليس بيهودي على الحقيقة أضيق الخلق صدورًا، وأظلمهم بيوتًا، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجية، تحيتهم لعنة ولقاؤهم طيرة، شعارهم الغضب ودثارهم المقت. والصنف الثاني المثلثة: أمة الضلال وعُبَّاد الصليب، الذين سبوا الله الخالق مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يجعلوه أكبر من كل شيء، بل قال فيه ما: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]، فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها إن الله ثالث ثلاثة، وأن مريم صاحبته وأن المسيح ابنه، وإنه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة، وجرى له ما جرى إلى أن قتل ومات ودفن، فدينها عبادة الصلبان، ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان، يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا. فدينهم شرب الخمور وأكل الخنزير، وترك الختان، والتعبد بالنجاسات، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة، والحلال ما حلله القس والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، وهو الذي يغفر لهم الذنوب، وينجيهم من عذاب السعير (١).

стр. 167

فهاتان الأمتان الملعونتان، قد طغوا وبغوا وعتوا وتجبروا فكم لهم على أمة الإسلام من أيام عصيبة، ودواهي ومصيبة، لم تكن دولة للإسلام قط؛ إلا كادوها، وما قامت للمسلمين قائمة إلا ناجزوها وآذوها فكان حقًا على كل مسلم الاستعداد لمناجزة العدو الكافر الفاجر بالحجة والبيان والسبف والسنان فقد أعلنوها حربًا صليبية لا هوادة فيها ولا مثنوية أفبعد هذا يحسن اللهو واللعب، وترك الإعداد والجهاد، ما لكم يا قوم أين تذهب عقولكم، نعوذ بالله من الغفلة والتغافل. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، والآيات في ذلك كثيرة. اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم اكفناهم بما شئت، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويؤذون أهل دينك. وصلى الله وسلم على خير من جاهد لله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وكتبه أبو محمد عبد الله بن مانع العتيبي هاتف وفاكس: ٢٣٠٠٢٤٤

стр. 168

بحث في خطبة العيد، هل هي واحدة أو اثنتان ؟ ١ - قال الشافعي في «الأم»: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله عن إبراهيم بن عبد الله عن عبد الله بن عبيد الله بن عتبة قال: السنة أن يخطب الإمام في العيدين؛ يفصل بينهما بجلوس. وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي؛ وفيه علتان شيخ الشافعي هو الأسلمي متروك، وكذلك هو مرسل فإن عبيد الله بن عبد الله تابعي. ٢ - ولهذا الأثر متابع؛ فقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري عن عبيد الله، ولفظه: يكبر الإمام يوم الفطر قبل أن يخطب تسعًا حين يريد القيام، وسبعًا في (١) عالجته على أن يفسر لي أحسن من هذا فلم يستطع، فظننت أن قوله: حين يريد القيام في الخطبة الآخرة. ٣ - ورواه البيهقي (٢) من طريق الدراوردي، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القارى أن إبراهيم بن عبد الله حدثه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أنه قال: من السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات، وسبعًا حين يقوم ثم يدعو ويكبر بعدُ ما بدا له. قال البيهقي: ورواه غيره عن إبراهيم عن عبيد الله تسعًا تترى إذا قام في الأولى، وسبعًا تترى إذا قام في الخطبة الثانية. ثم أسنده البيهقي عن الشافعي عن الأسلمي كما تقدم. ٤ - ورواه عبد الرزاق (٣) عن ابن أبي يحيى (وهو الأسلمي)، عن عبد الرحمن بن

стр. 169

محمد عن عبيد الله به ولم يذكر إبراهيم بن عبد الله. ٥ - ورواه أيضًا عن ابن جريج عن إبراهيم عن عبيد الله نحوه، وعبد الرحمن بن محمد بن عبد الله هذا قال عنه في «التعجيل»: مجهول؛ ظنه الحافظ الذي ذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وأنه عبد الرحمن بن أبي عتيق ... إلخ، والصواب: أنه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري ترجم له البخاري في «التاريخ» (٢)، وذكر أنه روى عن إبراهيم بن عبد الله، ونقل في «الجرح والتعديل» (٣) توثيقه عن ابن معين ونسب أباه إلى جده قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين قال: عبد الرحمن بن محمد عبدٍ القاري ثقة. اهـ. والذي يظهر لي أيضًا أن شيخه في «الإسناد» هو أخوه ينسب إلى جده، فهو إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري قال في «الجرح» (٤): روى عنه أخوه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري، وذكره البخاري في «تاريخه» (٥)، والظاهر أنه مجهول. هذا ما تبين لي في هذا الإسناد المشكل. وبكل حال كل طرق هذا الأثر المرسل معلولة فالأول تقدم الكلام عليه، والثاني به محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري وهو لين، وفي سماعه من عبيد الله نظر، والثالث به إبراهيم وهو مجهول، والرابع به الأسلمي وحاله معروفة، والخامس به إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري، وابن جريج لم يذكر سماعًا.

стр. 170

حديث آخر قال ابن ماجه (١): حدثنا يحيى بن حكيم ثنا أبو بحر بثنا عبيد الله ابن عمرو الرقي ثنا إسماعيل بن مسلم الخولاني ثنا أبو الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى، فخطب قائمًا ثم قعد قعدةً ثم قام. وهذا الحديث ومع عدم صراحته فإسماعيل بن مسلم هو المكي ضعيف، وكذلك أبو بحر وهو عبد الرحمن ابن عثمان بن أمية الثقفي. وقد روى هذا الحديث ابن خزيمة (٣/ ١٤٣)، والبيهقي (٣/ ١٩٨) من طريق الباقر محمد بن علي بن الحسين عن جابر، ولفظه: (كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما ويخطب وهو قائم). ورواه عبد الرزاق [٥٢٥٤] من طريق أبي الزبير عن جابر بسياق مختلف يدل على أن الخطبة كانت في المسجد فذكر العيدين ليس بمحفوظ في حديث جابر هذا. حديث آخر: قال البزار في «البحر الزخار» (٣/ ٣٢١): حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز، قال: وجدت في كتاب أبي حدثنا مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أن النبي ﷺ صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين قائمًا فيفصل بينهما بجلسة. وهذا سند واهٍ عبد الله بن شبيب ضعيف جدًا. وقال الهيثمي (٢/ ٢٠٣): الحديث رواه البزار وجادة وفي إسناده من لم أعرفه. حديث آخر: روى البيهقي (٣/ ٢٩٩) من طريق هشام بن عمار حدثنا حاتم يعني ابن إسماعيل ثنا محمد بن عجلان عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقعد يوم الجمعة والفطر والأضحى على المنبر فإذا

стр. 171

سكت المؤذن يوم الجمعة قام فخطب ثم جلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل فيصلي. فجمع إن كان محفوظًا بين الجمعة العيدين في القعدة ثم رجع بالخبر إلى حكاية الجمعة. اهـ كلام البيهقي. وهذا إسناد ضعيف؛ حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ضعفه أحمد وأبو حاتم وقال النسائي: متروك، وقال أحمد له أشياء منكرة، وقال العقيلي: له غير حديث لا يتابع عليه، والحديث راجع إلى الجمعة لا العيدين كما قال البيهقي. حديث آخر: قال ابن خزيمة: باب عدد الخطب في العيدين والفصل بين الخطبتين بجلوس. حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ثنا بشر بن المفضل ثنا عبيد الله عن نافع عن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يخطب وهو قائم، وكان يفصل بينهما بجلوس، وأخرجه النسائي (١) من طريق بشر بن المفضل تحت باب (الفصل بين الخطبتين بالجلوس)؛ لكن في أبواب الجمعة وفي خطبتها، وأخرجه البخاري تحت باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة من طريق بشر، وكذا أخرجه مسلم في أحاديث الجمعة؛ فالحديث في خطبتي الجمعة لا العيدين. وابن خزيمة يريد أن يبين أن العيد له خطبتان. فصل قال أبو محمد في «المغني» (٣/ ٢٧٦): بعد قول صاحب المتن ما نصه: (مسألة: فإذا سلم خطب بهم خطبتين يجلس بينهما فإن كان فطرًا حضهم على الصدقة، وبيَّن

стр. 172

لهم ما يخرجون، وإن كان أضحى يرغبهم في الأضحية، ويُبيِّن لهم ما يُضحي به) وجملته: أن خطبتي العيدين بعد الصلاة لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين: ثم قال: فصل: الخطبتان سنة؛ لا يجب حضورهما ولا استماعهما ... إلخ. وقال في «المجموع» (٥/ ٢٨) للنووي: (أما الأحكام) فيُسن بعد صلاة العيد خطبتان على منبر ... إلخ. وقال الزركشي (٢/ ٢٢٧): والسنة أن يخطب خطبتين؛ يجلس بينهما. وقال النووي في الخلاصة على المسألة (٢/ ٨٣٨): ولك يثبت في تكرير الخطبة شيء والمعتمد فيه القياس على الجمعة. وقال في «تحفة المحتاج» (٣/ ٤٥): ويسن خطبتان قياسًا على تكرارهما في الجمعة. وقال الخرشي في شرحه (٢/ ١٠٤): وندب خطبتان كالجمعة. وقال ابن القيم في «الهدي» (١/ ٤٤٧): وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعد القَرَظ مؤذن النبي ﷺ أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيد ... إلخ والنقول عن كتب الفقه كثيرة. قلت: وقال شيخنا ابن باز ﵀ في تعليقه على «سنن ابن ماجه» سنة ١٤٠٩هـ في شهر جمادى الأولى، ما نصه: (العلماء ألحقوا العيد بالجمعة في الخطبتين فلا ينبغي العدول عن هذا) اهـ. بحروفه.

стр. 173

وقال شيخنا أيضًا في «شرح المنتقى» سنة ١٤١٢هـ، وذلك يوم الاثنين في التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة ما نصه: خطبة العيد خطبتان وأثر عبيد الله مرسل فهو ضعيف لكن يتأيد عند الجمهور بأنه مثل الجمعة فألحقوها بها، وتتابع العلماء على ذلك. اه بحروفه. قلت: فحاصل الأدلة: الأثر المرسل والمرفوع الضعيف والقياس على الجمعة، وأيضًا القائل به جمهور الأمة إن لم يكن إجماعًا، بل حتى ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٥/ ٨٢): قال: (فإذا سلم الإمام قام فخطب الناس خطبتين يجلس بينهما جلسة ...) إلخ. ونقل ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٨٧) عن مالك ما يدل على الخطبتين. فهذا من العمل المتوارث بين المسلمين، ينقله العلماء الأوائل مقرين له ويذكرونه في التراجم وفي كتب الفقه على اختلاف العصور، والبلدان، والمذاهب. قال ابن رجب في «فتح الباري» ما نصه: (وهذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليه لم ينقل إلينا فيه نص صريح عن النبي ﷺ بل يكتفى بالعمل به قاله ﵀ في التكبير المقيد عقيب الصلوات. هذا ما تيسر إيراده وفيه الكفاية لكل ذي لب، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 174

مسألة شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أما بعد: فإن هذه المسألة (مسألة شد الرحل وإنشاء السفر)؛ لقصد قبر النبي ﷺ وذلك لغرض ما يسمى بالزيارة. هي مسألة كثر الجدل فيها بين المتأخرين خاصة، ولم تكن هذه المسألة عند المتقدمين كحجمها عند المتأخرين؛ لأن السلف ﵏ من الصحابة والتابعين وأهل القرون الثلاثة المفضلة كانوا من أشد الناس اتباعًا وأحرصهم على الخير وهم أعظم الأمة تعظيمًا للتوحيد وخوفًا من الشرك وحذرًا من الوقوع في وسائله والذرائع إليه، ولما كان كل خلاف يرد إلى الله والرسول امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، ولقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، فالواجب الرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ وهذه المسألة التي نحن بصددها قد جاءت فيها نصوص خاصة ثابتة عن النبي ﷺ وانضم إلى هذا فهم الصحابة ﵃ مع الإجماع على عدم شرعية ذلك واستحبابه فرأيت أن أكتب في هذه المسألة بحثًا أستخلصه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما ذكره أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في كتابه «الصارم المُنكي في الرد على السبكي،» وهو كتاب مطبوع متداول، فلخصت كلام شيخ الإسلام ﵀،

стр. 175

وقربته وجعلته موجزًا وافيًا إن شاء الله وقسمته إلى أقسام: أولاً: الأدلة على المنع. ثانيًا: تفسير الأدلة ومعناها. ثالثًا: الأقوال في شد الرحل. رابعًا: فهم الصحابة المنع من ذلك. خامسًا: مخالفة فاعل ذلك للإجماع. سادسًا: أنه لا يلزم الوفاء بالنذر لو نذر السفر لمجرد القبر. سابعًا: ضعف الأحاديث الواردة في مشروعية شد الرحل والزيارة. ثامنًا: مراد من أطلق الزيارة من الأئمة. تاسعًا: أقسام الناس في الزيارة. سالكًا في ذلك الاختصار، وجميع الألفاظ الموجودة في البحث للشيخ ﵀. أولاً: الأدلة على المنع: فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة سدد خطاكمعن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»، هكذا رواه الشيخان بلفظ الخبر، وقد رواه مسلم بلفظ النهي وهو معنى الخبر السابق فروى عن أبي سعيد الخدري سدد خطاكم عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده بصيغة الحصر: «إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد إبراهيم، ومسجد محمد، ومسجد بيت المقدس».

стр. 176

ثانيًا: تفسير الأحاديث ومعناه: اعلم أن الخبر معناه النهي، فقوله: «لا تشد الرحال»، معناه: لا تشدوا الرحال، وهذا نهي يفيد حرمة شد الرحل لغير المساجد الثلاثة، وقال بعضهم: ليس بنهي وإنما معناه أنه لا يشرع وليس بواجب ولا مستحب، بل مباح كالسفر في التجارة وغيرها. ورده شيخ الإسلام بقوله؛ تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة، بل يقصد بها مصلحة دنيوية مباحة والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا أحصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب، كان فعله على وجه التعبد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر فإذا تبين له السنة لم يجز له مخالفة النبي ﷺ ولا التعبد بما نهى عنه. قلت: فعلم أن الحديث أراد الأسفار المنشئة للتعبد لا الأسفار المباحة للمصالح الدنيوية وبهذا يرتفع الإشكال الذي عرض لمن سوغ سفر الزيارة. والله المستعان. ثالثًا: أقوال أهل العلم في مسالة شد الرحال للقبر النبوي: اعلم أن الأقوال في شد الرحل وأعمال المطي إلى مجرد زيارة القبر، إنما هي قولان: أحدهما: القول بالإباحة كما يقول بعض أصحاب الشافعي وأحمد.

стр. 177

والثاني: أنه منهي عنه كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد. وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول ﷺ فصلى في مسجده وصلى في مسجد قباء وزار القبور كما مضت به سنة النبي ﷺ ، فهذا هو الذي عمل العمل الصالح، ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في المسجد وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجد النبي ﷺ ولا سلم عليه في الصلاة، بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع مخالف لسنة النبي ﷺ ، والإجماع والصحابة ولعلماء أمته، وهو الذي فيه القولان: أحدهما أنه محرم، والثاني أنه لا شيء عليه ولا أجر له، والذي يفعله علماء المسلمين هو الزيارة الشرعية يصلون في مسجده ﷺ ويسلمون عليه في الدخول للمسجد وفي الصلاة، وهذا مشروع باتفاق المسلمين - إلى أن قال - مع أنه فيه نزاعًا إذ من العلماء من لا يستحب زيارة القبور مطلقًا ومنهم من يكرهها مطلقًا كما نقل ذلك عن إبراهيم النخعي والشعبي ومحمد بن سيرين، وهؤلاء من أجلة التابعين ونقل ذلك عن مالك، وعنه أنها مباحة ليست مستحبة، وأما إذا قدر من أتى المسجد فلم يصل فيه ولكن أتى القبر ثم رجع فهذا هو الذي أنكره الأئمة كمالك وغيره وليس هذا مستحبًا عند أحد من العلماء، وهو محل النزاع، هل هو حرام أو مباح، وما علمنا أحدًا من العلماء استحب مثل هذا والله أعلم. وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: وأما التصريح باستحباب السفر لزيارة قبره دون مسجده فهذا لم أره عن أحد من أئمة المسلمين، ولا رأيت أحدًا من علمائهم صرح به، وإنما غاية الذي يدعي ذلك أنه يأخذه من لفظ مجمل قاله بعض المتأخرين، مع أن صاحب ذلك اللفظ قد يكون صرح بأنه لا يسافر إلا إلى ثلاثة مساجد أو أن السفر إلى غيرها منهي عنه، فإذا جمع كلامه علم أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرد القبر بل للمسجد، ولكن قد يقال: إن كلام بعضهم

стр. 178

ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة، فيقال: هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره ما يفهم من زيارة سائر القبور، وأطلق هذا كان ذلك متضمنًا لاستحباب السفر لمجرد القبر، فإن الحُجاج وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره إلا بالسفر إليه، لكن قد علم أن الزيارة المعهودة من القبور ممتنعة في قبره فليست من العمل المقدور ولا المأمور فامتنع أن يكون أحد من العلماء يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ﵃ ومن اتبعهم لم يسموا هذا زيارة لقبره، وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له وثناء عليه في مسجده سواء أكان القبر هناك أم لم يكن. رابعًا: فهم الصحابة للمنع من شد الرحل للزيارة: قال شيخ الإسلام: إن أبا هريرة لما سافر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇، فقال له بصرة بن أبي بصرة الغفاري: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس». وقال الشيخ في مكان آخر: فالطوائف متفقة على أنه ليس مستحبًا، وما علمت أحدًا من أئمة المسلمين قال إن السفر إليها مستحب، وإن كان قاله بعض الأتباع فهو ممكن، وأما الأئمة المجتهدون فما منهم من قال هذا وإذا قيل هذا كان قولًا ثالثًا في المسألة وحينئذٍ يبين لصاحبه أن هذا القول خطأ مخالف للسنة ولإجماع الصحابة، فإن الصحابة في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبعدهم إلى انقراض عصرهم لم يسافر أحد منهم إلى قبر نبي ولا رجل صالح وقبل الخليل ﵇ بالشام لم يسافر إليه أحد من الصحابة، كانوا يأتون بيت

стр. 179

المقدس ويصلون فيه ولا يذهبون إلى قبر الخليل .. إلى أن قال: ولم يكن أحد من الصحابة يسافر إلى المدينة لأجل قبر النبي ﷺ بل كانوا يأتون فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة ويسلم من يسلم عند دخول المسجد والخروج منه وهو مدفون في حجرة عائشة فلا يدخلون الحجرة ولا يقفون خارجًا عنها في المسجد عند السور، وكان يقدم في خلافة أبي بكر وعمر أمداد اليمن الذين فتحوا الشام والعراق وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ويصلون في مسجده كما ذكرنا، ولم يكن أحد يذهب إلى القبر ولا يدخل الحجرة ولا يقوم خارجها في المسجد بل السلام عليه خارج الحجرة. وقال في موضع آخر: ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره ﷺ لا ترغيبًا في ذلك ولا غير ترغيب فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم. وقال أيضًا: ومن ظن أن زيارة المسجد إنما شرعت لأجل القبر فقد أخطأ ولم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين. وقال ﵀: فأما السفر لأجل القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة، وكان عمر ومن معه من المهاجرين والأنصار يقدمون إلى بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل ﵇، وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وسائر الشام لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر إلى قبر الخليل ﵇ ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وما كان قربة للغرباء فهو قربة لأهل المدينة كإتيان قبور الشهداء وأهل البقيع وما لم يكن قربة لأهل المدينة لم يكن قربة لغيرهم كاتخاذ بيته عيدًا واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا وكالصلاة

стр. 180

إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق البطن بها والطواف وغير ذلك مما يفعله جُهال القادمين، فإن هذا بإجماع المسلمين ينهى عنه الغرباء كما ينهى عنه أهل المدينة ينهون عنه صادرين وواردين باتفاق المسلمين وبالجملة فجنس الصلاة عليه والثناء عليه ﷺ ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر للواردين والصادرين هو مشروع في مسجده وسائر المساجد، وأما إذا ما كان سؤالًا له فهذا لم يستحبه أحد من السلف لا الأئمة ولا غيرهم. وقال الشيخ أيضًا: وسائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرهم من الشام مثل معاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وغيرهم، لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام لا قبر الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وكذلك الصحابة الذين كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. وقال ﵀: ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة أو اعتكاف أو تعليم أو تعلم أو ذكر الله ودعاء له ونحو ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك ولا يقفون خارج الحجرة كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضًا لزيارة قبره، فلم يكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضًا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا السلام والصلاة عليه وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في «المبسوط»، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي وغيرهما.
следующие страницы →